السلام في الخاص بك
الفصل 523: السلام في الخاص بك
مررتُ بخطوة الحاكم مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، في كل مرة إلى موقع محدد داخل البُعد الجيبي بينما أشتري لنفسي لحظةً للتفكير.
ابتلعت الظلمة ضوء البعد الجيبي الرمادي.
هل يمكنك الحفاظ على هذا الشكل؟ سألتُ ريجيس، وأنا أضغط في ذهنه، قلقًا من مدى تشتّته وعدم الاكتمال.
تدفقت المانا عبر السواد، تخنق حواس الرؤية عبر حواس نطاق القلب كما يفعل الضباب، وتلاشت كل إشارات وجود كيزيس أو أَغرونا.
مددتُ أثيري الخاص، ودفعتُ قوتي إلى قوته وحاولتُ كسرها.
اندفع الهواء في أذنيّ. الأثير —وليس ملكي— استقر ثقيلًا على أطرافي، مما قتل كل إحساس جسدي. ولحظةً، عدت إلى ذاك الفراغ العدميّ، إلى الخراب عديم الشكل حيث سقطتُ أول مرة في المقابر الأثرية، كأن جسدي قد تلاشى. لم يتبقَّ من الحواس سوى الطعم والرائحة المرة، اللاذعة، للفساد.
لكنني لم أقترب منه كما فعلتُ بأغرونا. شعرتُ بصراع ريجيس، واستنزاف آخر قواه. إن التمسك بهيئة الدمار لفترة أطول سيكون بمثابة انتزاع كل شيء منه. إحراقه كالجمر لبضع ثوانٍ من القوة. ومع ذلك، حتى مع منطق “مناورة الملك” البارد الذي يدفعني، لم أُفكِّر في الأمر. لم يكن مجرد سلاح يُهزّ حتى ينكسر.
اصطدم شيء بصَدري، فانطلقتُ طائرًا إلى الوراء. حدث ذلك بسرعة وشدة لدرجة أنني كنت قد اخترقت جدرانًا بعيدة قبل أن تصل إشارات الألم من الجسد إلى الدماغ. انفجرت النجوم في بصري فوق الظلام الذي يملأ عينيّ.
بتخمين مستنير، امتصصت الأثير. جاءت معه رونية الحاكم الدمار.
ببطء، فعّلتُ خطوة الحاكم. أضاءت شبكة الأنسجة المترابطة داخل البعد الجيبي أمام بصري، وانتقلت متدحرجًا عبر إحدى نقاطها لأظهر ثانيةً من نقطة أخرى، وأنا أدور في الهواء. تكثفت سيوف أثيرية حولي في دائرة، تتأرجح في كل اتجاه. كهوائيات حسّية، مدّت هذه الشفرات وعيي إلى مدى أبعد، حتى شعرت بها تُصيب هدفًا. ملأ الهواء عبق الحديد.
أومأت برأسي. “ما زلت والد سيلفيا وجد رابطتي. تسلّح.”
ظل هدير الرياح يصم أذنيّ، لكنه ما لبث أن ازداد حدّة. ركعت على ركبتيّ. رغم أن لحمي كان مخدرًا تحت وطأة الأثير، شعرت بموجة الموت تمر فوق رأسي مباشرة، وبتلك اللمسة الطفيفة التي انتزعت خيوطًا من شعري. كانت شفراتي تدور من حولي كإعصار. ومن خلال كفّيّ وباطن قدميّ الملتصقتين بالأرض، شعرتُ بالاهتزازات التي تشير إلى اقتراب ثقل عظيم. أملت بجسدي إلى الأمام، وعبرت ثانيةً إلى مسارات الأثير.
لكنه كان مجرد تشتيت. داخليًا، كنت أتشبث بجوهر الدمار، وأسعى إلى ذلك التحكم. ألمني جسدي بينما تحترق الرونية على ظهري، كما لو أن جزءًا منها لا يزال يحاول تمزيقي. فجأة، أصبح كل الدمار الذي لا يزال يستهلك البُعد الجيبي واضحًا في ذهني. بإمكاني إطعامه، تأجيج النيران، أو تجميده، ودفعه نحو أعدائي.
كانت النقاط المترابطة التي كشفت عنها خطوة الحاكم سهلة الرؤية والمتابعة، لكن علاقتها بالفضاء المادي داخل البعد الجيبي كانت بلا معنى تقريبًا. مع ذلك، استطعتُ تمييز الحواف البعيدة للفقاعة الكبيرة التي تحتوينا، ورغم أن نسبية الفضاء بالمعنى التقليدي شبه معدومة داخل بُعد الجيب، إلا أن هذا أعطاني إحساسًا طفيفًا بمكان وجودنا.
توقعت كلمات مريرة أو جارحة. توقعت خطاب نصر. الوقت، أي شيء من شأنه أن يمنحني الوقت. لكن كيزيس كان فعالًا ببرود، ورفض أن يمنحني الشيء الوحيد الذي أحتاجه. بدلًا من ذلك، انتزع النصل الذهبي من جسدي، وضبط قبضته عليه بسلاسة، ثم كان يقود عائدًا إلى أسفل نحو تجويف حلقي.
مررتُ بخطوة الحاكم مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، في كل مرة إلى موقع محدد داخل البُعد الجيبي بينما أشتري لنفسي لحظةً للتفكير.
مددت يدي برفق لأقبض على أنشودة الفجر. التقط الضوء الرمادي أطرافها، باعثًا بأشعة زمردية عبر النصل ومُضفيًا عليه وهجًا شفافًا. قلدتُ تحيته بالسيف. “كٱفكاري تمامًا.”
لقد أجرى كلٌّ من أغرونا وكيزيس حساباتهما في هذه المعركة، لكنهما استغرقا وقتًا أطول للحصول على نفس الإجابة التي كنتُ أعرفها لأسابيع. لقد أصبحتُ الآن خطيرًا جدًا عليهما. وكما خططت سيريس منذ زمن بعيد، فقد رأى الطاغوتين بعضهما البعض على أن الآخر التهديد الأكبر، ودفعا نفسيهما إلى أقصى حدٍّ لإنهاء هذه المعركة بسرعة.
طعن سيفي الأثيري ضلوعه المكشوفة، لكن سيد الأسورا كان سريعًا. طعن سيفه في الفراغ الذي أخليته للتو، لكن يده الفارغة دارت للخلف، غارقةً في سلاحي.
لكن الحسابات تغيرت. علم كيزيس وأغرونا أنه إذا استمرا في قتال بعضهما البعض، فسأقتلُ المنتصرَ في النهاية. عليّ ذلك. لا خيار في ذلك. لا يمكنني إنقاذ شعوب ديكاثين وألاكريا وأفيتوس إذا نجا أغرونا أو كيزيس. وهكذا سيدمرانني أولًا. ظن كل منهما أنه يستطيع هزيمة الآخر عندما أموت.
قاومت، وأخذت المانا، وفككت قيودها وأعدت تشكيلها إلى شيء آخر من خلال وسيط الأثير الخاص بي. انسكب من خلال مسامي كبخار التصق بجلده، وسخن في ومضة قبل أن ينفجر بعيدًا، وطرده سيطرته الأكبر.
من الواضح أن واحدًا فقط منا الثلاثة يمكن أن يكون على حق.
الفصل 523: السلام في الخاص بك
قادتني خطوة الحاكم إلى النقطة المركزية في مجال البُعد الجيبي. داخل السحر المعوق، كل من الظلام والمانا والأثير الخانقين، هناك نسيج من السحر. بينما أتجول في الغرفة، كنت أيضًا أتحسس اتجاه التعاويذ، باحثًا عن نقطة نشأتها. لم يكن كيزيس، على وجه الخصوص، بارعًا تمامًا في إخفاء نفسه، وترك تلاعبه الأثيري علامات واضحة داخل الغلاف الجوي الغائم.
ببطء، فعّلتُ خطوة الحاكم. أضاءت شبكة الأنسجة المترابطة داخل البعد الجيبي أمام بصري، وانتقلت متدحرجًا عبر إحدى نقاطها لأظهر ثانيةً من نقطة أخرى، وأنا أدور في الهواء. تكثفت سيوف أثيرية حولي في دائرة، تتأرجح في كل اتجاه. كهوائيات حسّية، مدّت هذه الشفرات وعيي إلى مدى أبعد، حتى شعرت بها تُصيب هدفًا. ملأ الهواء عبق الحديد.
ممسكًا بالأثير كمشرط، حاولتُ قطع خيوط التعويذات، فألغيتها. كان رد أغرونا فوريًا ودقيقًا بنفس القدر، إذ ردّ بإعادة توزيع المانا الخانق، فانزلقت التعويذة متجاوزةً جهودي كصحوة قادمة فوق الصخور. تحركتُ مجددًا، وتغيرت تعويذته ردًا على ذلك، لكن الظلام التفت بوضوح بفعل الجهد، ولحظة رأيتُ تنينًا أبيض فضيًا ينقضّ، وشعرتُ بالريح من حولي تتخذ حوافًا قاطعة.
كان صوت ريجيس مثل تمزق صوتي في اللحم خلف عيني اليسرى، وارتعشت، وانحنيت في كرة، وتحرك جسدي حول السيف وبعيدًا عنه كما لو أنه لم يكن هناك. أو كأنني لم أكن.
ابتعدت بخطوة الحاكم، لكن ريجيس بقي. من خلال رابطنا، شعرتُ به يشتعل بالدمار. راوغ حول مخالب التنين، دون أن يحاول الرد. بدلًا من ذلك، سكب الدمار على الأرض وفي الهواء، كشعلة في قلب التعويذة.
عدد الفصول المتبقية: 9
باتباع نسج السحر عبر المسارات الأثيرية، قطعتُ خيوط قوة أغرونا، وتفاديتُ أشواك الحديد الدموية المزهرة، وسيول المانا النقية، ومناجل ريح الفراغ التي طاردتني، ثم اختفت مرة أخرى. مع كل ضربة، تكيف أغرونا، لكن قبضته على الظلام الدامس راحت تتلاشى. أصبح هدير الإعصار أكثر هدوءًا مع كل خطوة، وأصبح السواد سحابة رمادية أكثر.
كان سيف الفضاء فكرة مجردة أكثر من اللازم، غير متجذّرة في الواقع. ربما، مع الوقت، سأتعلم كيف أُبقي شكله مستقرًا، لكن الوقت… لم يكن في صفي.
“كفى من هذا الظلام!” زأر كيزيس، وكان هناك صوت تمزق رهيب. تمزق اللون الرمادي الباهت مثل الستار ورفرف على الأرض، حيث غرق بين الحجارة مثل الدخان الزيتي.
كانت أصداء ألمه وخوفه تأتي إليّ من كل حدب وصوب، ولكن أقوى ما كان من الدمار الذي يلتهم لحمي ودرعي حتى وأنا مستلقٍ هناك. لكن بدونه، لم أستطع استخدام رونية الدمار، لم أستطع…
تصاعد الدمار إلى الخارج من مركز ساحة معركتنا. احترق الحجر والهواء والمانا والأثير جميعًا بينما ركز ريجيس كل قوته في صب الدمار. بدون الظلام ليستهلك، اندفع الآن في لهيب، يصل إلى السقف ويسكب إلى المستويات السفلية. إن أجزاء كاملة من القلعة تنهار.
[[**: بالمناسبة.. رونية آرثر تترجم ترجمة جيدة إلى “فراغ مكاني” وليس فضاء فقط.]
وفجأة، هدأت حافة الحريق. ومثل ريحٍ تهب عبر العشب، عادت النيران البنفسجية تومض نحوي، متجمدةً في موجةٍ موجهةٍ نحوي.
لقد أثبت كيزيس أكثر من مرة قدرته على تبديد أسلحتي المستحضرة في اللحظة الأسوأ الممكنة. لا يمكنني أن أقاتل بسلاح لا أملكه تمامًا. ومع أنني لم أجد سببًا للعودة إلى مبادئ التحكّم بالمانا منذ أن شكّلت نواة الأثير خاصتي، إلا أن دروس حياتي ما قبل المقابر الأثرية —من أمي وأبي، وفيريون، وأساتذة أكاديمية زيروس، والرما، والشيوخ هيستر وبند وكامو، وغيرهم كُثر— قفزت بسهولة إلى ذهني. من خلال تحليل التعاويذ المقذوفة نحوي من كيزيس وأغرونا، يمكنني أن أستغلها لأعالج مسألة سيفي الأثيري، ولأُشتت الأنظار عن كوني لا أستطيع أن أُفرغ طاقتي كاملة باستخدام الدمار.
مددتُ أثيري الخاص، ودفعتُ قوتي إلى قوته وحاولتُ كسرها.
شعر ريجيس بقلقي، فبذل دفعة أخيرة من طاقة الدمار، وتلاشى إلى هيئة لا مادية، وانساب عبر جلدي متّجهًا إلى نواتي.
طعن ظلٌّ داكنٌ عينيّ، وطعنت أشواكٌ من الألم رأسي. تلاشت أفكاري بينما ضاعفت مناورة الملك، المرتعشة، الإحساس مرارًا وتكرارًا. مثل قبضةٍ فولاذيةٍ مُقيّدة، انكمش الزمن من حولي.
“ربما تجد السلام… في الموت الخاص بك أيضًا.” قلتُها، وقد تشوّه صوتي تحت وطأة الدمار.
تجمد أثيري في قنواتي. لم أستطع الرد، لم أستطع مقاومة فن الأثير الذي أسرني.
ابتلعت الظلمة ضوء البعد الجيبي الرمادي.
بدا المشهد وكأنه يقفز إلى الأمام، وسبح رأسي.
مررتُ بخطوة الحاكم مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، في كل مرة إلى موقع محدد داخل البُعد الجيبي بينما أشتري لنفسي لحظةً للتفكير.
وقف أغرونا أمامي مباشرةً، وخنجرٌ حديديٌّ دمويٌّ مغروسٌ في صدري. استعدتُ وعيي في اللحظة التي انزلق فيها طرف الخنجر عن سطح نواتي المتصلبة. خلف أغرونا، اشتعل الدمار، وألسنة اللهب البنفسجية تتسابق لتلتهم البُعد الجيبي بأكمله، الذي ارتجف في وعيي.
وشعرت به. رونية الحاكم، رمز البصيرة، كانت في البداية ملكي، ثم ملك ريجيس، ثم مشتركة بيننا. كانت موجودة داخل قطعة مكسورة من رفيقي، أقل من خصلة من الأثير الموجه ذاتيًا.
أمسكتُ بمعصمه بكفي اليسرى المستحضرة، وسدّدتُ له ضربة إلى الحنجرة، ثم تقدّمتُ خطوة وغرستُ كوعي في وجهه، ولففتُ ساقي خلف ساقه ثم طرحتُه أرضًا، وذراعه يلتوي على نحو غير طبيعي في قبضتي. تشنّجت أصابعه، مفلتةً النصل، فانتزعته منه وغرزته نحو مؤخرة رأسه.
نهاية أغرونا وكيزيس.. هاه
لكن نصل الحديد الدموي ذاب قبل أن تصل الضربة، ومع ذلك ارتد وجهه عن الأرض بضربة عنيفة. رفعتُ الذراع من جديد، وتكوّنت فيها سيف أثيري، قصير ومثالي للطعن. دفعتُ به إلى الأسفل، لكن يدًا مخلبية من ريح وظل خرجت من كتف أغرونا وأمسكت بذراعي.
شخر كيزيس بطريقة بدت غريبة تمامًا عن شخصيته، وانحنى واستعاد مقبضه المكسور. كان هناك انعطاف في الأثير، وبدا الذهب وكأنه يتسرب من راحة يده إلى المقبض حتى النصل المكسور، ثم إلى شكل السيف الأصلي. في لحظات، أُصلح السلاح تمامًا. حدق فيه للحظة قبل أن يُشير بحركة سريعة، مشيرًا بطرف يده إلى يديّ الفارغتين.
أدرتُ السيف لأقطع ظهر الطرف الظلي، لكن العالم التوى فجأة، ووجدت نفسي على ظهري، أنظر إلى أغرونا بثلاثة أذرع فوقي. يد تُثبّت ذراعي الحاملة للسيف، وساعد يضغط على عنقي، وطرفه الطيفي، المظلم، انغرس في الجرح الكامن وسط صدري.
بدا المشهد وكأنه يقفز إلى الأمام، وسبح رأسي.
أحرقني الألم من الداخل، حارقًا ومباغتًا. رددتُ الهجوم بضربة تفجيرية مباشرة نحو ضلوعه، فتدفّقت الطاقة وانفجرت بيننا، واندفع مبتعدًا عني. تدحرجتُ إلى الوراء داخل خطوة الحاكم، وأعدتُ الظهور في مركز البُعد، بجانب ريجيس، بينما الألم المتقد المريع يعتصر نواتي.
لم لم أكن أُشفى، وقد تلقّت نواتي ضربةً مُباشرةً.
توقّف الانهيار. ووجدت نفسي واقفًا مجددًا على أرض صلبة، وإن كان الهواء مختنقًا بالغبار الكثيف. طفى توقيعا طاقة أغرونا وكيزيس كمنارتين في غياب طاقة الدمار.
شعر ريجيس بقلقي، فبذل دفعة أخيرة من طاقة الدمار، وتلاشى إلى هيئة لا مادية، وانساب عبر جلدي متّجهًا إلى نواتي.
من الواضح أن واحدًا فقط منا الثلاثة يمكن أن يكون على حق.
‘يا له من أمرٍ مُقزز،’ قال وهو يتحسّر قبل أن يشتعل داخلي، مُحرقًا الفساد وسامحًا لأثيري بشفاء جسدي. ‘لكن النواة تبدو جيدو.’
“يبدو أنك كنتَ المبارز الأفضل…”
دوى صوت تحطمٍ مدوٍّ، فرفعتُ بصري إلى الأعلى: تنهار القلعة، عاجزة عن الصمود أمام كل هذا الدمار. هبت ريحٌ سوداء اللون تجذب الطوب، موجهةً الحجارة المتساقطة نحوي.
تناثرت نبضات من اللهب البنفسجي على وجهي وذراعيّ بينما أُلقي بعيدًا عن أغرونا. اجتاحني ألمٌ أبيض حارق، وكانت ردة الفعل النفسية لرعب ريجيس الوجودي كالسكاكين في دماغي. لقد تمزق إلى ألف قطعةٍ مُنفصلة، وروحه الحية تحترق داخل جيوب اللهب الصغيرة في جميع أنحاء ساحة المعركة.
سحبتُ الأثير حولي بينما نصف تايغرين كايلم ينهار على رأسي. دوّى هدير الانهيار كالقصف في أذنيّ. امتلأت رئتاي بالغبار ولسع عينيّ. رفعتُ ذراعي الأثيرية المستحضرة فوق رأسي، وفتحتُ بوابات نواتي، دافعًا كل ما استطعت إلى الحاجز، بينما تنهال أطنان فوق أطنان من الحجارة عليّ من الأعلى… أنتظر، أتحسس —ثم استخدمتُ خطوة الحاكم، فانتقلتُ إلى الأعلى، فوق آخر ما تبقّى من الأنقاض المتساقطة.
أوقف ريجيس التدفق. ومن حولنا، انطفأ الضوء البنفسجي الجائع للنيران.
اهتزّ كياني باهتزاز سقيم بينما موجات الدمار السابقة استمرّت في الانتشار، الآن تصعد على جدران البُعد الجيبي. وللحظة، ظننتُ أن الدمار قد يبتلع هذا الحيّز برمّته، ويقضي على أغرونا وكيزيس معًا، لكن الحقيقة الباردة سرعان ما اتّضحت لي: الدمار سيتسبّب في تصدّع الجدران الفاصلة بين هذا الواقع والعالم الخارجي، ويدفع بهذه المعركة إلى تايغرين كايلم الحقيقي على هيئة أمواج من النار البنفسجية.
كان تعبير كيزيس غير قابل للقراءة. رفع سلاحه في نوع من التحية. “فلعلّ موتًا أخيرًا يفتح الطريق لمستقبل أفضل،” قالها كيزيس بتأمل.
أوقف ريجيس التدفق. ومن حولنا، انطفأ الضوء البنفسجي الجائع للنيران.
باتباع نسج السحر عبر المسارات الأثيرية، قطعتُ خيوط قوة أغرونا، وتفاديتُ أشواك الحديد الدموية المزهرة، وسيول المانا النقية، ومناجل ريح الفراغ التي طاردتني، ثم اختفت مرة أخرى. مع كل ضربة، تكيف أغرونا، لكن قبضته على الظلام الدامس راحت تتلاشى. أصبح هدير الإعصار أكثر هدوءًا مع كل خطوة، وأصبح السواد سحابة رمادية أكثر.
توقّف الانهيار. ووجدت نفسي واقفًا مجددًا على أرض صلبة، وإن كان الهواء مختنقًا بالغبار الكثيف. طفى توقيعا طاقة أغرونا وكيزيس كمنارتين في غياب طاقة الدمار.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
هفّت الرياح من حولي، مثارةً بجناحين فضيين ناصعين. ولمحت في اللحظة ذاتها أن القلعة أعادت تشكيل نفسها من جديد من حولي، قبل أن أخطو إلى مسارات الأثير. ظهرتُ خلف كيزيس، لكني اختفيت مباشرة، وأعدت الظهور أمامه في ذات اللحظة التي استدار فيها، وسيف ذهبي طويل يرتفع في يده.
لم لم أكن أُشفى، وقد تلقّت نواتي ضربةً مُباشرةً.
طعن سيفي الأثيري ضلوعه المكشوفة، لكن سيد الأسورا كان سريعًا. طعن سيفه في الفراغ الذي أخليته للتو، لكن يده الفارغة دارت للخلف، غارقةً في سلاحي.
شخر كيزيس بطريقة بدت غريبة تمامًا عن شخصيته، وانحنى واستعاد مقبضه المكسور. كان هناك انعطاف في الأثير، وبدا الذهب وكأنه يتسرب من راحة يده إلى المقبض حتى النصل المكسور، ثم إلى شكل السيف الأصلي. في لحظات، أُصلح السلاح تمامًا. حدق فيه للحظة قبل أن يُشير بحركة سريعة، مشيرًا بطرف يده إلى يديّ الفارغتين.
ذاب السيف عندما انتُزعت سيطرتي عليه. تعثرتُ مندهشًا، وانتقل النصل الذهبي من يده اليمنى إلى اليسرى مع فرقعة أثيرية. تلقيت الضربة التالية على ظهر ذراعي اليسرى، لكن شفرة أخرى ضربت وركي، هذه المرة من الخلف، ونية القتل لدى أغرونا تلوح فجأة في ظهري.
لكن تركيزي اختلّ، إذ بدا أن حمل السلاح والسيطرة عليه أصعب بكثير مما تخيلت. انحلّ سيف الفضاء في يديّ. عندها، قذف أغرونا بخنجرَين أسودين في الهواء، طارا في مسارٍ منحني. أطلقت انفجارًا أثيريًا، فحطّمت السلاحَين معًا، ثم انتزعت المانا المتبقية، وشكّلت منها رصاصات من الغرانيت، وقذفتها في قوسٍ يلفّني من كل جانب.
تكثف سيف جديد في يدي اليمنى، ممتدًا للخلف في قبضة معكوسة. حركته للخلف نحو أغرونا بينما غرسه ريجيس مرة أخرى، والشفرة تتدحرج بنيران الدمار.
أوقف ريجيس التدفق. ومن حولنا، انطفأ الضوء البنفسجي الجائع للنيران.
اجتاح السلاح الهواء الفارغ.
كنت في موقف دفاعي. كانت قوة كيزيس الخام متوقعة، لكن هذه القدرة على تعطيل تكويناتي الأثيرية لم تكن كذلك. طالما لم أُفاجأ بتلاعبه بالوقت، يمكنني حجب أقوى قدرته، ولم يكن لدى كيزيس ولا أغرونا إجابة لا يمكن التغلب عليها للدمار. طالما لم يعتمد ريجيس كثيرًا على شكله المادي —وبالتالي خزانه الخاص— ولكنه بقي بداخلي أو سيفي، فلا ينبغي أن يستنفد أثيره، الأكثر محدودية من أثيري.
كانت قبضتي اليسرى المستحضرة ملفوفة حول شفرة كيزيس الذهبية، ولكن عندما لواها، تحطمت الذراع تمامًا كما فعل سلاحي. أعاد السيف إلى وضعية راقص النصل، وبينما اندفع للأمام مرة أخرى، برز المظهر التنين حوله وانقض عليّ، ومخالبه الضخمة تنزل عليّ.
نهاية أغرونا وكيزيس.. هاه
فعلن خطوة الحاكم. ضغط كيزيس على الزمان والمكان، محاولًا إبقائي هناك. توقعًا لذلك هذه المرة، انطلقت بزئير واختفيت في المسارات الأثيرية، وظهرت على الجانب الآخر من بُعد الجيب متوجًا ببرق أثيري.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
كنت في موقف دفاعي. كانت قوة كيزيس الخام متوقعة، لكن هذه القدرة على تعطيل تكويناتي الأثيرية لم تكن كذلك. طالما لم أُفاجأ بتلاعبه بالوقت، يمكنني حجب أقوى قدرته، ولم يكن لدى كيزيس ولا أغرونا إجابة لا يمكن التغلب عليها للدمار. طالما لم يعتمد ريجيس كثيرًا على شكله المادي —وبالتالي خزانه الخاص— ولكنه بقي بداخلي أو سيفي، فلا ينبغي أن يستنفد أثيره، الأكثر محدودية من أثيري.
استغل كيزيس ما ظنه خطأً تشتيتًا لينقضّ إلى الأمام، وسيفُه يتجه نحو حلقي مرة أخرى. رفعت يدي وأمسكته من منتصف طوله. التهم الدمار النصل، فكسره نصفين. استمر طرفه في الاشتعال على الأرض بيننا بينما رمى كيزيس المقبض بعيدًا.
كما أصبح من الواضح أن ثنائي الطواغيت يعانيان من عدم القدرة على العمل معًا. سواء كان رفضًا صريحًا أو عدم توافق طبيعي أو فشلًا في الجهد الاستراتيجي، كنت أعلم أن هذا قد يكون نعمة الخلاص لي في النهاية. كان الأمر مجرد مسألة إبقاء مناورة الملك مدربة على هجماتهم والبحث عن طريقة لتحويل هذا التخريب الذاتي ضدهم.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
عندما عدت إلى ساحة المعركة، اشتعل فخذي من الألم. كان هناك جرح في الدرع هناك، وجرح سطحي تحته. احترقت ألسنة اللهب السوداء داخل الجرح. مددت يدي إليه بذراعي المستحضرة حديثًا، ولكن لم يكن هناك وقت لمعالجة نار الروح.
تشبثت نار بنفسجية بهيئتي غير المادية، تُكللني بالدمار وأنا واقف. لم أشعر بريجيس كجسم صغير هشّ يختبئ في نواتي، بل كألف ذرة تنتشر في جسدي، تنضم إليّ، جزءًا مني. مزقه الانفجار السابق، وفي أعقابه اليائسة، بينما كنتُ أجمعه، اندمج بي تمامًا، ليس فقط يتشارك الأفكار أو حتى الأثير، أو رونية حاكم، بل أصبح كائنًا فريدًا.
كان مظهر التنين الأبيض الفضي ينتظرني، وتناثرت عليّ موجة من المانا النقية. انحنيت إلى الهجوم بقوة، وعكستُ حيل كيزيس. إنه قادر على تبديد سحري الأثيري إلى حد ما، لكنني استطعت أن أفعل الشيء نفسه مع المانا خاصته. داخل نواة اللهب، كان هناك تكوين تعويذة، وتشكلت المانا في نية. باستخدام الأثير كزوج من القفازات، انتزعت جذر تعويذته وأعدت تشكيلها. تخلخلت المانا الجوية في المانا النقية المعاد تكوينها، وتشكلت أربعة سيوف، تحوم حولي: واحد من كل من الرياح والنار والأرض والبرق.
عبس كيزيس وهو يفتح فمه. لم يخرج أي صوت، لكن بصري تشوّش وألم حاد مزّق طبلة أذنيّ. انقبض حلقي. وركبتاي المرتعشتان كادتا أن تخذلاني.
عندما شعرت بمانا من نوع الاضمحلال تتشكل تحتي، أسقطت الأثير فيها وفعلت الشيء نفسه، وكسرت الرابط بين تأثير الاضمحلال الأصلي لأغرونا والمانا نفسها. بدلًا من الأشواك السوداء التي تنطلق من الأرض، ارتفع جدار من الحجر لحماية ظهري.
استدرتُ لأجد كيزيس، منزوع السلاح، وقد بلغ منه الإعياء أقصاه، يحدّق في جثة أغرونا. قال بصوت ثقيل، أول ما نطق به منذ زمن، “إذًا، في النهاية… أغرونا فريترا قد مات.” هزّ رأسه بأسى. “ومع ذلك، فإن مكائده لا تزال تُهدد كل ما بنيته طَوال قرون. كنت أظن أنني سأجد بعض السلام في موته.”
قطعت خلفي، حول الجدار، بالشفرة المحترقة. اخترقت الحافة المنحنية الرقيقة للرياح فخذ كيزيس، بينما اندفع السيف الطويل المصنوع من حجر السج اللامع حيث توقعت أن يكون حلقه وهو يتفادى. انفجرت شفرة البرق الصفراء المتلألئة، وأصداؤها تحترق في شبكية عيني على الرغم من أنني أغمضتهما.
اصطدم شيء بصَدري، فانطلقتُ طائرًا إلى الوراء. حدث ذلك بسرعة وشدة لدرجة أنني كنت قد اخترقت جدرانًا بعيدة قبل أن تصل إشارات الألم من الجسد إلى الدماغ. انفجرت النجوم في بصري فوق الظلام الذي يملأ عينيّ.
تجنّب كيزيس الهجوم الأول، فجاء نصله الذهبي ليحطم نصلي الترابي. عاد سيف النار، إذ لم يجد هدفًا خلفي، وسقط كالمقصلة على رقبة كيزيس. وعندما صدّه، ابتلع سلاحه الذهبي النار.
قفز سيف كيزيس الذهبي في الفجوة، وحان دوري لأتفادى. كانت هناك موجة من المانا في النهاية، لكن ضربة سريعة من الأثير عطّلت التعويذة. حوّلتها بسرعة إلى رذاذ خفيف من الماء تناثر حوله قبل أن يتجمد فجأة على جلده.
انقلب التنين، وقد انقلبت أنفاسه على كيزيس، إلى ضوءٍ ثم عادت إليه. امتصه مجددًا، فغدا توقيعه فجأةً أقوى وأكثر تركيزًا.
‘ثلاثُ رجات فقط،’ أجابني بصوت خافت داخل عقلي، كان كالصدى المجنون. ‘أيّ شيء أكثر من ذلك… وتكون مجرد عبثٍ لا جدوى منه.’
تحطم جدار الحجر، وأدرت ظهري لكيزيس لأمسك بمعصم أغرونا وهو يكرر نفس المناورة التي جرحتني سابقًا. كان خنجره على بُعد بوصات قليلة من جانبي. التف الأثير حول قبضتي، وضربته، لكنه ابتعد، وانزلق من قبضتي كما لو كان مغطى بالزيت. راوغ يسارًا ويمينًا في آنٍ واحد، مُظهرًا نسخًا مكررة من نفسه في كل خطوة.
توهج النصر في عيني أغرونا وهو يرفع خنجرًا ثانيًا تحت ذقني. ذابت ابتسامته الانتقامية العابسة في غضب وألم في لحظة لاحقة عندما انفجرت ساقي في ضربة انفجار، وانفجرت في جانب ركبته بالقوة الكاملة لعشرات التفريغات الأثيرية من خلال ساقي وفخذي.
استطعت أن أشعر بتقوية جسد كيزيس مع تركيز المانا والأثير في عضلاته، وهي علامة على أنه كان يحافظ على قوته المتبقية. تتطلب معركة جسدية مثل مبارزة السيف طاقة أقل من الاستمرار في إلقاء السحر الذي يمكن أن يُسقط تايغرين كايلم بالكامل.
لم يكن هناك ألم…
لقد أطلقت إرادتي عبر رونية الفضاء، مما أدى إلى تصلب الفضاء إلى حاجز فاصل يتقاطع مع مسار أغرونا ويقطعنا لفترة وجيزة عن كيزيس. كان هناك تحطم، والتوى الفضاء، وللحظة كان هناك اثنان من أغرونا، واحد على يساري، واحد على يميني، وكلاهما يتدحرجان. وذجهت خطوة الحاكم واستعدت لدفع شفرة الدمار عبر صورتيْ أغرونا، لكن الجرح في فخذي أعطى صدمة من الألم الحارق حيث دفعت نار الروح أعمق في نظامي. تراجع ريجيس غريزيًا عن النصل، وتدفق إلى أسفل في جسدي لمحاربة نار روح أغرونا.
تحركنا في اللحظة نفسها. انطلق هو أولًا، يشق الهواء بالسيف الطويل وكأنه نصل مبارز، النصل الذهبي يُخفي نفسه في السرعة. رفعت أغنية الفجر لاعتراض ضربته. انطلقت شرارات ذهبية، ثم تجاوزنا بعضنا بعضًا في لمح البصر. استدرت، أستعد للهجمة التالية.
دفعت نصل سيفي الأثيري في الشبكة المترابطة من العقد المكانية، وسقط طولان منه من أغرونا عندما ارتدا معًا مرة أخرى. كان أغرونا يقف على الفور في المكان الذي بدأ فيه، كما لو أن الواقع قد عاد إلى مكانه. شوه جرح ناعم درعه على جانبه الأيسر وكتفه الأيمن، وتدفق الدم بحرية من الداخل.
عندما شعرت بمانا من نوع الاضمحلال تتشكل تحتي، أسقطت الأثير فيها وفعلت الشيء نفسه، وكسرت الرابط بين تأثير الاضمحلال الأصلي لأغرونا والمانا نفسها. بدلًا من الأشواك السوداء التي تنطلق من الأرض، ارتفع جدار من الحجر لحماية ظهري.
عبس كيزيس وهو يفتح فمه. لم يخرج أي صوت، لكن بصري تشوّش وألم حاد مزّق طبلة أذنيّ. انقبض حلقي. وركبتاي المرتعشتان كادتا أن تخذلاني.
عبس كيزيس وهو يفتح فمه. لم يخرج أي صوت، لكن بصري تشوّش وألم حاد مزّق طبلة أذنيّ. انقبض حلقي. وركبتاي المرتعشتان كادتا أن تخذلاني.
ومع أن عيناي كانتا تتدحرجان إلى مؤخرة رأسي، إلا أنني شعرت بأمواج المانا المنبعثة منهما، وانتزعتُ الاضمحلال من بينها، كما تُنتزع الأعشاب من جذورها. أضاء الهواء بشروخ متعرجة من برقٍ أصفر. وبينما كانت جدران الفراغ المتراكم تتشقق وتنهار تحت سيف كيزيس من خلفي، قذفتُ البرق فوق رأسي لينهمر حوله من كل جانب.
ركزت على خطوة الحاكم، على نصلي، على درعي، على اتصالي بريجيس —مددت يدي إلى كل ذلك دفعة واحدة، كل فرع من فروع مناورة الملك يتنافس على القدرة المحدودة لجسدي المادي. كان الأمر كما لو كنت أسقط وأمسك بيد بعيدة جدًا. انزلقت قوتي من بين أصابعي، وضرب السيف، مارًا من خلالي وعميقًا في الأرض.
انقطع الحبل الذي يربط أغرونا بنار روحه، حين أحرق ريجيس النيران السوداء المستعرة على جسدي بأمواج الدمار خاصته. كانت نار سوداء أخرى تحرق جراح أغرونا، لكنها كانت تختمها وتغلقها.
وقف أغرونا أمامي مباشرةً، وخنجرٌ حديديٌّ دمويٌّ مغروسٌ في صدري. استعدتُ وعيي في اللحظة التي انزلق فيها طرف الخنجر عن سطح نواتي المتصلبة. خلف أغرونا، اشتعل الدمار، وألسنة اللهب البنفسجية تتسابق لتلتهم البُعد الجيبي بأكمله، الذي ارتجف في وعيي.
كيزيس لم يندفع نحوي، بل اقترب ببطء. منحني وقتًا لإضعاف أغرونا المعزول أكثر، كما خمنت. أما أغرونا نفسه، فكان يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كوحش محاصر، بتعبير قريب من الوحشية، ينتظر التئام جراحه.
استدرتُ لأجد كيزيس، منزوع السلاح، وقد بلغ منه الإعياء أقصاه، يحدّق في جثة أغرونا. قال بصوت ثقيل، أول ما نطق به منذ زمن، “إذًا، في النهاية… أغرونا فريترا قد مات.” هزّ رأسه بأسى. “ومع ذلك، فإن مكائده لا تزال تُهدد كل ما بنيته طَوال قرون. كنت أظن أنني سأجد بعض السلام في موته.”
سمحت للحظة أن تطول، وأنا أتأمل في معضلة أسلحتي الأثيرية.
قاومت، وأخذت المانا، وفككت قيودها وأعدت تشكيلها إلى شيء آخر من خلال وسيط الأثير الخاص بي. انسكب من خلال مسامي كبخار التصق بجلده، وسخن في ومضة قبل أن ينفجر بعيدًا، وطرده سيطرته الأكبر.
لقد أثبت كيزيس أكثر من مرة قدرته على تبديد أسلحتي المستحضرة في اللحظة الأسوأ الممكنة. لا يمكنني أن أقاتل بسلاح لا أملكه تمامًا. ومع أنني لم أجد سببًا للعودة إلى مبادئ التحكّم بالمانا منذ أن شكّلت نواة الأثير خاصتي، إلا أن دروس حياتي ما قبل المقابر الأثرية —من أمي وأبي، وفيريون، وأساتذة أكاديمية زيروس، والرما، والشيوخ هيستر وبند وكامو، وغيرهم كُثر— قفزت بسهولة إلى ذهني. من خلال تحليل التعاويذ المقذوفة نحوي من كيزيس وأغرونا، يمكنني أن أستغلها لأعالج مسألة سيفي الأثيري، ولأُشتت الأنظار عن كوني لا أستطيع أن أُفرغ طاقتي كاملة باستخدام الدمار.
تجمد أثيري في قنواتي. لم أستطع الرد، لم أستطع مقاومة فن الأثير الذي أسرني.
ومع هذا، ما زلت بحاجة إلى سلاح.
كما أصبح من الواضح أن ثنائي الطواغيت يعانيان من عدم القدرة على العمل معًا. سواء كان رفضًا صريحًا أو عدم توافق طبيعي أو فشلًا في الجهد الاستراتيجي، كنت أعلم أن هذا قد يكون نعمة الخلاص لي في النهاية. كان الأمر مجرد مسألة إبقاء مناورة الملك مدربة على هجماتهم والبحث عن طريقة لتحويل هذا التخريب الذاتي ضدهم.
نشطت رونية الفضاء، مما شكل شظية من الفضاء المكثف في قبضتي. كان “السلاح” أسودًا كالفحم وغير قابل للاختراق، وعديم الوزن في قبضتي. في الواقع، استخدمت يدي فقط للمساعدة في توجيه ذهني في شكله، مثل ساحر يتمتم بترنيمة. ثُبت الشكل وحُرك من خلال إرادتي ورنية الحاكم وحدهما.
‘جاه!’
التوى معصما أغرونا، وتكوّن خنجر مسنّن من حديد الدم في كل قبضة من قبضتيه. ومع زفير قويّ من المانا المركزة، اندفع نحوي كخطٍ داكن، لا يُرى منه سوى ظلٍ مندفع. أمسكتُ بسلاحي بكلتا يديّ، فاعترضت إحدى خنجرَيه، ثم تراجعت خطوة، وصدَدت الخنجر الثاني، ولوّحتُ بعَرض السيف نحو حنجرته بحركة سريعة أشبه باللكمة، ثم انسللتُ جانبًا متفاديًا ضربتين إضافيتين، قبل أن أصدّ طعنة من كيزيس وأحرّفها باتجاه أغرونا، مقاطعًا ضربة خنجرٍ منه.
لقد أثبت كيزيس أكثر من مرة قدرته على تبديد أسلحتي المستحضرة في اللحظة الأسوأ الممكنة. لا يمكنني أن أقاتل بسلاح لا أملكه تمامًا. ومع أنني لم أجد سببًا للعودة إلى مبادئ التحكّم بالمانا منذ أن شكّلت نواة الأثير خاصتي، إلا أن دروس حياتي ما قبل المقابر الأثرية —من أمي وأبي، وفيريون، وأساتذة أكاديمية زيروس، والرما، والشيوخ هيستر وبند وكامو، وغيرهم كُثر— قفزت بسهولة إلى ذهني. من خلال تحليل التعاويذ المقذوفة نحوي من كيزيس وأغرونا، يمكنني أن أستغلها لأعالج مسألة سيفي الأثيري، ولأُشتت الأنظار عن كوني لا أستطيع أن أُفرغ طاقتي كاملة باستخدام الدمار.
لكن تركيزي اختلّ، إذ بدا أن حمل السلاح والسيطرة عليه أصعب بكثير مما تخيلت. انحلّ سيف الفضاء في يديّ. عندها، قذف أغرونا بخنجرَين أسودين في الهواء، طارا في مسارٍ منحني. أطلقت انفجارًا أثيريًا، فحطّمت السلاحَين معًا، ثم انتزعت المانا المتبقية، وشكّلت منها رصاصات من الغرانيت، وقذفتها في قوسٍ يلفّني من كل جانب.
اندفع الهواء في أذنيّ. الأثير —وليس ملكي— استقر ثقيلًا على أطرافي، مما قتل كل إحساس جسدي. ولحظةً، عدت إلى ذاك الفراغ العدميّ، إلى الخراب عديم الشكل حيث سقطتُ أول مرة في المقابر الأثرية، كأن جسدي قد تلاشى. لم يتبقَّ من الحواس سوى الطعم والرائحة المرة، اللاذعة، للفساد.
[[**: بالمناسبة.. رونية آرثر تترجم ترجمة جيدة إلى “فراغ مكاني” وليس فضاء فقط.]
استدار كيزيس نحوي، وهو لا يحمل سوى مقبض سيف. استغرق الأمر لحظة قبل أن تتحرر المانا الكثيفة والأثير، حيث كان الجسد قد انقسم بالفعل. انحنى نحو الأرض، مقسومًا بدقة من مركز نواته.
من دون سلاح، اندفعت إلى الأمام وكأنني سأُكمل الهجوم بقبضتيّ العاريتين، لكنني استخدمت خطوة الحاكم وظهرت على الجهة المقابلة من خصميّ، وسيف جديد من الفضاء يندفع من فوق كتفي نحو كيزيس. رفع الأخير درعًا أبيضًا لامعًا من المانا، لكن شفرة السيف شقّته كما لو كانت تقطع ورقة. انحرف كيزيس في اللحظة الأخيرة، وغادرت رشاقته وجهه لبرهة، حين مرّت لمحة خوف واضحة على ملامحه.
بتخمين مستنير، امتصصت الأثير. جاءت معه رونية الحاكم الدمار.
لكن السيف تفكك من جديد، وراحت أفكاري تتدافع بجنون.
ارتطم جسده بالحجارة المحطمة بصوتٍ يحمل خاتمة نهائية. عيناه الجامدتان حدقتا إليّ، متسائلتين، كأنّه يرى في هذا المصير ظلمًا لا يستحقه.
كان سيف الفضاء فكرة مجردة أكثر من اللازم، غير متجذّرة في الواقع. ربما، مع الوقت، سأتعلم كيف أُبقي شكله مستقرًا، لكن الوقت… لم يكن في صفي.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
قفز سيف كيزيس الذهبي في الفجوة، وحان دوري لأتفادى. كانت هناك موجة من المانا في النهاية، لكن ضربة سريعة من الأثير عطّلت التعويذة. حوّلتها بسرعة إلى رذاذ خفيف من الماء تناثر حوله قبل أن يتجمد فجأة على جلده.
ببطء، فعّلتُ خطوة الحاكم. أضاءت شبكة الأنسجة المترابطة داخل البعد الجيبي أمام بصري، وانتقلت متدحرجًا عبر إحدى نقاطها لأظهر ثانيةً من نقطة أخرى، وأنا أدور في الهواء. تكثفت سيوف أثيرية حولي في دائرة، تتأرجح في كل اتجاه. كهوائيات حسّية، مدّت هذه الشفرات وعيي إلى مدى أبعد، حتى شعرت بها تُصيب هدفًا. ملأ الهواء عبق الحديد.
توقعتُ هجوم أغرونا المباغت، فبدأتُ بالتحرك، مستوليًا على بعض زخمه وهو ينطلق نحوي، وشفراته تخترق الهواء. أطلقتُ دفقةً من الأثير في وجهه، لكنه تصدى لها بقوة وواصل الهجوم، يلوّح بخنجره ويطعن به جانب رقبتي. فعلت رونية الحاكم، لكن تموجًا متدفقًا من الأثير انبعث من حيث انفصل كيزيس عن الجليد، ففقدتُ خطوة. تنحيتُ جانبًا، وتلقيتُ الخنجر في كتفي بدلًا منه. اشتعلت نيران الروح في الجرح، مسرعةً إلى الداخل عبر قنواتي، لكن ريجيس أحرقها.
ريجيس، المُلتفّ بإحكامٍ داخل سيف الدمار، أطلق وميضًا من الذعر عندما انهارت قبضته على الأثير الذي كان مُشبعًا به.
توهج النصر في عيني أغرونا وهو يرفع خنجرًا ثانيًا تحت ذقني. ذابت ابتسامته الانتقامية العابسة في غضب وألم في لحظة لاحقة عندما انفجرت ساقي في ضربة انفجار، وانفجرت في جانب ركبته بالقوة الكاملة لعشرات التفريغات الأثيرية من خلال ساقي وفخذي.
شعر ريجيس بقلقي، فبذل دفعة أخيرة من طاقة الدمار، وتلاشى إلى هيئة لا مادية، وانساب عبر جلدي متّجهًا إلى نواتي.
انهار على ركبته، ورفعت يدي، وليس باستخدام رونية الفضاء ولكن بدلًا من ذلك توجيه الأثير، الذي تدفق في شكل سيف اشتعل على الفور بالدمار. إذا لم أستطع الحفاظ على تركيزي على شفرة المكان، فربما على الأقل سيصد الدمار قدرة كيزيس على تعطيل سيفي الأثيري. به، تأرجحت في مؤخرة رقبة أغرونا. على الفور، ضربت القوة الممزقة لإلغاء كيزيس الأثيري. شد ريجيس قبضته على الشكل بينما انحنى النصل في الهواء، ووميض متعرج من الدمار خلفه.
‘جاه!’
ريجيس، المُلتفّ بإحكامٍ داخل سيف الدمار، أطلق وميضًا من الذعر عندما انهارت قبضته على الأثير الذي كان مُشبعًا به.
استطعت أن أشعر بتقوية جسد كيزيس مع تركيز المانا والأثير في عضلاته، وهي علامة على أنه كان يحافظ على قوته المتبقية. تتطلب معركة جسدية مثل مبارزة السيف طاقة أقل من الاستمرار في إلقاء السحر الذي يمكن أن يُسقط تايغرين كايلم بالكامل.
تناثرت نبضات من اللهب البنفسجي على وجهي وذراعيّ بينما أُلقي بعيدًا عن أغرونا. اجتاحني ألمٌ أبيض حارق، وكانت ردة الفعل النفسية لرعب ريجيس الوجودي كالسكاكين في دماغي. لقد تمزق إلى ألف قطعةٍ مُنفصلة، وروحه الحية تحترق داخل جيوب اللهب الصغيرة في جميع أنحاء ساحة المعركة.
ريجيس، المُلتفّ بإحكامٍ داخل سيف الدمار، أطلق وميضًا من الذعر عندما انهارت قبضته على الأثير الذي كان مُشبعًا به.
بدا الوقت مُتجمدًا بينما يحاول عقلي المُحطم من مناورة الملك التركيز على مئة تفصيلة في آنٍ واحد. من حيثُ قذفني الانفجار، استطعتُ بالكاد أن أرى أغرونا، على بُعد خمسين قدمًا، يتلوى على الأرض. وقف كيزيس في الخلف، لم يُمسسه نوفا الدمار. كنتُ على يقينٍ من أن الوغد قد خطط لذلك، مُسخّرًا قدراتي لتوجيه ضربةٍ قاتلةٍ مُحتملةٍ لي ولأغرونا في نفس الوقت.
قبل أن أفكر حتى، كانت خيوط عقلي المختلفة قد جمعت أجزاء اللغز. كان يجب أن أفكر في الأمر عاجلًا، ولكن ربما يستحق الأمر بعض الفضل. كنت أقاتل من أجل حياتي. ومع ذلك، أصبح الأمر واضحًا جدًا الآن.
لم أُبالِ في تلك اللحظة، وأنا أحاول توجيه تركيزي نحو ريجيس —أو بالأحرى، نحو ما كنتُ لا أزال أشعر به.
وفجأة، هدأت حافة الحريق. ومثل ريحٍ تهب عبر العشب، عادت النيران البنفسجية تومض نحوي، متجمدةً في موجةٍ موجهةٍ نحوي.
كانت أصداء ألمه وخوفه تأتي إليّ من كل حدب وصوب، ولكن أقوى ما كان من الدمار الذي يلتهم لحمي ودرعي حتى وأنا مستلقٍ هناك. لكن بدونه، لم أستطع استخدام رونية الدمار، لم أستطع…
أوقف ريجيس التدفق. ومن حولنا، انطفأ الضوء البنفسجي الجائع للنيران.
خفق الأمل في صدري مع تسارع نبضات قلبي. كان ريجيس، فيما بدا وكأنه منذ زمن بعيد، قد أخذ الرونية لينقذني من حرق نفسي بها. إذا كان لا يزال هنا، فإن الرونية كانت موجودة أيضًا.
لكن السيف تفكك من جديد، وراحت أفكاري تتدافع بجنون.
تسرب الأثير مني إلى النار الملتصقة بجسدي. غمرته في النيران، واختبرت وميضًا من وعي ريجيس قبل أن تتفكك الطاقة. عاد هذا الوعي إليّ ردًا على ذلك، دافعًا شيئًا ما. يائسًا، أخذته، وتراجع الأثير، وسحبه إلى داخلي، وأعاد المكافأة إلى شكلي المادي.
باتباع نسج السحر عبر المسارات الأثيرية، قطعتُ خيوط قوة أغرونا، وتفاديتُ أشواك الحديد الدموية المزهرة، وسيول المانا النقية، ومناجل ريح الفراغ التي طاردتني، ثم اختفت مرة أخرى. مع كل ضربة، تكيف أغرونا، لكن قبضته على الظلام الدامس راحت تتلاشى. أصبح هدير الإعصار أكثر هدوءًا مع كل خطوة، وأصبح السواد سحابة رمادية أكثر.
وشعرت به. رونية الحاكم، رمز البصيرة، كانت في البداية ملكي، ثم ملك ريجيس، ثم مشتركة بيننا. كانت موجودة داخل قطعة مكسورة من رفيقي، أقل من خصلة من الأثير الموجه ذاتيًا.
اندفع الوقت للأمام. بالكاد رميت ذراعي المستحضرة لألتقط النصل الذهبي النازل. كان هناك فرقعة مثل الرعد، وارتجف الأثير الخاص بي، ثم انهار الذراع. اخترق السيف درعي وبين ضلوعي. شعرت بنقطته تضرب الحجر تحتي. انبعث الضوء من النصل، وأضاءني من الداخل، ومانا كيزيس تتبخر من خلال بشرتي.
بتخمين مستنير، امتصصت الأثير. جاءت معه رونية الحاكم الدمار.
خطٌّ رفيع من الدم تسلّل على نصل أغنية الفجر المشبّع بالفضاء.
اندفع الوقت للأمام. بالكاد رميت ذراعي المستحضرة لألتقط النصل الذهبي النازل. كان هناك فرقعة مثل الرعد، وارتجف الأثير الخاص بي، ثم انهار الذراع. اخترق السيف درعي وبين ضلوعي. شعرت بنقطته تضرب الحجر تحتي. انبعث الضوء من النصل، وأضاءني من الداخل، ومانا كيزيس تتبخر من خلال بشرتي.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن ينهار البُعد الجيبي ونعاد إلى تايغرين كايلوم، مال ريجيس برأسه ناظرًا نظرةً أخيرة، منهكة، إلى الجسدين الممددين على الأرض.
قاومت، وأخذت المانا، وفككت قيودها وأعدت تشكيلها إلى شيء آخر من خلال وسيط الأثير الخاص بي. انسكب من خلال مسامي كبخار التصق بجلده، وسخن في ومضة قبل أن ينفجر بعيدًا، وطرده سيطرته الأكبر.
التوى سيف كيزيس، وتمدد الأثير والمانا بين بشرتي غير المحمية والدرع الأثري، الذي انفجر وطار في كل اتجاه مختلف. انتزعت شهقة من حلقي. غدت رؤيتي ضبابية، وبدا أن نواتي تنقبض في صدري.
لكنه كان مجرد تشتيت. داخليًا، كنت أتشبث بجوهر الدمار، وأسعى إلى ذلك التحكم. ألمني جسدي بينما تحترق الرونية على ظهري، كما لو أن جزءًا منها لا يزال يحاول تمزيقي. فجأة، أصبح كل الدمار الذي لا يزال يستهلك البُعد الجيبي واضحًا في ذهني. بإمكاني إطعامه، تأجيج النيران، أو تجميده، ودفعه نحو أعدائي.
————————
بدلًا من ذلك، جذبته، واستدعيت كل ذلك الدمار إليّ. كان ريجيس لا يزال حيًا في النار، وكنت بحاجة إلى ذلك—
أمسكتُ بمعصمه بكفي اليسرى المستحضرة، وسدّدتُ له ضربة إلى الحنجرة، ثم تقدّمتُ خطوة وغرستُ كوعي في وجهه، ولففتُ ساقي خلف ساقه ثم طرحتُه أرضًا، وذراعه يلتوي على نحو غير طبيعي في قبضتي. تشنّجت أصابعه، مفلتةً النصل، فانتزعته منه وغرزته نحو مؤخرة رأسه.
التوى سيف كيزيس، وتمدد الأثير والمانا بين بشرتي غير المحمية والدرع الأثري، الذي انفجر وطار في كل اتجاه مختلف. انتزعت شهقة من حلقي. غدت رؤيتي ضبابية، وبدا أن نواتي تنقبض في صدري.
انهار على ركبته، ورفعت يدي، وليس باستخدام رونية الفضاء ولكن بدلًا من ذلك توجيه الأثير، الذي تدفق في شكل سيف اشتعل على الفور بالدمار. إذا لم أستطع الحفاظ على تركيزي على شفرة المكان، فربما على الأقل سيصد الدمار قدرة كيزيس على تعطيل سيفي الأثيري. به، تأرجحت في مؤخرة رقبة أغرونا. على الفور، ضربت القوة الممزقة لإلغاء كيزيس الأثيري. شد ريجيس قبضته على الشكل بينما انحنى النصل في الهواء، ووميض متعرج من الدمار خلفه.
توقعت كلمات مريرة أو جارحة. توقعت خطاب نصر. الوقت، أي شيء من شأنه أن يمنحني الوقت. لكن كيزيس كان فعالًا ببرود، ورفض أن يمنحني الشيء الوحيد الذي أحتاجه. بدلًا من ذلك، انتزع النصل الذهبي من جسدي، وضبط قبضته عليه بسلاسة، ثم كان يقود عائدًا إلى أسفل نحو تجويف حلقي.
اندفع الهواء في أذنيّ. الأثير —وليس ملكي— استقر ثقيلًا على أطرافي، مما قتل كل إحساس جسدي. ولحظةً، عدت إلى ذاك الفراغ العدميّ، إلى الخراب عديم الشكل حيث سقطتُ أول مرة في المقابر الأثرية، كأن جسدي قد تلاشى. لم يتبقَّ من الحواس سوى الطعم والرائحة المرة، اللاذعة، للفساد.
ركزت على خطوة الحاكم، على نصلي، على درعي، على اتصالي بريجيس —مددت يدي إلى كل ذلك دفعة واحدة، كل فرع من فروع مناورة الملك يتنافس على القدرة المحدودة لجسدي المادي. كان الأمر كما لو كنت أسقط وأمسك بيد بعيدة جدًا. انزلقت قوتي من بين أصابعي، وضرب السيف، مارًا من خلالي وعميقًا في الأرض.
‘ثلاثُ رجات فقط،’ أجابني بصوت خافت داخل عقلي، كان كالصدى المجنون. ‘أيّ شيء أكثر من ذلك… وتكون مجرد عبثٍ لا جدوى منه.’
لم يكن هناك ألم…
دفعتُ أجزائه للخارج.
كان كيزيس، يتنفس بصعوبة، وعيناه مفتوحتان على مصراعيهما، ومفاصله بيضاء حول المقبض الذي كان يتكئ عليه. تدلت حبة عرق من أنفه لثانية قبل أن تسقط. شاهدتها وهي تسقط، وتهبط على كتفي. أو بالأحرى، تمر عبر كتفي لتتناثر على الأرض تحتي.
وقف أغرونا أمامي مباشرةً، وخنجرٌ حديديٌّ دمويٌّ مغروسٌ في صدري. استعدتُ وعيي في اللحظة التي انزلق فيها طرف الخنجر عن سطح نواتي المتصلبة. خلف أغرونا، اشتعل الدمار، وألسنة اللهب البنفسجية تتسابق لتلتهم البُعد الجيبي بأكمله، الذي ارتجف في وعيي.
كنت غامضًا بعض الشيء وغير مادي بشكل غامض.
استدرتُ لأجد كيزيس، منزوع السلاح، وقد بلغ منه الإعياء أقصاه، يحدّق في جثة أغرونا. قال بصوت ثقيل، أول ما نطق به منذ زمن، “إذًا، في النهاية… أغرونا فريترا قد مات.” هزّ رأسه بأسى. “ومع ذلك، فإن مكائده لا تزال تُهدد كل ما بنيته طَوال قرون. كنت أظن أنني سأجد بعض السلام في موته.”
‘جاه!’
اصطدم شيء بصَدري، فانطلقتُ طائرًا إلى الوراء. حدث ذلك بسرعة وشدة لدرجة أنني كنت قد اخترقت جدرانًا بعيدة قبل أن تصل إشارات الألم من الجسد إلى الدماغ. انفجرت النجوم في بصري فوق الظلام الذي يملأ عينيّ.
كان صوت ريجيس مثل تمزق صوتي في اللحم خلف عيني اليسرى، وارتعشت، وانحنيت في كرة، وتحرك جسدي حول السيف وبعيدًا عنه كما لو أنه لم يكن هناك. أو كأنني لم أكن.
“كفى من هذا الظلام!” زأر كيزيس، وكان هناك صوت تمزق رهيب. تمزق اللون الرمادي الباهت مثل الستار ورفرف على الأرض، حيث غرق بين الحجارة مثل الدخان الزيتي.
تشبثت نار بنفسجية بهيئتي غير المادية، تُكللني بالدمار وأنا واقف. لم أشعر بريجيس كجسم صغير هشّ يختبئ في نواتي، بل كألف ذرة تنتشر في جسدي، تنضم إليّ، جزءًا مني. مزقه الانفجار السابق، وفي أعقابه اليائسة، بينما كنتُ أجمعه، اندمج بي تمامًا، ليس فقط يتشارك الأفكار أو حتى الأثير، أو رونية حاكم، بل أصبح كائنًا فريدًا.
انقطع الحبل الذي يربط أغرونا بنار روحه، حين أحرق ريجيس النيران السوداء المستعرة على جسدي بأمواج الدمار خاصته. كانت نار سوداء أخرى تحرق جراح أغرونا، لكنها كانت تختمها وتغلقها.
لقد أنقذني. في اللحظة الأخيرة، حوّلني. الآن، من خلال رونية الدمار، ركزتُ على تثبيته في مكانه، مُحافظًا على أجزائه المتباينة في داخلي حتى يستعيد شكله الطبيعي.
اصطدم شيء بصَدري، فانطلقتُ طائرًا إلى الوراء. حدث ذلك بسرعة وشدة لدرجة أنني كنت قد اخترقت جدرانًا بعيدة قبل أن تصل إشارات الألم من الجسد إلى الدماغ. انفجرت النجوم في بصري فوق الظلام الذي يملأ عينيّ.
في الوقت نفسه، فحصتُ يدي اليسرى، التي لم تعد موجودة كطرف أثيري مُستحضر، بل كشكل من أشكال الدمار الخالص.
لكن تركيزي اختلّ، إذ بدا أن حمل السلاح والسيطرة عليه أصعب بكثير مما تخيلت. انحلّ سيف الفضاء في يديّ. عندها، قذف أغرونا بخنجرَين أسودين في الهواء، طارا في مسارٍ منحني. أطلقت انفجارًا أثيريًا، فحطّمت السلاحَين معًا، ثم انتزعت المانا المتبقية، وشكّلت منها رصاصات من الغرانيت، وقذفتها في قوسٍ يلفّني من كل جانب.
استغل كيزيس ما ظنه خطأً تشتيتًا لينقضّ إلى الأمام، وسيفُه يتجه نحو حلقي مرة أخرى. رفعت يدي وأمسكته من منتصف طوله. التهم الدمار النصل، فكسره نصفين. استمر طرفه في الاشتعال على الأرض بيننا بينما رمى كيزيس المقبض بعيدًا.
مددتُ أثيري الخاص، ودفعتُ قوتي إلى قوته وحاولتُ كسرها.
خلفه، كافح أغرونا للوقوف. أصيب الباسيليسك بجروح بالغة، واحترق درعه في عدة نقاط، واللحم تحته ليس محترقًا بل مقطوعًا. ومضت نار داكنة على حواف جروحه، تكافح لشفائها. فقد أحد قرنيه نصف شوكاته.
ومع هذا، ما زلت بحاجة إلى سلاح.
هل يمكنك الحفاظ على هذا الشكل؟ سألتُ ريجيس، وأنا أضغط في ذهنه، قلقًا من مدى تشتّته وعدم الاكتمال.
تناثرت نبضات من اللهب البنفسجي على وجهي وذراعيّ بينما أُلقي بعيدًا عن أغرونا. اجتاحني ألمٌ أبيض حارق، وكانت ردة الفعل النفسية لرعب ريجيس الوجودي كالسكاكين في دماغي. لقد تمزق إلى ألف قطعةٍ مُنفصلة، وروحه الحية تحترق داخل جيوب اللهب الصغيرة في جميع أنحاء ساحة المعركة.
‘ثلاثُ رجات فقط،’ أجابني بصوت خافت داخل عقلي، كان كالصدى المجنون. ‘أيّ شيء أكثر من ذلك… وتكون مجرد عبثٍ لا جدوى منه.’
كيزيس لم يندفع نحوي، بل اقترب ببطء. منحني وقتًا لإضعاف أغرونا المعزول أكثر، كما خمنت. أما أغرونا نفسه، فكان يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كوحش محاصر، بتعبير قريب من الوحشية، ينتظر التئام جراحه.
خطوتُ نحو كيزيس، فدفع بمانا نقية مدعومة بالأثير، مشكّلًا حاجزًا بيننا. لكنني خطوتُ مجددًا، وهذه المرة داخل الممرات الأثيرية، فظهرت أمام أغرونا بدلًا من كيزيس. زمجر بكلمة نابية، وانفجرت الأرض من تحتي بأشواك سوداء اخترقت جسدي اللامادي واحترقت في موجات الدمار.
لقد أجرى كلٌّ من أغرونا وكيزيس حساباتهما في هذه المعركة، لكنهما استغرقا وقتًا أطول للحصول على نفس الإجابة التي كنتُ أعرفها لأسابيع. لقد أصبحتُ الآن خطيرًا جدًا عليهما. وكما خططت سيريس منذ زمن بعيد، فقد رأى الطاغوتين بعضهما البعض على أن الآخر التهديد الأكبر، ودفعا نفسيهما إلى أقصى حدٍّ لإنهاء هذه المعركة بسرعة.
مددتُ يدي بلا اكتراث. أصابع متجسدة من الدمار شقّت درعه ولحمه، ولفّت نواته. اتسعت عيناه، وارتجفت شفتاه الشاحبتان الملطختان بالدم دون أن تنطق بكلمة بلا وعي. أمسكتُ بالنواة برفق، ثم ذابت في راحتي، غير موجودة بعد الآن… فقد أُفنيت بالدمار. مات قبل أن يسقط جسده عن ذراعي.
الفصل 523: السلام في الخاص بك
ارتطم جسده بالحجارة المحطمة بصوتٍ يحمل خاتمة نهائية. عيناه الجامدتان حدقتا إليّ، متسائلتين، كأنّه يرى في هذا المصير ظلمًا لا يستحقه.
قفز سيف كيزيس الذهبي في الفجوة، وحان دوري لأتفادى. كانت هناك موجة من المانا في النهاية، لكن ضربة سريعة من الأثير عطّلت التعويذة. حوّلتها بسرعة إلى رذاذ خفيف من الماء تناثر حوله قبل أن يتجمد فجأة على جلده.
استدرتُ لأجد كيزيس، منزوع السلاح، وقد بلغ منه الإعياء أقصاه، يحدّق في جثة أغرونا. قال بصوت ثقيل، أول ما نطق به منذ زمن، “إذًا، في النهاية… أغرونا فريترا قد مات.” هزّ رأسه بأسى. “ومع ذلك، فإن مكائده لا تزال تُهدد كل ما بنيته طَوال قرون. كنت أظن أنني سأجد بعض السلام في موته.”
فعلن خطوة الحاكم. ضغط كيزيس على الزمان والمكان، محاولًا إبقائي هناك. توقعًا لذلك هذه المرة، انطلقت بزئير واختفيت في المسارات الأثيرية، وظهرت على الجانب الآخر من بُعد الجيب متوجًا ببرق أثيري.
“ربما تجد السلام… في الموت الخاص بك أيضًا.” قلتُها، وقد تشوّه صوتي تحت وطأة الدمار.
طعن سيفي الأثيري ضلوعه المكشوفة، لكن سيد الأسورا كان سريعًا. طعن سيفه في الفراغ الذي أخليته للتو، لكن يده الفارغة دارت للخلف، غارقةً في سلاحي.
لكنني لم أقترب منه كما فعلتُ بأغرونا. شعرتُ بصراع ريجيس، واستنزاف آخر قواه. إن التمسك بهيئة الدمار لفترة أطول سيكون بمثابة انتزاع كل شيء منه. إحراقه كالجمر لبضع ثوانٍ من القوة. ومع ذلك، حتى مع منطق “مناورة الملك” البارد الذي يدفعني، لم أُفكِّر في الأمر. لم يكن مجرد سلاح يُهزّ حتى ينكسر.
توقعت كلمات مريرة أو جارحة. توقعت خطاب نصر. الوقت، أي شيء من شأنه أن يمنحني الوقت. لكن كيزيس كان فعالًا ببرود، ورفض أن يمنحني الشيء الوحيد الذي أحتاجه. بدلًا من ذلك، انتزع النصل الذهبي من جسدي، وضبط قبضته عليه بسلاسة، ثم كان يقود عائدًا إلى أسفل نحو تجويف حلقي.
دفعتُ أجزائه للخارج.
تحطم جدار الحجر، وأدرت ظهري لكيزيس لأمسك بمعصم أغرونا وهو يكرر نفس المناورة التي جرحتني سابقًا. كان خنجره على بُعد بوصات قليلة من جانبي. التف الأثير حول قبضتي، وضربته، لكنه ابتعد، وانزلق من قبضتي كما لو كان مغطى بالزيت. راوغ يسارًا ويمينًا في آنٍ واحد، مُظهرًا نسخًا مكررة من نفسه في كل خطوة.
في التشوهات المتلاحقة لظلالي الكثيرة، تجمع جرو ذئب صغير من الظلام. أطلقتُ رونية الدمار، وتلاشى اللهب بينما تكثفتُ مرة أخرى إلى لحم وعظم. عاد ألم جسدي المادي، وتدفق الدم من ذراعي اليسرى المقطوعة من جديد. سكب الأثير في الجرح —وكل الجروح الأخرى— ليبدأ عملية شفائي.
قبل أن أفكر حتى، كانت خيوط عقلي المختلفة قد جمعت أجزاء اللغز. كان يجب أن أفكر في الأمر عاجلًا، ولكن ربما يستحق الأمر بعض الفضل. كنت أقاتل من أجل حياتي. ومع ذلك، أصبح الأمر واضحًا جدًا الآن.
أمال كيزيس رأسه إلى الجانب، وظلّت نظراته على ريجيس للحظة قبل أن يبحث عن سيفه. تابعته عيناي، فوجدتُ قطعة صغيرة باهتة من المقبض، كل ما تبقى من السلاح الذهبي الجميل.
أحرقني الألم من الداخل، حارقًا ومباغتًا. رددتُ الهجوم بضربة تفجيرية مباشرة نحو ضلوعه، فتدفّقت الطاقة وانفجرت بيننا، واندفع مبتعدًا عني. تدحرجتُ إلى الوراء داخل خطوة الحاكم، وأعدتُ الظهور في مركز البُعد، بجانب ريجيس، بينما الألم المتقد المريع يعتصر نواتي.
أومأت برأسي. “ما زلت والد سيلفيا وجد رابطتي. تسلّح.”
أمسكتُ بمعصمه بكفي اليسرى المستحضرة، وسدّدتُ له ضربة إلى الحنجرة، ثم تقدّمتُ خطوة وغرستُ كوعي في وجهه، ولففتُ ساقي خلف ساقه ثم طرحتُه أرضًا، وذراعه يلتوي على نحو غير طبيعي في قبضتي. تشنّجت أصابعه، مفلتةً النصل، فانتزعته منه وغرزته نحو مؤخرة رأسه.
شخر كيزيس بطريقة بدت غريبة تمامًا عن شخصيته، وانحنى واستعاد مقبضه المكسور. كان هناك انعطاف في الأثير، وبدا الذهب وكأنه يتسرب من راحة يده إلى المقبض حتى النصل المكسور، ثم إلى شكل السيف الأصلي. في لحظات، أُصلح السلاح تمامًا. حدق فيه للحظة قبل أن يُشير بحركة سريعة، مشيرًا بطرف يده إلى يديّ الفارغتين.
قفز سيف كيزيس الذهبي في الفجوة، وحان دوري لأتفادى. كانت هناك موجة من المانا في النهاية، لكن ضربة سريعة من الأثير عطّلت التعويذة. حوّلتها بسرعة إلى رذاذ خفيف من الماء تناثر حوله قبل أن يتجمد فجأة على جلده.
تأملتهما أيضًا. كم مرة كنت في هذا الموقف؟ أقف أمام قائد أمة عظيمة أخرى، ومصير الملايين معلق على حافة نصالنا المتقاطعة. كملك، حاربت بعشرات النصال المختلفة على مر السنين. لم يكن أي منها مميزًا. هنا، في هذه الحياة، لم أستخدم سوى نصل واحد حقًا. نص “أغنية الفجر”، الذي استقرت أجزاؤه في صندوق فاخر داخل مخزني الفائق الأبعاد.
خلفه، كافح أغرونا للوقوف. أصيب الباسيليسك بجروح بالغة، واحترق درعه في عدة نقاط، واللحم تحته ليس محترقًا بل مقطوعًا. ومضت نار داكنة على حواف جروحه، تكافح لشفائها. فقد أحد قرنيه نصف شوكاته.
قبل أن أفكر حتى، كانت خيوط عقلي المختلفة قد جمعت أجزاء اللغز. كان يجب أن أفكر في الأمر عاجلًا، ولكن ربما يستحق الأمر بعض الفضل. كنت أقاتل من أجل حياتي. ومع ذلك، أصبح الأمر واضحًا جدًا الآن.
كما أصبح من الواضح أن ثنائي الطواغيت يعانيان من عدم القدرة على العمل معًا. سواء كان رفضًا صريحًا أو عدم توافق طبيعي أو فشلًا في الجهد الاستراتيجي، كنت أعلم أن هذا قد يكون نعمة الخلاص لي في النهاية. كان الأمر مجرد مسألة إبقاء مناورة الملك مدربة على هجماتهم والبحث عن طريقة لتحويل هذا التخريب الذاتي ضدهم.
إن نواتي هي المفتاح.
استطعت أن أشعر بتقوية جسد كيزيس مع تركيز المانا والأثير في عضلاته، وهي علامة على أنه كان يحافظ على قوته المتبقية. تتطلب معركة جسدية مثل مبارزة السيف طاقة أقل من الاستمرار في إلقاء السحر الذي يمكن أن يُسقط تايغرين كايلم بالكامل.
انفتحت رونية التخزين خاصتي عند فكرة، وظهر الصندوق بجانبي، ممسكًا بأثير مكثف. انفتح الغطاء، وطفت القطع، تدور حول الصندوق قبل أن تتحرك لتحوم من طرف إلى طرف بشكلها الطبيعي تقريبًا. ألقت رونية الفضاء ضوءًا ذهبيًا بينما كنت أشكل شظية الفضاء المتصلب حول أغنية الفجر، مستخدمًا إياها لتركيز شكل النصل تمامًا كما بنيت نواة الأثير حول قطع نواة المانا المكسورة.
قادتني خطوة الحاكم إلى النقطة المركزية في مجال البُعد الجيبي. داخل السحر المعوق، كل من الظلام والمانا والأثير الخانقين، هناك نسيج من السحر. بينما أتجول في الغرفة، كنت أيضًا أتحسس اتجاه التعاويذ، باحثًا عن نقطة نشأتها. لم يكن كيزيس، على وجه الخصوص، بارعًا تمامًا في إخفاء نفسه، وترك تلاعبه الأثيري علامات واضحة داخل الغلاف الجوي الغائم.
كان تعبير كيزيس غير قابل للقراءة. رفع سلاحه في نوع من التحية. “فلعلّ موتًا أخيرًا يفتح الطريق لمستقبل أفضل،” قالها كيزيس بتأمل.
دفعتُ أجزائه للخارج.
مددت يدي برفق لأقبض على أنشودة الفجر. التقط الضوء الرمادي أطرافها، باعثًا بأشعة زمردية عبر النصل ومُضفيًا عليه وهجًا شفافًا. قلدتُ تحيته بالسيف. “كٱفكاري تمامًا.”
لكن تركيزي اختلّ، إذ بدا أن حمل السلاح والسيطرة عليه أصعب بكثير مما تخيلت. انحلّ سيف الفضاء في يديّ. عندها، قذف أغرونا بخنجرَين أسودين في الهواء، طارا في مسارٍ منحني. أطلقت انفجارًا أثيريًا، فحطّمت السلاحَين معًا، ثم انتزعت المانا المتبقية، وشكّلت منها رصاصات من الغرانيت، وقذفتها في قوسٍ يلفّني من كل جانب.
تحركنا في اللحظة نفسها. انطلق هو أولًا، يشق الهواء بالسيف الطويل وكأنه نصل مبارز، النصل الذهبي يُخفي نفسه في السرعة. رفعت أغنية الفجر لاعتراض ضربته. انطلقت شرارات ذهبية، ثم تجاوزنا بعضنا بعضًا في لمح البصر. استدرت، أستعد للهجمة التالية.
تشبثت نار بنفسجية بهيئتي غير المادية، تُكللني بالدمار وأنا واقف. لم أشعر بريجيس كجسم صغير هشّ يختبئ في نواتي، بل كألف ذرة تنتشر في جسدي، تنضم إليّ، جزءًا مني. مزقه الانفجار السابق، وفي أعقابه اليائسة، بينما كنتُ أجمعه، اندمج بي تمامًا، ليس فقط يتشارك الأفكار أو حتى الأثير، أو رونية حاكم، بل أصبح كائنًا فريدًا.
خطٌّ رفيع من الدم تسلّل على نصل أغنية الفجر المشبّع بالفضاء.
لم أُبالِ في تلك اللحظة، وأنا أحاول توجيه تركيزي نحو ريجيس —أو بالأحرى، نحو ما كنتُ لا أزال أشعر به.
استدار كيزيس نحوي، وهو لا يحمل سوى مقبض سيف. استغرق الأمر لحظة قبل أن تتحرر المانا الكثيفة والأثير، حيث كان الجسد قد انقسم بالفعل. انحنى نحو الأرض، مقسومًا بدقة من مركز نواته.
“ربما تجد السلام… في الموت الخاص بك أيضًا.” قلتُها، وقد تشوّه صوتي تحت وطأة الدمار.
فكرت في بقايا الجنّ الذين دربوني، في جي آي. فكرت في هانيول والسيدة ساي آروم. وفي والد تشول. ثم تذكرت كل تلك الحضارات الأخرى التي دمّرها كيزيس عبر العصور. لم أظن أن أحدًا منهم كان ليتمنى أن يكون موته بهذه السرعة. لكن بالنسبة لي، لم يكن موته عقابًا. كفصل الإرث عن سيسيليا، لم يكن سوى خطوة ضرورية أخرى.
كانت أصداء ألمه وخوفه تأتي إليّ من كل حدب وصوب، ولكن أقوى ما كان من الدمار الذي يلتهم لحمي ودرعي حتى وأنا مستلقٍ هناك. لكن بدونه، لم أستطع استخدام رونية الدمار، لم أستطع…
انهار نصل الفضاء، وعادت بقايا أغنية الفجر إلى صندوقها قبل أن تختفي داخل خزنتي البُعدية. ثم، أخيرًا، أطلقت العنان لرونية الحاكم بالكامل، سامحًا للفضاء المتكاثف داخل البُعد الجيبي بأن يتمدد ويعود إلى حالته الطبيعية. ووقع التأثير فورًا. بدأت الجدران تتلاشى، والبُعد نفسه ينهار، وشعرت بجسدي يُقذف من جديد نحو العالم المادي.
شعر ريجيس بقلقي، فبذل دفعة أخيرة من طاقة الدمار، وتلاشى إلى هيئة لا مادية، وانساب عبر جلدي متّجهًا إلى نواتي.
عرج ريجيس نحوي، فانحنيت وحملته. ارتخى بين ذراعيّ. شددت فكيّ وأنا أقاوم الألم الناتج عن انهيار الفضاء، واستعددت للعودة.
لقد أنقذني. في اللحظة الأخيرة، حوّلني. الآن، من خلال رونية الدمار، ركزتُ على تثبيته في مكانه، مُحافظًا على أجزائه المتباينة في داخلي حتى يستعيد شكله الطبيعي.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن ينهار البُعد الجيبي ونعاد إلى تايغرين كايلوم، مال ريجيس برأسه ناظرًا نظرةً أخيرة، منهكة، إلى الجسدين الممددين على الأرض.
إن نواتي هي المفتاح.
“يبدو أنك كنتَ المبارز الأفضل…”
دفعت نصل سيفي الأثيري في الشبكة المترابطة من العقد المكانية، وسقط طولان منه من أغرونا عندما ارتدا معًا مرة أخرى. كان أغرونا يقف على الفور في المكان الذي بدأ فيه، كما لو أن الواقع قد عاد إلى مكانه. شوه جرح ناعم درعه على جانبه الأيسر وكتفه الأيمن، وتدفق الدم بحرية من الداخل.
————————
كان سيف الفضاء فكرة مجردة أكثر من اللازم، غير متجذّرة في الواقع. ربما، مع الوقت، سأتعلم كيف أُبقي شكله مستقرًا، لكن الوقت… لم يكن في صفي.
نهاية أغرونا وكيزيس.. هاه
‘ثلاثُ رجات فقط،’ أجابني بصوت خافت داخل عقلي، كان كالصدى المجنون. ‘أيّ شيء أكثر من ذلك… وتكون مجرد عبثٍ لا جدوى منه.’
عدد كلمات الفصل: 4520
ابتلعت الظلمة ضوء البعد الجيبي الرمادي.
عدد الفصول المتبقية: 9
كان تعبير كيزيس غير قابل للقراءة. رفع سلاحه في نوع من التحية. “فلعلّ موتًا أخيرًا يفتح الطريق لمستقبل أفضل،” قالها كيزيس بتأمل.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
‘ثلاثُ رجات فقط،’ أجابني بصوت خافت داخل عقلي، كان كالصدى المجنون. ‘أيّ شيء أكثر من ذلك… وتكون مجرد عبثٍ لا جدوى منه.’
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
سمحت للحظة أن تطول، وأنا أتأمل في معضلة أسلحتي الأثيرية.
لم أُبالِ في تلك اللحظة، وأنا أحاول توجيه تركيزي نحو ريجيس —أو بالأحرى، نحو ما كنتُ لا أزال أشعر به.
