المفترس
38. المفترس (2)
بل أدق، كان يحدق في شيء يقف بجوار أسلان…
مارثا كانت من بلدة ريفية في روهان، مشهورة بإنتاج العنب عالي الجودة.
وفي ذلك اليوم، طُرح كايين أرضًا واصطدم بجدار الكوخ، مما سبّب التواءً شديدًا في ركبته اليسرى.
“استعد يا أسلان. علينا مغادرة هذا المكان فورًا.”
وكان جمالها معروفًا في المنطقة، حتى أن سكان البلدة ظلّوا يتكهّنون بأنها ستصبح قريبًا خليلة لأحد النبلاء وتعيش في رغد وثراء.
وفي اليوم التالي، عاد جيروم إلى البيت مخمورًا، وبدأ في ضرب مارثا بعنف لم يسبق له مثيل.
لكن ذلك الحلم تحطّم حين اجتاحت عصابة من قطاع الطرق قريتها وحوّلتها إلى أرضٍ قاحلة.
“على الأقل كنتِ مفيدة مرة واحدة، أمي.”
صارت مارثا امرأة جيروم، زعيم قطاع الطرق.
دُفعت الباب بقوة. بانغ !-
ورغم أن الزواج فُرض عليها قسرًا ولم يكن باختيارها، فقد تأقلمت مع حياتها الجديدة سريعًا.
سواء كانت تكدّ تحت شمس الظهيرة في كروم النبلاء أو تعيش كزوجة لزعيم العصابة، لم يكن هناك فارق كبير في قسوة الحياة التي عانتها.
اتسعت عيناه فجأة بدهشة حقيقية، وبدت بياضهما جليًّا، وكأن الخوف قد شلّ وجهه.
لكن الجو المشحون الذي دخل به الرجال لم يكن طبيعيًا أبدًا…
جيروم، رغم غضبه المتفجر في بعض الأحيان ولجوئه إلى العنف، كان يعتني بمظهر من العناية بتلك المرأة الجميلة.
ولما التفت أسلان نحوه دون تفكير، صُدم لدرجة أنه حبس أنفاسه للحظة.
لكن مأساة أخرى وقعت عليها قريبًا.
في عينيه، اللتين انعكس فيهما ضوء الظهيرة بوميض فضي غريب، كان يكمن برود جليدي يجعل من يُشاهد تلك النظرة يشعر كأن الهواء ذاته يتجمد.
ففي أحد الأيام، حين كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة، ضربها جيروم الثمل في بطنها.
عينيه السوداوين، العميقتين كأنهما لا تعكسان ضوءًا، امتصّتا انعكاس حالتها الحزينة، بل وكأنهما سحبتا روحها معها.
سقطت أرضًا تتقيأ دمًا، ولم تستعد وعيها إلا بعد يومٍ كامل.
لكن حين فتحت عينيها، كان الجنين قد فارقها.
***
كانت مارثا جالسة في الكوخ، تحدّق في الفراغ، حين دخل جيروم ينظر إليها بتوتر.
وبعد فترة قصيرة، عاد يحمل طفلًا صغيرًا ملفوفًا في بطانية، وألقاه أمامها.
وفي وقت قصير، تمكن بارت من إسقاطهم جميعًا وهم يتأوهون على الأرض.
كان رضيعًا وسيمًا، بشعر أحمر ناعم وعيون سوداء كالأوبسيديان.
اتسعت عيناه فجأة بدهشة حقيقية، وبدت بياضهما جليًّا، وكأن الخوف قد شلّ وجهه.
لم تستطع مارثا أن تنسى تلك اللحظة الأولى حين التقت نظراتها بعيني الطفل.
استفاق أسلان من غفوته وهو مستند إلى الجدار، وقفز واقفًا، بينما كان بارت قد انتصب واقفًا بالفعل يراقب الداخلين بحدّة.
الرضيع، الملفوف بإحكام، كان يحدّق بها دون أن يبكي.
عينيه السوداوين، العميقتين كأنهما لا تعكسان ضوءًا، امتصّتا انعكاس حالتها الحزينة، بل وكأنهما سحبتا روحها معها.
لكن قلقها لم يلبث أن تحوّل إلى واقع.
كان ذلك… مرعبًا.
مرعبًا إلى حدٍ لا يُحتمل.
تملّكها شعور غريب يدفعها للتخلّص من الطفل فورًا، لكن خوفًا غامضًا من انتقامه إن هي فعلت ذلك جعلها عاجزة عن الحركة.
ومع ذلك، كان هناك غضب مكبوت قوي يُبث منه بهدوء، غضب لا يمكن مقارنته حتى بصخب جيروم وعنفه.
“إنه… جميل”، تمتمت والدموع تنهمر على وجهها وهي تبتسم.
“إذًا أخبرني، من الذي دفع مارثا من فوق الجرف.”
جيروم، الذي لم يدرك أن دموعها كانت وليدة الخوف لا الفرح، ابتسم برضا.
حدّق جيروم بهم قليلاً، ثم وجّه نظره إلى أسلان، الذي كان لا يزال جالسًا إلى جانب مارثا.
“من يسمّون أنفسهم معالجين… لا فائدة منهم على الإطلاق.”
سُمّي الطفل “كايين”، وسرعان ما بدأ يكبر.
النساء القلائل في القرية كُنّ يحسدن مارثا، وهن يلامسن وجه الطفل الجميل، الذي بدا وكأنه دمية خزفية.
جيروم بدوره بدا راضيًا عن الطفل الهادئ الذي نادرًا ما يبكي.
ولم يقل أحد شيئًا بعدها. فقط بقوا بجانبها بصمت.
لكن مارثا، التي قضت معظم وقتها بجواره، كانت الوحيدة التي تشعر بعدم الارتياح نحوه.
كلما لم تُطعمه في الوقت المناسب، أو عجزت عن إمساكه عندما يتعثّر أثناء اللعب، كانت عيناه السوداوان تحدّقان بها بجمود، فتشعر بانقباضٍ في صدرها ورعبٍ لا يوصف.
مارثا كانت من بلدة ريفية في روهان، مشهورة بإنتاج العنب عالي الجودة.
وكلّما حاول جيروم الثمل أن يضرب كايين، كانت مارثا ترتمي أمام الطفل، تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تحميه.
“هانز من فريق البحث. كان في إجازة اليوم وكان يقطع الحطب…”
فهاجس غامض كان يخبرها أن شيئًا مريعًا قد يحدث إن أخفقت في ذلك، وأن الخطر… لم يكن جيروم، بل الطفل نفسه.
وفي اليوم التالي، عاد جيروم إلى البيت مخمورًا، وبدأ في ضرب مارثا بعنف لم يسبق له مثيل.
ويبدو أن بارت يفكر بنفس الطريقة.
سواء كانت تكدّ تحت شمس الظهيرة في كروم النبلاء أو تعيش كزوجة لزعيم العصابة، لم يكن هناك فارق كبير في قسوة الحياة التي عانتها.
ولما التفت أسلان نحوه دون تفكير، صُدم لدرجة أنه حبس أنفاسه للحظة.
هل كانت تفقد صوابها؟
كثيرًا ما سألت مارثا نفسها هذا السؤال وهي تحدّق في وجه الطفل البريء وهو نائم.
لطالما تخيّلت مارثا أن حياتها القاسية ستنتهي يومًا ما، لكنها لم تتخيّل أبدًا… أن النهاية ستكون بهذا الشكل.
هل كان السبب أنها لم تنجبه؟ هل هذا هو ما جعلها غير قادرة على محبته بما يكفي؟
تساءلت مرارًا إن كانت تظلمه بكرهها وخوفها من كايين الذكي والمترقّب، الذي حلّ محل جنينها الذي لم يولد.
كان ذلك… مرعبًا.
لكن قلقها لم يلبث أن تحوّل إلى واقع.
النساء القلائل في القرية كُنّ يحسدن مارثا، وهن يلامسن وجه الطفل الجميل، الذي بدا وكأنه دمية خزفية.
في أحد الأيام، وبينما كانت في الخارج تغسل الملابس مع النساء الأخريات، عاد جيروم إلى المنزل مبكرًا وهو صاحٍ هذه المرة، لكنه فجأةً ضرب الطفل.
وفي ذلك اليوم، طُرح كايين أرضًا واصطدم بجدار الكوخ، مما سبّب التواءً شديدًا في ركبته اليسرى.
يبدو أن الشخص الذي سقط لم يكن عاديًا على الإطلاق.
ورغم أن الإصابة كانت شديدة لدرجة أنه لم يستطع المشي بشكل طبيعي بعدها، إلا أن كايين، ما إن فتح عينيه، حتى حدّق في مارثا بصمت.
حدّق جيروم بهم قليلاً، ثم وجّه نظره إلى أسلان، الذي كان لا يزال جالسًا إلى جانب مارثا.
وكانت نظرته… تبعث القشعريرة في الجسد.
وفي اليوم التالي، عاد جيروم إلى البيت مخمورًا، وبدأ في ضرب مارثا بعنف لم يسبق له مثيل.
ورغم أن بعض التابعين والنساء المجاورات تدخّلوا في النهاية لانتزاعه عنها، إلا أن مرفقها الأيسر قد تحطّم تمامًا في ذلك اليوم.
أكمامهم، وضيقوا طوقهم بحركات وجوه قاتمة.
ربما كان الأمر محض صدفة.
وفي اليوم التالي، عاد جيروم إلى البيت مخمورًا، وبدأ في ضرب مارثا بعنف لم يسبق له مثيل.
لكن حين فتحت مارثا عينيها المنتفختين من الألم، كان أول ما رأته وجه كايين… يبتسم لها لأول مرة.
الرضيع، الملفوف بإحكام، كان يحدّق بها دون أن يبكي.
وفي ذلك اليوم، طُرح كايين أرضًا واصطدم بجدار الكوخ، مما سبّب التواءً شديدًا في ركبته اليسرى.
***
ففي أحد الأيام، حين كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة، ضربها جيروم الثمل في بطنها.
“استعد يا أسلان. علينا مغادرة هذا المكان فورًا.”
” كم شيئا تعتقدين انه فهم يا أمي ؟”
حتى قبل أن يقترب من المصابة، أدرك أسلان أن لا جدوى من محاولة إنقاذها.
ولم يقل أحد شيئًا بعدها. فقط بقوا بجانبها بصمت.
ردّدت مارثا كلمات كايين وهي شاردة الذهن.
“كنت أظن أنه إذا رأى طُعمًا مناسبًا، فسيبدأ البحث من الأماكن التي يعرفها. ترى ماذا فاتني؟ ربما كان عليّ أن أترك والدي وشأنه، كما قال بالأمس؟”
الطريق إلى قمة الجرف كان وعرًا، والهواء باردًا.
كانت قدماها تتقدمان رغمًا عنها، وكأن شيئًا خارج إرادتها يقودها.
استفاق أسلان من غفوته وهو مستند إلى الجدار، وقفز واقفًا، بينما كان بارت قد انتصب واقفًا بالفعل يراقب الداخلين بحدّة.
ففي أحد الأيام، حين كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة، ضربها جيروم الثمل في بطنها.
“لكن إن مات أبي بسرعة، ألن يبدأو بالتفتيش في أماكن لا داعي لها؟”
اتسعت عيناه فجأة بدهشة حقيقية، وبدت بياضهما جليًّا، وكأن الخوف قد شلّ وجهه.
الطريق إلى قمة الجرف كان وعرًا، والهواء باردًا.
ربما كان الأمر محض صدفة.
“قتلي لأسلان بسهولة جعلني أشعر بالغثيان. أردت فقط شراء يومٍ إضافي… لكن يبدو أنني طمعت كثيرًا.”
وعندما تكلم أخيرًا، خرج صوته قاتمًا جدًا:
كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف، وقدماها تواصلان السير نحو حافة الجرف.
دُفعت الباب بقوة. بانغ !-
“لهذا السبب أحتاج إليك، أمي. إن فعلتِ هذا، سينتهي كل شيء.”
لطالما تخيّلت مارثا أن حياتها القاسية ستنتهي يومًا ما، لكنها لم تتخيّل أبدًا… أن النهاية ستكون بهذا الشكل.
كان ذلك… مرعبًا.
“الزعيم، أ-أنا بلّغت الجميع فور أن رأيتها ! لماذا …؟”
“على الأقل كنتِ مفيدة مرة واحدة، أمي.”
“…ما هذا؟”
فهاجس غامض كان يخبرها أن شيئًا مريعًا قد يحدث إن أخفقت في ذلك، وأن الخطر… لم يكن جيروم، بل الطفل نفسه.
وكان آخر ما فكّرت به قبل أن تطأ قدمها حافة الجرف… هو وجه كايين، وهو يبتسم لها للمرة الثانية.
“ظننت أنها مجرد مزحة سيئة، لكن هذا الصديق أكثر استعدادًا مما توقعت.”
“…!”
***
كان جمجمتها مهشّمة كما لو أنها سُحقت، ورغم أنها كانت لا تزال تتنفس، إلا أن بقاءها حيّة بدا مستحيلاً.
دُفعت الباب بقوة. بانغ !-
استفاق أسلان من غفوته وهو مستند إلى الجدار، وقفز واقفًا، بينما كان بارت قد انتصب واقفًا بالفعل يراقب الداخلين بحدّة.
وقبل أن يسألهم عمّا يجري، تقدّم أحد الرجال، بوجه متجهّم، وأصدر أمرًا:
وقبل أن يسألهم عمّا يجري، تقدّم أحد الرجال، بوجه متجهّم، وأصدر أمرًا:
“…!”
“استعد. أحدهم سقط من الجرف.”
كانت الضحية، التي التوت أطرافها في اتجاهات شتى، ممددة وسط بركة من دمها، ورائحة الدم تملأ المكان.
سقط من الجرف؟ الجرف العالي غربًا؟
لا يمكن أن تكون نهايته جيدة.
لكنّه سرعان ما أدرك أنه كان مخطئًا.
هذا ما خطر في بال أسلان.
كانت الضحية، التي التوت أطرافها في اتجاهات شتى، ممددة وسط بركة من دمها، ورائحة الدم تملأ المكان.
لكن الجو المشحون الذي دخل به الرجال لم يكن طبيعيًا أبدًا…
مرعبًا إلى حدٍ لا يُحتمل.
يبدو أن الشخص الذي سقط لم يكن عاديًا على الإطلاق.
“استعد يا أسلان. علينا مغادرة هذا المكان فورًا.”
بسرعة، جمع أسلان بعض الأدوية الطارئة، ومسكنات الألم، والضمادات، ثم خرج من الكوخ برفقة بارت.
وعندما وصلا إلى أسفل الجرف، كان عدد لا بأس به من الناس قد تجمع حول المكان.
حتى قبل أن يقترب من المصابة، أدرك أسلان أن لا جدوى من محاولة إنقاذها.
كانت الضحية، التي التوت أطرافها في اتجاهات شتى، ممددة وسط بركة من دمها، ورائحة الدم تملأ المكان.
ولم يتعرف عليها إلا عندما اقترب بما فيه الكفاية: كانت مارثا.
وكان جيروم، بوجهه المتجهم، واقفًا بصمت يحدّق بها وهي على ذلك الحال المروع.
دُفعت الباب بقوة. بانغ !-
في البداية، ظنّ أسلان أن سبب حالته هو صدمة موت والدته، فتمتم ساخرًا في داخله:
وبينما خيّم الصمت على الجميع، أسرع أسلان نحو مارثا وركع بجانبها.
وكان آخر ما فكّرت به قبل أن تطأ قدمها حافة الجرف… هو وجه كايين، وهو يبتسم لها للمرة الثانية.
لكنه مهما فكّر، لم يجد ما يمكن فعله.
ويبدو أن بارت يفكر بنفس الطريقة.
كان جمجمتها مهشّمة كما لو أنها سُحقت، ورغم أنها كانت لا تزال تتنفس، إلا أن بقاءها حيّة بدا مستحيلاً.
“…!”
كانت حدقتاها، المفتوحتان على اتساعهما، تتحركان بلا تركيز، ووميضهما عشوائي.
“…من الذي عثر عليها؟”
اقترب بارت بهدوء وجلس بجانب أسلان، ثم ناوله كيسًا صغيرًا من الأعشاب التي أحضراها.
نظر أسلان إلى وجه بارت للحظة، ثم أخذ الكيس، وأشعل قدّاحة، فاشتعلت الأعشاب ببطء، وبدأت رائحة دوائية ثقيلة تنتشر في الهواء.
كانت مارثا جالسة في الكوخ، تحدّق في الفراغ، حين دخل جيروم ينظر إليها بتوتر.
“…ما هذا؟”
عينيه السوداوين، العميقتين كأنهما لا تعكسان ضوءًا، امتصّتا انعكاس حالتها الحزينة، بل وكأنهما سحبتا روحها معها.
وجه بارت كان دائمًا باردًا، أما الآن، فقد بات عديم التعابير تمامًا.
سأل جيروم بصوت مكتوم.
لا يمكن أن تكون نهايته جيدة.
فأجابه أسلان، “عشبة ذات تأثير مسكن… قد تخفف من ألمها قليلًا.”
“…”
ردّدت مارثا كلمات كايين وهي شاردة الذهن.
كانت حقًا ضربة رائعة.
ولم يقل أحد شيئًا بعدها. فقط بقوا بجانبها بصمت.
تساءلت مرارًا إن كانت تظلمه بكرهها وخوفها من كايين الذكي والمترقّب، الذي حلّ محل جنينها الذي لم يولد.
ومع مرور الوقت، توقّف تنفّسها تمامًا، واتسعت حدقتاها وجمدتا.
تساءلت مرارًا إن كانت تظلمه بكرهها وخوفها من كايين الذكي والمترقّب، الذي حلّ محل جنينها الذي لم يولد.
أغلق جيروم عيني مارثا بيده، وظل يضع كفه فوق جفنيها طويلًا دون أن يتفوّه بكلمة.
وعندما تكلم أخيرًا، خرج صوته قاتمًا جدًا:
نظر أسلان إلى وجه بارت للحظة، ثم أخذ الكيس، وأشعل قدّاحة، فاشتعلت الأعشاب ببطء، وبدأت رائحة دوائية ثقيلة تنتشر في الهواء.
صَدم، دقّ.
“…من الذي عثر عليها؟”
“ما الذي كنت تفعله بحق الجحيم؟”
“هانز من فريق البحث. كان في إجازة اليوم وكان يقطع الحطب…”
فالحقيقة خلف الحادثة لم تعد تهم، إذ لم يعد بالإمكان التنبؤ بمكان سقوط غضب ذلك الزعيم السيء الطبع في المرة القادمة.
“احبسوه في الحظيرة.”
ورغم أن الإصابة كانت شديدة لدرجة أنه لم يستطع المشي بشكل طبيعي بعدها، إلا أن كايين، ما إن فتح عينيه، حتى حدّق في مارثا بصمت.
ترددت شهقة خافتة بين الرجال.
أغلق جيروم عيني مارثا بيده، وظل يضع كفه فوق جفنيها طويلًا دون أن يتفوّه بكلمة.
وانهار هانز، الذي شحب وجهه، راكعًا أمام جيروم وهو يرتجف.
“ما الذي كنت تفعله بحق الجحيم؟”
“الزعيم، أ-أنا بلّغت الجميع فور أن رأيتها ! لماذا …؟”
وبمجرد أن لمح بعضهم غضبه المتأجج، كما لو كان على وشك قتل أحدهم، أمسكوا بهانس المرتجف وتراجعوا بخوف.
“إذًا أخبرني، من الذي دفع مارثا من فوق الجرف.”
ولم يتعرف عليها إلا عندما اقترب بما فيه الكفاية: كانت مارثا.
“…ماذا؟”
في أحد الأيام، وبينما كانت في الخارج تغسل الملابس مع النساء الأخريات، عاد جيروم إلى المنزل مبكرًا وهو صاحٍ هذه المرة، لكنه فجأةً ضرب الطفل.
تجاهل جيروم دهشته ، وقال ببرود:
“…ما هذا؟”
“إن لم يدفعها أحد، فأنت الفاعل.”
سُمّي الطفل “كايين”، وسرعان ما بدأ يكبر.
لكن كايين… بدا وكأنه فهم تمامًا.
“هذا مستحيل…”
“ما الذي كنت تفعله بحق الجحيم؟”
وعندما تكلم أخيرًا، خرج صوته قاتمًا جدًا:
كثيرًا ما سألت مارثا نفسها هذا السؤال وهي تحدّق في وجه الطفل البريء وهو نائم.
نهض جيروم ببطء، وألقى نظرة على رجاله.
وبمجرد أن لمح بعضهم غضبه المتأجج، كما لو كان على وشك قتل أحدهم، أمسكوا بهانس المرتجف وتراجعوا بخوف.
أغلق جيروم عيني مارثا بيده، وظل يضع كفه فوق جفنيها طويلًا دون أن يتفوّه بكلمة.
حدّق جيروم بهم قليلاً، ثم وجّه نظره إلى أسلان، الذي كان لا يزال جالسًا إلى جانب مارثا.
“اقتلْه!”
كانت نظراته حادّة إلى درجة جعلت أسلان يتجمّد في مكانه كما يتجمّد فأر أمام أفعى.
“من يسمّون أنفسهم معالجين… لا فائدة منهم على الإطلاق.”
كلما لم تُطعمه في الوقت المناسب، أو عجزت عن إمساكه عندما يتعثّر أثناء اللعب، كانت عيناه السوداوان تحدّقان بها بجمود، فتشعر بانقباضٍ في صدرها ورعبٍ لا يوصف.
تفوه جيروم بكلماته كما لو كان يبصق مرارةً يمضغها، ثم استدار وغادر المكان.
أما من تبقى عند أسفل الجرف، فقد وقفوا عاجزين عن الفعل، يتبادلون النظرات الحائرة.
فالحقيقة خلف الحادثة لم تعد تهم، إذ لم يعد بالإمكان التنبؤ بمكان سقوط غضب ذلك الزعيم السيء الطبع في المرة القادمة.
“قتلي لأسلان بسهولة جعلني أشعر بالغثيان. أردت فقط شراء يومٍ إضافي… لكن يبدو أنني طمعت كثيرًا.”
كانت حقًا ضربة رائعة.
أسلان أيضًا كان يفكر في كلمات جيروم الأخيرة، حين سُمع فجأة صوت سقوط شخص أرضًا.
ربما كانت عيناه السبب.
كان كايين.
كان جسده يرتجف بالكامل، ووجهه شاحبًا كما لو رأى شبحًا.
في البداية، ظنّ أسلان أن سبب حالته هو صدمة موت والدته، فتمتم ساخرًا في داخله:
وكانت نظرته… تبعث القشعريرة في الجسد.
“إذًا هذا الحثالة يملك جانبًا إنسانيًا بعد كل شيء.”
وبعد أن حدّق في كايين طويلاً بعينيه الحادتين كسكاكين مسنونة، فتح بارت فمه أخيرًا.
“…بارت؟”
لكنّه سرعان ما أدرك أنه كان مخطئًا.
“مـ… مـاذا؟ كـ… كيف…؟!”
فكايين لم يكن ينظر إلى جثة والدته، بل إلى شيء آخر.
بل أدق، كان يحدق في شيء يقف بجوار أسلان…
كانت الضحية، التي التوت أطرافها في اتجاهات شتى، ممددة وسط بركة من دمها، ورائحة الدم تملأ المكان.
وكان المدهش أن بارت لم يبدو وكأنه يستخدم أي هالة على الإطلاق.
“…بارت؟”
سقط من الجرف؟ الجرف العالي غربًا؟
كان بارت وكايين يحدّقان في بعضهما.
هل كان السبب أنها لم تنجبه؟ هل هذا هو ما جعلها غير قادرة على محبته بما يكفي؟
ولما التفت أسلان نحوه دون تفكير، صُدم لدرجة أنه حبس أنفاسه للحظة.
“…أنت، من تكون؟”
وجه بارت كان دائمًا باردًا، أما الآن، فقد بات عديم التعابير تمامًا.
ومع ذلك، كان هناك غضب مكبوت قوي يُبث منه بهدوء، غضب لا يمكن مقارنته حتى بصخب جيروم وعنفه.
خرج صوته هادئًا، لكنه مشحون بالغضب المقيد بإحكام، لدرجة جعلت القشعريرة تسري في جسد أسلان.
ربما كانت عيناه السبب.
في عينيه، اللتين انعكس فيهما ضوء الظهيرة بوميض فضي غريب، كان يكمن برود جليدي يجعل من يُشاهد تلك النظرة يشعر كأن الهواء ذاته يتجمد.
وليس من المستغرب أن يرتجف كايين تحت وطأة تلك النظرات القاسية.
وبعد أن حدّق في كايين طويلاً بعينيه الحادتين كسكاكين مسنونة، فتح بارت فمه أخيرًا.
لكن مارثا، التي قضت معظم وقتها بجواره، كانت الوحيدة التي تشعر بعدم الارتياح نحوه.
خرج صوته هادئًا، لكنه مشحون بالغضب المقيد بإحكام، لدرجة جعلت القشعريرة تسري في جسد أسلان.
وفي لحظة، لوّح بارت بذراعه وضرب الرجل الواقِف أمامه.
“إذًا هذا الحثالة يملك جانبًا إنسانيًا بعد كل شيء.”
“هل كان من فعلك أن تتحوّل أرواح هذا الجبل إلى هذا المصير؟”
“اقتلْه!”
“…أنت، من تكون؟”
“…!”
“كنت أراقب لأرى أي خلل قد يؤدي إلى أفعال كهذه، لكن ما حدث تجاوز حدود المعقول ، ما الذي كنت تأكله طوال هذه المدة ؟ هل تدرك معنى ما تفعله ؟”
“لهذا السبب أحتاج إليك، أمي. إن فعلتِ هذا، سينتهي كل شيء.”
تستهلك؟ ماذا يعني؟
أسلان، الحائر من الكلام الغامض، نظر باستغراب.
لكن كايين… بدا وكأنه فهم تمامًا.
اتسعت عيناه فجأة بدهشة حقيقية، وبدت بياضهما جليًّا، وكأن الخوف قد شلّ وجهه.
“…”
“مـ… مـاذا؟ كـ… كيف…؟!”
بدأ كايين يتراجع إلى الوراء، يتصبب عرقًا، ولا يزال جالسًا على الأرض.
في تلك اللحظة، لاحظ بعض قطاع الطرق أخيرًا الجوّ المشحون، وتدخلوا بخوف.
ردّدت مارثا كلمات كايين وهي شاردة الذهن.
اتسعت عيناه فجأة بدهشة حقيقية، وبدت بياضهما جليًّا، وكأن الخوف قد شلّ وجهه.
كانوا هم أولئك اللصوص الذين كانوا يراقبون أسلان منذ الصباح.
أكمامهم، وضيقوا طوقهم بحركات وجوه قاتمة.
ورغم أن الإصابة كانت شديدة لدرجة أنه لم يستطع المشي بشكل طبيعي بعدها، إلا أن كايين، ما إن فتح عينيه، حتى حدّق في مارثا بصمت.
أكمامهم، وضيقوا طوقهم بحركات وجوه قاتمة.
كان جمجمتها مهشّمة كما لو أنها سُحقت، ورغم أنها كانت لا تزال تتنفس، إلا أن بقاءها حيّة بدا مستحيلاً.
لكن، بعدما غادر معظم قطاع الطرق مع جيروم، بدا أن القليل من اللصوص المتبقين، باستثناء بعض النهبين، كانوا مرتبكين بشأن ما يفعلونه بأسلان وبارت.
“ظننت أنها مجرد مزحة سيئة، لكن هذا الصديق أكثر استعدادًا مما توقعت.”
في تلك الأثناء، تمكن كايين المتمايل من النهوض وبدأ يعرج مبتعدًا.
كانت تلك فرصتهم الوحيدة الآن، فكر أسلان.
لكنّه سرعان ما أدرك أنه كان مخطئًا.
وبالنظر إلى مزاج جيروم الأخير، لم يبدو أنه ينوي الحفاظ على سلامة أسلان وبارت بعد الآن.
بسرعة، جمع أسلان بعض الأدوية الطارئة، ومسكنات الألم، والضمادات، ثم خرج من الكوخ برفقة بارت.
ويبدو أن بارت يفكر بنفس الطريقة.
لكن مأساة أخرى وقعت عليها قريبًا.
دُفعت الباب بقوة. بانغ !-
“استعد يا أسلان. علينا مغادرة هذا المكان فورًا.”
صارت مارثا امرأة جيروم، زعيم قطاع الطرق.
صَدم.
وفي لحظة، لوّح بارت بذراعه وضرب الرجل الواقِف أمامه.
كان جمجمتها مهشّمة كما لو أنها سُحقت، ورغم أنها كانت لا تزال تتنفس، إلا أن بقاءها حيّة بدا مستحيلاً.
لا، لم تكن ضربة باليد… لقد انغرزت جبين الرجل بشكل واضح على هيئة قيد اليد.
“إنه… جميل”، تمتمت والدموع تنهمر على وجهها وهي تبتسم.
“…!”
“ذلك الوغد!”
“إذًا هذا الحثالة يملك جانبًا إنسانيًا بعد كل شيء.”
“اقتلْه!”
هاجم قطاع الطرق المحيطون جميعهم مرة واحدة.
“اقتلْه!”
وفي وقت قصير، تمكن بارت من إسقاطهم جميعًا وهم يتأوهون على الأرض.
“ذلك الوغد!”
وكان جمالها معروفًا في المنطقة، حتى أن سكان البلدة ظلّوا يتكهّنون بأنها ستصبح قريبًا خليلة لأحد النبلاء وتعيش في رغد وثراء.
صَدم، دقّ.
كان من الصعب تصديق أن رجلاً يبدو هزيلًا قادر على إسقاط قطاع الطرق بكل سهولة.
لكنّه سرعان ما أدرك أنه كان مخطئًا.
كانت حقًا ضربة رائعة.
في أحد الأيام، وبينما كانت في الخارج تغسل الملابس مع النساء الأخريات، عاد جيروم إلى المنزل مبكرًا وهو صاحٍ هذه المرة، لكنه فجأةً ضرب الطفل.
وبمجرد أن لمح بعضهم غضبه المتأجج، كما لو كان على وشك قتل أحدهم، أمسكوا بهانس المرتجف وتراجعوا بخوف.
كان من الصعب تصديق أن رجلاً يبدو هزيلًا قادر على إسقاط قطاع الطرق بكل سهولة.
وعندما وصلا إلى أسفل الجرف، كان عدد لا بأس به من الناس قد تجمع حول المكان.
فقط كان يتفادى اللكمات المتساقطة عليه كالعاصفة، ثم يوجه لكمة… لا، قيدَ يدٍ إلى نقاطهم الحيوية على أقصر مسار.
نظر أسلان إلى وجه بارت للحظة، ثم أخذ الكيس، وأشعل قدّاحة، فاشتعلت الأعشاب ببطء، وبدأت رائحة دوائية ثقيلة تنتشر في الهواء.
وكان جيروم، بوجهه المتجهم، واقفًا بصمت يحدّق بها وهي على ذلك الحال المروع.
وكان المدهش أن بارت لم يبدو وكأنه يستخدم أي هالة على الإطلاق.
لطالما تخيّلت مارثا أن حياتها القاسية ستنتهي يومًا ما، لكنها لم تتخيّل أبدًا… أن النهاية ستكون بهذا الشكل.
كان فعلاً يحرك الأصفاد الثقيلة والسلاسل بكفاءة، محطمًا رؤوس قطاع الطرق.
“كنت أراقب لأرى أي خلل قد يؤدي إلى أفعال كهذه، لكن ما حدث تجاوز حدود المعقول ، ما الذي كنت تأكله طوال هذه المدة ؟ هل تدرك معنى ما تفعله ؟”
سرعان ما لم يبقَ أي قطاع طريق واقفًا في أسفل الجرف.
تركوا جميعًا أثر الأصفاد على رؤوسهم كما لو كان ختمًا.
وكان جمالها معروفًا في المنطقة، حتى أن سكان البلدة ظلّوا يتكهّنون بأنها ستصبح قريبًا خليلة لأحد النبلاء وتعيش في رغد وثراء.
قوة الأصفاد التي يمكنها بسهولة سحق الرسغ كانت فعلاً هائلة.
كان جسده يرتجف بالكامل، ووجهه شاحبًا كما لو رأى شبحًا.
حتى بارت، المستخدم لها، بدا مندهشًا من القوة التدميرية.
وجه بارت كان دائمًا باردًا، أما الآن، فقد بات عديم التعابير تمامًا.
حدق في معصمه للحظة، ثم تمتم بإعجاب:
ومع ذلك، كان هناك غضب مكبوت قوي يُبث منه بهدوء، غضب لا يمكن مقارنته حتى بصخب جيروم وعنفه.
“ظننت أنها مجرد مزحة سيئة، لكن هذا الصديق أكثر استعدادًا مما توقعت.”
كانت حقًا ضربة رائعة.
ورغم أن الزواج فُرض عليها قسرًا ولم يكن باختيارها، فقد تأقلمت مع حياتها الجديدة سريعًا.
