المفترس
37. المفترس (1)
لم تستطع مارثا نسيان المرة الأولى التي التقت فيها عينيها بعيني ذلك الطفل .
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
تسللت إليه شكوكه المعتادة.
ذلك الرضيع الصغير الملفوف في معطف من الفرو حدّق فيها بتركيز دون أن يذرف دمعة واحدة. كانت عيناه السوداوان العميقتان والداكنتان كأنهما مرآتان لا تعكسان أي بصيص من الضوء، وكأنهما تبتلعان انعكاسها من سطحهما اللامع، بل وحتى تمتصان روحها.
في تلك اللحظة، بالكاد كتمت مارثا رغبتها في رمي معطف الفرو بعيدًا.
“من الأفضل أن تلتئم الجروح بسرعة دون أن تترك ندوبًا. لكن هذا لن يبدو جيدًا للآخرين أيضًا.”
غير أنه كان، بكفاءته تلك، شديد الشك والريبة. ومن أُثيرت حوله الشبهات، حتى ولو قليلة، لم يكن ليبقى طويلًا في جماعة قطاع الطرق.
“…أنت وغد سريع البديهة .”
شعر أسلان وكأنه تجمّد، غير قادر على تحريك عضلة واحدة. كلمات كايين حملت في طيّاتها الكثير من المعاني. لقد كان هو من تسبب في كل هذا، وكان أسلان هدفه.
“بارت.”
هل من الممكن أن تكون كلماته صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فكيف ولماذا؟
“إن كان لديك وقت ، هلا عالجنا الجروح أولًا؟”
بينما اشتدّ وجه أسلان، ابتسم كايين بسخرية ومشى متجاوزًا إياه بخطى عرجاء. لم يستطع أسلان سوى أن يراقب بصمت بينما ابتعد كايين أكثر فأكثر عن الساحة. نُقِل أسلان وبارت إلى كوخ أسلان تحت أعين عدة من قطاع الطرق، مما دلّ على أن شكوك جيروم لم تُمحَ بعد.
“نحتاج إلى تفقد الفخاخ التي نصبناها…”
بينما كان أسلان يعبث بشعره بجنون، نظر إليه بارت للحظة قبل أن يمشي إلى جانب من الكوخ. أسند ظهره إلى الجدار وأغمض عينيه.
“الفخاخ مشكلتنا الحين؟ افهم الجو، يا وغد.”
عند كلمات أسلان، بصق أحد قطاع الطرق بلعاب كثيف وأقفل الباب من الخارج. كانت تلك علامة واضحة على الحبس. على الأقل، من حسن الحظ أنهم لم يُحبسوا في السجن المؤقت الذي يُستخدم كحظيرة للقرية.
“لكن، غوستاف لم يكن لديه هذه القدرة؟”
منهكًا من القوة، انزلق أسلان إلى الأرض مستندًا إلى الجدار في الكوخ.
“….؟”
…هل كان الأمر كذلك؟
“بارت.”
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
بارت، الذي بدا غارقًا في التفكير، التفت لينظر إليه.
كان جيروم قائدًا مهيبًا. وقد أثبت كفاءته حين سبق الحملة العقابية التي أرسلتها قوات روهان، فبادر بجمع رجاله وأظهر قوته الهائلة من خلال الهجرة جنوبًا. ونتيجة لذلك، تبعه رجاله دون أدنى تردد.
“هل سألت كايين بالأمس إن كان يُكنّ أي ضغينة؟”
“…”
“صحيح، يا زعيم. إن قتلنا شخص مشبوه من البداية هو قرار صحيح ؟”
“هل تعتقد أن كل هذا يمكن أن يكون من فعل كايين فعلًا؟”
تلألأت عينا بارت ببريق فضي غريب وهو ينظر إلى أسلان في ظلمة الكوخ.
كانت بقع الدم على ظهره لا تزال رطبة ولم تجف بعد.
“لكن، غوستاف لم يكن لديه هذه القدرة؟”
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
للحظة، رمق أسلان بارت بنظرة غاضبة، ثم تنهد سريعًا، وبدأ يلف قطعة القماش التي جلبها حول معصم بارت.
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
محسوبة؟
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
تلألأت عينا بارت ببريق فضي غريب وهو ينظر إلى أسلان في ظلمة الكوخ.
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
“الأولى هي أن يجعلك تشك فيه وتعمل جاهدًا لتزيل الشبهات عن نفسك. وبما أنك لا تعلم ما إذا كان هو الفاعل حقًا أم لا، ولا توجد وسيلة للتأكد، فلو علمت أن هناك من يلفّق لك التهمة، فمن السهل أن تقع في فخ آخر بسبب رد فعلك المتهور بدافع الإحساس بالخطر.”
فهو الوحيد الذي كان يتجول عادةً في الجبل الشرقي، متذرّعًا بجمع الأعشاب الطبية والصيد.
“آه…”
“…إنه طفل ذكي. ربما كان في باله هذا الوضع عندما أقنعك بأخذي.”
بالفعل. كان أسلان يفكر فيما إذا كان كايين يحاول تلفيق التهمة له، وهل عليه أن يلاحقه خارج الكوخ.
نظر إلى وجه بارت، ثم إلى معصمه، ثم قال مرة أخرى:
وهو يحدق إلى بارت بذهول، بدأ هو يشرح بصوت هادئ:
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
“لكن؟”
“لقد وصل أمساً . وإحدى الجثث التي وجدوها ميتة من قبل ثلاثة أيام على الأقل.” لوّح جيروم بيده بلا مبالاة، وقد بدا عليه الانزعاج.
“…”
ما كان رد فعل أسلان حينها؟ بفضل تحذير بارت، كان لديه إحساس بأن شيئًا ما على وشك الحدوث، ولذلك ردّ على تلميح كايين بصدق.
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
الآن، لا بد أن كايين متأكد من أن أسلان يعرف شيئًا عن الأمر.
“…إنه طفل ذكي. ربما كان في باله هذا الوضع عندما أقنعك بأخذي.”
ماذا؟
“…”
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
“أقنع… تقول؟”
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
جهد أسلان نفسه بالتفكير للحظة، لكنه لم يستطع التوصل إلى شيء. في النهاية، لم يكن قادرًا على استيعاب كلمات كايين تمامًا، فضلًا عن تخمين نواياه المعقدة!
…هل كان الأمر كذلك؟
“سواء كنتَ أنت أو أنا، إن اشتُبه بأحدنا كجاسوس، فذلك سيكون مناسبًا له.”
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
كانت قد اكتُشفت جثتان قرب قرية الزهور في الليلة السابقة.
قال بصوت منخفض: “أو ربما هناك من يرغب في إلصاق التهمة به والتخلّص منه؟ أو لعلّ هناك خائن بيننا يسعى لإسكاته؟”
كيف كان ينظر إليه حتى الآن؟
ابن جيروم ومارثا. الفتى الذي أصبح مُقعدًا بسبب إساءة جيروم، وراح يفرغ غضبه على العالم. فتى أراد قتل الجميع وكان ينفث الكراهية عند كل فرصة. فتى لم تكن لوجوده أية قيمة سوى الإزعاج للجميع.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا، شوهد أسلان يتجوّل في مكان مختلف تمامًا.
لكن، ماذا لو كان كل جانب من هذا السلوك محسوبًا؟
حتى مجرد محاولة تحريك يده جعلت معصمه يؤلمه. ربما سيكون من الأفضل وضع شيء داخل الأصفاد. كان قد حاول للتو تحريك يده عندما لاحظ أن معصمه قد تآكل من الاحتكاك. ربما من الأفضل تبطين الأصفاد من الداخل.
“إيه، أعني… أليس هذا مبالغًا فيه؟”
“ماذا؟”
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
قال أحد قطاع الطرق، وقد بدا عليه الحذر، وهو يفتح فمه بتردّد.
حتى مجرد محاولة تحريك يده جعلت معصمه يؤلمه. ربما سيكون من الأفضل وضع شيء داخل الأصفاد. كان قد حاول للتو تحريك يده عندما لاحظ أن معصمه قد تآكل من الاحتكاك. ربما من الأفضل تبطين الأصفاد من الداخل.
جهد أسلان نفسه بالتفكير للحظة، لكنه لم يستطع التوصل إلى شيء. في النهاية، لم يكن قادرًا على استيعاب كلمات كايين تمامًا، فضلًا عن تخمين نواياه المعقدة!
آآآآه.
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
بينما كان أسلان يعبث بشعره بجنون، نظر إليه بارت للحظة قبل أن يمشي إلى جانب من الكوخ. أسند ظهره إلى الجدار وأغمض عينيه.
وإن قُتل الآن بدافع الغضب، ألا يعني ذلك أنهم سيفقدون أي دليل محتمل؟
“هذه الأمور ستتضح مع الوقت. سترتبك قريبًا، لذا من الأفضل أن ترتاح وتوفر طاقتك.”
بدا عليه الإرهاق قليلًا.
“صحيح، شكرًا لك.”
شعر أسلان بهالة بارت الغريبة بشكل غريزي، لكنها كانت لا تزال بمستوى مريض يحتضر. من المدهش أنه كان قادرًا على التنقل معه في الجبل منذ الصباح مع تلك الهالة.
اتسعت عينا أسلان بدهشة، بينما مال بارت برأسه بلا مبالاة ورد قائلًا: “ألم تقل إن جيروم رجل مليء بالشك؟ حتى عند وصولك، كانت نيته في قتلي أقوى. إصرار الطفل هو ما غيّر رأيه، أليس كذلك؟”
آه، وبالمناسبة.
كانت بقع الدم على ظهره لا تزال رطبة ولم تجف بعد.
“إن كان لديك وقت ، هلا عالجنا الجروح أولًا؟”
لكن، ماذا لو كان كل جانب من هذا السلوك محسوبًا؟
نظر إلى وجه بارت، ثم إلى معصمه، ثم قال مرة أخرى:
وقف أسلان على عجل وبدأ في جمع زجاجات الدواء من الرف. كانت هذه مراهم تمنع تدهور الجروح وتساعد الكدمات على الشفاء بسرعة. كلها كانت من صنع أسلان نفسه، وفقًا لوصفة خاصة من سيمور.
حتى مجرد محاولة تحريك يده جعلت معصمه يؤلمه. ربما سيكون من الأفضل وضع شيء داخل الأصفاد. كان قد حاول للتو تحريك يده عندما لاحظ أن معصمه قد تآكل من الاحتكاك. ربما من الأفضل تبطين الأصفاد من الداخل.
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
حتى مجرد محاولة تحريك يده جعلت معصمه يؤلمه. ربما سيكون من الأفضل وضع شيء داخل الأصفاد. كان قد حاول للتو تحريك يده عندما لاحظ أن معصمه قد تآكل من الاحتكاك. ربما من الأفضل تبطين الأصفاد من الداخل.
في البداية، لم يفهم بارت ما الذي يحدث، واكتفى بمراقبة تصرفات أسلان، لكن حين اقترب الأخير بزجاجة دواء وقطعة قماش نظيفة، بدا أنه بدأ يستوعب ما يجري.
“…أتُراه ذاك الوغد أسلان هو الفاعل؟”
آآآآه.
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
حاول ردعه متأخرًا، لكن أسلان كان أسرع، وأمسك بأصفاده.
“هكذا إذًا. ربما علي الذهاب وإزعاج جيروم بخصوص كل هذا.”
“….؟”
ولكن، أليس هو من منعه من قتل أسلان بالأمس…؟
أسلان، الذي كان يعبث بشرود في الأصفاد، اتسعت عيناه بدهشة. كانت معصما بارت ناعمين، وكأنهما لم يتعرضا للكدمات من قبل.
“ماذا؟”
“ماذا؟”
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
نظر إلى وجه بارت، ثم إلى معصمه، ثم قال مرة أخرى:
“ماذا؟”
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
هممم. أشاح بارت بنظره عن أسلان وأخفى يده تحت عباءته الطويلة.
انكمش وجه أسلان.
فمن يكون؟
– “ولِمَ قد يفعل ذلك؟ وهل يملك حتى القدرة على ذلك؟”
“ألم أذكر أنني كنت كاهنًا قبل أن أصبح صيدليًا؟ من الطبيعي أن يملك من لديه قوى مقدسة هذه القدرة.”
هل هذا معقول أصلًا؟ تبدأ فجأة بالتبشير بالهرطقة، يا عابد الشياطين.
“لكن، غوستاف لم يكن لديه هذه القدرة؟”
“……”
“صحيح، شكرًا لك.”
رغم كونه كاهنًا من الرتبة الدنيا، كان غوستاف يملك قوى قوية. ومع ذلك، لم يكن ليستطيع التعافي بهذه السرعة دون صلوات حارة واستخدام لقوته . لا، حتى في تلك الحالة، لم تكن لتشفى جراحه بهذه النظافة في لحظة.
آآآآه.
ثم، ألم تكن قد فقدت كل قواك حين تمت محاكمتك بتهمة الهرطقة؟
علامة عبدة الشياطين ليست علامة عادية.
اندفع أحد التابعين، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، نحو جيروم وهو يلهث، ثم بدأ يتحدث بعجلة:
إنها علامة تشير إلى أن صاحبها قد جُرّد من جميع بركات الحاكم، وفقد حتى حق الخلاص لروحه. عقوبة أبدية لا مهرب منها، حتى بعد الموت. لم تُسمَّ العقوبة القصوى والأشدّ فظاعة عبثًا.
ماذا؟
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
فإذا ظهرت أي أدلة قاطعة أو أشخاص مشبوهون، سيتصرّفون حينها ويقبضون عليه لاستخراج كل الحقائق المخفية منه بالقوة.
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
انكمش وجه أسلان.
وقف أسلان على عجل وبدأ في جمع زجاجات الدواء من الرف. كانت هذه مراهم تمنع تدهور الجروح وتساعد الكدمات على الشفاء بسرعة. كلها كانت من صنع أسلان نفسه، وفقًا لوصفة خاصة من سيمور.
اندفع أحد التابعين، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، نحو جيروم وهو يلهث، ثم بدأ يتحدث بعجلة:
هل هذا معقول أصلًا؟ تبدأ فجأة بالتبشير بالهرطقة، يا عابد الشياطين.
فبعد منتصف الليل، عثرت مجموعة البحث العائدة إلى القرية على الجثتين المعذبتين بوحشية في الجهة الشرقية من القرية، فأبلغوا جيروم بالأمر.
“فقط للتأكد… أنت لست جاسوسًا متنكرًا في هيئة سجين، أليس كذلك؟”
“الزعيم! الزعيم! الأمر طارئ!”
“…لست جاسوسًا، لكن….”
تلألأت عينا بارت ببريق فضي غريب وهو ينظر إلى أسلان في ظلمة الكوخ.
“لكن؟”
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
“….”
“آه، بحق الجحيم! في أي ورطة أوقعتني يا جيروم!”
شعر أسلان بهالة بارت الغريبة بشكل غريزي، لكنها كانت لا تزال بمستوى مريض يحتضر. من المدهش أنه كان قادرًا على التنقل معه في الجبل منذ الصباح مع تلك الهالة.
“الفخاخ مشكلتنا الحين؟ افهم الجو، يا وغد.”
“هكذا إذًا. ربما علي الذهاب وإزعاج جيروم بخصوص كل هذا.”
“…أنت وغد سريع البديهة .”
“هل سألت كايين بالأمس إن كان يُكنّ أي ضغينة؟”
للحظة، رمق أسلان بارت بنظرة غاضبة، ثم تنهد سريعًا، وبدأ يلف قطعة القماش التي جلبها حول معصم بارت.
تحوّلت نظرات جيروم نحو كايين، الجالس في الخلف بوجهه الممتلئ.
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
راقب بارت بصمت وتركه يقوم بما يريد، بينما لفّ أسلان القماش طبقة فوق طبقة بسماكة.
“الفخاخ مشكلتنا الحين؟ افهم الجو، يا وغد.”
وأخيرًا، بعدما ربط العقدة بعناية، أعاد ترتيب زجاجة الدواء وهو يتمتم:
“لا تدع كلمات ذلك الطفل تزعزعك. كلها استفزازات محسوبة.”
تجمّد الجو داخل الكوخ في لحظة.
“من الأفضل أن تلتئم الجروح بسرعة دون أن تترك ندوبًا. لكن هذا لن يبدو جيدًا للآخرين أيضًا.”
لو رأى أحدهم كدمة تختفي بهذه السرعة، فسيشتبه به فورًا كجاسوس.
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
في البداية، لم يفهم بارت ما الذي يحدث، واكتفى بمراقبة تصرفات أسلان، لكن حين اقترب الأخير بزجاجة دواء وقطعة قماش نظيفة، بدا أنه بدأ يستوعب ما يجري.
“صحيح، شكرًا لك.”
“إيه، أعني… أليس هذا مبالغًا فيه؟”
شعر أسلان فجأة بشيء غريب. لقد سمع تعبيرًا مماثلًا للشكر بالأمس، لكن دفء الشكر اليوم كان مختلفًا قليلًا.
يبدو أن بارت لم يفكر في هذا، فقد اتسعت عيناه لوهلة، ثم أومأ برأسه.
“إذًا… أنت حقًا لست جاسوسًا؟”
“…لا.”
“…لا.”
“الوحيد اللي ممكن يكون جاسوس هو ذاك الوغد، القائد. ما في شك.” زمجر أحد قطاع الطرق ذوي المظهر الخشن وهو يرفع كميه.
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
“صحيح، يا زعيم. إن قتلنا شخص مشبوه من البداية هو قرار صحيح ؟”
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
37. المفترس (1)
“لقد وصل أمساً . وإحدى الجثث التي وجدوها ميتة من قبل ثلاثة أيام على الأقل.” لوّح جيروم بيده بلا مبالاة، وقد بدا عليه الانزعاج.
“آه…”
“تبًا، لماذا تعقدون الأمور بهذا الشكل!”
“صحيح، يا زعيم. إن قتلنا شخص مشبوه من البداية هو قرار صحيح ؟”
بينما كان أسلان يعبث بشعره بجنون، نظر إليه بارت للحظة قبل أن يمشي إلى جانب من الكوخ. أسند ظهره إلى الجدار وأغمض عينيه.
“من الغريب أن يظهر فجأة في الجبال، ومن الغريب أيضًا أنه اختار القدوم عبر طريق القوافل الذي نادرًا ما يسلكه التجار، أليس كذلك؟”
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
ومع ازدياد تأييد أتباعه لذلك الرجل، تغيّرت نظرة جيروم.
“الحاكم يُشفق ويعتني حتى بالمؤمنين الضالين من صغاره بهذه الطريقة.”
قال بصوت منخفض: “أو ربما هناك من يرغب في إلصاق التهمة به والتخلّص منه؟ أو لعلّ هناك خائن بيننا يسعى لإسكاته؟”
لذلك أمر جيروم رجاله بمراقبة تحركات أسلان.
راقب بارت بصمت وتركه يقوم بما يريد، بينما لفّ أسلان القماش طبقة فوق طبقة بسماكة.
“……”
تجمّد الجو داخل الكوخ في لحظة.
37. المفترس (1)
كان جيروم قائدًا مهيبًا. وقد أثبت كفاءته حين سبق الحملة العقابية التي أرسلتها قوات روهان، فبادر بجمع رجاله وأظهر قوته الهائلة من خلال الهجرة جنوبًا. ونتيجة لذلك، تبعه رجاله دون أدنى تردد.
“صحيح، يا زعيم. إن قتلنا شخص مشبوه من البداية هو قرار صحيح ؟”
غير أنه كان، بكفاءته تلك، شديد الشك والريبة. ومن أُثيرت حوله الشبهات، حتى ولو قليلة، لم يكن ليبقى طويلًا في جماعة قطاع الطرق.
تحوّلت نظرات جيروم نحو كايين، الجالس في الخلف بوجهه الممتلئ.
“…أتُراه ذاك الوغد أسلان هو الفاعل؟”
لكن، ماذا لو كان كل جانب من هذا السلوك محسوبًا؟
قال أحد قطاع الطرق، وقد بدا عليه الحذر، وهو يفتح فمه بتردّد.
“من المؤكد أنه هو الذي قتل كونراد! لو تخلصنا من هذا عابد الشياطين، كل شيء سيصبح بخير!”
كانت قد اكتُشفت جثتان قرب قرية الزهور في الليلة السابقة.
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
فبعد منتصف الليل، عثرت مجموعة البحث العائدة إلى القرية على الجثتين المعذبتين بوحشية في الجهة الشرقية من القرية، فأبلغوا جيروم بالأمر.
بارت، الذي بدا غارقًا في التفكير، التفت لينظر إليه.
“……!”
كان أولئك الرجال قد اختبأوا في بيت الدعارة لأيام، يتعاطون الخمر بعد أن سرقوا أحد كبار القوم قبل عدة أيام، ولم يلاحظ أحد غيابهم عن القرية.
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
فهو الوحيد الذي كان يتجول عادةً في الجبل الشرقي، متذرّعًا بجمع الأعشاب الطبية والصيد.
وقد سرت في الآونة الأخيرة شائعات مقلقة عن نيّة آسين في إرسال حملة عقابية، أو أنها قد أرسلت جواسيس بالفعل قبل بدء تلك العملية.
كيف كان ينظر إليه حتى الآن؟
كان جيروم على وشك أن يُلقي القبض على أسلان ويقتله فورًا، غير أنه تردّد بعد تعليق ساخر من كايين، الذي كان يتهكم من الخلف:
“هكذا إذًا. ربما علي الذهاب وإزعاج جيروم بخصوص كل هذا.”
“هذه الأمور ستتضح مع الوقت. سترتبك قريبًا، لذا من الأفضل أن ترتاح وتوفر طاقتك.”
– “ولِمَ قد يفعل ذلك؟ وهل يملك حتى القدرة على ذلك؟”
في البداية، لم يفهم بارت ما الذي يحدث، واكتفى بمراقبة تصرفات أسلان، لكن حين اقترب الأخير بزجاجة دواء وقطعة قماش نظيفة، بدا أنه بدأ يستوعب ما يجري.
بكلماته تلك، استعاد جيروم هدوءه وبدأ يُفكر.
تسللت إليه شكوكه المعتادة.
تحوّلت نظرات جيروم نحو كايين، الجالس في الخلف بوجهه الممتلئ.
إن فكّر بالأمر مليًّا، فلماذا قد يقدم أسلان على ارتكاب تلك الجريمة؟ وهل فعَلها بمفرده؟
في تلك اللحظة، بالكاد كتمت مارثا رغبتها في رمي معطف الفرو بعيدًا.
وإن قُتل الآن بدافع الغضب، ألا يعني ذلك أنهم سيفقدون أي دليل محتمل؟
وإن قُتل الآن بدافع الغضب، ألا يعني ذلك أنهم سيفقدون أي دليل محتمل؟
لذلك أمر جيروم رجاله بمراقبة تحركات أسلان.
بينما كان أسلان يعبث بشعره بجنون، نظر إليه بارت للحظة قبل أن يمشي إلى جانب من الكوخ. أسند ظهره إلى الجدار وأغمض عينيه.
فإذا ظهرت أي أدلة قاطعة أو أشخاص مشبوهون، سيتصرّفون حينها ويقبضون عليه لاستخراج كل الحقائق المخفية منه بالقوة.
“…إنه طفل ذكي. ربما كان في باله هذا الوضع عندما أقنعك بأخذي.”
غير أن جثة جديدة وُجدت اليوم.
هممم. أشاح بارت بنظره عن أسلان وأخفى يده تحت عباءته الطويلة.
فقد عُثر على أحد التابعين ميتًا وهو يتدحرج قرب الشلال الذي اعتاد أسلان التردد عليه، وكان خنجر مغروزًا في جسده.
“والسبب الثاني هو مراقبة رد فعلك، ليرى إلى أي مدى تدرك الوضع، وما إذا كان تجنبك للشبهات الكبرى مجرد صدفة أم لا.”
كانت بقع الدم على ظهره لا تزال رطبة ولم تجف بعد.
37. المفترس (1)
لكن في تلك اللحظة تحديدًا، شوهد أسلان يتجوّل في مكان مختلف تمامًا.
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
وهكذا، وصلت القضية إلى طريق مسدود.
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
“لا بد أنه الفاعل، أليس كذلك؟”
“أقنع… تقول؟”
“ألم ينجُ بمفرده من جماعة قطاع الطرق السابقة؟ أليس ذلك مريبًا أيضًا؟ ربّما هو متعاون مع قوات روهان العقابية…”
“سواء كنتَ أنت أو أنا، إن اشتُبه بأحدنا كجاسوس، فذلك سيكون مناسبًا له.”
ترك جيروم أتباعه يتداولون هذه الشكوك، وانغمس هو في التفكير.
“الأولى هي أن يجعلك تشك فيه وتعمل جاهدًا لتزيل الشبهات عن نفسك. وبما أنك لا تعلم ما إذا كان هو الفاعل حقًا أم لا، ولا توجد وسيلة للتأكد، فلو علمت أن هناك من يلفّق لك التهمة، فمن السهل أن تقع في فخ آخر بسبب رد فعلك المتهور بدافع الإحساس بالخطر.”
فعلى الرغم من أنه كان غاضبًا جدًا بالأمس ليُفكّر بعقلانية، إلا أنه لم يعُد قادرًا الآن على استبعاد احتمال أن يكون أحدهم، ممّن يعرف أماكن أسلان المعتادة، هو من حاول توريطه.
“هل تعتقد أن كل هذا يمكن أن يكون من فعل كايين فعلًا؟”
“إن كان لديك وقت ، هلا عالجنا الجروح أولًا؟”
فمن يكون؟
خطر في باله أولًا كايين، ابنه الذي لا يُضمر لأسلان ودًا.
فبعد منتصف الليل، عثرت مجموعة البحث العائدة إلى القرية على الجثتين المعذبتين بوحشية في الجهة الشرقية من القرية، فأبلغوا جيروم بالأمر.
ولكن، أليس هو من منعه من قتل أسلان بالأمس…؟
جيروم وقطاع الطرق فكّروا في أسلان أولًا عندما رأوا الجثث.
تحوّلت نظرات جيروم نحو كايين، الجالس في الخلف بوجهه الممتلئ.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ فجأة بعنف.
“الزعيم! الزعيم! الأمر طارئ!”
اندفع أحد التابعين، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، نحو جيروم وهو يلهث، ثم بدأ يتحدث بعجلة:
“لكن، غوستاف لم يكن لديه هذه القدرة؟”
“السيدة مارثا… سقطت من أعلى الجرف، وحالتها حرجة…”
“من الغريب أن يظهر فجأة في الجبال، ومن الغريب أيضًا أنه اختار القدوم عبر طريق القوافل الذي نادرًا ما يسلكه التجار، أليس كذلك؟”
أدرك أسلان أنه لا يعرف شيئًا عن كايين.
“……!”
“آه، إن كان الأمر بشأن ذلك….”
نهض جيروم من مقعده بوجه صارم.
“إن كان لديك وقت ، هلا عالجنا الجروح أولًا؟”
رغم محاولته التخفيف من الأمر بضحكة جوفاء، إلا أن صوته لم يكن مقنعًا حتى لنفسه. إن كانت كلمات بارت صحيحة، فما غاية كايين من هذا السلوك؟ لا، هل يمكنه أن يجني شيئًا من هذا السلوك؟
