أصحو، أعتني بحقلي الصغير، كوني أحب التسوق فجراً، أخرج باكراً لشراء بعض الحاجيات.. أحيانا أجلس في محطة القطار على طريق العودة، وأعود بعدها فأفطر، ثم أعمل على الترجمة لساعات طِوال.. في نهاية اليوم، أجلس أتأمل البحيرة أو الحقل، أتعشى، ثم أنام، فأصحو من جديد.
هكذا دارت حياتي لسنوات، رتيبة ووديعة، لكني الآن، وأنا أفتح حاسوبي، أتساءل عما إذا كان لقاء الصباح سيكسر هذه الرتابة.
كنت قد وطأت محطة القطار برهةً قبل انجلاء الظلام.. بحكم العطلة، كانت المحطة مُقفرة، ممراتها باردة تمتد طويلا.. هبطتُ أدراجاً عديدة، ومشيت حتى بلغتُ باب الرصيف. تفحصت جانِبَيَّ، فوجدتُ مقاعد معدنية مرصوصة، على يساري، تراءت لي هيئة أنثى؛ شقراء بيضاء بنظارات وملابس سوداء، تغفو في حضنها باقة زهور زرقاء طويلة، وفي يدها، بالقرب من وجهها زهرة تدوِّرُها ببطء، اتجهت يميناً وأخذت مقعداً، مسترجعاً انفاسي بعد المشي.
أخرجت بعدها ساعة جيبي، ونظرت إلى عقاربها، مستمعًا إلى تكّاتها البارزة في الصمت، ثم أعدتها.
تبدد الصمت فجأة عبر نداءات مذياع وأضواء تنبيهية تعلن اقتراب القطار، كانت المصابيح الصغيرة بارزة في الرصيف المعتم. بعد دقائق، انبعث ضوء شديد من جوف النفق، تصاعدت الجلبة، ثم أطل القطار مسرعاً، ليستقر وادعاً فاتحاً أبوابه. على جوانبه المعدنية رأيت ملامحي: شعرًا قصيرًا، وشاربًا ولحيةً خفيفتين، وعينين بنيتين. مكث القطار دقائق ثم انطلق واهباً دِفْئاً في هذا البرد، وخطوطاً رسمها من أضواء حجراته ونوافذه عبرت جسدي ووجهي بحنان لطيف. عندها شعرت بنظرة، كانت المرأة على يساري والتي لم تفصلني عنها مسافة بعيدة تحدق فيّ.
في اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا، تسمّرت عيناها، انتفضت واقفةً مع رحيل أضواء القطار، فسقطت باقة الزهور الزرقاء من حضنها، ثم تداركت نفسها وعادت لالتزام مقعدها، فأشحتُ ببصري عنها..
أردت الاستمتاع بالسكون بيدَ أنّ وقعَ خطى مقتربة حال بيني وبين ذلك، وما إن سكن الوقعُ حتى لاح ظلها. جلستْ يفصلنا مقعدان، حزرتُ مرادها فلم أفلح، بعد وهلة من الصمت نبستْ بنبرة وقورة ومريحة “اليوم ذكرى وفاة أخي..”
استحضر عقلي لسبب ما حينها فكرت في بطل رواية “الأستاذ” للكاتبة شارلوت برونتي وحديثه عن نبرة الصوت ودلالته على ذكاء صاحبه، أن الصوت هو العصب العاري الذي لا يمكن ترويضه. وهي قناعة أؤمن بها رغم يقيني بأن الصوت يأتي ثانياً بعد العيون في القدرة على إيصال المشاعر.
صمَتَتْ برهة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة لا تصل لعينيها لتكمل: “كان ينبغي أن أكون عند قبره الآن.”
نظرت إلى الزهرة في يدها، ثم ردتها للباقة.
“لكنني لم أستطع.”
رفعت عينيها إليّ مجددًا، وظلت تحدق في وجهي لحظات، مضيفة:
“إنه حقاً لأمرٌ عجيب.. كان يملك نظرتك الشاخصة ذاتها، حتى خلتُك إياه.. لا أقوى على الذهاب إلى القبر بمفردي، فهل لك أن ترافقني؟”
التفتُّ صوبَها وتأمّلتُها عن قربٍ لأوّلِ مرّة. كانت عيناها الزرقاوان تحت النظارة آسرتين، لكنهما بدتا شبه شاردتين، كمن يعيش يومًا بائسًا. والغريب أن وجهها لم يشِ بأي حزن…
أو لعل ذلك طبيعي، لا أدري.
عدت للنظر أمامي، نقرت بسبابتي على فخذي؛ طلبها غريب، فأنا غريب عنها، أو لعله أمر عادي… أه.. هذه مساوئ انعزالي، لم أعد أفرق بين العادي وغير العادي، ملتُ برأسي وأنا أفرك رقبتي.
لقد حظيتُ بحلمٍ جميلٍ هذا الصباح.
أومأت برأسي، نظرت إليها… وأجبت بنبرة صوت جافة :”لا مانع…” فنهضَت وكذلك فعلتُ، وانطلقنا.
سرنا تجاه القبر الذي لم يبعد مسيرة عشرين دقيقة حسب قولها. كانت لديّ سيارة، لكن غُربتنا عن بعضنا كفّتني عن ذكرها.
كان منظر الشروق وأثره الساحر على المباني والطرق فاتناً، طارداً عن عيني آخر بقايا النعاس. عدت بنظري للفتاة أمامي، كانت فارعة الطول بمقاييس الإناث، تمشي باتزانٍ غريبٍ وخطى متسارعة لم أجدْ عناءً في مجاراتها. كانت تسند باقة الزهور إلى كتفها، وتطوقها بذراعيها كمن يضم طفلاً. جالَ بفكري أني أجهل اسمها، وفي اللحظة عينها، أبطَأَتْ من وتيرة سيرها والتفتت قائلة: “أوڤيليا.. لم أعرفك بنفسي بعد.”
تباطأت خطواتي لثانية، لتزامن خاطرينا، ثم استأنفت السير مومئاً “أرلوت..”
سألتني متفحصةً ملامحي: “أيوجد خطب؟” فهززت رأسي، رفعت حاجبها، لكنها لم تكرر السؤال.
ما لبثتُ أن ظننتُ الحديث قد انتهى حتى باغتتني بسؤالها: إن كان الجلوس في محطات القطار إحدى طقوسي. أجبت نوعا ما، وأردفت قائلا أني حلمت حلماً جميلا شعرتُ بارتباطه مع حلم قديم، سألتني بفضول إن كان مناسباً أن أحكي لها حلمي، فأبطأت من وتيرتي لأفكر، ثم قلت: ” إنها قصة طويلة، وقد لا تناسب موضعنا الحالي..”
نظرت بجمود قبل أن تقول: “سأقدر وجود ما يلهيني..”حيث نقلت بصرها نحو باقة الزهور الزرقاء في يدها..
صحيح، أومأت برأسي، ثم أخذت نفسًا عميقًا، واسترجعت تفاصيل الحلم قبل أن أحكيه:
“كنتُ في السادسة أو السابعة، حين استهل الحلم بي وبوالديّ وجدي ونحن ندلف إلى محطة قطار غريبة، بدايةً؛ انبعثتْ منها رائحة مريحة تشبه رائحة السيارات الجديدة، وقد كنت مُتيماً بتلك الرائحة فسرت في أوصالي قشعريرة غامرة.. مشهد المكان كان الأعجب؛ الأرضية والحوائط والأعمدة وصناديق المشروبات، كلها كُسيت ببياضٍ ناصع، تشقُّه خطوط زرقاء ورمادية، بينما تناثرت في الأرجاء مصابيح برتقالية.. كانت المحطة كسفينة فضاء مغشاة بجرائد لا تحصى.”
“شعرت بأني في حلم، فأيقنت أني أحلم، وقفت برفقة أهلي نترقب القطار، ولم أنتبه إلا متأخراً لوجوده رابضاً أمامنا على الرصيف منذ وقت غير معلوم، غير أن أبوابه المعدنية موصدة.. لم أتحرك من مكاني؛ فقد تجرعتُ وبقساوة في سن مبكرة أن العبث والتسكع في أماكن كهذه فعلٌ غير لائق، ولهذا فرضتُ على نفسي البقاء متسمراً، مكتفياً بالنظر حولي.. وبشكل طبيعي انتهى الحلم، واستيقظت بمرارة شديدة، متمنياً أن أحلم بالمكان مجدداً كي ألهو، ولو لمرة واحدة، أذكر أنني صليت طويلًا قبل أن أنام…”
توقفتُ لأستجمع أنفاسي وأفكاري؛ إذ كانت تمضي عليّ أيامٌ كثيرة لا أنطق فيها بحرف. نظرتُ أمامي نحو الطريق، وفي منتصف صمتي، سرقتُ بضع نظراتٍ بطرف عيني إلى أوفيليا؛ كانت تبدو وكأنها تعيش حلمي، وقد جذب بصري حركةُ أصابعها وهي تعبثُ بشريط باقتها.. ثم أكملتُ حديثي:
“وقد أتاني الحلم مجددا.. وبمزيج من الخوف وعدم التردد، أفلتُّ يدَ والدتي.. لم تلتفتْ لي، فانسحبتُ ببطء، وما إن ابتعدت حتى رحتُ أركضُ مأخوذاً بحماس استكشاف المكان… بدت المحطة في أول الأمر صغيرة محدودة، لكنها كانت واسعة كفضاء لا ينتهي، قضيت ما بدا في ذاكرتي أنه ساعات من البهجة الخالصة.. ثم انتهى الحلم مجددا، وقد كنت راضياً، حتى حلمت به المرة الثالثة على التوالي.. كان ولا يزال أمراً غيرَ معقول، ولذا، وبفكرة أن الحلم قد لا يأتي مجدداً، لم أكبح جماح نفسي؛ درت حول الأعمدة، ثم وقفت قبالة صناديق المشروبات أعبث بأزرارها، مراقباً ومضاتها، وركضت كالمجنون عبر الرصيف مستمعا إلى صدى صيحاتي، وإذا أدركني الإعياء، كنت أكتفي بالاستلقاء على ظهري، محدقا في السقف إلى أن ينتهي الحلم، فيعود في اليوم التالي أو بعد بضعة أيام، كانت الأحلام طويلة، لكنني ما إن أستيقظ حتى أجدها قصيرة، كأنني شاهدت فيلمًا طويلًا في دقائق، فكرت لاحقًا: أكانت فرحتي هي السبب؟ فعندما تسعد… لا تأبه بالوقت؟
“على كل حال، تباعدت الأحلام بعد ذلك، لكنني ما زلت أحلم بشكل متكرر، حتى صار النوم أفضل شيء في حياتي بعد أن كان أسوأها… استمر الحال لسنوات، حتى بلغت العاشرة، عندما مات جدي إثر مرض… واختفى الحلم..”
وما إن انتهيت حتى أدركت أننا وصلنا المقبرة منذ دقائق.
كانت أوفيليا تنظر إلى مدخل المقبرة، التفتت إلي بعينين شارذتين، قالت: “أعتذر لخسارتك”
“كان هذا منذ… آه… لا أعتقد أنني عزّيتك على وفاة أخيك. اعذريني، غفلت عن ذلك.”
غطت فمها بكفها، ثم أشارت بيدها إلى أنها لا تمانع، وقالت: “كان ذلك أجمل حلم سمعته في حياتي، تمنيت لو كنت جزءاً منه… وكذلك سردك ممتع، أحببته للغاية..”
أحلامي شيء أقدره، ولو سخر منها أحد، أعتقد بأني كنت لأنزعج، ولذا، أومأت برأسي شاكراً وأنا أفرك جانب رقبتي، لتكمل: “شكرا، لم أعد أشعر بأي ثقل.”
فأومأت برأسي فاهمًا، مع شعور طفيف بالراحة، لكنني استدركت سريعًا غرابة هذه الراحة؛ فمنذ متى شعرت بالراحة مع إنسان؟ هذا الفكر جعل مسارات تنفسي تضيق. شعورٌ بعدم ارتياح مع غريب، ورغبةٌ في الابتعاد، فأخذت نفسًا عميقًا وبدأ الشعور يقل، أخذت مشاعري تبتعد عن جسدي، أو لعلني أنا من ابتعدت عنه؛ كنت أرى جسدي أشعر بعدم راحة من بعيد، أشعر بأني أشعر بعدم الراحة، لكني لا أفعل.
هممتُ بالمغادرة مع اختفاء الإنزعاج، مستأذناً بعد أن ترك جسدي إيماءة وكلمات الأخيرة: “اعتني بنفسك..”
خطت قدماي خطوتين وأنا أسمع أوفيليا تكرر نداء اسمي، فالتفت إليها، تقدمت إلي، ظلت تحدق في وجهي برهة، ثم مدت ذراعها طالبة أن أمد يدي، فمددتها دون جدال.
أمسكت أوفيليا يدي بيدها الاثنتين، بدأت تضغط برفق، بأيديها الناعمة على كفي.
لم أشعر بشيء.
نظرتْ في عينيّ مباشرة، ونبست بنبرة هادئة وبطيئة، سائلة “أتشعر بأنك خارج جسدك؟”
فشعرت بنظراتها هذه المرة تخترق جسدي، وتنفذ إليّ، فاتسعت عيناي.
كيف عَرفت؟
وكأنها سمعت تساؤلي في ذهني، ابتسمت.
_______
.
.
نهاية الفصل الأول.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.