▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
مع ازدياد برودة الأيام، بدأ غروب الشمس يحلّ باكرًا. أصبحت تغرب مع حلول الخامسة مساءً، ويخيّم الظلام الدامس مع الساعة السادسة.
وصل دو هان-سول إلى ملجأ سايلنس حوالي الثامنة مساءً، بصحبة الناجين من ملجأ الحاجز. وبفضل حمايته، وصل الجميع سالمين إلى وجهتهم الجديدة.
كان قد جلب معه ثمانيةً وثلاثين ناجيًا سيقيمون مؤقتًا في ملجأ سايلنس.
وحين علمت أنا وكيم هيونغ-جون بعودته الآمنة، خرجنا للقضاء على الزومبي المتبقين في حي سونغسو-دونغ.
كان كيم هيونغ-جون قد تخلّص من أغلب الزومبي في الشوارع، لكن بعضهم ما زال يختبئ داخل المباني.
امتدت عملية التنظيف في مناطق سونغسو 1-دونغ، وسونغسو 2-غا، 3-دونغ حتى عمق الليل، إذ لم يكن من المقبول أن يتعرض حراس ملجأ سايلنس لهجوم مباغت من الخلف أثناء تصديهم لهجوم عائلة الزومبي.
كان حراس الملجأ في حالة تأهّب قصوى، فالهجوم الشامل من قبل “العائلة” قد يحدث في أية لحظة. ولهذا عززوا قوات الحراسة وزادوا من عدد نقاط المراقبة الليلية.
عدنا أنا وكيم هيونغ-جون في الوقت الذي بدأ فيه ظلام الليل المشحون بالقلق ينقشع مع بزوغ الفجر.
استقبلتنا هوانغ جي-هيه وقد بدت علامات الإرهاق جلية على وجهها، وكأن النوم لم يلامس جفونها طوال الليل.
“هل أصبحت الشوارع آمنة الآن؟”
وحين أومأت برأسي، اصطف خلفي حراس ملجأ سايلنس الذين ظلوا طوال الليل يتحضرون للمعركة القادمة.
كانوا خمسين رجلاً، جميعهم مدججون بالذخائر والقنابل اليدوية التي تدلّت من أحزمتهم.
وانطلقنا.
سار كيم هيونغ-جون إلى جانبي وسألني:
«عمي، ألا تظنّ أنك تفرط في الضغط اليوم؟ لقد كنت صارمًا للغاية مع الجميع.»
تجمدت ملامحي.
«ومتى برأيك يكون الوقت المناسب لنكون صارمين؟»
زمّ شفتيه في امتعاض.
«أخشى أن ينهار الجميع من الإرهاق قبل أن تبدأ المعركة حتى.»
«وهل لدينا خيار آخر؟»
«لديهم نحن.»
قطّبت جبيني.
«لا، لا يملكوننا. نحن لسنا مسؤولين عن حياتهم. لا تتشتت، لسنا أبطالاً.»
ظل كيم هيونغ-جون ينظر إلى الأمام، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مرّة.
كيف لي أن أفكّر في الراحة وأنا لم أرَ طفلتي “سو-يون” منذ زمن طويل؟
كنت أنوي رؤيتها بعد أن أنتهي من قائد حي “هوايانغ-دونغ”، لكن بعد أن أكل كيم هيونغ-جون دماغه، اضطررت للبقاء مع المتحوّل في “ماجانغ-دونغ”، ثم عدت للقاء دو هان-سول.
أشتاق لـ سو-يون.
لا تزال قطع الحلوى التي أعطتني إياها زوجة كيم هيونغ-جون في جيبي.
فتحت يديّ وضغطت على أغلفتها.
“لا يمكنني التأخر.”
كنت قد وعدت سو-يون أن أعود خلال عشرة أيام، لكنني لم أعد أعلم كم سيستمر هذا الانتظار.
ذهبت إلى موقعي المحدد، متمنيًا أن يُحسم كل شيء في غضون أسبوع.
❃ ◈ ❃
أخرجت جهاز الاتصال اللاسلكي الذي أعطتني إياه هوانغ جي-هيه وأنا أنتظر في سونغسو 2-غا، 1-دونغ. سرعان ما انبعث صوتها من الجهاز:
* لا نرصد أي حركة من جهتنا. كيف الحال عندكم؟
ناولته إلى دو هان-سول.
كنت قد أحضرته معي عمداً بدلًا من كيم هيونغ-جون، لأنه قادر على الحديث.
“لا شيء هنا أيضًا.”
أعاد لي الجهاز، ثم نظر في وجهي وتحدث بتردد:
«أعتذر… عما حدث البارحة.»
«لا بأس.»
لوّحت بيدي مستخفًا بالأمر.
لكن نبرته كانت مختلفة عن السابق. كانت أكثر احترامًا، وكأن شيئًا في داخله بدأ ينفتح. فبادلتُه الأسلوب نفسه.
بدت عليه الحيرة، كما لو أن هناك ما زال يقلقه.
«اسمك… قلت إنك السيد لي هيون-دوك، أليس كذلك؟»
«نعم.»
«السيد لي هيون-دوك… هل تذكر ما كان عليه العالم قبل أن يحدث كل هذا؟»
[…]
تنهدت بصمت.
إلى أين يريد الوصول بهذا السؤال؟
نظرت إليه بهدوء.
«لا أظنّ أن الوقت مناسب لمثل هذا الحديث.»
«لكن لا يوجد شيء آخر يمكننا فعله في هذه اللحظة، أليس كذلك؟»
«لا يمكننا التهاون، ولو للحظة واحدة.»
«أراك متوترًا. يبدو أنك لست من النوع الذي يحب التسلية.»
أشاح بوجهه وهو يعض شفته.
هل أنا شخص حساس؟ ممل؟
ربما. لم أكن ممن يجيدون الحديث أو يستمتعون بالاختلاط. كنت أجد راحتي في قضاء عطلات نهاية الأسبوع في المنزل، وأتغلب على وحدتي بالذهاب إلى السينما بمفردي أو قراءة كتاب.
الشخص الوحيد الذي غيّرني… كانت زوجتي.
عندما التقيتها أول مرة، ظننتها مزعجة وكثيرة الكلام. كانت ترسل لي رسائل نصية كل يوم عند الثامنة مساءً، كأنها منبّه لا يهدأ، يرن في هاتفي ويثير أعصابي.
وكل مرة كنت أفتح فيها الهاتف متأففًا، أجد الرسالة ذاتها:
* كيف كان يومك؟
رسالة بسيطة، لكن شيئًا فشيئًا، بدأت أنتظرها.
وحين لم تكن تصلني، كنت أقلق. أتساءل: هل أصابها مكروه؟ هل هي مشغولة؟ هل حدث شيء؟
كانت زوجتي محبة وصادقة، وسرعان ما أصبحت كل عالمي.
عندما بدأت أواعدها، تغيّر نظرتي للحياة. كل ما كنت أعتبره تافهًا بات ينبض بالحياة، ويلتمع بألوان هادئة كألوان الباستيل. بدأت أبتسم كثيرًا.
وبعد زواجنا، غمرني شعور بالسعادة لا ينقطع.
وحين رُزقنا بـ “سو-يون”، عرفت للمرة الأولى طعم الدموع التي تهطل من فرط الفرح. حياتي التي كانت مشغولة وصاخبة ومليئة بالتعب أصبحت… أجمل بكثير من أي يوم قضيته وحيدًا في السينما.
وهذه الزوجة… موجودة في غانغنام.
زوجتي، التي علمتني ما معنى الحياة… موجودة هناك.
غانغنام، التي ظننتها قد دُمّرت تمامًا، كانت تحوي ناجين، بل وكانوا يعيشون بنظام أكثر أمنًا من غانغبوك.
لم يكن غريبًا إذًا أن أكون متوترًا.
قطّبت حاجبيّ وتنهدت مجددًا. فابتلع دو هان-سول ريقه وقال:
“هل أنت بخير؟”
نظرت إليه، فتنحنح وسأل بصوت خافت، كأنه يهمس:
«لم أقصد إحراجك. سؤالي عن العالم السابق… لأنني أرى الإرهاق في وجوه الجميع. وأتساءل إن كنت تتذكر كيف كنا نشعر بالتعب حين كنّا بشرًا.»
[…]
«قائدة ملجأ سايلنس لم تنم طوال الليل. لا يمكن للجميع أن يعطي كل طاقته.»
حين سمعت كلماته، تراءى لي وجه لي جونغ-أوك. عندما كنت أعمل بلا راحة، قال لي ذات مرة ونحن في غرفة الاجتماعات:
* جسدك لن يخبرك تلقائيًا أنك تحتاج إلى راحة. عليك أن تفرضها على نفسك. خذ الأمور ببساطة.
يقال إن الزهور تزهر حتى في أوقات الحرب، وإن الحب لا يموت.
ربما كنت أفرّغ توتري وغضبي في الآخرين.
ربما نسيت ما يعنيه أن تكون إنسانًا، رغم أنني أتمنى أن أعيش بسلام بين البشر، بعد أن اعتدت على جسدي الزومبي.
وضعت أصابعي على صدغي، أبحث عن لحظة صفاء. ثم سلّمت الجهاز إلى دو هان-سول وطلبت منه أن ينقل رسالتي للآخرين.
«أخبر الجميع أن يرتاحوا… لكن كيم هيونغ-جون عليه أن يظل في أقصى درجات الحذر.»
«حاضر.»
أومأ دو هان-سول برأسه، وارتسمت أخيرًا ابتسامة على وجهه.
كنت قد نسيت ما وعدت به نفسي، رغم أنني من قلتُ أنني أقاتل من أجل الآخرين.
أنزلت رأسي وقد غمرني الخجل، فقال دو هان-سول:
“رغم شكلنا الحالي… لا زلنا نملك قلوبًا بشرية. أفهم مشاعرك.”
[…]
نظرت إليه بصمت، فابتسم ابتسامة خفيفة.
“أعلم كم من الصعب التمسّك بمبادئك. لا أدري إن كنت أملك الحق لأقول هذا… لكنك تبدو كشخص يبذل قصارى جهده، رغم علمه أنه ليس مثاليًا.”
أومأت برأسي ببطء.
كنت أظنه عاطفيًا، لكن يبدو أن لديه جانبًا ناضجًا أيضًا.
كنت محظوظًا لأنني تحالفت مع دو هان-سول.
❃ ◈ ❃
في جزيرة بامسوم وسط نهر الهان، كانت الزومبيات متكدسة بكثرة.
وعند الطرف الشمالي من جسر سوغانغ المؤدي إلى بامسوم، كانت هناك جموع أخرى من الزومبي.
الزومبي ذو العيون الزرقاء، والذي كان يراقب من بعيد، التفت إلى الضابط الأول بجانبه وسأله:
“كم عدد المتحوّلين لدينا؟”
“ثمانون متحولًا من المرحلة الأولى، ومتحوّل واحد من المرحلة الثانية.”
“واحد فقط، هاه…”
قطّب زعيم العائلة جبينه وتنهد.
“وماذا عن الخطة؟”
“سأقود تابعيّ إلى الطرف الجنوبي من الجسر، ويتبعني الضابطان الثاني والثالث. ثم نطلق سراح المتحوّلين ونهاجم نقاط ضعفهم.”
“وهل أمّنت الطريق إلى الجسر؟”
أشار الضابط الأول إلى السلالم الموجودة في بامسوم.
“كما ترى، سيدي.”
كان الدرج شاهق الارتفاع.
فكل جسور نهر الهان، من شمالها إلى جنوبها، قد دُمّرت. لكن جسر سوغانغ وحده، لم تُدمَّر سوى القطعة الواصلة إلى بامسوم. ويبدو أن المتفجرات لم تكن كافية لإكمال المهمة.
ولهذا، أصبح جسر سوغانغ نقطة الانطلاق لعملية غانغنام.
عقد زعيم العائلة ذراعيه وقال:
“السلالم ستقلل من سرعتنا. ألم أقل لك أن تبني منحدرًا؟ لماذا أضعت الوقت في بناء سلالم بدلًا من ذلك؟.
«التل قد لا يصمد تحت ثقل أتباعنا، وسينهار في النهاية. لكن مع الدرج، لن نحتاج للقلق من ذلك.»
«وهل أنت متأكد من أنك ستفي بوعدك؟»
«نعم، سيدي.»
أجاب الضابط الأول بلا أدنى تردد. تنفس الزعيم بعمق وأومأ ببطء، ثم نظر إلى الضابط الثاني.
«الضابط الثاني، هل تلقيت تقارير عن الوضع في جوانغجين-غو؟»
«يبدو أن الضابطين السادس والسابع يحشدون قواتهم بشكل منظم. لقد جمعوا بالفعل قادة الحي، وعبّأوا الطُعم أيضاً.»
«يبدو أن أحدهم قام بالتحضيرات. هل قالوا إنهم سيكونون بخير دون المتحولين؟»
«نعم، لكن يبدو أن الطُعم الخاص بالضابط السابع هو الوحيد الذي تم تحريكه، لأن طُعم الضابط السادس دُمر خلال المعركة في ملجأ غابة سيول.»
كان الطُعم وحدات تابعة مباشرة للضباط. وكان هذا هو السبب في تدخل الضابط السابع في شؤون قائد حي سيونغسو، إذ كانت قواتها جزءاً من غارة ملجأ غابة سيول. وهذا زاد من غضبها عليه لعدم إنجازه المهمة.
قاطع الزعيم ذراعيه وأومأ، ثم تمتم لنفسه: «اليوم… سيكون يوماً جحيمياً.»
ظل الضابطان الأول والثاني والثالث إلى جانبه صامتين.
نظر إليهم الزعيم.
«وفي نهاية يوم شاق كهذا، يجب أن نبتسم، أليس كذلك؟»
رغم ابتسامته، كان صوته قارس البرودة، يبعث القشعريرة في الأجساد. ارتجف الضباط.
لم يكن الزعيم ينوي التودد أو التعاطف، لم يكن في صوته سوى الجليد.
ابتلع الآخرون ريقهم وردوا بحماس: «نعم، سيدي!»
«إذا وصلت إلى مرحلة لا أستطيع فيها الضحك براحة، فلن أشعر بأي راحة. لذا، الجميع، أبذلوا قصارى جهدكم. هل فهمتم؟»
انحنى الضباط بعمق من عند الخصر.
ارتسمت على وجه الزعيم ابتسامة فخور راضية. الفشل لم يكن خياراً في قاموسه.
«هيا، لننطلق.»
❃ ◈ ❃
كانت الشمس شريطاً رفيعاً من الضوء فوق الأفق الغربي، والسماء قد تحولت إلى زُرقة قاتمة كالحبر.
أخرجت جهاز اللاسلكي ونظرت إلى دو هان-سول.
«الشمس بدأت تغرب. لو تخبر الجميع بضرورة التركيز، سيكون هذا رائعاً.»
«لا داعي للرسمية كل هذا.»
«…»
هززت رأسي دون أن أرد.
ابتسم دو هان-سول وتحقق من حالة جهاز اللاسلكي.
«هل تسمعني؟ هل تسمعني؟»
سمعت صوت طقطقة، ثم جاء الرد.
أسمعك. تفضل.
كانت تلك هوانغ جي-هي.
بلل دو هان-سول شفتيه الجافتين وأكمل الحديث.
«هل حدث شيء هناك؟»
لا شيء كبير يستحق الذكر.
«لي هيون-دوك طلب أن نبدأ العملية.»
حسناً.
بعد سماع رد هوانغ جي-هي، نظرت إلى دو هان-سول.
«لا أعرف ماذا سيحدث عندما أدخل جايانغ-دونغ وأدمر معسكرهم. ماذا قلت ليفعلوا لو تجاهلنا رجال العصابة وجاؤوا إلى هنا بدلاً من ذلك؟»
«يجب أن أدفع هذا الرجل هنا، أليس كذلك؟»
أشار دو هان-سول إلى أحد رجالي بجانبه.
كان دو هان-سول يقود تسعمائة تابع، وهو عدد أقل بكثير مما يمكنني أنا وكيم هيونغ-جون السيطرة عليه.
تركت رجلاً مع دو هان-سول في حال اخترق الأعداء خطوطه.
إذا لم يستطع دو هان-سول إيقاف الأعداء، سيدفع رجالي لإرسال إشارة لي.
هززت رأسي بحزم ونهضت.
لم أنوَ اللعب في لعبتهم من البداية. لم أكن لأنتظر قدومهم، بل سأبادر بالهجوم أولاً.
كانت العائلة هي من أشعل الحرب، لكن البداية والنهاية ستكونان من نصيب تنظيم الناجين.
سنكون نحن الذين يُذكرون كمنتصرين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
