رودريك
اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: “مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً. ”
قبل أن يكمل جلجامش التفكير، سمع أصوات رجال يلاحقونها. ركضت الفتاة مسرعة، فيما بقي هو واقفًا في مكانه، متجمدًا. اقترب الحراس منه وسألوه: “يا فتى! هل رأيت فتاة مرت من هنا؟”
في هذه الأثناء، لم ينتظر جلجامش أحداً؛ بل تقدم بخطوات واثقة وجسد صلب مخترقاً بوابة المدينة، متجاهلاً أحاديث ، وكأن وجهته محددة في عقله ولا تقبل التأجيل. نظرت جاسمين إلى لوس بفضولها المعتاد، وسألت: “كيف تعرف عن هذه المدينة يا لوس؟“
انحنى الحارس سريعًا وقال: “حاضر، أيها الجنرال. ”
ابتسم لوس ، ورد وهو يسير بجانبها : “ ألم تعرفيني بعد يا جاسمين؟ أنني أحب الاطلاع على كل شيء، وقد زرتها منذ زمن طويل قبل أن تولدي بمدة. ”
يتبسم جلجامش ويقول: “شكرًا لك يا لورن. ”
لتعجب جاسمين وبفضول تسأل: “مِن أين أنت يا لوس؟“
“جلجامش و هوا يتفحص وجهها بعينيه: “ وأين والدك الآن؟”
أغمض لوس عينيه وكأنه يستحضر صورة : “من مكان بعيد جدًا.” ثم أغمض عينيه وقال: ” لن نستطيع الذهاب إليه الآن. ”
يتوقف السيد لورن في مقدمة الميناء ويجلس. يلعب الموج بهدوء تحت قدميه ويقول: “لا أدري إذا كان سوف يغضب مني أم لا، لكن يجب عليكم معرفة هذا على الأقل بما أنكم متوجهون الى عالم الجان وربما لن تعودوا.”
قطبت جاسمين حاجبيها وسألت : ” لِمَ لا؟”
التفت نحو إيليا، التي ما زالت تمسك الجرعة في يدها. قال وهو يلهث: “هل… هل سأراك غدًا؟”
التفت لوس إليها، وهو يذكرها بالواقع: ” لأننا متوجهون لعالم الجان. هل نسيتِ؟ بعد عالم الجان سوف آخذكم إليه. ”
بينما كانوا يلحقون السيد لورن، قال إيرولد لجاسمين: “لا تتوقعي الكثير منه، يبدو أن قصته تتعلق بالحروب فقط.”
هنا تتحمس جاسمين وتقول: “هل تعدني يا لوس؟”
ثم يقول السيد لورن: “أخبرني يا فتى، لِمَ أنت مُتوجه لعالم الجان؟”
تبسم لوس بصدق، ووضع يده على رأسها بحنان: “بالطبع أعدك. ”
رفع جلجامش يده على غير عادته، فعمّ الصمت في القاعة. أمال الملك رأسه قليلًا علامة السماح له بالكلام.
نظروا إلى جلجامش وهو يحدث أحد العامة. لتجري جاسمين نحو جلجامش وتقول: “إلى أين؟“
قطبت جاسمين حاجبيها وسألت : ” لِمَ لا؟”
ليرد: “إلى الميناء. ”
قفز جلجامش من فوق الصندوق وقال: “لماذا تسرقين الجرعات؟”
يتجه جلجامش إلى الميناء ويتبعه من معه. وجد جلجامش رجلاً عجوزًا يعمل هناك. وقف جلجامش أمام العجوز، وارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة لم يعهدها الرفاق، وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بالمودة : “ ألم تمت بعد أيها العجوز؟“
ليرد لورن: “لا. وجدتُ نفسي بعد مدة في صنع القوارب، ولهذا تخلَّيت عن كوني حارسًا.”
ليتعجب الرجل العجوز ووجهه مشمئاز. يتفاجأ أرجوس ويقول: “هل جلجامش سوف يقتل الرجل العجوز؟”
صرخ الآخر وضرب زميله: “يا غبي! إنه الأمير! ”
لكن الرد جاء صاعقاً للجميع؛ انطلقت ضحكة قوية ومبحوحة من صدر العجوز، وصرخ بصوت يملؤه الوجد: “جامش! أيها الشقي!” وبحركة سريعة لا تتناسب مع عمره، اندفع العجوز ليعانق جلجامش بقوة. تجمّد الرفاق في أماكنهم.
قهقه “لورن” وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: “أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . ”
ربت جلجامش على كتف العجوز وقال بهدوء: “مر وقت طويل يا لورن.. ”
أما جاسمين، فتجمع الأطفال حولها. ليقولوا: “هل حقًا ترتحلين معهم؟”
قهقه “لورن” وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: “أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . ”
انعكس نور الشمس من خلفها على ملامحها البريئة، فتوقف الزمن لوهلة بالنسبة لجلجامش. أحس وكأن الأمل الذي افتقده في جحيم القصر قد وُلد من جديد.
تبسم جلجامش، وبدت ملامحه أكثر ليونة: ” تبًا لك يا رجل، لقد كنت جنديًا، لم تكن ضعيفًا، لذا لن تموت بسهولة. ”
ابتسم لوس ، ورد وهو يسير بجانبها : “ ألم تعرفيني بعد يا جاسمين؟ أنني أحب الاطلاع على كل شيء، وقد زرتها منذ زمن طويل قبل أن تولدي بمدة. ”
هز لورن رأسه بانتشاء: “هذا الفتى الذي أعرفه لا يزال لسانك حاداً كالسيف.“
يصرخ لورن ويقول: “يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!”
ثم التفت لورن ليرى الرفاق الواقفين خلف جلجامش بصدمة، وتفحصهم بعين خبيرة: “ثلاثة فتيان.. وفتاة صغيرة.. وحصان؟ من هؤلاء يا جامش؟“
انزل جلجامش بصره إليها، فرأى فتاة بعمره تقريبًا، ذات شعر بني مجعد ووجه يضيء كالشمس. ذاة اعين مثل العنبر بقي مبهورًا من المشهد، فيما رفعت الفتاة رأسها ببطء، لتصرخ فجأة:”أيها الأحمق! ألا ترى أين تذهب؟!”
جلجامش بتردد: “إنهم برفقتي……، نحتاج سفينة يا لورن.”
رمقته بنظرة حادة وأجابت: “وما دخلك أنت؟!”
ليبدأ لورن يحك رأسه كما لو أن الأمر صعب. ليقول: “ جامش …… ”
رمقه هيرالد بنظرة متفحصة، تأمل ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي، ثم قال مبتسمًا: “بالطبع فعلت. هيا، أسرع للاستحمام، فالاجتماع سيبدأ قريبًا. لا تجعل الملك ينتظرك. ”
تقدم جلجامش خطوة، وخفّض نبرة صوته لتصبح هادئة ورزينة بشكلٍ أذهل رفاقه، ونظر مباشرة في عيني جنديه القديم قائلاً : “ أرجوك سيد لورن، لقد وجدت طريقي لعالم الجان. ”
لوس كان يتفسح في المدينة، وأما إيرولد فتوجه إلى السيد لورن الذي كان يعمل على صنع القارب. كان يضرب المسأمير بشكل احترافي. ليقول إيرولد: “لقد كنتَ حارسًا والآن تعمل في صنع القوارب. هل هذه هواية؟”
انتفض لورن كمن لدغته أفعى، واتسعت عيناه بصدمة، وصاح محتجاً: “توقف! لا تناديني بسيد! إنها تخرج من فمك بغرابة! …… لكن هل بحق أنت متوجه لعالم الجان يا جامش؟“
أجاب جلجامش بكلمة واحدة : “ نعم. ”
صرخ جلجامش وهو يركض في الزقاق: “تبا… الشمس تغيب! يجب أن أعود. ”
زفر لورن زفرة طويلة، وكأنه يلقي بحمل ثقيل عن كاهله، ثم أشار بيده نحو حوض بناء السفن القريب وقال: “حسنًا، هنالك سفينة سوف تنتهي بعد يومين. خذوها. ”
نظرت إلى الجرعة المسكوبة على الأرض بحزن: “كم من أسبوع ستكفيني الجرعة التي تناولتها؟”
يتبسم جلجامش ويقول: “شكرًا لك يا لورن. ”
اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: “مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً. ”
يصرخ لورن ويقول: “يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!”
رمقه هيرالد بنظرة متفحصة، تأمل ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي، ثم قال مبتسمًا: “بالطبع فعلت. هيا، أسرع للاستحمام، فالاجتماع سيبدأ قريبًا. لا تجعل الملك ينتظرك. ”
تجمع السكان في حلقات، والفضول يلمع في أعينهم. وبينما كانت الأنظار تتفحص الغرباء، شعر “أرجوس” بضغط الحشود يطبق على صدره. انكمش على نفسه وحاول إخفاء وجهه تحت غطائه، وهو يتمتم في سره بحنق : “هل يرونني غريبًا؟ تباً، كم أكره التجمعات! ”
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بصوت مكسور: “مات. ”
لم تحتمل “جاسمين” منظر أرجوس وهو يرتعد خجلاً، فاندفعت نحوه وهي تضرب الأرض بقدميها صائحة: “هذا الغبي! إنهم ليسوا خائفين منك أو شيء كهذا!”
لتقول جاسمين بسخرية: “ما هذه المقدمة السخيفة!”
في تلك اللحظة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها أحد، مدّ “لوس” يده وسحب غطاء الرأس عن أرجوس، كاشفاً وجهه بالكامل للشمس وللناس. صرخ أرجوس بذعر وهو يحاول استعادة غطائه: “لماذا فعلت هذا أيها اللعين؟”
ولأول مرة في حياته، لعب جلجامش بلا قيود. ركض، ضحك، وسقط في الماء. لم يهتم بالثياب التي تمزقت، ولم يهتم بجراح جسده، فقط استسلم للحظة الحرية.
لكن صرخته تلاشت حين اقتربت منه فتاة شابّة، ملامحها تشع حيوية، ونظرت مباشرة في عينيه قائلة بصدق: “إن عيناكِ جميلتان.”
“أيها اللعين! لقد جعلتني أسقطها… يا إلهي، من أين سأجلب غيرها؟!”
تجمد أرجوس في مكانه، واختفت الكلمات من حنجرته. تحول وجهه إلى حمرةٍ قانية، وبدأ يفرك يديه بتوتر مضحك وهو يتمتم بصعوبة: “ش.. شكراً.. لقد.. لقد ولدتُ بهما.. ”
اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: “مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً. ”
انفجرت الفتاة ضاحكة من رده العفوي، ومدت يدها قائلة: “اسمي روشا. ما اسمك؟”
رفع يده إلى رأسه مترددًا وقال: “لا أعلم… لكني أريد ذلك. ”
ابتلع أرجوس ريقه بتوتر:”اسمي أرجوس.”
ثم التفت إلى جلجامش وعيناه تتسعان: “سيدي الأمير…! من فعل بك هذا؟!”
تبسمت روشا برقة: ” تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟” وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.
توقف لوهلة، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتأملان المشهد بدهشة لم يعرفها من قبل. همس لنفسه: ” أهذا هو العالم…؟”
أما جاسمين، فتجمع الأطفال حولها. ليقولوا: “هل حقًا ترتحلين معهم؟”
لتصرخ جاسمين وتقول:”يجب أن أعرف طبعًا من يرافقنا، ليس من دافع الفضول!”
جاسمين بفخر: “طبعًا! أترونهم؟ جميعهم لا يستطيعون فعل أي شيء من دوني. ” ليصرخ الأطفال بحماس: “مذهل. ”
اشتد التوتر على وجه جلجامش، وقرر الهرب. ركض بسرعة لا يمكن لأحد أن يجاريه. تمتم الحارس بدهشة: “إذن… هذه نتائج تدريب الجنرال. ”
لوس كان يتفسح في المدينة، وأما إيرولد فتوجه إلى السيد لورن الذي كان يعمل على صنع القارب. كان يضرب المسأمير بشكل احترافي. ليقول إيرولد: “لقد كنتَ حارسًا والآن تعمل في صنع القوارب. هل هذه هواية؟”
انطلق جلجامش يجري بسرعة مذهلة، واختفى بين الأزقة، حتى وصل إلى أسوار القصر.
ليرد لورن: “لا. وجدتُ نفسي بعد مدة في صنع القوارب، ولهذا تخلَّيت عن كوني حارسًا.”
لكن فجأة، صرخ أحد الآباء: “ كيو! أين أنت؟”
ثم يقول السيد لورن: “أخبرني يا فتى، لِمَ أنت مُتوجه لعالم الجان؟”
نظروا إلى جلجامش وهو يحدث أحد العامة. لتجري جاسمين نحو جلجامش وتقول: “إلى أين؟“
ليرد إيرولد بصوت جاد: ” أسعى لفصل العوالم.”
ابتسم ماندول ابتسامة باردة وهو يهمس: “لنرى… كيف سيتصرف جلجامش عندما يختبر قلبه لأول مرة. ”
يترك السيد لورن مطرقته ويقول: “إذاً كيف تنوي فعل هذا؟”
كان الجنرال ماندول واقفًا في الأعلى يراقبه، عيناه تلمعان بخبث. تمتم بصوت خافت: “منذ ولادتك، وأنا أعلم أنك ستصبح الأقوى… لكنك تحتاج إلى محفّز، يا فتى. ”
يرفض إيرولد أن يجيب على لورن، لكن في أعماقه، هذه هي الخطة التي يجب أن يصل إليها: إن العالمين ليسا متداخلين بالصدفة، بل يتبادلان الطاقة عبر نقطة اتصال لفصلهما، يجب إعادة توزيع أو سحب الطاقة المشتركة ثم ختم تلك النقطة يتطلب هذا تضحية.
ليرد إيرولد بسخرية: “طبعًا، طبعًا.”
تأتي جاسمين إلى السيد لورن و إيرولد وتقول: “إذاً أنت صديق جلجامش منذ صغره، صحيح؟”
أما جاسمين، فتجمع الأطفال حولها. ليقولوا: “هل حقًا ترتحلين معهم؟”
ليجيب لورن: “لم أكن صديقًا له، بل حارس في القصر، لكن كنا نتحدث كثيرًا.”
ابتسم وقال بهدوء: “قد أستطيع مساعدتك. ”
لتسأل جاسمين: “إذاً أنت تعرفه بما يكفي، صحيح؟”
ضحك جلجامش: “فقط أخبريني. ”
ليجيب لورن: “طبعًا، قد يخفي بعض الأشياء، لكني أعرفه جيدًا.”
يصرخ لورن ويقول: “يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!”
لتتسلق جاسمين على ظهر إيرولد وتقول: “إذاً أخبرنا ما هي قصته.”
تبسمت روشا برقة: ” تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟” وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.
ليضجر إيرولد ويقول: “ألم تستسلمي يا جاسمين؟”
ليتبسم السيد لورن ويقول: “اتبعوني إلى مقدمة الميناء.”
لتصرخ جاسمين وتقول:”يجب أن أعرف طبعًا من يرافقنا، ليس من دافع الفضول!”
يتجه جلجامش إلى الميناء ويتبعه من معه. وجد جلجامش رجلاً عجوزًا يعمل هناك. وقف جلجامش أمام العجوز، وارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة لم يعهدها الرفاق، وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بالمودة : “ ألم تمت بعد أيها العجوز؟“
ليرد إيرولد بسخرية: “طبعًا، طبعًا.”
اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: “مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً. ”
ليتبسم السيد لورن ويقول: “اتبعوني إلى مقدمة الميناء.”
انفجرت الفتاة ضاحكة من رده العفوي، ومدت يدها قائلة: “اسمي روشا. ما اسمك؟”
بينما كانوا يلحقون السيد لورن، قال إيرولد لجاسمين: “لا تتوقعي الكثير منه، يبدو أن قصته تتعلق بالحروب فقط.”
اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: “مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً. ”
لتجيب جاسمين: “لا نستطيع أن نحكم الآن.”
هزت رأسها بأسى: “لا أعلم… هكذا قال لي والدي. ”
يتوقف السيد لورن في مقدمة الميناء ويجلس. يلعب الموج بهدوء تحت قدميه ويقول: “لا أدري إذا كان سوف يغضب مني أم لا، لكن يجب عليكم معرفة هذا على الأقل بما أنكم متوجهون الى عالم الجان وربما لن تعودوا.”
ليرد إيرولد بصوت جاد: ” أسعى لفصل العوالم.”
لتقول جاسمين بسخرية: “ما هذه المقدمة السخيفة!”
سألته بتعجب : “ما اسمك؟”
يبدأ السيد لورن بشرح لهم طفولة جلجامش الصعبة، بعدها ينتقل إلى أول مرة خرج فيها من القصر الملكي.
أما جاسمين، فتجمع الأطفال حولها. ليقولوا: “هل حقًا ترتحلين معهم؟”
ركض جلجامش خارج القصر لأول مرة منذ سنوات، والهواء الحر يصفع وجهه الصغير. كانت شوارع أوروك تضج بالحياة؛ الباعة ينادون على بضائعهم، الأطفال يركضون ضاحكين، والموسيقى تنبعث من بعيد.
ربت جلجامش على كتف العجوز وقال بهدوء: “مر وقت طويل يا لورن.. ”
توقف لوهلة، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتأملان المشهد بدهشة لم يعرفها من قبل. همس لنفسه: ” أهذا هو العالم…؟”
ركض جلجامش بأقصى سرعته حتى اصطدم بفتاة صغيرة، فسقطت على الأرض تمسك رأسها من شدة الألم. تمتمت وهي تئن: ” لقد اصطدمت بجدار… أوووش. ”
جلس قرب نافورة حجرية يراقب الأطفال وهم يتراشقون بالماء ويضحكون. أراد أن يشاركهم، أن يركض مثلهم بلا هموم، لكنه تردد. اقترب بخطوات خجولة، فتوقف الأطفال فجأة حين رأوا ثياب الأمير الفاخرة رفع جلجامش يديه مبتسمًا وقال: “هل يمكنني اللعب معكم؟”
ارتعبت، فسقطت الجرعة من يدها. التفتت لتجد جلجامش جالسًا فوق صندوق خشبي. صرخت غاضبة:
ساد الصمت لحظة، ثم ضحك أحدهم قائلاً: “حتى الفتى الغني يريد اللعب؟ هيا! ”
انطلق جلجامش يجري بسرعة مذهلة، واختفى بين الأزقة، حتى وصل إلى أسوار القصر.
ولأول مرة في حياته، لعب جلجامش بلا قيود. ركض، ضحك، وسقط في الماء. لم يهتم بالثياب التي تمزقت، ولم يهتم بجراح جسده، فقط استسلم للحظة الحرية.
انتفض لورن كمن لدغته أفعى، واتسعت عيناه بصدمة، وصاح محتجاً: “توقف! لا تناديني بسيد! إنها تخرج من فمك بغرابة! …… لكن هل بحق أنت متوجه لعالم الجان يا جامش؟“
لكن فجأة، صرخ أحد الآباء: “ كيو! أين أنت؟”
اقترب منها أكثر وسألها : “أي مرض هذا؟”
ثم التفت إلى جلجامش وعيناه تتسعان: “سيدي الأمير…! من فعل بك هذا؟!”
رفع يده إلى رأسه مترددًا وقال: “لا أعلم… لكني أريد ذلك. ”
انحنى الجميع أمامه، وارتبك جلجامش، لم يكن يريد أن يعرف أحد حقيقته. اقترب منه الرجل وقال بخوف:
كان الجنرال ماندول واقفًا في الأعلى يراقبه، عيناه تلمعان بخبث. تمتم بصوت خافت: “منذ ولادتك، وأنا أعلم أنك ستصبح الأقوى… لكنك تحتاج إلى محفّز، يا فتى. ”
“ لا تقلق، أنا من حراس القصر . سأعيدك إلى القصر. ”
ثم التفت إلى جلجامش وعيناه تتسعان: “سيدي الأمير…! من فعل بك هذا؟!”
اشتد التوتر على وجه جلجامش، وقرر الهرب. ركض بسرعة لا يمكن لأحد أن يجاريه. تمتم الحارس بدهشة: “إذن… هذه نتائج تدريب الجنرال. ”
يتوقف السيد لورن في مقدمة الميناء ويجلس. يلعب الموج بهدوء تحت قدميه ويقول: “لا أدري إذا كان سوف يغضب مني أم لا، لكن يجب عليكم معرفة هذا على الأقل بما أنكم متوجهون الى عالم الجان وربما لن تعودوا.”
ركض جلجامش بأقصى سرعته حتى اصطدم بفتاة صغيرة، فسقطت على الأرض تمسك رأسها من شدة الألم. تمتمت وهي تئن: ” لقد اصطدمت بجدار… أوووش. ”
انحنى الجميع أمامه، وارتبك جلجامش، لم يكن يريد أن يعرف أحد حقيقته. اقترب منه الرجل وقال بخوف:
انزل جلجامش بصره إليها، فرأى فتاة بعمره تقريبًا، ذات شعر بني مجعد ووجه يضيء كالشمس. ذاة اعين مثل العنبر بقي مبهورًا من المشهد، فيما رفعت الفتاة رأسها ببطء، لتصرخ فجأة:”أيها الأحمق! ألا ترى أين تذهب؟!”
ركض جلجامش خارج القصر لأول مرة منذ سنوات، والهواء الحر يصفع وجهه الصغير. كانت شوارع أوروك تضج بالحياة؛ الباعة ينادون على بضائعهم، الأطفال يركضون ضاحكين، والموسيقى تنبعث من بعيد.
قبل أن يكمل جلجامش التفكير، سمع أصوات رجال يلاحقونها. ركضت الفتاة مسرعة، فيما بقي هو واقفًا في مكانه، متجمدًا. اقترب الحراس منه وسألوه: “يا فتى! هل رأيت فتاة مرت من هنا؟”
اشتد التوتر على وجه جلجامش، وقرر الهرب. ركض بسرعة لا يمكن لأحد أن يجاريه. تمتم الحارس بدهشة: “إذن… هذه نتائج تدريب الجنرال. ”
صرخ الآخر وضرب زميله: “يا غبي! إنه الأمير! ”
رد أحدهم: “ لقد سرقت جرعات من أحد المتاجر. ”
ارتبك الحراس وانحنوا بسرعة: “ اعذرنا سيدي الأمير ، لم نتعرف عليك. ”
التفت نحو إيليا، التي ما زالت تمسك الجرعة في يدها. قال وهو يلهث: “هل… هل سأراك غدًا؟”
سألهم جلجامش ببرود: “ماذا فعلت تلك الفتاة؟”
ساد الصمت لحظة، ثم بدأ هيرالد بالتصفيق له، تبعه الوزراء واحدًا تلو الآخر. حتى أن الملك نفسه ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة نادرة، ثم قال بنبرة هادئة: “حسنًا… بعد تسع ايام من الآن ستتحركون. لكن لا تتوقع أن أخبرك أن ترتاح خلال هذا الأسبوع… ستكمل روتينك المعتاد. ”
رد أحدهم: “ لقد سرقت جرعات من أحد المتاجر. ”
ليرد: “إلى الميناء. ”
ابتسم جلجامش وقال: ” إذن… دعوها. سأدفع ثمن ما أخذت. ”
جلجامش بتردد: “إنهم برفقتي……، نحتاج سفينة يا لورن.”
اعترض أحد الحراس : “ لكن يا سيدي”
قالت بصوت قلق: “إلى أين؟ هل ستشي بي…؟“
قاطعه جلجامش بحدة: “ لا يوجد لكن. نفّذ ما أمرتك به.”
يتجه جلجامش إلى الميناء ويتبعه من معه. وجد جلجامش رجلاً عجوزًا يعمل هناك. وقف جلجامش أمام العجوز، وارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة لم يعهدها الرفاق، وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بالمودة : “ ألم تمت بعد أيها العجوز؟“
في زقاق ضيق معتم، كانت الفتاة تختبئ، تتنفس بصعوبة وهي تضحك: “هيهي… لقد أفلتّ منهم. ”
ثم يقول السيد لورن: “أخبرني يا فتى، لِمَ أنت مُتوجه لعالم الجان؟”
أخرجت الجرعات من جيبها، تتأملها: “جرعتان شفاء… وجرعة حقيقة. هذه تكفي… ولو قليلاً. لن أحتاج الثالثة، سأعيدها بخلسة. ”
ثم التفت إلى جلجامش وعيناه تتسعان: “سيدي الأمير…! من فعل بك هذا؟!”
شربت جرعة الشفاء الأولى، وحين رفعت الثانية إلى فمها، سمعت صوتًا ساخرًا خلفها: “إذن… أنتِ لصّة. ”
انفجرت الفتاة ضاحكة من رده العفوي، ومدت يدها قائلة: “اسمي روشا. ما اسمك؟”
ارتعبت، فسقطت الجرعة من يدها. التفتت لتجد جلجامش جالسًا فوق صندوق خشبي. صرخت غاضبة:
ثم التفت لورن ليرى الرفاق الواقفين خلف جلجامش بصدمة، وتفحصهم بعين خبيرة: “ثلاثة فتيان.. وفتاة صغيرة.. وحصان؟ من هؤلاء يا جامش؟“
“أيها اللعين! لقد جعلتني أسقطها… يا إلهي، من أين سأجلب غيرها؟!”
ليتعجب الرجل العجوز ووجهه مشمئاز. يتفاجأ أرجوس ويقول: “هل جلجامش سوف يقتل الرجل العجوز؟”
قفز جلجامش من فوق الصندوق وقال: “لماذا تسرقين الجرعات؟”
يرفض إيرولد أن يجيب على لورن، لكن في أعماقه، هذه هي الخطة التي يجب أن يصل إليها: إن العالمين ليسا متداخلين بالصدفة، بل يتبادلان الطاقة عبر نقطة اتصال لفصلهما، يجب إعادة توزيع أو سحب الطاقة المشتركة ثم ختم تلك النقطة يتطلب هذا تضحية.
رمقته بنظرة حادة وأجابت: “وما دخلك أنت؟!”
تبسم لوس بصدق، ووضع يده على رأسها بحنان: “بالطبع أعدك. ”
ابتسم وقال بهدوء: “قد أستطيع مساعدتك. ”
ليضجر إيرولد ويقول: “ألم تستسلمي يا جاسمين؟”
نظرت إليه باستغراب، عيناها تنتقلان بين ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي: “ساعد نفسك أولاً… تبدو كمتشرد. ”
لكن صرخته تلاشت حين اقتربت منه فتاة شابّة، ملامحها تشع حيوية، ونظرت مباشرة في عينيه قائلة بصدق: “إن عيناكِ جميلتان.”
ضحك جلجامش: “فقط أخبريني. ”
جلس قرب نافورة حجرية يراقب الأطفال وهم يتراشقون بالماء ويضحكون. أراد أن يشاركهم، أن يركض مثلهم بلا هموم، لكنه تردد. اقترب بخطوات خجولة، فتوقف الأطفال فجأة حين رأوا ثياب الأمير الفاخرة رفع جلجامش يديه مبتسمًا وقال: “هل يمكنني اللعب معكم؟”
تنهدت ثم قالة : ” أنا مريضة. أحتاج لجرعتين كل شهر حتى تستقر حالتي. ”
ركض جلجامش خارج القصر لأول مرة منذ سنوات، والهواء الحر يصفع وجهه الصغير. كانت شوارع أوروك تضج بالحياة؛ الباعة ينادون على بضائعهم، الأطفال يركضون ضاحكين، والموسيقى تنبعث من بعيد.
اقترب منها أكثر وسألها : “أي مرض هذا؟”
ولأول مرة في حياته، لعب جلجامش بلا قيود. ركض، ضحك، وسقط في الماء. لم يهتم بالثياب التي تمزقت، ولم يهتم بجراح جسده، فقط استسلم للحظة الحرية.
هزت رأسها بأسى: “لا أعلم… هكذا قال لي والدي. ”
نظرت إلى الجرعة المسكوبة على الأرض بحزن: “كم من أسبوع ستكفيني الجرعة التي تناولتها؟”
“جلجامش و هوا يتفحص وجهها بعينيه: “ وأين والدك الآن؟”
قهقه “لورن” وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: “أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . ”
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بصوت مكسور: “مات. ”
قهقه “لورن” وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: “أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . ”
صمت جلجامش قليلًا، ثم قال بحزم: “ابقِ هنا. سأعود. ”
لوس كان يتفسح في المدينة، وأما إيرولد فتوجه إلى السيد لورن الذي كان يعمل على صنع القارب. كان يضرب المسأمير بشكل احترافي. ليقول إيرولد: “لقد كنتَ حارسًا والآن تعمل في صنع القوارب. هل هذه هواية؟”
قالت بصوت قلق: “إلى أين؟ هل ستشي بي…؟“
ثم يقول السيد لورن: “أخبرني يا فتى، لِمَ أنت مُتوجه لعالم الجان؟”
لكن قبل أن تكمل، اختفى من أمامها. بحثت عنه بعينيها، ثم تنهدت وهي تتمتم: “أين ذهب هذا الشقي…؟”
قهقه “لورن” وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: “أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . ”
نظرت إلى الجرعة المسكوبة على الأرض بحزن: “كم من أسبوع ستكفيني الجرعة التي تناولتها؟”
ابتلع أرجوس ريقه بتوتر:”اسمي أرجوس.”
وفجأة سمعت صوته من خلفها: “أنا هنا. ”
في تلك اللحظة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها أحد، مدّ “لوس” يده وسحب غطاء الرأس عن أرجوس، كاشفاً وجهه بالكامل للشمس وللناس. صرخ أرجوس بذعر وهو يحاول استعادة غطائه: “لماذا فعلت هذا أيها اللعين؟”
قفز قلبها من مكانه وهي تصرخ: “توقف عن فعل هذا! ”
تبسمت روشا برقة: ” تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟” وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.
ضحك وهو يمد يده لها بجرعة جديدة: “تفضلي… اشربيها. ”
لكن الرد جاء صاعقاً للجميع؛ انطلقت ضحكة قوية ومبحوحة من صدر العجوز، وصرخ بصوت يملؤه الوجد: “جامش! أيها الشقي!” وبحركة سريعة لا تتناسب مع عمره، اندفع العجوز ليعانق جلجامش بقوة. تجمّد الرفاق في أماكنهم.
تراجعت متفاجئة: “لماذا تساعدني؟”
تبسمت روشا برقة: ” تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟” وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.
رفع يده إلى رأسه مترددًا وقال: “لا أعلم… لكني أريد ذلك. ”
ليضجر إيرولد ويقول: “ألم تستسلمي يا جاسمين؟”
سألته بتعجب : “ما اسمك؟”
يصرخ لورن ويقول: “يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!”
ارتبك لحظة ثم أجاب: “اسمي… جامش. ”
ليرد لورن: “لا. وجدتُ نفسي بعد مدة في صنع القوارب، ولهذا تخلَّيت عن كوني حارسًا.”
ابتسمت بخفة: “جامش؟ هاه… اسم لطيف. اسمي إيليا. ”
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بصوت مكسور: “مات. ”
انعكس نور الشمس من خلفها على ملامحها البريئة، فتوقف الزمن لوهلة بالنسبة لجلجامش. أحس وكأن الأمل الذي افتقده في جحيم القصر قد وُلد من جديد.
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بصوت مكسور: “مات. ”
صرخ جلجامش وهو يركض في الزقاق: “تبا… الشمس تغيب! يجب أن أعود. ”
زفر لورن زفرة طويلة، وكأنه يلقي بحمل ثقيل عن كاهله، ثم أشار بيده نحو حوض بناء السفن القريب وقال: “حسنًا، هنالك سفينة سوف تنتهي بعد يومين. خذوها. ”
التفت نحو إيليا، التي ما زالت تمسك الجرعة في يدها. قال وهو يلهث: “هل… هل سأراك غدًا؟”
اعترض أحد الحراس : “ لكن يا سيدي”
ابتسمت الفتاة بخفة وردّت: “بالطبع، هنا… إذا أردت. ”
كان الجنرال ماندول واقفًا في الأعلى يراقبه، عيناه تلمعان بخبث. تمتم بصوت خافت: “منذ ولادتك، وأنا أعلم أنك ستصبح الأقوى… لكنك تحتاج إلى محفّز، يا فتى. ”
صرخ جلجامش بحماس طفولي: “اتفقنا! ”
يصرخ لورن ويقول: “يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!”
تقاطع جاسمين متأثرة: واه! يا لها من قصة رومانسية الأمير و اللصه ! من المستحيل لمن يراه الآن أن يعتقد أن هذه طبيعته منذ ولادته . ”
تبسمت روشا برقة: ” تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟” وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.
ليرد السيد لورن: “لا لقد حدث شيء له مما جعله يتغير في طفولته كان يكره الخمر يمقت اي شخص يشرب الخمر. ” لتقول جاسمين: “ و الان هوا سكير ! ” ليرد السيد لورن: “ سوف اخبركي لماذا يسكر بعد انتهائي من القصة يا صغيره . “
في هذه الأثناء، لم ينتظر جلجامش أحداً؛ بل تقدم بخطوات واثقة وجسد صلب مخترقاً بوابة المدينة، متجاهلاً أحاديث ، وكأن وجهته محددة في عقله ولا تقبل التأجيل. نظرت جاسمين إلى لوس بفضولها المعتاد، وسألت: “كيف تعرف عن هذه المدينة يا لوس؟“
ليكمل السيد لورن
رفع جلجامش يده على غير عادته، فعمّ الصمت في القاعة. أمال الملك رأسه قليلًا علامة السماح له بالكلام.
انطلق جلجامش يجري بسرعة مذهلة، واختفى بين الأزقة، حتى وصل إلى أسوار القصر.
نظرت إلى الجرعة المسكوبة على الأرض بحزن: “كم من أسبوع ستكفيني الجرعة التي تناولتها؟”
كان الجنرال ماندول واقفًا في الأعلى يراقبه، عيناه تلمعان بخبث. تمتم بصوت خافت: “منذ ولادتك، وأنا أعلم أنك ستصبح الأقوى… لكنك تحتاج إلى محفّز، يا فتى. ”
ثم التفت لورن ليرى الرفاق الواقفين خلف جلجامش بصدمة، وتفحصهم بعين خبيرة: “ثلاثة فتيان.. وفتاة صغيرة.. وحصان؟ من هؤلاء يا جامش؟“
قالت بصوت قلق: “إلى أين؟ هل ستشي بي…؟“
أدار وجهه نحو أحد الحراس وأمره بصوت صارم: “ أخرج أربعين مرتزقًا. اجعلوهم يتجهون إلى ذلك الزقاق في وقت راحة الأمير. ليتظاهروا أنهم يريدون أذية تلك الفتاة بعد اسبوع من الان. ”
انحنى الحارس سريعًا وقال: “حاضر، أيها الجنرال. ”
ابتلع أرجوس ريقه بتوتر:”اسمي أرجوس.”
ابتسم ماندول ابتسامة باردة وهو يهمس: “لنرى… كيف سيتصرف جلجامش عندما يختبر قلبه لأول مرة. ”
التفت نحو إيليا، التي ما زالت تمسك الجرعة في يدها. قال وهو يلهث: “هل… هل سأراك غدًا؟”
وصل جلجامش إلى أبواب القصر، يتصبب عرقًا وثيابه ممزقة من اللعب والجري. فوجئ برؤية الحكيم هيرالد واقفًا عند المدخل. قفز جلجامش نحوه واحتضنه بقوة قائلاً: “شكرًا لك، يا هيرالد! ”
تنهدت ثم قالة : ” أنا مريضة. أحتاج لجرعتين كل شهر حتى تستقر حالتي. ”
ابتسم الحكيم وهو يربت على كتف الفتى : “هل استمتعت بوقتك، يا صغير؟”
“ لا تقلق، أنا من حراس القصر . سأعيدك إلى القصر. ”
أجاب جلجامش بحماس: “نعم… جدًا! ”
ليضجر إيرولد ويقول: “ألم تستسلمي يا جاسمين؟”
رمقه هيرالد بنظرة متفحصة، تأمل ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي، ثم قال مبتسمًا: “بالطبع فعلت. هيا، أسرع للاستحمام، فالاجتماع سيبدأ قريبًا. لا تجعل الملك ينتظرك. ”
وقف جلجامش، انحنى احترامًا، وقال: ” شكرًا، يا جلالتك. “
ضحك جلجامش ورد بحماس: “حاضر! ”
جلس قرب نافورة حجرية يراقب الأطفال وهم يتراشقون بالماء ويضحكون. أراد أن يشاركهم، أن يركض مثلهم بلا هموم، لكنه تردد. اقترب بخطوات خجولة، فتوقف الأطفال فجأة حين رأوا ثياب الأمير الفاخرة رفع جلجامش يديه مبتسمًا وقال: “هل يمكنني اللعب معكم؟”
ثم اختفى بخطوات سريعة كأن الريح حملته، فتجمد هيرالد للحظة مذهولًا من سرعته. تمتم لنفسه: “ انه بهذه القوة… لم يكن يظهرها من قبل. لقد أخبرتك يا لوغال، بطريقتك تلك ستطفئ شعلة الفتى.” تنهد الحكيم وتوجه إلى الداخل.
ليرد لورن: “لا. وجدتُ نفسي بعد مدة في صنع القوارب، ولهذا تخلَّيت عن كوني حارسًا.”
بعد أن استحم وغيّر ملابسه، دخل جلجامش قاعة الاجتماعات. كان هيرالد في انتظاره وهمس له: “لقد وصلت في الوقت المناسب، يا فتى. هيا، لنبدأ. ”
ليرد إيرولد بسخرية: “طبعًا، طبعًا.”
جلس جلجامش إلى جواره، والوزراء يطرحون القضايا أمام الملك. تقدم أحدهم واشتكى: ” يا جلالة الملك، قطاع الطرق يهاجمون القوافل المتجهة إلى المملكة… ثم يختفي آثارهم. ”
قاطعه جلجامش بحدة: “ لا يوجد لكن. نفّذ ما أمرتك به.”
رفع جلجامش يده على غير عادته، فعمّ الصمت في القاعة. أمال الملك رأسه قليلًا علامة السماح له بالكلام.
تجمد أرجوس في مكانه، واختفت الكلمات من حنجرته. تحول وجهه إلى حمرةٍ قانية، وبدأ يفرك يديه بتوتر مضحك وهو يتمتم بصعوبة: “ش.. شكراً.. لقد.. لقد ولدتُ بهما.. ”
قال جلجامش بثبات: “ يمكننا إرسال ثلاثة رجال بدلًا من الجنود. لو بعثنا جيشًا سيعرف قطاع الطرق أننا نتجه إليهم. أما لو أرسلنا ثلاثة فقط، يحملون بضائع رخيصة فلن يثيروا الشك. عندها يمكننا كشف مكانهم ومخططاتهم. أقترح أن أذهب أنا والجنرال… ومعنا أحد الحراس. ستكون هذه المهمة أيضًا تدريبًا بالنسبة لي. ”
قطبت جاسمين حاجبيها وسألت : ” لِمَ لا؟”
ساد الصمت لحظة، ثم بدأ هيرالد بالتصفيق له، تبعه الوزراء واحدًا تلو الآخر. حتى أن الملك نفسه ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة نادرة، ثم قال بنبرة هادئة: “حسنًا… بعد تسع ايام من الآن ستتحركون. لكن لا تتوقع أن أخبرك أن ترتاح خلال هذا الأسبوع… ستكمل روتينك المعتاد. ”
يتجه جلجامش إلى الميناء ويتبعه من معه. وجد جلجامش رجلاً عجوزًا يعمل هناك. وقف جلجامش أمام العجوز، وارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة لم يعهدها الرفاق، وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بالمودة : “ ألم تمت بعد أيها العجوز؟“
وقف جلجامش، انحنى احترامًا، وقال: ” شكرًا، يا جلالتك. “
ابتسمت بخفة: “جامش؟ هاه… اسم لطيف. اسمي إيليا. ”
ليتعجب الرجل العجوز ووجهه مشمئاز. يتفاجأ أرجوس ويقول: “هل جلجامش سوف يقتل الرجل العجوز؟”
صرخ الآخر وضرب زميله: “يا غبي! إنه الأمير! ”
