«أبي، أسمعُ أصواتًا غريبة من الخارج.»
انزلق ما كانت تحمله بين ذراعيها بعيدًا عن قبضتها، ليكشف عن طفل صغير، أصغر من سو يون.
«أوه، صغيرتي سو يون، لماذا لم تخلدي إلى النوم بعد؟»
«أرجوكم! ساعدوني!»
«تلك الأصوات الغريبة… تُخيفني.»
كان صوت امرأة، لكن بدا بعيدًا. وكأنه صدى يخترق الظلام الكثيف الذي يغمر الخارج.
اقتربت سو يون مني بخطوات مترددة، وهي تفرك عينيها الغائمتين من أثر النعاس. بدا القلق جليًّا في صوتها، صغيرًا، هشًّا كأنها تخشى أن يلتهمه الليل.
كانوا يطاردونها بطريقة مريعة؛ أذرعهم تتأرجح بلا انتظام، ورؤوسهم تهتز في حركة غير طبيعية. لم يكن ذلك ركضًا… بل أشبه بمشهد من مطاردة مفترس لفريسة متهالكة.
أطلت النظر إلى ابنتي، التي بالكاد بدأت عامها الأول في المدرسة الابتدائية، وأحاطتني مشاعر متداخلة؛ خليط من الخوف عليها والرغبة في حمايتها من عالم يتداعى.
في تلك اللحظة، عبثت سو يون بأصابعها ببراءة وسألت بلهفة: «متى ستعود أمي؟»
انحنيت على ركبتي حتى صرت في مستوى عينيها، ثم ربتُّ على رأسها بلطف، متحسسًا نعومة شعرها في محاولة لتهدئتها.
«بابا ليس متأكدًا أيضًا من ماهية تلك الأصوات.»
«أبي!»
«همم… إنها تبدو غريبة.»
كانت تحدق نحو الطابق الخامس… حيث أقف.
«بابا يشعر بذلك أيضًا. لكن… ما رأيكِ أن تتركي بابا يتحقق منها بينما تعود صغيرتنا سو يون إلى فراشها الدافئ؟»
منذ بدء هذه الأحداث، فقدت إحساسي بالوقت. غدت أيامي مجردة من الألوان، خالية من أي نشاط يستحق الذكر سوى انتظار قدوم فريق الإنقاذ. ووسط هذا الفراغ، لم يكن لي إلا نافذتي، أراقب من خلفها العالم الخارجي بعينين مثقلتين بالقلق.
«لا… أشعر بالخوف عندما أكون وحدي. أريد البقاء معك يا أبي.»
شعرت بقدميَّ تخونانني، فسقطت على الأرض، منهارًا تحت وطأة الخوف. أيقظ الصوت سو يون، التي جاءت نحوي وهي تفرك عينيها بنعاس.
«…»
وضعت يدي على فمها وهمست بصوت مرتجف: «لا بأس، كل شيء سيكون على ما يرام.»
في تلك اللحظة، تعثرت الكلمات في حلقي، عاجزةً عن التسلل من بين شفتيَّ.
ومع ذلك، حين أمعنت النظر في ملامحها، لم أرَ أي علامات تدل على الألم أو اليأس على وجهها. على العكس، حملت عيناها نظرة شوق، وهي تلوِّح بذراعيها ببطء، كأنها تحاول الوصول إلى شيءٍ ما. وفي كل مرة تفعل ذلك، أدركت تمامًا ما حاولت الوصول إليه—
في الآونة الأخيرة، بدأت وسائل الإعلام تبث تقارير متزايدة حول انتشار فيروس جديد، يُعتقد أنه يعطل وظائف العقل؛ مما يُفقد المصابين السيطرة على ذواتهم، تاركًا إياهم لنزعاتهم العنيفة.
رغبت في أن أغض الطرف، أن أهرب بعيدًا… لكنني لم أستطع.
لم يمر يوم دون أن تنطلق التحذيرات في جميع أنحاء المدينة، تحث المواطنين على ضرورة البقاء داخل منازلهم. لكن ما لبثت تلك التحذيرات أن اختفت مثل سائر الأمور مع انقطاع الكهرباء، لتترك المدينة غارقةً في صمت موحش.
ظللت أكرر تلك العبارات المطمئنة، لكنني كنت أعلم في أعماقي أنها مجرد كلمات خاوية من المعنى، تلفظت بها دون أي اعتبار جاد.
ومن ثم، انقلب العالم رأسًا على عقب.
تعالت الصرخات المفزعة كل يوم مئات، إن لم تكن آلاف المرات، تغزو عقول الناجين، وتجبرهم على الهروب بعيدًا إلى أعمق الأماكن وأكثرها ظلمةً.
تعالت الصرخات المفزعة كل يوم مئات، إن لم تكن آلاف المرات، تغزو عقول الناجين، وتجبرهم على الهروب بعيدًا إلى أعمق الأماكن وأكثرها ظلمةً.
تلك المخلوقات التي بدت بشرية… ليست سوى وحوش تلتهم البشر دون رحمة. كانت المرأة وطفلها يُسحبان إلى الموت، يُمزقان وهم ما زالوا على قيد الحياة.
كنت واحدًا من القلة الباقية على قيد الحياة، أترقب بفارغ الصبر مع ابنتي الصغيرة وصول فريق الإنقاذ.
ثم، أخيرًا، وقعت عيناي على امرأة ملقاة على الأرض بجواره. كانت ساقها اليمنى مفقودة، وجسدها يرتجف على نحوٍ متقطع.
منذ بدء هذه الأحداث، فقدت إحساسي بالوقت. غدت أيامي مجردة من الألوان، خالية من أي نشاط يستحق الذكر سوى انتظار قدوم فريق الإنقاذ. ووسط هذا الفراغ، لم يكن لي إلا نافذتي، أراقب من خلفها العالم الخارجي بعينين مثقلتين بالقلق.
عندما تلاقت أعيننا، شعرت وكأن قلبي قد سقط في جوفي، واجتاحتني موجة عارمة من الخوف والرهبة.
في تلك اللحظة، عبثت سو يون بأصابعها ببراءة وسألت بلهفة: «متى ستعود أمي؟»
شخصٌ يركض من بعيد، يشق طريقه عبر الظلام الحالك.
«حسنًا، بشأن أمك… سيحاول بابا الاتصال بها.»
«أمي… أمي…»
«أنا أفتقد أمي…»
كان الخارج مغمورًا بالظلام الدامس؛ مما خلق منظرًا مشؤومًا حقًا.
انعكس الحزن في عينيها بعد سماع جوابي، وسرى في ملامحها الصغيرة كظلٍ ثقيل. تأملت وجهها لبضع لحظات في صمت، غير قادر على تزييف الأمل.
تردد أنين الطفل في أنحاء المدينة، كاسرًا سكون الليل، ثم—
ليس هناك أمل في توفر خدمة خلوية في مثل هذا الوضع؛ لذا لا جدوى من المحاولة. فحتى ونحن في قلب سيول، غابت الإشارة الخلوية تمامًا؛ ما جعل التواصل معها ضربًا من المستحيل.
‹هل كانت ترتجف من شدة الألم، أم تتوسل طلبًا للمساعدة؟›
ثم انتقلت بنظري إلى التقويم المعلق على جدار المطبخ، ولم أتمالك نفسي من التنهد بحسرة عندما رأيت عدد الأيام المشطوبة بعلامة ”X“.
ارتجف عمودي الفقري بعنف، وكأن بردًا داخليًا قد اخترق عظامي، فأيقظ كل مخاوفي المتربصة.
عندما ظهر الفيروس لأول مرة، حاولت جاهدًا منع زوجتي من الذهاب إلى العمل. لكنها، دون أن تأبه لتحذيراتي، غادرت المنزل مرتدية قناعها كعادتها.
ما إن استفقت، حتى استدرت إلى يميني. شعرت بالراحة عندما شعرت بالنفس اللطيف القادم من هذا الجانب.
وقد مرَّت ثمانية أيام منذ ذلك الحين.
شعرت بقدميَّ تخونانني، فسقطت على الأرض، منهارًا تحت وطأة الخوف. أيقظ الصوت سو يون، التي جاءت نحوي وهي تفرك عينيها بنعاس.
بات الحفاظ على هدوئي وسط الكارثة التي تتكشف أمامنا في الخارج أمرًا بالغ الصعوبة. تلك الصرخات الغريبة التي ترددت في الليل، مرافقةً لصراخ الضحايا… لم تكن صرخات بشرية.
بشرية؟ لا، ليس من الصواب حتى أن نسميها كذلك. جاءت تلك الأصوات من مخلوقات تشبه البشر فقط.
بشرية؟ لا، ليس من الصواب حتى أن نسميها كذلك. جاءت تلك الأصوات من مخلوقات تشبه البشر فقط.
عندما تلاقت أعيننا، شعرت وكأن قلبي قد سقط في جوفي، واجتاحتني موجة عارمة من الخوف والرهبة.
كان الصوت مشوهًا، وكأن حناجرهم قد تمزقت، أو ربما أشبه بعويلٍ مروعٍ لا يُطاق.
انقضت تلك المخلوقات عليهما. وضعت يديَّ على فمي، محاولًا منع شهقة يائسة من الهروب. لم أستطع النظر بعيدًا، رغم أن كل ذرة في جسدي توسلت إلى ذلك.
أجلست سو يون على الأريكة، وتقدمت بحذر نحو النافذة. رفعت زاوية الستارة قليلًا لأرى ما يحدث في الخارج.
لست مختلفًا عنهم، حيث بقيت في مكاني عاجزًا عن الحراك كتمثال حجري، أتابع المشهد بعينين متجمدتين. خلفها، لاحقت مجموعة من تلك المخلوقات المجهولة جسدها المتهالك بخطوات متعثرة ومتشنجة.
تغلغل الدخان الرمادي الكثيف من العديد من المباني المقابلة، لكن لم أسمع صوتًا لسيارات الإطفاء. ما يعني أن الاتصال برقم الطوارئ ١١٩ ليس له أي جدوى.
‹من أين جاء هذا الصوت؟›
نظرت بوجهٍ كئيب نحو الطابق الأرضي خارج المجمع السكني. وهناك، عند المدخل، وقفت مجموعة من تلك المخلوقات المجهولة، كأشباح فقدت طريقها.
«ساعدوني، أرجوك ساعدوني!»
هناك، وقف رجل منحنيًا، يلوِّح بذراعيه ذهابًا وإيابًا. من الصعب معرفة ما يدور في عقله أو لماذا يتصرف بهذه الطريقة. ظلَّ الرجل مستمرًا في هذا السلوك الغريب لمدة ثلاثة أيام متواصلة.
‹هل يجب عليَّ مساعدتها؟ لا، ماذا سأحقق بهذا؟ علاوة على ذلك، ماذا لو تورطت وعرضت سو يون للخطر؟›
ثم، أخيرًا، وقعت عيناي على امرأة ملقاة على الأرض بجواره. كانت ساقها اليمنى مفقودة، وجسدها يرتجف على نحوٍ متقطع.
ثم، أخيرًا، وقعت عيناي على امرأة ملقاة على الأرض بجواره. كانت ساقها اليمنى مفقودة، وجسدها يرتجف على نحوٍ متقطع.
‹هل كانت ترتجف من شدة الألم، أم تتوسل طلبًا للمساعدة؟›
«لا تقلقي، كل شيء سيكون على ما يرام.»
ومع ذلك، حين أمعنت النظر في ملامحها، لم أرَ أي علامات تدل على الألم أو اليأس على وجهها. على العكس، حملت عيناها نظرة شوق، وهي تلوِّح بذراعيها ببطء، كأنها تحاول الوصول إلى شيءٍ ما. وفي كل مرة تفعل ذلك، أدركت تمامًا ما حاولت الوصول إليه—
لم يمر يوم دون أن تنطلق التحذيرات في جميع أنحاء المدينة، تحث المواطنين على ضرورة البقاء داخل منازلهم. لكن ما لبثت تلك التحذيرات أن اختفت مثل سائر الأمور مع انقطاع الكهرباء، لتترك المدينة غارقةً في صمت موحش.
كانت تحدق نحو الطابق الخامس… حيث أقف.
انعكس الحزن في عينيها بعد سماع جوابي، وسرى في ملامحها الصغيرة كظلٍ ثقيل. تأملت وجهها لبضع لحظات في صمت، غير قادر على تزييف الأمل.
عندما تلاقت أعيننا، شعرت وكأن قلبي قد سقط في جوفي، واجتاحتني موجة عارمة من الخوف والرهبة.
«بابا يشعر بذلك أيضًا. لكن… ما رأيكِ أن تتركي بابا يتحقق منها بينما تعود صغيرتنا سو يون إلى فراشها الدافئ؟»
في كل مرة يحدث ذلك، لم يكن لدي خيار سوى إغلاق عينيَّ بإحكام، وترك الستائر تنزلق؛ لتخفي ذلك المشهد الكابوسي خلفها.
وبعد لحظات، تعثرت المرأة بحجر وسقطت.
«أبي!»
تساءلت في صمت إن كانت غاضبة مني؛ لأنني لم أتمكن من الإجابة على جميع الأسئلة التي دارت في ذهنها.
نادَتني سو يون بصوت ضعيف مشوب بالخوف، قاطعةً سلسلة أفكاري.
‹من أين جاء هذا الصوت؟›
تقدمت نحوها واحتضنتها بشدة بين ذراعيَّ، محاولًا طمأنتها. عانقتني بدورها بإحكام، دون أن تنبس ببنت شفة، لكنني شعرت بالتوتر يشدُّ جسدها الصغير.
بشرية؟ لا، ليس من الصواب حتى أن نسميها كذلك. جاءت تلك الأصوات من مخلوقات تشبه البشر فقط.
تساءلت في صمت إن كانت غاضبة مني؛ لأنني لم أتمكن من الإجابة على جميع الأسئلة التي دارت في ذهنها.
في تلك اللحظة، كل ما تمنيته بصدق هو الاستيقاظ من هذا الكابوس الذي بدا بلا نهاية… تمنيته أكثر من أي شيء آخر.
ومع ذلك، مهما كان السؤال الذي تطرحه، لم يكن لديَّ خيار إلا أن أجيب بالعبارة ذاتها:
لست مختلفًا عنهم، حيث بقيت في مكاني عاجزًا عن الحراك كتمثال حجري، أتابع المشهد بعينين متجمدتين. خلفها، لاحقت مجموعة من تلك المخلوقات المجهولة جسدها المتهالك بخطوات متعثرة ومتشنجة.
«كل شيء سيكون على ما يرام، بابا هنا.»
انقضت تلك المخلوقات عليهما. وضعت يديَّ على فمي، محاولًا منع شهقة يائسة من الهروب. لم أستطع النظر بعيدًا، رغم أن كل ذرة في جسدي توسلت إلى ذلك.
* * *
«أبي…؟»
الشيء التالي الذي أتذكره هو أنني كنت نائمًا على الأريكة.
«أبي…؟»
ما إن استفقت، حتى استدرت إلى يميني. شعرت بالراحة عندما شعرت بالنفس اللطيف القادم من هذا الجانب.
«أرجوكم! ساعدوني!»
اقتربت من النافذة، ورفعت الستائر قليلًا مرة أخرى.
«أمي… أمي…»
كان الخارج مغمورًا بالظلام الدامس؛ مما خلق منظرًا مشؤومًا حقًا.
شعرت بقدميَّ تخونانني، فسقطت على الأرض، منهارًا تحت وطأة الخوف. أيقظ الصوت سو يون، التي جاءت نحوي وهي تفرك عينيها بنعاس.
لا أثر لأضواء مصابيح الشوارع، ولا النوافذ التي كانت تتلألأ في كل طابق. حتى الطرقات، التي كانت تعج بالسيارات في الماضي، صارت خاوية تمامًا.
وضعت يدي على فمي، أحاول كبح الأنين الذي كاد يتفجر من صدري. اجتاحتني موجة من الخوف والذهول، جعلتني أرتجف بلا سيطرة.
نقلت بصري نحو مدخل المجمع السكني، ولا تزال تلك المخلوقات المجهولة تقبع في مكانها، تواصل تكرار السلوك ذاته بلا كلل.
ها هو الرجل هناك، كما كان دائمًا، يلوح بذراعيه ذهابًا وإيابًا، غير مكترث بالوقت أو بما يحدث حوله.
ها هو الرجل هناك، كما كان دائمًا، يلوح بذراعيه ذهابًا وإيابًا، غير مكترث بالوقت أو بما يحدث حوله.
‹هل يجب عليَّ مساعدتها؟ لا، ماذا سأحقق بهذا؟ علاوة على ذلك، ماذا لو تورطت وعرضت سو يون للخطر؟›
تنهدت بعمق، خافضًا رأسي، متسائلًا إلى متى سيستمر كل هذا؟ وكم من الوقت عليَّ الانتظار حتى يصل فريق الإنقاذ؟ بدا لي هذا الانتظار وكأنه أمر ميؤوس منه.
أجلست سو يون على الأريكة، وتقدمت بحذر نحو النافذة. رفعت زاوية الستارة قليلًا لأرى ما يحدث في الخارج.
عدت إلى الأريكة وشفتي مضغوطة، حيث نامت سو يون بسلام، كطفلة رضيعة. ربتُّ على رأسها بحنان، وهمست في أذنها:
«لا تقلقي، كل شيء سيكون على ما يرام.»
«لا تقلقي، كل شيء سيكون على ما يرام.»
صوت صارخ شق سكون الليل، جعلني أقفز من مكاني كمَن لدغته النار. حدَّقت في الظلام، محاولًا التقاط مصدر الصوت.
كانت كلمات خافتة، يائسة، خداعٌ بسيط في محاولة لحمايتها من هذا الواقع القاسي.
أطلت النظر إلى ابنتي، التي بالكاد بدأت عامها الأول في المدرسة الابتدائية، وأحاطتني مشاعر متداخلة؛ خليط من الخوف عليها والرغبة في حمايتها من عالم يتداعى.
وفجأة—
* * *
«ساعدوني، أرجوك ساعدوني!»
«ساعدوني! أرجوكم!»
صوت صارخ شق سكون الليل، جعلني أقفز من مكاني كمَن لدغته النار. حدَّقت في الظلام، محاولًا التقاط مصدر الصوت.
نادَتني سو يون بصوت ضعيف مشوب بالخوف، قاطعةً سلسلة أفكاري.
‹من أين جاء هذا الصوت؟›
ليس هناك أمل في توفر خدمة خلوية في مثل هذا الوضع؛ لذا لا جدوى من المحاولة. فحتى ونحن في قلب سيول، غابت الإشارة الخلوية تمامًا؛ ما جعل التواصل معها ضربًا من المستحيل.
كان صوت امرأة، لكن بدا بعيدًا. وكأنه صدى يخترق الظلام الكثيف الذي يغمر الخارج.
«عليَّ حماية سو يون. أرجوكم، أرجوكم، لينقذ أحد تلك المرأة المسكينة… ولينقذنا أنا وسو يون أيضًا.»
اندفعت نحو النافذة وألقيت نظرة فاحصة.
اقتربت من النافذة، ورفعت الستائر قليلًا مرة أخرى.
الظلام الدامس في الخارج أثار في داخلي المخاوف البدائية التي نُسِيَتْ منذ زمن بعيد. استخدمت النافذة كدرع لي، وأخذت أبحث بعيني في محاولة لتحديد مصدر الصوت.
على بعد مبنيين تقريبًا، ركضت امرأة بكل ما أوتيت من قوة، تحتضن شيئًا بين ذراعيها. لم أستطع رؤية ملامح وجهها بوضوح، لكن من خفة وقع خطواتها، أدركت أنها كانت حافية القدمين.
حدقت في المسافة أمامي، محاولًا التكيف مع الظلام. ومع اعتياد عيناي تدريجيًا على العتمة، لمحته—
تقدمت نحوها واحتضنتها بشدة بين ذراعيَّ، محاولًا طمأنتها. عانقتني بدورها بإحكام، دون أن تنبس ببنت شفة، لكنني شعرت بالتوتر يشدُّ جسدها الصغير.
شخصٌ يركض من بعيد، يشق طريقه عبر الظلام الحالك.
ومع ذلك، حين أمعنت النظر في ملامحها، لم أرَ أي علامات تدل على الألم أو اليأس على وجهها. على العكس، حملت عيناها نظرة شوق، وهي تلوِّح بذراعيها ببطء، كأنها تحاول الوصول إلى شيءٍ ما. وفي كل مرة تفعل ذلك، أدركت تمامًا ما حاولت الوصول إليه—
على بعد مبنيين تقريبًا، ركضت امرأة بكل ما أوتيت من قوة، تحتضن شيئًا بين ذراعيها. لم أستطع رؤية ملامح وجهها بوضوح، لكن من خفة وقع خطواتها، أدركت أنها كانت حافية القدمين.
انحنيت على ركبتي حتى صرت في مستوى عينيها، ثم ربتُّ على رأسها بلطف، متحسسًا نعومة شعرها في محاولة لتهدئتها.
«ساعدوني! أرجوكم!»
وبعد لحظات، تعثرت المرأة بحجر وسقطت.
تحول صراخها شيئًا فشيئًا إلى عويلٍ عالٍ، كأنما تُطلق آخر صيحة يائسة قبل أن تبتلعها الظلمة. كانت صرختها تستجدي الحياة ذاتها، لكن لم يستجب أحد.
«أبي…؟»
لست مختلفًا عنهم، حيث بقيت في مكاني عاجزًا عن الحراك كتمثال حجري، أتابع المشهد بعينين متجمدتين. خلفها، لاحقت مجموعة من تلك المخلوقات المجهولة جسدها المتهالك بخطوات متعثرة ومتشنجة.
‹هل يجب عليَّ مساعدتها؟ لا، ماذا سأحقق بهذا؟ علاوة على ذلك، ماذا لو تورطت وعرضت سو يون للخطر؟›
كانوا يطاردونها بطريقة مريعة؛ أذرعهم تتأرجح بلا انتظام، ورؤوسهم تهتز في حركة غير طبيعية. لم يكن ذلك ركضًا… بل أشبه بمشهد من مطاردة مفترس لفريسة متهالكة.
رغبت في أن أغض الطرف، أن أهرب بعيدًا… لكنني لم أستطع.
ارتجف عمودي الفقري بعنف، وكأن بردًا داخليًا قد اخترق عظامي، فأيقظ كل مخاوفي المتربصة.
أغمضت عينيَّ وقلبي يغمره التمني، متوجهًا به إلى قوةٍ لا يمكن للواقع أن يجسِّدها.
لم يتحركوا كالبشر، وبدا وكأنهم يائسون لسد المسافة التي تفصلهم عن المرأة الهاربة.
كان صوت امرأة، لكن بدا بعيدًا. وكأنه صدى يخترق الظلام الكثيف الذي يغمر الخارج.
«أرجوكم! ساعدوني!»
كنت واحدًا من القلة الباقية على قيد الحياة، أترقب بفارغ الصبر مع ابنتي الصغيرة وصول فريق الإنقاذ.
كانت صرختها مختنقة ومليئة باليأس. وبينما وقفت مذهولًا من هذا المشهد، بدأ عقلي في العمل بسرعة.
في الحقيقة، كان الوضع بعيدًا كل البعد عن الأمان.… ولم يكن أي شيء على ما يرام. كنت مرعوبًا حقًا.
‹هل يجب عليَّ مساعدتها؟ لا، ماذا سأحقق بهذا؟ علاوة على ذلك، ماذا لو تورطت وعرضت سو يون للخطر؟›
«كل شيء سيكون على ما يرام… نحن بأمان… سنكون بخير…»
نظرت إلى سو يون النائمة بسلام، وقد غمرتني مشاعر متناقضة. لم أستطع المخاطرة بحياتها لإنقاذ شخص لا أعرفه.
في الحقيقة، كان الوضع بعيدًا كل البعد عن الأمان.… ولم يكن أي شيء على ما يرام. كنت مرعوبًا حقًا.
«عليَّ حماية سو يون. أرجوكم، أرجوكم، لينقذ أحد تلك المرأة المسكينة… ولينقذنا أنا وسو يون أيضًا.»
بات الحفاظ على هدوئي وسط الكارثة التي تتكشف أمامنا في الخارج أمرًا بالغ الصعوبة. تلك الصرخات الغريبة التي ترددت في الليل، مرافقةً لصراخ الضحايا… لم تكن صرخات بشرية.
أغمضت عينيَّ وقلبي يغمره التمني، متوجهًا به إلى قوةٍ لا يمكن للواقع أن يجسِّدها.
حملتها بين ذراعيَّ، ثم زحفت بها تحت طاولة الطعام. عندما نظرت في عينيَّ المحتقنتين بالدموع، ارتسم على وجهها مزيج من الخوف والانزعاج، كأنها على وشك الانفجار بالبكاء.
وبعد لحظات، تعثرت المرأة بحجر وسقطت.
«حسنًا، بشأن أمك… سيحاول بابا الاتصال بها.»
«انهضي، أرجوكِ انهضي…»
انقضت تلك المخلوقات عليهما. وضعت يديَّ على فمي، محاولًا منع شهقة يائسة من الهروب. لم أستطع النظر بعيدًا، رغم أن كل ذرة في جسدي توسلت إلى ذلك.
خرجت الكلمات همسًا من بين أسناني المطبقة. قبضتُ على الستائر بقوة حتى ارتعشت ذراعيَّ، فيما اشتد توتري مع اقتراب تلك المخلوقات.
الشيء التالي الذي أتذكره هو أنني كنت نائمًا على الأريكة.
اقتربت تلك المخلوقات المجهولة من المرأة المستلقية على الأرض أكثر فأكثر. شعرت برعبها كأنني أنا مَن يقبع في وسط الشارع، وليس هي.
«لا… أشعر بالخوف عندما أكون وحدي. أريد البقاء معك يا أبي.»
رغم فقدانها لتوازنها وسقوطها، لم تفلت من بين ذراعيها الشيء الذي كانت تحتضنه؛ ولذا ارتطم رأسها أولًا بالأرض الصلبة، فاستلقت بلا حراك، بينما ارتجف الجزء العلوي من جسدها، وكأنها أصيبت بارتجاج.
الشيء التالي الذي أتذكره هو أنني كنت نائمًا على الأريكة.
انزلق ما كانت تحمله بين ذراعيها بعيدًا عن قبضتها، ليكشف عن طفل صغير، أصغر من سو يون.
صوت الطفل العذب تردد كأغنية حزينة في أرجاء الليل.
مد الطفل يده الصغيرة المرتجفة محاولًا هز والدته.
‹هل كانت ترتجف من شدة الألم، أم تتوسل طلبًا للمساعدة؟›
«أمي… أمي…»
لا أثر لأضواء مصابيح الشوارع، ولا النوافذ التي كانت تتلألأ في كل طابق. حتى الطرقات، التي كانت تعج بالسيارات في الماضي، صارت خاوية تمامًا.
صوت الطفل العذب تردد كأغنية حزينة في أرجاء الليل.
‹هل كانت ترتجف من شدة الألم، أم تتوسل طلبًا للمساعدة؟›
توقف كل شيء داخلي في تلك اللحظة.
كانت تحدق نحو الطابق الخامس… حيث أقف.
شاهدته وهو يحاول إيقاظها، وعيناي تراقبان بلا حيلة. حاولت أن أصرخ، أن أتدخل… لكن جسدي بقي مقيدًا بالخوف، كما لو كنت أنا الفريسة العاجزة في تلك اللحظة.
كانت تحدق نحو الطابق الخامس… حيث أقف.
تردد أنين الطفل في أنحاء المدينة، كاسرًا سكون الليل، ثم—
«…»
انقضت تلك المخلوقات عليهما. وضعت يديَّ على فمي، محاولًا منع شهقة يائسة من الهروب. لم أستطع النظر بعيدًا، رغم أن كل ذرة في جسدي توسلت إلى ذلك.
صوت الطفل العذب تردد كأغنية حزينة في أرجاء الليل.
راقبت هذا الكابوس يتكشف أمامي، مشلولًا بالعجز، متسمرًا في مكاني. لم أتمكن من الفرار من هذا المشهد القاسي، كما لم أستطع حماية أي منهما.
«أبي!»
رغبت في أن أغض الطرف، أن أهرب بعيدًا… لكنني لم أستطع.
كان الألم يعصف بي، شعور بالقسوة المطلقة واليأس العميق يعصف بكل شيء داخلي.
حملتها بين ذراعيَّ، ثم زحفت بها تحت طاولة الطعام. عندما نظرت في عينيَّ المحتقنتين بالدموع، ارتسم على وجهها مزيج من الخوف والانزعاج، كأنها على وشك الانفجار بالبكاء.
نحن البشر، الذين تباهينا بأننا على قمة السلسلة الغذائية بل حتى خارجها، لم نعد أكثر من فريسة في هذا الليل الأسود.
«أوه، صغيرتي سو يون، لماذا لم تخلدي إلى النوم بعد؟»
سالت الدموع بهدوء على وجهي، بلا صوت، بلا رجاء.
ظللت أكرر تلك العبارات المطمئنة، لكنني كنت أعلم في أعماقي أنها مجرد كلمات خاوية من المعنى، تلفظت بها دون أي اعتبار جاد.
وضعت يدي على فمي، أحاول كبح الأنين الذي كاد يتفجر من صدري. اجتاحتني موجة من الخوف والذهول، جعلتني أرتجف بلا سيطرة.
اقتربت تلك المخلوقات المجهولة من المرأة المستلقية على الأرض أكثر فأكثر. شعرت برعبها كأنني أنا مَن يقبع في وسط الشارع، وليس هي.
تلك المخلوقات التي بدت بشرية… ليست سوى وحوش تلتهم البشر دون رحمة. كانت المرأة وطفلها يُسحبان إلى الموت، يُمزقان وهم ما زالوا على قيد الحياة.
«حسنًا، بشأن أمك… سيحاول بابا الاتصال بها.»
صرخ الطفل بمرارة، فيما عيناه تتابعان الفجوة التي أخذت تتسع بين كتفيه وذراعيه مع كل تمزيق وحشي. صرخاته كانت ممتزجة بالخوف والعجز، عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، لا شيء فيه سوى براءة ضائعة في قبضة مفترسين لا يعرفون الشفقة.
ليس هناك أمل في توفر خدمة خلوية في مثل هذا الوضع؛ لذا لا جدوى من المحاولة. فحتى ونحن في قلب سيول، غابت الإشارة الخلوية تمامًا؛ ما جعل التواصل معها ضربًا من المستحيل.
أما أنا… فلا يسعني سوى المشاهدة، مقيدًا بالعجز الذي أثقل روحي وجسدي.
تعالت الصرخات المفزعة كل يوم مئات، إن لم تكن آلاف المرات، تغزو عقول الناجين، وتجبرهم على الهروب بعيدًا إلى أعمق الأماكن وأكثرها ظلمةً.
شعرت بقدميَّ تخونانني، فسقطت على الأرض، منهارًا تحت وطأة الخوف. أيقظ الصوت سو يون، التي جاءت نحوي وهي تفرك عينيها بنعاس.
«عليَّ حماية سو يون. أرجوكم، أرجوكم، لينقذ أحد تلك المرأة المسكينة… ولينقذنا أنا وسو يون أيضًا.»
«أبي…؟»
عدت إلى الأريكة وشفتي مضغوطة، حيث نامت سو يون بسلام، كطفلة رضيعة. ربتُّ على رأسها بحنان، وهمست في أذنها:
اندفعت نحوها فورًا، لففتُ ذراعي حولها، وغطيت عينيها بيدي. نظرت إليَّ في حيرة، وكأنها تحاول فهم ما يحدث.
«كل شيء سيكون على ما يرام… نحن بأمان… سنكون بخير…»
حملتها بين ذراعيَّ، ثم زحفت بها تحت طاولة الطعام. عندما نظرت في عينيَّ المحتقنتين بالدموع، ارتسم على وجهها مزيج من الخوف والانزعاج، كأنها على وشك الانفجار بالبكاء.
«تلك الأصوات الغريبة… تُخيفني.»
وضعت يدي على فمها وهمست بصوت مرتجف: «لا بأس، كل شيء سيكون على ما يرام.»
حملتها بين ذراعيَّ، ثم زحفت بها تحت طاولة الطعام. عندما نظرت في عينيَّ المحتقنتين بالدموع، ارتسم على وجهها مزيج من الخوف والانزعاج، كأنها على وشك الانفجار بالبكاء.
لكن كلماتي لم تكن كافية. بدأت بالنحيب، بينما تشنجت يداي وأنا أضغط على فمها، أدعو ألا تسمع تلك الوحوش صوتها.
نحن البشر، الذين تباهينا بأننا على قمة السلسلة الغذائية بل حتى خارجها، لم نعد أكثر من فريسة في هذا الليل الأسود.
عضضت على شفتي السفلى بقوة، محاولًا إيقاف ارتعاش جسدي الذي خرج عن السيطرة.
نقلت بصري نحو مدخل المجمع السكني، ولا تزال تلك المخلوقات المجهولة تقبع في مكانها، تواصل تكرار السلوك ذاته بلا كلل.
‹اهدأ… توقف عن الارتعاش.›
وقد مرَّت ثمانية أيام منذ ذلك الحين.
ظللت أردد نفس العبارة مرارًا وتكرارًا، وكأنني مسلوب الإرادة، لكن الخوف كان أقوى من أي محاولة للسيطرة. جسدي تمرد على كل أوامري.
لكن كلماتي لم تكن كافية. بدأت بالنحيب، بينما تشنجت يداي وأنا أضغط على فمها، أدعو ألا تسمع تلك الوحوش صوتها.
«كل شيء سيكون على ما يرام… نحن بأمان… سنكون بخير…»
صرخ الطفل بمرارة، فيما عيناه تتابعان الفجوة التي أخذت تتسع بين كتفيه وذراعيه مع كل تمزيق وحشي. صرخاته كانت ممتزجة بالخوف والعجز، عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، لا شيء فيه سوى براءة ضائعة في قبضة مفترسين لا يعرفون الشفقة.
ظللت أكرر تلك العبارات المطمئنة، لكنني كنت أعلم في أعماقي أنها مجرد كلمات خاوية من المعنى، تلفظت بها دون أي اعتبار جاد.
«بابا ليس متأكدًا أيضًا من ماهية تلك الأصوات.»
في الحقيقة، كان الوضع بعيدًا كل البعد عن الأمان.… ولم يكن أي شيء على ما يرام. كنت مرعوبًا حقًا.
عندما ظهر الفيروس لأول مرة، حاولت جاهدًا منع زوجتي من الذهاب إلى العمل. لكنها، دون أن تأبه لتحذيراتي، غادرت المنزل مرتدية قناعها كعادتها.
في تلك اللحظة، كل ما تمنيته بصدق هو الاستيقاظ من هذا الكابوس الذي بدا بلا نهاية… تمنيته أكثر من أي شيء آخر.
كانت تحدق نحو الطابق الخامس… حيث أقف.
عندما ظهر الفيروس لأول مرة، حاولت جاهدًا منع زوجتي من الذهاب إلى العمل. لكنها، دون أن تأبه لتحذيراتي، غادرت المنزل مرتدية قناعها كعادتها.
