جراحٌ نازفة
الفصل 510: جراحٌ نازفة
نظر إليّ كيزيس، الذي كان قد أوقف الزمن مجددًا عند كلامي. لم يكن في نظرته أثرٌ للمزاح، لكن عينيه تلألأتا للحظة بلون الخزامى قبل أن تعودا إلى ظلمتهما المعتادة. “هل أرسلك أغرونا إلى هنا لاغتيالي؟” ثم أعاد تحريك الزمن.
[منظور آثر ليوين]
“خدعة، بطبيعة الحال.” نطقت موروينا، وقد انعقدت شفتاها، فيما ازدادت صلابة قامتها المتخشّبة أصلًا. “كان ينبغي أن ندرك ذلك.”
وحوله، تلّونت السماء بلونٍ رماديّ كئيب، مشوهةً، كأنّها—كأنّ أفيتوس برمّتها كانت تُسحب نحو هذا الجرح.
بدا الشحوب جليًّا على وجه راي كوثان. فقد كان أسرُ أغرونا سبيلًا لمداواة الجراح بين الباسيليسكات وسائر أهل أفيتوس. رأيته بعينيّ يكاد يحسب التداعيات في ذهنه، يُجري موازنات خاطفة وهو يُقدّر عواقب هذا الزلل.
كدتُ أنفجر ضاحكًا. بدت الفكرة ضربًا من العبث، مستحيلة الحدوث. كيف انطلت عليّ؟ كنتُ قد قطعتُ خيوط القدر حرفيًّا، تلك التي تربطه—
تربطه بأغرونا الحقيقي. اكتملت الفكرة في ذهني، وكأن مسمارًا انغرز في موضعه الصحيح. تفرّعت عشرات الأفكار وانشطرت تحت وطأة تأثير مقام الملك، عقلي يسبح في دوائر فكرية متشابكة، متأملًا احتمالات متعددة في آن واحد.
لم أُجب. لم أستطع.
‘لا يمكنني التردد بشأن قراري بالبقاء،’ استنتج جزء آخر من عقلي. الصلات التي أنسجها مع هؤلاء الأزوراس—لا سيما الشباب منهم—ستكون ذات شأن أعظم في المستقبل، إذ إن كان أغرونا لا يزال في ألاكريا، فهذا يجعل كيزيس أشد خطرًا.
غير أن جميعها كانت تعود إلى محورٍ واحد: القَدَر. بطريقةٍ ما، كان هذا كله جزءًا من لعبته.
‘إذًا، طوال هذا الوقت، لم يكن أغرونا سوى… ماذا بالضبط؟ يُسيّر هذا الجسد الفريتراوي كأنه دمية، من أعماق قصره المقيت؟’ امتزج قرفي باشمئزاز ريجس. ‘هاه. تظن أنك تعرف أحدهم، ثم يحدث هذا.’
كان يحتضر. لم أستوعب تمامًا تعقيدات السحر الذي أطلقه، لكنني أيقنتُ أن جوهره قد تهشّم. استطعتُ أن أشعر بشظاياه تتناثر عبر صدره كأنها شظايا متطايرة.
وفي ذات اللحظة، كان جزءٌ آخر من إدراكي يغوص في تحليل تداعيات هذا الكشف. علينا أن نفترض أن أغرونا ما زال حيًّا، وهذا يقلب مغزى الرسالة التي حملها تشول رأسًا على عقب.
غير أن الجرح ذاته لم يكن الشيء الذي جمّد الدم في عروقي كأنه ماءٌ مثلّج.
‘لا يمكنني التردد بشأن قراري بالبقاء،’ استنتج جزء آخر من عقلي. الصلات التي أنسجها مع هؤلاء الأزوراس—لا سيما الشباب منهم—ستكون ذات شأن أعظم في المستقبل، إذ إن كان أغرونا لا يزال في ألاكريا، فهذا يجعل كيزيس أشد خطرًا.
لم يكن وميضًا، بل أشبه بانعكاس الضوء فوق مياه بعيدة، ثم—ظهرت ماير.
جذبني صوت كيزيس من أفكاري المتشابكة، مجبرًا إياي على التركيز على الحاضر.
اتكأتُ على حافة الشرفة، أرقب السماء وهي تتماوج، ثم تتمزّق وتنفتح.
“خارناس فريترا.” لفظ كيزيس الاسم وكأنه لفظة نجسة، ازدراء يقطر من بين شفتيه. رمقني بنظرة خاطفة، فتلألأت عيناه بوهج أرجواني كاد يميل للسواد. “ما هذا؟” امتدت يده وأطبقت على ذقن خارناس المسطّح. “كيف—”
بغتة، انتفض خارناس، منتزعًا رأسه من قبضة كيزيس. قرنه، المنحني إلى أسفل والخارج كقرن ثور بريّ، ارتطم بصدغ كيزيس. تراجع الأخير، متورّمًا بهالة من المانا والأثير، حتى كاد الهواء في القاعة يثقل، والقصر بأسره ينقبض وكأنه يحتضر.
لكن المانا التي كبّلت خارناس داخل العمود الضوئي الأبيض أخذت تنساب على جلده كما ينساب الماء على ريش البطّ المدهون بالشمع. كان يتحرك، ينفلت من القيد النوراني، متحررًا شيئًا فشيئًا. يده، ثم ذراعه، ثم كتفه… قبل أن يرمش أحد بعينه.
بغتة، انتفض خارناس، منتزعًا رأسه من قبضة كيزيس. قرنه، المنحني إلى أسفل والخارج كقرن ثور بريّ، ارتطم بصدغ كيزيس. تراجع الأخير، متورّمًا بهالة من المانا والأثير، حتى كاد الهواء في القاعة يثقل، والقصر بأسره ينقبض وكأنه يحتضر.
انبثق من داخله ضوءٌ أسود، يشع من خلال مسامه. النور كان يلتهم حدود الزنزانة وسحر كيزيس المتعاظم معًا.
اندفعتُ إلى الأمام، الأثير يتلألأ في راحتي، يتكثّف، آخذًا في التشكل كنصل بنفسجي متوهج، غير أن القوة الخام المنبعثة من كيزيس كانت تطبق على الحجرة كقبضة الجبابرة، فوجدتني أتحرك وكأنني أخوض في مياه غائرة.
كجسدٍ واحد، رفعت الأزوراس أنظارهم إلى السماء.
لم يكن هذا مجرد شقّ نحو الفراغ، أو فجوةً تقود إلى العتمة الأثيرية أو فراغ الفضاء السحيق المرصّع بالنجوم.
زمجر خارناس فريترا، تقاسيم وجهه تكتسي بقبح ونقمة.
“إذًا، لا تظنّ أنه يكذب؟” سألتُ، مستندًا إلى الحائط، حتى يتسنى لي رؤية السادة جميعًا. “ألا يكون هذا مجرد تلاعب آخر من أغرونا؟ فكمحاولة اغتيال—”
ثم انفجر ضوءٌ أسود منه كأنه كان مركز انفجار. لم تتسنَّ لي سوى لمحة خاطفة للجلد المتفسخ، قبل أن يذوب كل شيء أمامي.
لكنني لم أجد.
رفعتُ حاجزًا سميكًا من الأثير. بجانبي، نسج راي كوثان درعًا من شظايا الحديد الدموي المتشابكة. اصطدم الضوء الأسود بالحاجزين، ثم انحسر فجأة. وفي تلك اللحظة، لمحتُ خارناس وكيزيس: الأول، يترنح بين القيود والحرية، شقوق سوداء كالبرق تتشعب عبر جسده؛ والثاني، يتراجع، الغضب يفور في قسماته، سيطرته المنهجية تلاشت، والشقوق السوداء ذاتها تومض وتتلاشى على يديه ووجهه.
انفكّ الزمن من قيده داخل الزنزانة.
ثم انفجر خارناس مجددًا.
“أطلقوه.”
كنتُ أتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا، ربما قرونًا، حتى ينحاز الأزوراس إلى قضيتي، حتى يُخلى أفيتوس ويعاد تجميع شعبها في العالم الحقيقي.
سُحبٌ من الشفرات الضوئية السوداء الرفيعة كالموسى ملأت القاعة.
قهقه ريجس في الخلف، حيث كان متكئًا في ظلّ السادة العظام.
ومن خلاله، بدأتُ أرى الضوء، والألوان.
في البدء، بضع شفرات… ثم عشرات… ثم أكثر، تخترق الحاجز، تندفع بدقة خبيثة حتى بدت وكأنها تنسل بين ذرات الأثير ذاتها. شعرتُ بلسعات حادة على جسدي، ثم بحرارة الدم تنزف.
قهقه راديكس، صدى ضحكته يرنّ بين الجدران الحجرية. “لم تكن شريكًا راغبًا في تعويذته إذن.”
انبثقت تأوهات، وصيحة حادة اخترقت الضجيج. ومن الظلال المتكسرة، خرج ريجس، جسده يشتعل بلهب أرجواني داكن، ليقف أمامي.
كانت أغلب طاقته المانية قد تجمعت الآن في قرنه الوحيد المتبقي. لم أتوانَ عن الهجوم.
عاد الضوء الأسود إلى خارناس. مشهد آخر: هذه المرة، انتشرت الشقوق حتى تآكل جسده، وكأنه يكاد يتداعى؛ وكيزيس، على بعد خطوات، جرح عميق يقطع جانب عنقه؛ وبينهما، تلاعبت المانا والأثير، تحاول أن تطبق على تعويذة خارناس، أن تخنقها.
في الخلف، كان ريجس يركض، يمسح المشهد بعينَيه.
بقبضتي المشدودة على نصل الأثير المتجسد، استدعيتُ خطوة الحاكم وانتظرتُ.
انفجر خارناس للمرة الثالثة.
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
بدأ السحر المقيِّد الذي نسجه كيزيس يتهاوى، إذ انداح الفراغُ من جسد سيّد الفريترا، مستبيحًا المانا، مفككًا أوصالها كما تفعل قدرات سيريس.
‘إذًا، طوال هذا الوقت، لم يكن أغرونا سوى… ماذا بالضبط؟ يُسيّر هذا الجسد الفريتراوي كأنه دمية، من أعماق قصره المقيت؟’ امتزج قرفي باشمئزاز ريجس. ‘هاه. تظن أنك تعرف أحدهم، ثم يحدث هذا.’
ومن خلاله، بدأتُ أرى الضوء، والألوان.
خطوتُ داخل المسارات الأثيرية، فوجدتُ نفسي بجوار خارناس، في فقاعة الفراغ التي تحيط به. احمرّت عيناه كليًّا، حتى تلاشت قزحيتاه وسط بياضهما. تقشّرت رقع من جلده الرماديّ الفاتح، فتساقطت متهالكة كأوراق يابسة، كاشفةً تحتها لحمًا نيّئًا متورّدًا. أحد قرنيه كان قد تحطم تحت وطأة تعويذته هو.
لكن، بخلاف ضربة النصل، لم يكن الجرح مستقيمًا أو نظيفًا، بل متعرجًا، كأنّ مخالب وأنيابًا، أو ربما قوةٌ صمّاء، هي من مزّقته.
كان يحتضر. لم أستوعب تمامًا تعقيدات السحر الذي أطلقه، لكنني أيقنتُ أن جوهره قد تهشّم. استطعتُ أن أشعر بشظاياه تتناثر عبر صدره كأنها شظايا متطايرة.
هزّ خارناس كتفيه، أو حاول ذلك. لم يستطع تمامًا، لكن المغزى كان واضحًا. “أنت أخبرني.”
لم نعد في الزنزانة، بل وقفنا أمام البوابات الكبرى. الجسر متعدّد الألوان الممتدّ أمام القصر بقي مكانه، لكن لم يحدّق أحد إلى الأسفل.
كانت أغلب طاقته المانية قد تجمعت الآن في قرنه الوحيد المتبقي. لم أتوانَ عن الهجوم.
“إنقاذه؟” زمجر راديكس، وهو يحكّ قشور الألماس على وجهه بلا اكتراث. “من وجهة نظري المتواضعة، لعله من الأنسب تعجيل الأمر.”
ارتجف نصل الأثير في قبضتي لحظة اصطدامه بالأنسجة المتصلبة المشبعة بالمانا. تململ… ثم اخترقها.
بدا الشحوب جليًّا على وجه راي كوثان. فقد كان أسرُ أغرونا سبيلًا لمداواة الجراح بين الباسيليسكات وسائر أهل أفيتوس. رأيته بعينيّ يكاد يحسب التداعيات في ذهنه، يُجري موازنات خاطفة وهو يُقدّر عواقب هذا الزلل.
تهاوى القرن على الأرض، متدحرجًا، وفي اللحظة ذاتها، تفتّتت المانا من حولنا، واندثر الانفجار الفراغي في العدم.
غير أن جميعها كانت تعود إلى محورٍ واحد: القَدَر. بطريقةٍ ما، كان هذا كله جزءًا من لعبته.
من خلفي، شعرتُ بتدفق طاقة الآخرين، كأنها تنهيدة ارتياح بعد كبح العاصفة. للحظة خاطفة، صمدوا أمام جحيم الفراغ، والآن، وقد زال ضغطه، ترنّحوا، يبحثون عن توازنهم.
ثم انفجرت قواهم عبر أرجاء الزنزانة.
لكن، بخلاف ضربة النصل، لم يكن الجرح مستقيمًا أو نظيفًا، بل متعرجًا، كأنّ مخالب وأنيابًا، أو ربما قوةٌ صمّاء، هي من مزّقته.
[منظور آثر ليوين]
اندفع راديكس إلى الأمام، جسده يكسوه وهج من ألماسات سوداء، متجاوزًا إياي ليقبض على حنجرة خارناس. نبتت كرومٌ صخرية كثيفة من الأرض، تطوّقت حول زنزانة الضوء التي تؤسره، وتفتّحت منها أزهار زرقاء مخضرة، متألقة كبلّورات، تطلق ذرات من مانا ناصعة البياض في الهواء.
نظر نوفيس إلى خارناس، الذي كان لا يزال معلقًا داخل الشعاع المائع ذي اللون العنابي، ملفوفًا في السلاسل السوداء الثقيلة، بلا حراك. أما الآخرون، فقد ركزوا أنظارهم جميعًا على كيزيس.
بصق خارناس دمًا وصديدًا أسود، سال على العظم العاري من ذقنه. “أنت وأغرونا، أنتما تستحقان بعضكما. آمل أن تمزّق كل منكما الآخر إربًا.”
مزّقت نيران العنقاء البرتقالية معاصم خارناس، ومرفقيه، وركبتيه، وعظم الترقوة، بينما راحت سلاسل الحديد الدموي الغليظة تلتف حوله كأفعى محكمة الطوق.
“يكفي.”
تقدّم كيزيس متجاوزًا الكروم الصلبة. كان ثوبه الأبيض والذهبيّ براقًا، نقيًّا، لم تتلطّخه قطرة دم واحدة، وبدا مظهره الخارجي هادئًا متماسكًا. مع كل خطوة، لم يكن ثمة سوى ارتعاشة طفيفة تفضح الجراح التي يخفيها—لمحة لا تُدرك إلا عبر حدسي المشحوذ بمناورة الملك.
“كدتُ أنسى.” تأمل الباسيليسك المتهاوي، بالكاد واعيًا، وقال متهكمًا: “خارناس فريترا، هذا المتقن في تطويع المانا إلى حد أنه يكاد يستعصي على السيطرة بها.”
ومن خلاله، بدأتُ أرى الضوء، والألوان.
قهقه راديكس ساخرًا. “لكن ليس لدرجة أن رأسه يعجز عن التهشم فوق الصخر مثل ثمرة شمس ناضجة.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
قهقه راديكس ساخرًا. “لكن ليس لدرجة أن رأسه يعجز عن التهشم فوق الصخر مثل ثمرة شمس ناضجة.”
شهقت موروينا مستحسنة.
ضاقت السلاسل الحديدية حول جسد خارناس، تشدّه بكامله إلى داخل العمود الضوئي، الذي سرعان ما تلوّن بالأحمر القاني، وكأنه نضح دمًا غزيرًا.
ترجمة الخال
“أطلقوه.”
“إذًا، لم يكن هذا خيارك منذ البداية؟” سألتُ، أراقبه بحذر، بينما كان مقام الملك يضفي وضوحًا على كل إيماءة أو ارتعاشة تصدر عنه. حتى دون السمة الإلهية، كان جليًّا أنه لا يملك القدرة أو الدافع لخداعنا.
جاء صوت كيزيس جامدًا، مجردًا من أي انفعال. كان هالة من البرود المُطبق.
انفجر خارناس للمرة الثالثة.
تراجع الآخرون. أفلت راديكس قبضته الفيزيائية، بينما استدعى نوڤيس أسلحته النارية المعقوفة التي كنتُ بالكاد قد لاحظتها تدور من قبل.
“أطلقوه.”
لكن السلاسل بقيت، توثّقه ماديًّا داخل سجن المانا القرمزيّ.
لم أكن مستعدًا لهذا.
كل واحدٍ من الحاضرين كان قد ناله الأذى، ولو قليلًا.
ذراعا نوفيس كانتا موشّحتين بخدوش دقيقة، تتراقص ألسنة اللهب عليها، تحرق الجراح ببطء حتى تلتئم. نصف وجه راديكس كان مثقوبًا بندوب أشبه بشظايا متناثرة، لكن قشورًا بلّورية بدأت تتشكل فوقها. أما راي، فقد اختفى نصف يده اليمنى دون نقطة دم، واللحم المكشوف كان أسود ناعمًا كالصقل. وحدها موروينا لم تُظهر أثرًا لإصابة، غير أنها كانت مغمورة بهالة من المانا النقيّة التي انبعثت من أزهارها البلّورية.
الفصل 510: جراحٌ نازفة
[منظور آثر ليوين]
أما جراحي، فقد التأمت بسرعة، الجلد يلتئم بسلاسة تفوق المألوف. لم أُعرها اهتمامًا، إذ كان تركيزي موجهًا إلى كيزيس وخارناس.
جمد في مكانه، بالكاد كانت كلمته الأخيرة قد فارقت شفتيه النازفتين.
رمق كيزيس سيّد الفريترا بنظرة طويلة. لم يعد خارناس مُعلّقًا في مركز الشعاع الأحمر، بل راكعًا في قاعه، والسلاسل السوداء تكبّله—دون داعٍ، كما رأيتُ. كان على شفير الموت بالفعل.
خطوتُ داخل المسارات الأثيرية، فوجدتُ نفسي بجوار خارناس، في فقاعة الفراغ التي تحيط به. احمرّت عيناه كليًّا، حتى تلاشت قزحيتاه وسط بياضهما. تقشّرت رقع من جلده الرماديّ الفاتح، فتساقطت متهالكة كأوراق يابسة، كاشفةً تحتها لحمًا نيّئًا متورّدًا. أحد قرنيه كان قد تحطم تحت وطأة تعويذته هو.
“طاقته تلتهم شظايا نواته.” علّقت موروينا، مقتربة بخطوات محسوبة. رفعت كفّها برقة، فتراقصت حولها تموجات من المانا، ترفرف كيراعات متوهجة. “لا أظن حتى أن شفائي قادرٌ على إنقاذه الآن.”
في البدء، بضع شفرات… ثم عشرات… ثم أكثر، تخترق الحاجز، تندفع بدقة خبيثة حتى بدت وكأنها تنسل بين ذرات الأثير ذاتها. شعرتُ بلسعات حادة على جسدي، ثم بحرارة الدم تنزف.
“إنقاذه؟” زمجر راديكس، وهو يحكّ قشور الألماس على وجهه بلا اكتراث. “من وجهة نظري المتواضعة، لعله من الأنسب تعجيل الأمر.”
ثم انفجر خارناس مجددًا.
نظر راي كوثان بأسى إلى رفيقه الباسيليسك، الوحيد الذي بدا أنه يشعر بشيء غير الاشمئزاز أو الغضب المتقد. “موروينا محقّة. هذه التقنية الفراغية… ليست شيئًا يمكن التعافي منه.” جثا أمام خارناس، ومدّ أصابعه نحو القرن المبتور، لكنه لم يلمسه. رفع بصره نحو كيزيس. “ما تبقّى من الفراغ سيلتهمه من الداخل.”
اتكأتُ على حافة الشرفة، أرقب السماء وهي تتماوج، ثم تتمزّق وتنفتح.
استطعتُ بالكاد أن أتحسس ذلك—عُقَدًا من المانا ذات سمة التحلّل، تزحف كدودٍ ينخر جسده، تقتات عليه وهو لا يزال حيًّا.
جمد في مكانه، بالكاد كانت كلمته الأخيرة قد فارقت شفتيه النازفتين.
جمد في مكانه، بالكاد كانت كلمته الأخيرة قد فارقت شفتيه النازفتين.
انداحت قوةٌ عارمة من كيزيس، فارتجّت القاعة تحت وطأتها.
أما جراحي، فقد التأمت بسرعة، الجلد يلتئم بسلاسة تفوق المألوف. لم أُعرها اهتمامًا، إذ كان تركيزي موجهًا إلى كيزيس وخارناس.
تكدّرت أشعة النور القرمزي، وتحولت إلى لون أرجواني قاتم. في قلب زنزانة الضوء، تجمّدت المانا، كما توقفت رقائق الجلد المتساقطة عن جسد خارناس في مكانها. لم يعد يتنفس كذلك—توقّف الزمن بالنسبة له تمامًا.
“يمكننا أن نكسب مزيدًا من الوقت إن لزم الأمر. أستطيع أن أجعل احتضارك يدوم ما شئتُ، خارناس. ولن يكون هينًا. كل ثانية ممتدة ستغدو دهورًا متلاحقة بالنسبة لك. حياةٌ أبدية من التحلل البطيء، والموتُ يلوح أمامك دون أن ينالك.” توقف لبرهة، ثم استطرد: “ما لم ترغب في الحديث من تلقاء نفسك. ربما، خارناس فريترا، لم يعد لديك الحافز للدفاع عن سيّدك الأسمى، أغرونا، وكشف أسراره—”
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
انفكّ الزمن من قيده داخل الزنزانة.
لقد انتُزع أفيتوس من عالمنا، وسُجن داخل حاجزٍ أو فقاعة، محجوزًا خارج الفضاء الحقيقي، في بُعدٍ منفصل، أشبه بالعالم الأثيري.
بصق خارناس دمًا وصديدًا أسود، سال على العظم العاري من ذقنه. “أنت وأغرونا، أنتما تستحقان بعضكما. آمل أن تمزّق كل منكما الآخر إربًا.”
“كل ذلك الوقت—عقود بأكملها، ربما—قضيته كأغرونا؟” أضفتُ، بالشك ذاته.
“خدعة، بطبيعة الحال.” نطقت موروينا، وقد انعقدت شفتاها، فيما ازدادت صلابة قامتها المتخشّبة أصلًا. “كان ينبغي أن ندرك ذلك.”
“إذًا، لم يكن هذا خيارك منذ البداية؟” سألتُ، أراقبه بحذر، بينما كان مقام الملك يضفي وضوحًا على كل إيماءة أو ارتعاشة تصدر عنه. حتى دون السمة الإلهية، كان جليًّا أنه لا يملك القدرة أو الدافع لخداعنا.
عند حوافه، احتدمت أنوارٌ شفقية عنيفة، متراقصةً بالأحمر والأرجواني، فيما كانت الحقيقة نفسها تنهار، والحاجز الذي أبقى أفيتوس في بُعده المنفصل يتداعى من نقطة اتصاله بالعالم الخارجي، مُتهاويًا نحو العدم.
لم أُجب. لم أستطع.
استدار إليّ، نظراته خاوية من أي إدراك، وقال ببرود: “لماذا يُسمح لهذا الوضيع بالكلام في حضوري؟ أنا خارناس، السوط الأسود، سيّد—”
كان يحتضر. لم أستوعب تمامًا تعقيدات السحر الذي أطلقه، لكنني أيقنتُ أن جوهره قد تهشّم. استطعتُ أن أشعر بشظاياه تتناثر عبر صدره كأنها شظايا متطايرة.
ومن خلاله، بدأتُ أرى الضوء، والألوان.
“مجرد دميةٍ لحمية.” قاطعته بنبرة جافة.
لكن الآن، أقف هنا، عاجزًا، وأراقب العالم الذي وُلدتُ فيه مجددًا وهو يقترب أكثر وأكثر مع كل ثانية.
قهقه ريجس في الخلف، حيث كان متكئًا في ظلّ السادة العظام.
لم يكن هذا مجرد شقّ نحو الفراغ، أو فجوةً تقود إلى العتمة الأثيرية أو فراغ الفضاء السحيق المرصّع بالنجوم.
نظر إليّ كيزيس، الذي كان قد أوقف الزمن مجددًا عند كلامي. لم يكن في نظرته أثرٌ للمزاح، لكن عينيه تلألأتا للحظة بلون الخزامى قبل أن تعودا إلى ظلمتهما المعتادة. “هل أرسلك أغرونا إلى هنا لاغتيالي؟” ثم أعاد تحريك الزمن.
وقفتُ، محاطًا بعائلتي، أبحث عن أي إجابةٍ أخرى، أي تفسيرٍ يمنحهن الطمأنينة…
اللهم أنت ربي، الواحد الأحد، الملك الحق المبين، نسألك يا رب العالمين أن ترزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. اللهم أنت الرزاق ذو القوة المتين، ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. اللهم ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعل قتلاهم في جنات النعيم. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الأرض، واكشف عنهم الغمّة، وفرّج كربهم يا أرحم الراحمين. آمين.
حدّجني خارناس بنظرة مغموسة في حقدٍ أسود. “كلا. لكن عندما فتحتُ عينيّ، ووقع بصري عليك، لم أتمكن من التفكير إلا في شيء واحد—أنني أريد أن أقطّع وجهك إربًا.”
“إنه يفعل شيئًا في ألاكريا.” قلت، مستعيدًا أنفاسي، ثم دفعتُ نفسي بعيدًا عن الجدار. “لقد أرسلت لي سيريس رسالة. أحضرها تشول. يجب أن أعود. إن كان قد خسر… مساعدَه المقرب، فقد يكون في حالة يأس—وضعف.”
تحرك الآخرون بانتباه، لكن كيزيس رفع يده، فالتزم الجميع الصمت.
[منظور آثر ليوين]
“ما سبب وجودك هنا إذًا؟” سأل كيزيس، بنبرة هادئة متزنة، وقد وارى خلفها ذلك الغضب العاصف الذي تفجّر منذ قليل.
من خلفي، شعرتُ بتدفق طاقة الآخرين، كأنها تنهيدة ارتياح بعد كبح العاصفة. للحظة خاطفة، صمدوا أمام جحيم الفراغ، والآن، وقد زال ضغطه، ترنّحوا، يبحثون عن توازنهم.
هزّ خارناس كتفيه، أو حاول ذلك. لم يستطع تمامًا، لكن المغزى كان واضحًا. “أنت أخبرني.”
لقد انتُزع أفيتوس من عالمنا، وسُجن داخل حاجزٍ أو فقاعة، محجوزًا خارج الفضاء الحقيقي، في بُعدٍ منفصل، أشبه بالعالم الأثيري.
“ألا تذكر شيئًا حقًا؟” تساءل راي، وعيناه تضيقان بارتياب.
على الجانب الآخر، كانت هناك سماءٌ أخرى.
انفجر خارناس للمرة الثالثة.
“كل ذلك الوقت—عقود بأكملها، ربما—قضيته كأغرونا؟” أضفتُ، بالشك ذاته.
“راغب؟” انتُزعَت الكلمة من حلق خارناس كأنها حافة شفرة، ممزوجة بالدماء والألم. “لقد حوّلني إلى…” صبّ عليّ نظرة حارقة. “دميةٍ من لحمه هو. كلا، لم أكن راغبًا. ذلك الانحطاط!” قعقعت أسنانه بغيظ، لكن ثورته لم تدم طويلًا، إذ انحنى رأسه وارتجفت عيناه، كأنه يوشك على الإغماء. “لا… ذاكرة لي عن ذلك. لا يمكنني أن أخبركم… سوى بشيء واحد: لقد كنتم حمقى إذ تركتمونا نحيا لهذه المدة الطويلة.”
تلوّت تقاسيم وجهه بغضبٍ كاسح. “عقود؟ ذلك الخائن الوضيع…”
في البدء، بضع شفرات… ثم عشرات… ثم أكثر، تخترق الحاجز، تندفع بدقة خبيثة حتى بدت وكأنها تنسل بين ذرات الأثير ذاتها. شعرتُ بلسعات حادة على جسدي، ثم بحرارة الدم تنزف.
قهقه راديكس، صدى ضحكته يرنّ بين الجدران الحجرية. “لم تكن شريكًا راغبًا في تعويذته إذن.”
قهقه ريجس في الخلف، حيث كان متكئًا في ظلّ السادة العظام.
ارتجّ القصر كلّه، وكأن الجبل الذي يستند إليه قد بدأ في التهدم من أساسه. ومن الخارج، بدا وكأن الصوت جاء من بُعدٍ سحيق، صوت غريب، شيء ما بين زئير إعصار، وتمزّق قماش متين تحت وطأة قوة هائلة.
“راغب؟” انتُزعَت الكلمة من حلق خارناس كأنها حافة شفرة، ممزوجة بالدماء والألم. “لقد حوّلني إلى…” صبّ عليّ نظرة حارقة. “دميةٍ من لحمه هو. كلا، لم أكن راغبًا. ذلك الانحطاط!” قعقعت أسنانه بغيظ، لكن ثورته لم تدم طويلًا، إذ انحنى رأسه وارتجفت عيناه، كأنه يوشك على الإغماء. “لا… ذاكرة لي عن ذلك. لا يمكنني أن أخبركم… سوى بشيء واحد: لقد كنتم حمقى إذ تركتمونا نحيا لهذه المدة الطويلة.”
لم يكن هذا مجرد شقّ نحو الفراغ، أو فجوةً تقود إلى العتمة الأثيرية أو فراغ الفضاء السحيق المرصّع بالنجوم.
جمد في مكانه، بالكاد كانت كلمته الأخيرة قد فارقت شفتيه النازفتين.
كذلك توقفت الديدان السوداء من المانا التي كانت تلتهمه من الداخل، وكأن الزمن قد أُوقف مجددًا.
انفكّ الزمن من قيده داخل الزنزانة.
[منظور آثر ليوين]
سرتُ حول خارناس في دائرة، أتمعّن في هذا الفريترا اللعين. “لماذا لا يتذكر؟ هذا مشابهٌ تمامًا لما كانت سيسيليا تفعله بتيسيا، لكنها كانت واعية لأغلب الوقت.”
أما الآخر، فقد كان متشظيًا، متكسّرًا، أشبه بجماجم ذات قرون ملتوية…
وقف راي، موليًا بصره عن هذا المشهد القبيح. “أغرونا فريترا يتفنّن في استعباد العقول، وطمس الإدراك، بل وحتى إعادة كتابة الماضي عبر الذاكرة. وجوده داخل رأس هذا الباسيليسك المثير للشفقة كان أكبر من أن يتمكّن من مقاومته.”
سمعت اسمي، لم يكن صوتًا، بل خاطرةً تسري في رأسي، متداخلةً مع الريح العاصفة حول منحدرات قلعة إندرات. سيلفي. كانت تتساءل، تتوجّس خوفًا.
استدار إليّ، نظراته خاوية من أي إدراك، وقال ببرود: “لماذا يُسمح لهذا الوضيع بالكلام في حضوري؟ أنا خارناس، السوط الأسود، سيّد—”
“إذًا، لا تظنّ أنه يكذب؟” سألتُ، مستندًا إلى الحائط، حتى يتسنى لي رؤية السادة جميعًا. “ألا يكون هذا مجرد تلاعب آخر من أغرونا؟ فكمحاولة اغتيال—”
نظر راي كوثان بأسى إلى رفيقه الباسيليسك، الوحيد الذي بدا أنه يشعر بشيء غير الاشمئزاز أو الغضب المتقد. “موروينا محقّة. هذه التقنية الفراغية… ليست شيئًا يمكن التعافي منه.” جثا أمام خارناس، ومدّ أصابعه نحو القرن المبتور، لكنه لم يلمسه. رفع بصره نحو كيزيس. “ما تبقّى من الفراغ سيلتهمه من الداخل.”
“لقد فشلت.” قال كيزيس باقتضاب، غير أن التوتر المتّقد خلف جموده البارد كان محسوسًا، حتى أن يده تحركت بلا وعي نحو أضلاعه.
تحرك الآخرون بانتباه، لكن كيزيس رفع يده، فالتزم الجميع الصمت.
“إذًا، ماذا يعني هذا بخصوص أغرونا؟” تساءلت موروينا، بينما كانت الذرات الشفائية التي بعثتها كرومها تتلاشى شيئًا فشيئًا. والآن، بمجرد رفرفة من يدها، انسحبت النباتات كلها عبر الأرض، كأنها لم تكن هنا قط. “لا بد أنه لا يزال هناك، في مكانٍ ما.”
“إنقاذه؟” زمجر راديكس، وهو يحكّ قشور الألماس على وجهه بلا اكتراث. “من وجهة نظري المتواضعة، لعله من الأنسب تعجيل الأمر.”
“إنه يفعل شيئًا في ألاكريا.” قلت، مستعيدًا أنفاسي، ثم دفعتُ نفسي بعيدًا عن الجدار. “لقد أرسلت لي سيريس رسالة. أحضرها تشول. يجب أن أعود. إن كان قد خسر… مساعدَه المقرب، فقد يكون في حالة يأس—وضعف.”
“ديكاثين. ألاكريا.”
“يكفي.”
نظر نوفيس إلى خارناس، الذي كان لا يزال معلقًا داخل الشعاع المائع ذي اللون العنابي، ملفوفًا في السلاسل السوداء الثقيلة، بلا حراك. أما الآخرون، فقد ركزوا أنظارهم جميعًا على كيزيس.
اندفعتُ إلى الأمام، الأثير يتلألأ في راحتي، يتكثّف، آخذًا في التشكل كنصل بنفسجي متوهج، غير أن القوة الخام المنبعثة من كيزيس كانت تطبق على الحجرة كقبضة الجبابرة، فوجدتني أتحرك وكأنني أخوض في مياه غائرة.
ظلّ كيزيس صامتًا، يربّت بأصابعه على فكّه الأملس بشرود. بدا وكأن بصره تلاشى في الفراغ، غارقًا في دهاليز فكره. ثم، فجأة، انتفض وكأن شرارةً أيقظته من تأمله العميق.
“ما سبب وجودك هنا إذًا؟” سأل كيزيس، بنبرة هادئة متزنة، وقد وارى خلفها ذلك الغضب العاصف الذي تفجّر منذ قليل.
خطوتُ داخل المسارات الأثيرية، فوجدتُ نفسي بجوار خارناس، في فقاعة الفراغ التي تحيط به. احمرّت عيناه كليًّا، حتى تلاشت قزحيتاه وسط بياضهما. تقشّرت رقع من جلده الرماديّ الفاتح، فتساقطت متهالكة كأوراق يابسة، كاشفةً تحتها لحمًا نيّئًا متورّدًا. أحد قرنيه كان قد تحطم تحت وطأة تعويذته هو.
“بالفعل. ينبغي أن نعلم ما الذي يخطط له—الآن وقد زُجّ به إلى زاوية ضيقة. عليك أنت ورفاقك التوجّه إلى ألاكريا حالًا، استكشاف الوضع هناك. قبل أن نتمكّن من—”
اهتزّت الأرض بعنف.
جمد في مكانه، بالكاد كانت كلمته الأخيرة قد فارقت شفتيه النازفتين.
ارتجّ القصر كلّه، وكأن الجبل الذي يستند إليه قد بدأ في التهدم من أساسه. ومن الخارج، بدا وكأن الصوت جاء من بُعدٍ سحيق، صوت غريب، شيء ما بين زئير إعصار، وتمزّق قماش متين تحت وطأة قوة هائلة.
استدار كيزيس، يحدّق عبر الجدران والأرض، متتبعًا السحر الذي يحفظ قصره متماسكًا.
ثم انفجر ضوءٌ أسود منه كأنه كان مركز انفجار. لم تتسنَّ لي سوى لمحة خاطفة للجلد المتفسخ، قبل أن يذوب كل شيء أمامي.
ارتسمت الصدمة على ملامح موروينا، وراي، ونوفيس، وراديكس، وجميعهم نطقوا بتساؤل واحد: “ما هذا—؟”
كانا يتداخلان، معتمدين على بعضهما، وكان حاجز أفيتوس متكئًا على العالم الأثيري كي يبقى موجودًا.
شهقت موروينا مستحسنة.
لم يكن وميضًا، بل أشبه بانعكاس الضوء فوق مياه بعيدة، ثم—ظهرت ماير.
لكن المانا التي كبّلت خارناس داخل العمود الضوئي الأبيض أخذت تنساب على جلده كما ينساب الماء على ريش البطّ المدهون بالشمع. كان يتحرك، ينفلت من القيد النوراني، متحررًا شيئًا فشيئًا. يده، ثم ذراعه، ثم كتفه… قبل أن يرمش أحد بعينه.
لا تزال تحتفظ بهيئتها الشابة، لكن ارتعاشة من الفزع، بالكاد مكبوتة، كانت تسري تحت جلدها.
انبثقت تأوهات، وصيحة حادة اخترقت الضجيج. ومن الظلال المتكسرة، خرج ريجس، جسده يشتعل بلهب أرجواني داكن، ليقف أمامي.
“أيها السادة العظام، أسرعوا، إن—”
لكن، بخلاف ضربة النصل، لم يكن الجرح مستقيمًا أو نظيفًا، بل متعرجًا، كأنّ مخالب وأنيابًا، أو ربما قوةٌ صمّاء، هي من مزّقته.
انطوى الفضاء من حولنا.
لم نعد في الزنزانة، بل وقفنا أمام البوابات الكبرى. الجسر متعدّد الألوان الممتدّ أمام القصر بقي مكانه، لكن لم يحدّق أحد إلى الأسفل.
ضاقت السلاسل الحديدية حول جسد خارناس، تشدّه بكامله إلى داخل العمود الضوئي، الذي سرعان ما تلوّن بالأحمر القاني، وكأنه نضح دمًا غزيرًا.
كجسدٍ واحد، رفعت الأزوراس أنظارهم إلى السماء.
‘لا يمكنني التردد بشأن قراري بالبقاء،’ استنتج جزء آخر من عقلي. الصلات التي أنسجها مع هؤلاء الأزوراس—لا سيما الشباب منهم—ستكون ذات شأن أعظم في المستقبل، إذ إن كان أغرونا لا يزال في ألاكريا، فهذا يجعل كيزيس أشد خطرًا.
“لا…”
كانت مقطّعةً برياح أرجوانية، وتشوهات في الضوء، لكنها لم تكن بحاجة إلى تفسير—
كانت مقطّعةً برياح أرجوانية، وتشوهات في الضوء، لكنها لم تكن بحاجة إلى تفسير—
اجتاحني رعبٌ بارد، انقضّ على صدري وحاصر أنفاسي.
لم نعد في الزنزانة، بل وقفنا أمام البوابات الكبرى. الجسر متعدّد الألوان الممتدّ أمام القصر بقي مكانه، لكن لم يحدّق أحد إلى الأسفل.
سمعت اسمي، لم يكن صوتًا، بل خاطرةً تسري في رأسي، متداخلةً مع الريح العاصفة حول منحدرات قلعة إندرات. سيلفي. كانت تتساءل، تتوجّس خوفًا.
سُحبٌ من الشفرات الضوئية السوداء الرفيعة كالموسى ملأت القاعة.
كانت أغلب طاقته المانية قد تجمعت الآن في قرنه الوحيد المتبقي. لم أتوانَ عن الهجوم.
لم أُجب. لم أستطع.
اللهم أنت ربي، الواحد الأحد، الملك الحق المبين، نسألك يا رب العالمين أن ترزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. اللهم أنت الرزاق ذو القوة المتين، ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. اللهم ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعل قتلاهم في جنات النعيم. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الأرض، واكشف عنهم الغمّة، وفرّج كربهم يا أرحم الراحمين. آمين.
وقفتُ إلى جانب كيزيس وماير إندراث، تحيط بي بقية السياة العليا، ونظرتُ إلى السماء، كأن عقلي عاجزٌ عن استيعاب ما أراه.
كانت مقطّعةً برياح أرجوانية، وتشوهات في الضوء، لكنها لم تكن بحاجة إلى تفسير—
كأنّ السماء قد انشقّت ببساطة، كأن نصلًا جبّارًا قد مزّقها، ففتح جرحًا في لحمها، كاشفًا عما يكمن خلفها.
“إذًا، ماذا يعني هذا بخصوص أغرونا؟” تساءلت موروينا، بينما كانت الذرات الشفائية التي بعثتها كرومها تتلاشى شيئًا فشيئًا. والآن، بمجرد رفرفة من يدها، انسحبت النباتات كلها عبر الأرض، كأنها لم تكن هنا قط. “لا بد أنه لا يزال هناك، في مكانٍ ما.”
تماوجت هالةٌ متوحشة عند حواف الشق، حمراء وأرجوانية، كمثل جلد نيّئ حول رضّة حديثة التشكل عند حواف الفضاء المنطوي.
رمق كيزيس سيّد الفريترا بنظرة طويلة. لم يعد خارناس مُعلّقًا في مركز الشعاع الأحمر، بل راكعًا في قاعه، والسلاسل السوداء تكبّله—دون داعٍ، كما رأيتُ. كان على شفير الموت بالفعل.
لكن، بخلاف ضربة النصل، لم يكن الجرح مستقيمًا أو نظيفًا، بل متعرجًا، كأنّ مخالب وأنيابًا، أو ربما قوةٌ صمّاء، هي من مزّقته.
“ما سبب وجودك هنا إذًا؟” سأل كيزيس، بنبرة هادئة متزنة، وقد وارى خلفها ذلك الغضب العاصف الذي تفجّر منذ قليل.
بصق خارناس دمًا وصديدًا أسود، سال على العظم العاري من ذقنه. “أنت وأغرونا، أنتما تستحقان بعضكما. آمل أن تمزّق كل منكما الآخر إربًا.”
وحوله، تلّونت السماء بلونٍ رماديّ كئيب، مشوهةً، كأنّها—كأنّ أفيتوس برمّتها كانت تُسحب نحو هذا الجرح.
لم أُجب. لم أستطع.
كنتُ أتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا، ربما قرونًا، حتى ينحاز الأزوراس إلى قضيتي، حتى يُخلى أفيتوس ويعاد تجميع شعبها في العالم الحقيقي.
كأنها ثقبٌ أسود.
كأنّ السماء قد انشقّت ببساطة، كأن نصلًا جبّارًا قد مزّقها، ففتح جرحًا في لحمها، كاشفًا عما يكمن خلفها.
غير أن الجرح ذاته لم يكن الشيء الذي جمّد الدم في عروقي كأنه ماءٌ مثلّج.
كانت مقطّعةً برياح أرجوانية، وتشوهات في الضوء، لكنها لم تكن بحاجة إلى تفسير—
بقبضتي المشدودة على نصل الأثير المتجسد، استدعيتُ خطوة الحاكم وانتظرتُ.
لم يكن هذا مجرد شقّ نحو الفراغ، أو فجوةً تقود إلى العتمة الأثيرية أو فراغ الفضاء السحيق المرصّع بالنجوم.
على الجانب الآخر، كانت هناك سماءٌ أخرى.
لم يكن وميضًا، بل أشبه بانعكاس الضوء فوق مياه بعيدة، ثم—ظهرت ماير.
“إذًا، لم يكن هذا خيارك منذ البداية؟” سألتُ، أراقبه بحذر، بينما كان مقام الملك يضفي وضوحًا على كل إيماءة أو ارتعاشة تصدر عنه. حتى دون السمة الإلهية، كان جليًّا أنه لا يملك القدرة أو الدافع لخداعنا.
لا تزال مرصّعة بالسحب، مائلة إلى الزرقة، تتدرّج إلى البنفسجي، ثم الأسود عند الأطراف.
خطوتُ داخل المسارات الأثيرية، فوجدتُ نفسي بجوار خارناس، في فقاعة الفراغ التي تحيط به. احمرّت عيناه كليًّا، حتى تلاشت قزحيتاه وسط بياضهما. تقشّرت رقع من جلده الرماديّ الفاتح، فتساقطت متهالكة كأوراق يابسة، كاشفةً تحتها لحمًا نيّئًا متورّدًا. أحد قرنيه كان قد تحطم تحت وطأة تعويذته هو.
وفي قلبها… كرةٌ زرقاء.
شطرَ زرقتها يابستان، تتخللهما خضرة وبنية الأرض.
أحدهما كان شكلًا بسيطًا، مربعًا أو ماسيًّا، يقطعه شريطٌ جبليّ خشن.
بدأ السحر المقيِّد الذي نسجه كيزيس يتهاوى، إذ انداح الفراغُ من جسد سيّد الفريترا، مستبيحًا المانا، مفككًا أوصالها كما تفعل قدرات سيريس.
استطعتُ بالكاد أن أتحسس ذلك—عُقَدًا من المانا ذات سمة التحلّل، تزحف كدودٍ ينخر جسده، تقتات عليه وهو لا يزال حيًّا.
أما الآخر، فقد كان متشظيًا، متكسّرًا، أشبه بجماجم ذات قرون ملتوية…
غير أن جميعها كانت تعود إلى محورٍ واحد: القَدَر. بطريقةٍ ما، كان هذا كله جزءًا من لعبته.
وبينهما، بحرٌ شاسع، خاوي الامتداد.
“ديكاثين. ألاكريا.”
وقفتُ كأنني في حلمٍ لم يكتمل، كأنني عبرت من غرفة في بيتٍ، لأجد نفسي في أخرى لا تتصل بها بأي منطق.
“خدعة، بطبيعة الحال.” نطقت موروينا، وقد انعقدت شفتاها، فيما ازدادت صلابة قامتها المتخشّبة أصلًا. “كان ينبغي أن ندرك ذلك.”
الصورة من خلال الجرح لم تكن مثالية.
كانت مقطّعةً برياح أرجوانية، وتشوهات في الضوء، لكنها لم تكن بحاجة إلى تفسير—
وفي قلبها… كرةٌ زرقاء.
إنّ الصدع الذي يصل ديكاثين بأفيتوس قد انفتح.
تقدّم كيزيس متجاوزًا الكروم الصلبة. كان ثوبه الأبيض والذهبيّ براقًا، نقيًّا، لم تتلطّخه قطرة دم واحدة، وبدا مظهره الخارجي هادئًا متماسكًا. مع كل خطوة، لم يكن ثمة سوى ارتعاشة طفيفة تفضح الجراح التي يخفيها—لمحة لا تُدرك إلا عبر حدسي المشحوذ بمناورة الملك.
حتى وأنا أحدّق، كانت حوافه المشوهة تتسع، تكشف المزيد والمزيد من العالم على الجانب الآخر.
ابتلعتُ ريقي، قدماي مغروستان في الأرض، عقلي يعمل ببطء كأن تروسًا صدئة تحرّكه.
“ديكاثين. ألاكريا.”
لقد انتُزع أفيتوس من عالمنا، وسُجن داخل حاجزٍ أو فقاعة، محجوزًا خارج الفضاء الحقيقي، في بُعدٍ منفصل، أشبه بالعالم الأثيري.
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
كانا يتداخلان، معتمدين على بعضهما، وكان حاجز أفيتوس متكئًا على العالم الأثيري كي يبقى موجودًا.
كنتُ أتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا، ربما قرونًا، حتى ينحاز الأزوراس إلى قضيتي، حتى يُخلى أفيتوس ويعاد تجميع شعبها في العالم الحقيقي.
كنتُ أعلم، منذ آخر حجر أساس، أن أفيتوس لن يصمد إلى الأبد، لكن…
لم أكن مستعدًا لهذا.
“مجرد دميةٍ لحمية.” قاطعته بنبرة جافة.
كنتُ أتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا، ربما قرونًا، حتى ينحاز الأزوراس إلى قضيتي، حتى يُخلى أفيتوس ويعاد تجميع شعبها في العالم الحقيقي.
تلوّت تقاسيم وجهه بغضبٍ كاسح. “عقود؟ ذلك الخائن الوضيع…”
لكن الآن، أقف هنا، عاجزًا، وأراقب العالم الذي وُلدتُ فيه مجددًا وهو يقترب أكثر وأكثر مع كل ثانية.
“لقد حاولتُ أن أفعل هذا بالطريقة السهلة.” نطقتُ، ناظرًا إلى السماء الجريحة. “كلّ ما أردته هو تلك القوة التي قضيتم أحقابًا لا تُحصى تُخفونها عني. كان يمكنكم أن تموتوا، لكن هذا العالم—كلا العالمين—كان ليواصل مسيره، متوافقًا مع النظام الطبيعي لوجوده. لكنكم فقط… تأبون… الإفلات.”
جاءت شهقة خافتة من خلفي. استدرتُ، لأجد سيلفي، وإيلي، وأمي، وقد توقّفن فجأة، عيونهنّ شاخصة إلى الجرح المتّسع في السماء.
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
في الخلف، كان ريجس يركض، يمسح المشهد بعينَيه.
تماوجت هالةٌ متوحشة عند حواف الشق، حمراء وأرجوانية، كمثل جلد نيّئ حول رضّة حديثة التشكل عند حواف الفضاء المنطوي.
اشتدّ تعبير سيلفي، بينما كانت إيلي وأمي على شفير الانهيار.
ركضت إيلي إلى جانبي، تلفّ ذراعيها حولي. أما أمي، فقد تماسكت… لكن بالكاد.
“لا…”
“ماذا يحدث؟” همست إيلي، لاهثة، في نفس اللحظة التي قالت فيها أمي: “ماذا يعني هذا، آرثر؟”
وقفتُ، محاطًا بعائلتي، أبحث عن أي إجابةٍ أخرى، أي تفسيرٍ يمنحهن الطمأنينة…
لكنني لم أجد.
وفي ذات اللحظة، كان جزءٌ آخر من إدراكي يغوص في تحليل تداعيات هذا الكشف. علينا أن نفترض أن أغرونا ما زال حيًّا، وهذا يقلب مغزى الرسالة التي حملها تشول رأسًا على عقب.
سُحبٌ من الشفرات الضوئية السوداء الرفيعة كالموسى ملأت القاعة.
“لا أعلم.”
“إنه يفعل شيئًا في ألاكريا.” قلت، مستعيدًا أنفاسي، ثم دفعتُ نفسي بعيدًا عن الجدار. “لقد أرسلت لي سيريس رسالة. أحضرها تشول. يجب أن أعود. إن كان قد خسر… مساعدَه المقرب، فقد يكون في حالة يأس—وضعف.”
“إنه يفعل شيئًا في ألاكريا.” قلت، مستعيدًا أنفاسي، ثم دفعتُ نفسي بعيدًا عن الجدار. “لقد أرسلت لي سيريس رسالة. أحضرها تشول. يجب أن أعود. إن كان قد خسر… مساعدَه المقرب، فقد يكون في حالة يأس—وضعف.”
[منظور أغرونا فريترا]
لم أُجب. لم أستطع.
كنتُ أتوقع أن يستغرق الأمر عقودًا، ربما قرونًا، حتى ينحاز الأزوراس إلى قضيتي، حتى يُخلى أفيتوس ويعاد تجميع شعبها في العالم الحقيقي.
اتكأتُ على حافة الشرفة، أرقب السماء وهي تتماوج، ثم تتمزّق وتنفتح.
المسلك إلى أفيتوس، الذي طالما أُغلق كفُوّهة قربة مشدودة، كان الآن يُمزّق على مصراعيه—شقّ في السماء يمتدّ من غابات الوحوش في ديكاثين، عابرًا البحر، ومخترقًا جبال ناي الباسيليسك في ألاكريا.
الوطن.
عند حوافه، احتدمت أنوارٌ شفقية عنيفة، متراقصةً بالأحمر والأرجواني، فيما كانت الحقيقة نفسها تنهار، والحاجز الذي أبقى أفيتوس في بُعده المنفصل يتداعى من نقطة اتصاله بالعالم الخارجي، مُتهاويًا نحو العدم.
“كل ذلك الوقت—عقود بأكملها، ربما—قضيته كأغرونا؟” أضفتُ، بالشك ذاته.
“لقد حاولتُ أن أفعل هذا بالطريقة السهلة.” نطقتُ، ناظرًا إلى السماء الجريحة. “كلّ ما أردته هو تلك القوة التي قضيتم أحقابًا لا تُحصى تُخفونها عني. كان يمكنكم أن تموتوا، لكن هذا العالم—كلا العالمين—كان ليواصل مسيره، متوافقًا مع النظام الطبيعي لوجوده. لكنكم فقط… تأبون… الإفلات.”
لا تزال مرصّعة بالسحب، مائلة إلى الزرقة، تتدرّج إلى البنفسجي، ثم الأسود عند الأطراف.
توقّف الكلام على لساني فيما راح الصدع يتّسع أكثر فأكثر.
استدار كيزيس، يحدّق عبر الجدران والأرض، متتبعًا السحر الذي يحفظ قصره متماسكًا.
ومن خلاله، بدأتُ أرى الضوء، والألوان.
ضاقت السلاسل الحديدية حول جسد خارناس، تشدّه بكامله إلى داخل العمود الضوئي، الذي سرعان ما تلوّن بالأحمر القاني، وكأنه نضح دمًا غزيرًا.
غير أن جميعها كانت تعود إلى محورٍ واحد: القَدَر. بطريقةٍ ما، كان هذا كله جزءًا من لعبته.
الوطن.
ضاقت السلاسل الحديدية حول جسد خارناس، تشدّه بكامله إلى داخل العمود الضوئي، الذي سرعان ما تلوّن بالأحمر القاني، وكأنه نضح دمًا غزيرًا.
أو ما كان يومًا وطنًا… ولم يعد كذلك.
“كلّ ما شيّدتموه، كلّ ما تشبّثتم به منذ البداية، سينهار قريبًا.
“بالفعل. ينبغي أن نعلم ما الذي يخطط له—الآن وقد زُجّ به إلى زاوية ضيقة. عليك أنت ورفاقك التوجّه إلى ألاكريا حالًا، استكشاف الوضع هناك. قبل أن نتمكّن من—”
ثم انفجرت قواهم عبر أرجاء الزنزانة.
وأنا… سأنتزع ما أبتغيه من بين الأنقاض.”
“لقد حاولتُ أن أفعل هذا بالطريقة السهلة.” نطقتُ، ناظرًا إلى السماء الجريحة. “كلّ ما أردته هو تلك القوة التي قضيتم أحقابًا لا تُحصى تُخفونها عني. كان يمكنكم أن تموتوا، لكن هذا العالم—كلا العالمين—كان ليواصل مسيره، متوافقًا مع النظام الطبيعي لوجوده. لكنكم فقط… تأبون… الإفلات.”
تحرك الآخرون بانتباه، لكن كيزيس رفع يده، فالتزم الجميع الصمت.
————————
توقّف الكلام على لساني فيما راح الصدع يتّسع أكثر فأكثر.
ترجمة الخال
وقفتُ، محاطًا بعائلتي، أبحث عن أي إجابةٍ أخرى، أي تفسيرٍ يمنحهن الطمأنينة…
كذلك توقفت الديدان السوداء من المانا التي كانت تلتهمه من الداخل، وكأن الزمن قد أُوقف مجددًا.
اللهم أنت ربي، الواحد الأحد، الملك الحق المبين، نسألك يا رب العالمين أن ترزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. اللهم أنت الرزاق ذو القوة المتين، ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. اللهم ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعل قتلاهم في جنات النعيم. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الأرض، واكشف عنهم الغمّة، وفرّج كربهم يا أرحم الراحمين. آمين.
اهتزّت الأرض بعنف.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
كدتُ أنفجر ضاحكًا. بدت الفكرة ضربًا من العبث، مستحيلة الحدوث. كيف انطلت عليّ؟ كنتُ قد قطعتُ خيوط القدر حرفيًّا، تلك التي تربطه—
