Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

البداية@بعد@النهاية@kol 528

أوقات غير مسبوقة

أوقات غير مسبوقة

الفصل 528: أوقات غير مسبوقة

“إذا أصررنا على الانتقام من جرائم الموتى، فلن ينتهي القتال أبدًا، وبدلًا من ازدهار الحضارات، سيشق ورثتنا طريقهم عبر حطام ممزق لا يعرفون سوى الموت والمعركة.” أخيرًا، رفع بصره. ألقى نظرةً لطيفةً على ساريا تريسكان، مُظهرًا أنه لا يحمل لها ضغينةً تجاه كلماتها، ثم حوّل تركيزه على الأزوراس. “نحن مدينون لأنفسنا بالأفضل. وأولئك الذين يعتمدون علينا، وسيأتون بعدنا. لم يُنقذ آرثر ليوين أراضينا الثلاث لنُهاجم بعضنا البعض الآن، في أعقاب انتصاره.”

 

هز كايدن كتفيه واتخذ الخطوة الأولى على المقاعد المتدرجة بشكل أخرق. “أوه، من يستطيع تتبع ذلك.”

منظور: كايرا دينوار

“ومع ذلك، من هنا عانى على يد أغرونا أكثر من شعبه؟” تجوّلتُ بنظري في الغرفة بثبات. “كيف لا نُقاتل وثمن الرفض هو تدمير كل ما نُقدّره؟” ركّزتُ على تيسيا. “كانت هناك شابة تُدعى سيرس. عندما تلقت أول رونية لها، سُميت حارسة، وأُخذت من عائلتها، وأُجبرت على الالتحاق بمدرسة عسكرية. تركت وراءها أخًا أصغر، صبيًا ضعيفًا ومريضًا. كانت

 

لكن على الرغم من إرهاقه الواضح، لم ينزعج آرثر من سيد الأزوراس الآخر. “أنا مندهش يا أديمير. كنت أتوقع منك أن تُعارض ذلك بشدة، وأعتقد أنك تعرف السبب. العالم الآن أكبر من أن يتسع للملوك. كان حكم كيزيس خالدًا وحازمًا. ما يحتاجه العالم الآن هو تنوع في الأفكار والأصوات، لتمثيل المشهد الجديد لسكانه. لا أحد يستطيع فهم عمق وتنوع هذا التنوع في الشعوب. لهذا السبب أنتم جميعًا هنا اليوم. عليكم أن ترسموا الطريق لشعوبكم معًا. جدوا طريقة للعمل معًا، للحفاظ على السلام، لبناء أوطانكم جنبًا إلى جنب، لا على حساب بعضكم البعض.”

حدقتُ في المبنى الغامض الذي يُسمى بالفعل برج المقابر. عندما أمرنا آرثر جميعًا بالفرار، حُمل ما تبقى من جيشنا الصغير على منصات من الحجر والجليد، فقط لمشاهدة البرج يرتفع من الجبال من مسافة بعيدة. لكن حجمه الحقيقي الفعلي تجاوز العقل تمامًا.

سأل آرثر بصوت خافت لكنه خالٍ من الثقل في صمتٍ مُطبق، “هل أنا متأخر؟” وجّهت عيناه الذهبيتان نظراتهما إلى صفّ الأزوراس الصغار. “آخر المختبئين في بُعد ماير الجيبي قد استُعيدوا للتو، بمن فيهم أمي وأختي.”

سرت قشعريرة في عمودي الفقري بينما وقفت في الظل وأفكر فيما أصبح عليه آرثر. أشك في أن الأزوراس كان بإمكانه تحقيق أي شيء كهذا. حتى أعنف حكايات قوة أغرونا تتضاءل بالمقارنة.

تلاشى التوتر من مورداين، وبدا وكأنه يشعّ بنور داخلي. ضغطت تيسيا على يده داعمةً إياه، وانحنت لتتحدث معه بهدوء. عبستُ قليلًا، فقد وجدتُ قربهما مثيرًا للاهتمام، وللأمانة، مقلقًا. على الرغم مما قلتُه لمايليس، كان من مسؤوليتنا فهم احتياجات بعضنا البعض —ونقاط ضعفنا— ورؤية الرابطة الوثيقة التي تتشكل بالفعل بين عشيرة العنقاء المتمردة والإلف غيّرت ديناميكية السلطة في الغرفة.

مررتُ أصابعي بين شعري الذي أصبح الآن بطول الكتف بينما تتبع نظري البرج إلى حيث تقاطعت ثلاثة هياكل زرقاء ضبابية بعيدة في قمته. أفيتوس. جُلبت إلى عالمنا وثُبتت، تمامًا مثل المقابر.

توجهت جميع الأنظار نحو فيريون، الذي وقف وسار نحو المنصة المركزية، حيث كانت سيريس لا تزال واقفة، بعد أن التزم الصمت حتى ذلك الحين. “كل فصيل في هذه الغرفة جرح فصيلًا آخر. قاتل الإلف البشر والأقزام على حد سواء في حروب طويلة ومريرة. كل منقطة ممثلة هنا خاضت حربًا مع جيرانها في وقت ما، أو هكذا قيل لي. وبين الأزوراس، ألم يكن هناك صراع رهيب بين التنانين والعنقاء منذ وقت ليس ببعيد، حسب تقديركم، على الأقل؟”

واحد مليء بالوحوش. والآخر بالطواغيت.

بعد وقت قصير من وصولي ومايليس، دخل أوغسطين رامسير والمربية أميلي بيلروز معًا، تبعهما هارلو إيديفان، كبير السحرة في قاعة نيرمالا.

مرة أخرى، قشعرتُ. هبَّ نسيم بارد عبر السهول غير الطبيعية التي تشغل الآن معظم جبال ناب الباسيليسك، التي تقلصت إلى دائرة واقية حول البرج.

وقف تنينٌ شابٌّ ذو شعرٍ وردي، أُعلن عنه فيريا من عشيرة إنثيرا، وألقى على أديمير نظرةً مُطمئنةً. “لقد أُنجر الكثير باسم أفيتوس وجنس الأزوراس لم نعرفه قط، وبالتأكيد لم نوافق عليه. بالنسبة لمعظمنا، هُمش العالم القديم إلى أسطورةٍ قديمة. ليس هذا عذرًا بالطبع، ولكننا أُبقينا عمدًا في الظلام بشأن عالمكم.”

ارتطم كتفٌ بكتفي بشدة، فتعثرتُ للأمام. “هيا يا ملكة دينوار، الوقوف والتحديق لن يُوصلنا إلى أي مكان.”

قادت سيريس موكبهم، مما رسّخ وجود الأزوراس في ذهني. أومأت برأسها بخفة وهم يقتربون. “وهذا أحد ممثلي ألاكريان الآخرين. كايرا دينوار، أهلًا بكِ بين اللوردات الكبار ومجموعة من ورثتهم.”

كدتُ أركل كاحليها ركلةً سريعة، لكن تدريبًا طويلًا على آداب السلوك ظهر أمامي وأنا أُلقي نظرة على حاشيتها من الحراس وحشدٍ من الناس الآخرين على الطريق. كان بعضهم متجهًا نحو البرج بينما كان القليل لا يزال يخرج منه. “أنتِ هنا لتمثيل ألاكريا في أهم اجتماع في حياتنا يا مايليس. تصرفي كشخصٍ بالغ.”

بعد وقت قصير من وصولي ومايليس، دخل أوغسطين رامسير والمربية أميلي بيلروز معًا، تبعهما هارلو إيديفان، كبير السحرة في قاعة نيرمالا.

ابتسمت صديقتي، مايليس، سيدة منزل تريمبلاي، فقط وهزت حاجبيها المشذبين بعناية فوق عينيها بلون النبيذ، اللتين لمعتا بشقاوة. “أنتِ من أصررتِ. كان هناك مئة من النبلاء الآخرين مستعدون لقتل بعضهم البعض ليكونوا هنا.”

عندما دخل أوريل فروست قاعة المحكمة، التوت معدتي بشكل غير مريح.

سخرتُ وعدتُ إلى مدخل البرج. “وهذا بالضبط سبب عدم وجودهم.”

أومأ برأسه قبل أن يجلس قرب كايدن ومايليس. عبرتُ الغرفة وحدي إلى نظرائنا الديكاثيين.

“أجل، بدلًا من ذلك، يمكننا أن نتطلع إلى البراعة السياسية الرائعة لكايدن أفيليون وأميلي بيلروز.” توقفت، ومررت لسانها على أسنانها. “هل لاحظتِ سهولة الوقوع في هذه العادة؟ أسنان فريترا، لكن من الجيد ألا تضطر إلى نطق كل هذا الهراء عن ‘الدم’ وما إلى ذلك.”

صرخ دورجار سيلفرشيل، وضرب المقعد بجانبه بقبضة سميكة، “ما أسهل أن يدّعي كل من الألاكريين والأفيتوسيين الجهل والبراءة. إذًا يجب أن تُغفر لكم جميع جرائم الماضي لمجرد أن قادتكم السابقين قد ماتوا؟ القادة الذين اتبعتهم؟ لم يمضِ وقت طويل منذ أن خان ملك وملكة الأقزام دارف لأغرونا، وكان هناك الكثير منا الذين قاوموا خيانتهم! كل رجل وامرأة مسؤول عن قراراته، أوامر أم لا!”

ضحكتُ رغم توتري، وهو ما توقعتُ أنه السبب وراء تصرفها الوقح. “ليتكِ تستطيعين الآن التخلص من عادة اللجوء إلى فريترا في كل شيء.”

في الجهة المقابلة لنا، فوجئت إلى حد ما برؤية رد الفعل الحذر نفسه من الديكاثينيين أيضًا. تبادل كورتيس وكاثيلين غلايدر نظرة أوضحت بوضوح أنهما قلقان، بينما ساد الصمت والانطواء بين الأقزام. وقف رفاق آرثر من الرماح باحترام، مفتقدين ابتسامات الترحيب التي اتسم بها الأزوراس الصغار، ولكن أيضًا بدون التوتر على وجوه العديد من الآخرين.

اكتسى وجهها بالحزن، وبصقت على الأرض، ثم أسرعت للحاق بي. انقضّ حراسها خلفنا. “أجل. هذا أصعب قليلًا في التكيف. ربما هذا ما يجب أن نتحدث عنه في هذا الاجتماع الكبير: طرق لائقة للشتائم الآن بعد وفاة ملكنا.” هزت رأسها. “لا يهم. أنا متأكدة من أن الناس سينادون على حبيبك الوسيم ذهبي العينين قريبًا. ‘بحق شعر آرثر ليوين المشمس، أرجوك، ارحميني يا ملكة دينوار!’.” انفجرت ضاحكةً، مما تسبب في نظرات غريبة من المارة.

بينما تراقبهم مايليس وهم يبتعدون بينما بدأت عربتنا بالتحرك، وسائق يجلس على مقعد مرتفع في مقدمة العربة يتحكم في مسارها، قالت، “أتمنى أن تكون مشكلة التيمبوس مؤقتة فقط. كيف سيبدأ الصاعدون باستكشاف هذا المكان إذا كان على الجميع الوصول إليه سيرًا على الأقدام؟” راقبتني عن كثب، كما لو كانت تشك في أنني أعرف أكثر مما أخبرتها به بالفعل.

قلبتُ عينيّ، لكنني تجاهلتُ تصرفاتها الغريبة، واستأنفتُ الاستمتاع بالمناظر بينما نقترب من البرج. كنا محاطين بالفعل بمبانٍ —تعرفتُ على بعضها— تُشكل نوعًا من المدينة المحيطة بقاعدة البرج. كما تعرفتُ فورًا على القوس الضخم المغطى بالرونية والذي كان في السابق بوابة الصعود الرئيسية في الطابق الثاني.

ضربت الكلمة كفأسٍ حاد، شقّت الهواء تاركةً وراءها صمتًا عميقًا.

ارتعشت شفتاي. تفصيل رائع يا آرثر.

توقف هدير الحديث الخافت عندما أحسسنا جميعًا بعلامات مانا تقترب بقوة هائلة.

لم يكن من المفاجئ عدم وجود أي باعة متجولين أو أكشاك منصوبة. مع أنني رأيت مبانٍ كنت أعرف أنها نُزُل ومطاعم، إلا أن أيًا منها لم يكن مفتوحًا للعمل في ذلك الوقت. مع أنني لم أشارك بشكل مباشر —فقد انشغل انتباهي بأمور أخرى في الأيام التي تلت هزيمة أغرونا مباشرةً— إلا أنني كنت أعلم أن جهود حصر ونقل جميع اللاجئين الذين كانوا داخل المقابر الأثيرية عند… وقوعها… كانت هائلة. أكبر بكثير من مشروعي الخاص لإعادة الجميع إلى ديارهم من مدينة كارغيدان.

رحّب بنا المُرحّب بالاسم وأشار لنا إلى الاتجاه الصحيح. كان كايدن قد توقف أمامنا، بعد أن سمعنا قادمين.

لا يزال الكثير من بنيتها التحتية الأصلية قائمًا، بما في ذلك مواقع متعددة تقدم طعامًا مجانيًا، وفي كل منها طوابير قصيرة من الناس المصطفين، لكن لم تكن هناك متاجر مفتوحة. توقعت أن يمر بعض الوقت قبل أن تبدأ أي بنية تحتية دائمة بالاستقرار مرة أخرى.

 

مهما كان مصير هذا المكان في المستقبل، فهو الآن تذكير هائل بالتغيير المرعب الذي يجتاح القارة.

وقف راي كوثان، وعيناه الحمراوان تتوهجان. كان الأمر صادمًا، رؤية باسيليسك ليس من فريترا. طوال حياتي، مثل الملوك سيفًا ذا حدين، سلاح الرعب والسلطة. غريزيًا، وربما ظلمًا، وجدت نفسي أكره هذا السيد العظيم.

تعرفت على عدد من جنود سيريس المتمردين الذين يحرسون المدخل، مع أنني لم أكن أعرف أيًا منهم بالاسم. لا بد أنهم تعرفوا عليّ أيضًا، لأنهم جميعًا تنحّوا جانبًا باستثناء امرأة في منتصف العمر ترتدي درعًا أسود غير لامع. كانت هناك بقع بدت وكأنها كشطت تفاصيل قرمزية. قدّمت نفسها بسرعة، وشطبتُ اسمي أنا ومايليس من القائمة، وقادتنا تحت القوس المترامي الأطراف.

ضحك بخفة وعبث بشعره، الذي بدا متطايرًا بعض الشيء رغم محاولة أحدهم انتزاعه. “رحلة طويلة كالعنقاء، لكن كان من الممكن أن تكون أسوأ.”

وُفِّرت عربة ذاتية السحب لي ولمايليس، بينما أُخذ حراس تريمبلاي بعيدًا مع وعد بالاسترخاء والطعام لمساعدتهم على التعافي من الرحلة الطويلة إلى هنا.

ضربت الكلمة كفأسٍ حاد، شقّت الهواء تاركةً وراءها صمتًا عميقًا.

بينما تراقبهم مايليس وهم يبتعدون بينما بدأت عربتنا بالتحرك، وسائق يجلس على مقعد مرتفع في مقدمة العربة يتحكم في مسارها، قالت، “أتمنى أن تكون مشكلة التيمبوس مؤقتة فقط. كيف سيبدأ الصاعدون باستكشاف هذا المكان إذا كان على الجميع الوصول إليه سيرًا على الأقدام؟” راقبتني عن كثب، كما لو كانت تشك في أنني أعرف أكثر مما أخبرتها به بالفعل.

لا يزال الكثير من بنيتها التحتية الأصلية قائمًا، بما في ذلك مواقع متعددة تقدم طعامًا مجانيًا، وفي كل منها طوابير قصيرة من الناس المصطفين، لكن لم تكن هناك متاجر مفتوحة. توقعت أن يمر بعض الوقت قبل أن تبدأ أي بنية تحتية دائمة بالاستقرار مرة أخرى.

“سيريس لا تعرف لماذا لا تعمل التيمبوس. أو إذا كانت تعرف، فقد كذبت بشكل مقنع للغاية.”

كان هناك اتفاقٌ فظّ من الحيّ الديكاثيني، بينما ساد الصمت بين الألاكريين من حولي. بالنسبة لي، شعرتُ وكأنّ جميع الأطراف على حقّ في حججهم، لكنّ أيًّا من هذه الحجج لم يكن ليُحقّق غرض هذا الاجتماع. الوقت وحسن النية وحدهما كفيلان ببناء الثقة اللازمة بين الديكاثيّين والألاكريّين وأزوراس أفيتوس.

ارتفعت حاجباها قليلًا، واتسعت عيناها بشكل يوحي. “بالتأكيد حبيبك ذهبي العينين—”

قال بعد لحظة، مُخاطبًا الحضور، “توقفوا جميعًا عن النظر إليّ كما لو أنكم تتوقعون مني أن أعرف كلّ الإجابات. لقد منحتكم فرصة، لكن الآن عليكم جميعًا استغلال هذه اللحظة.”

“كما شرحت، لم أراسل آرثر كل هذا،” قاطعتها، مشيرًا إلى المقابر الأثيرية من حولنا. “ومن فضلك توقفي عن مناداته بذلك. لسنا… معًا.”

مهما كان مصير هذا المكان في المستقبل، فهو الآن تذكير هائل بالتغيير المرعب الذي يجتاح القارة.

انحنت للخلف في المقعد، وأسندت رأسها بين يديها. “يبدو الأمر وكأنه جهد فاشل. هل صحيح أنه مخطوب لإلف نحيلة من ديكاثين؟” عضّت على أسنانها بانزعاج. “يجب أن تتحديها على يده.” نظرت إليّ بجدية. “لصالح ألاكريا، إن لم يكن لمصلحة نفسك. من يدري كم من الوقت سيستغرق الأمر قبل أن تشتعل الأمور من جديد. هل نريد حقًا أن يتزوج الرجل الذي خلق كل هذا” —قلّدت إيماءتي السابقة— “من الفريق الآخر؟”

أومأ برأسه قبل أن يجلس قرب كايدن ومايليس. عبرتُ الغرفة وحدي إلى نظرائنا الديكاثيين.

سخرتُ من عدم التصديق. “إنه جزء من الفريق الآخر، متزوجًا كان أم لا. لكن آرثر أيضًا ليس كذلك… لن يختار أي طرف. وعلينا أن نركز على ضمان عدم حدوث ذلك بدلًا من الاستعداد لما سيحدث.”

قلتُ بأقصى ما استطعتُ من أدب، “دون أن يُفهم كلامي على أنه إهانة لمكانتك أو قدراتك يا كايدن… لا، لم أرتب لك حضورك هنا.”

كان من الغريب رؤية المقابر الأثيرية المألوفة مُرتبة بهذه الطريقة غير المألوفة. كانت هناك مبانٍ أعرفها بجوار مبانٍ لا أعرفها، وكلها تقريبًا بتصميم مختلف عما كانت عليه قبل بوابات الصعود. لم نرَ سوى جنود ومسؤولين من جمعية الصاعدين. على الأرجح، كنتُ أُقيّم الوضع. وحتى حدَّ ذلك بسبب الاجتماع الذي كنتُ في طريقي لحضوره.

 

وجّه سائقنا العربة بسلاسة نحو وجهة مألوفة، ثم توقف ببطء أمام وجهتنا. بدت قاعة المحكمة كما كانت تقريبًا من قبل: نفس النوافذ المقوسة المليئة بالزجاج الملون، ونفس التماثيل الضخمة التي بدت وكأنها تُحدق بكل من يقترب، حتى الأبراج المعدنية المشؤومة.

ابتسمت صديقتي، مايليس، سيدة منزل تريمبلاي، فقط وهزت حاجبيها المشذبين بعناية فوق عينيها بلون النبيذ، اللتين لمعتا بشقاوة. “أنتِ من أصررتِ. كان هناك مئة من النبلاء الآخرين مستعدون لقتل بعضهم البعض ليكونوا هنا.”

توقفنا أمام الأبواب الأمامية في اللحظة التي كانت تغادر فيها عربة أخرى. لمحتُ كايدن أفيليون يعرج صعودًا على الدرج، حيث استقبله مُرحّب وأُرشد إلى الداخل، مع توجيهات على الأرجح إلى الغرفة الصحيحة.

“كان أحد أتباع أغرونا هو من قتل ابنة عمي أليا،” هكذا قالت الإلف، ساريا تريسكان، في صمتٍ أجوف عقب إفادتي. “لكن لم يكن أحد أتباع أغرونا أو حتى فتاةً من ألاكريان هي من دمّرت وطننا وقتلت الملايين من شعبنا. لا، كان هذا أزوراس.”

قالت مايليس ساخرة، قافزة من العربة برشاقة —وإهمال— صاعدة، “حسنًا، هل أنت مستعدة لمواجهة الحكام؟”

 

قلتُ، “إن لم تُعاملهيم كحكام، فربما لن يُعاملوك كأدنى.”

انحنى الأزوراس ذو البشرة الداكنة والشعر البرتقالي الدخاني، نوفيس أفينييس، وتحدث إلى جاره، الذي سمته سيريس راي كوثان. شعرتُ بشعرات صغيرة على مؤخرة رقبتي تنتصب عند ارتعاش توقيعات المانا المضطربة. كان نوفيس هو من وقف. نظر إلى مورداين بمزيج من القلق والغضب والأمل. “نقبل وجود عشيرة أسكليبيوس، ومستعدون للاستماع إلى إخواننا المفقودين. ربما في مكان أنسب عندما تُؤدى واجباتنا الحالية.” خفّ صوته، وأصبح أقل رسمية. “مورداين، صديقي القديم. أنا… سعيد برؤيتك. تفضل بزيارتنا في فيذرووك إيري في الأيام القادمة.”

“هذا معقول.”

انظر إليه، أيها الأحمق، فكرتُ، وأنا أغضب نيابةً عن آرثر. إنه متعب. بل منهك. عادت كلمة “مُحطّم” إلى ذهني، وظننتُ أنني فهمتُ رد فعل تيسيا السابق.

رحّب بنا المُرحّب بالاسم وأشار لنا إلى الاتجاه الصحيح. كان كايدن قد توقف أمامنا، بعد أن سمعنا قادمين.

سخرتُ من عدم التصديق. “إنه جزء من الفريق الآخر، متزوجًا كان أم لا. لكن آرثر أيضًا ليس كذلك… لن يختار أي طرف. وعلينا أن نركز على ضمان عدم حدوث ذلك بدلًا من الاستعداد لما سيحدث.”

دخلنا القاعة الكبرى، التي كانت على حالها إلى حد كبير. أرضيات رخامية منحوتة، وسلالم حديدية داكنة… لكن لا لوحة جدارية، كما لاحظت. في إحدى المرات، غطّت صورة أغرونا السقف بأكمله، تصوير مُزيّف له وهو يمنح القوة لأهل ألاكريا. لم يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كان آرثر قد أُغرِيَ بتغطيته بصورة مماثلة لنفسه. قبل ذلك، كنت سأرفض، ولكن إذا كانت السلطة تُفسد…

ارتعشت شفتاي. تفصيل رائع يا آرثر.

“كايدن،” قلتُ بينما كنا نلحق به. ضغطتُ على ساعده مُرحّبة، فأومأ لنا إيماءة عميقة.

رأيتُ الافتتاحية، فنهضتُ. “للبناء على ما قاله آرثر، أودُّ مناقشة نوعٍ جديدٍ من الحكم.” نظرتُ حولي، منتظرةً أن تُسحب الوجوه بعيدًا عن آرثر نحوي. “نظامٌ تُسمَع فيه جميع الأصوات بالتساوي، حيثُ تستطيع كلُّ بلدةٍ ومدينةٍ في كلِّ منطقة ضمان تمثيلها وتلبية احتياجاتها.”

سأل بنبرة ساخرة، “هل هو خطأك أنني هنا؟” أو على الأقل، ظننتُ أنه يُبالغ. كان من الصعب دائمًا معرفة ما يُفكّر فيه. “بالتأكيد لم أزعجك بما يكفي خلال فترة عملنا القصيرة في الأكاديمية المركزية لبذلكذ جهدًا لمعاقبتي هكذا.”

ضحكتُ رغم توتري، وهو ما توقعتُ أنه السبب وراء تصرفها الوقح. “ليتكِ تستطيعين الآن التخلص من عادة اللجوء إلى فريترا في كل شيء.”

من جانبه، مدت مايليس ذراعها، فأخذها بارتياح. قالت، “لقد جرّتني معها، لذا لا أشك في أنها دبرت لك هذا أيضًا.”

قد وصل ممثلو ديكاثين بالفعل وتجمعوا في الجانب البعيد من قاعة المحكمة.

قلتُ بأقصى ما استطعتُ من أدب، “دون أن يُفهم كلامي على أنه إهانة لمكانتك أو قدراتك يا كايدن… لا، لم أرتب لك حضورك هنا.”

سخر ونزع مقدمة سترته الداكنة. “في الواقع، كانت معلمتك. أصر على أن أبدو مناسبًا إذا كنت سأحتك بالعظماء والأقوياء.”

لكن الرجل المتمرد ضحك فقط وبدأ سلسلة من الشكاوى استمرت حتى وصلنا إلى القاعة التي سيُعقد فيها اجتماعنا —وهي كلمة مختصرة لوصف التقاء أصحاب النفوذ هذا. كان هناك مرافق آخر ينتظرنا ليفتح لنا الباب.

الطريقة الوحيدة للحصول على المساعدة التي يحتاجها شقيقها هي إثبات جدارتها في الحرب. قادت يائسةً مجموعة من محاربي ألاكريان عبر غابة إلشاير، راسمةً طريقًا إلى إلينور. لم يكن هدفها قتل الإلف، بل إنقاذ شقيقها.” أطرقتُ رأسي. “كان نجاحها نقطة تحول في الحرب بأكملها، مما أسفر عن مقتل ملايين الإلف. لكن الآن، هناك صبيٌّ لا يزال على قيد الحياة.”

في الداخل، كانت قاعة محكمة غائرة على شكل مدرج بيضاوي. احتلت منصة الجزء الأوسط السفلي من القاعة، بينما ظهرت صفوف واسعة من المقاعد المبطنة من هناك.

“بكلّ المقاييس، كان مُصابًا بجنون العظمة يُمثّل دور الطاغوت!” صاحت ستويا، وهي تعقد ذراعيها وتحدّق في الأزوراس بلا خوف.

قد وصل ممثلو ديكاثين بالفعل وتجمعوا في الجانب البعيد من قاعة المحكمة.

مرة أخرى، قشعرتُ. هبَّ نسيم بارد عبر السهول غير الطبيعية التي تشغل الآن معظم جبال ناب الباسيليسك، التي تقلصت إلى دائرة واقية حول البرج.

تعرفت على الفور على نبلاء الأقزام، كارنيليان إيرثبورن ودورجار سيلفرشيل. جلست معهما امرأة قزمة رمادية الشعر، ذراعيها متقاطعتان ووجنتاها حمراء اللون متجهمتان. بالطبع، كنت أعرف الإلف، فيريون وتيسيا إيراليث. جلس معهما ثالث، تعرفت عليه ولكن لم أستطع تسميته، يتحدث بهدوء مع امرأة بشرية بدت في غير مكانها بسبب غياب زخارف النبلاء التي يرتديها الجميع. جلسوا على جانب واحد من النبلاء البشريين، كورتيس وكاثيلين غلايدر.

في الجهة المقابلة لنا، فوجئت إلى حد ما برؤية رد الفعل الحذر نفسه من الديكاثينيين أيضًا. تبادل كورتيس وكاثيلين غلايدر نظرة أوضحت بوضوح أنهما قلقان، بينما ساد الصمت والانطواء بين الأقزام. وقف رفاق آرثر من الرماح باحترام، مفتقدين ابتسامات الترحيب التي اتسم بها الأزوراس الصغار، ولكن أيضًا بدون التوتر على وجوه العديد من الآخرين.

وبصرف النظر عن هؤلاء الممثلين النبيلين ميكا إيرثبورن وفاراي أوراي. وقفت امرأة شابة حمراء العينين بعيدًا قليلًا عنهما.

لم تُقدّمهم مباشرةً، بل سارعت إلى قاعة المحكمة قبلهم، حيث بدأت تُعلن أسماءهم بصوت عالٍ وهم يمرّون من أمامي واحدًا تلو الآخر. أومأ بعضهم لي باحترام، بينما اكتفى آخرون بالابتسام مُرحّبين، بينما دخل زوجان قاعة المحكمة بثقة دون أن يُلقيا نظرةً تُذكر إليّ.

قال صوت أجش من جانب المدخل، “وهنا بدأت أعتقد أنني سأمثل ألاكريا بمفردي.” مما دفعني إلى الالتفات حولي.

من طرف عيني، لمحتُ ابتسامةً وإيماءةً تقديريةً من آرثر. مدعومًا باهتمامٍ مُتفرِّغٍ من الممثلين المجتمعين، بدأتُ أشرحُ بالتفصيل النظامَ الذي تناقشتُ فيه مع مايليس في رحلتنا الطويلة إلى المقابر الأثيرية.

ابتسمتُ بسخرية لألاريك، المرتدي ملابس أنيقة كتاجر ثري. “دارين أجبرك على تغيير ملابسك، كما أرى.”

انقطع الدّمع عندما صاحت موروينا مابيليا، طويلة القامة كشجرة، بحدّة، “لم يكن كيزيس إندراث الوحش الذي يُصوّره. لقد حمى عالمينا منذ ما قبل وجود أيّ من أنواعكم الأدنى، وأخشى أن أفكّر فيما سيحدث لنا الآن وقد أصبحت قوّة أفيتوس الكاملة داخل هذا العالم.”

سخر ونزع مقدمة سترته الداكنة. “في الواقع، كانت معلمتك. أصر على أن أبدو مناسبًا إذا كنت سأحتك بالعظماء والأقوياء.”

وقف تنينٌ شابٌّ ذو شعرٍ وردي، أُعلن عنه فيريا من عشيرة إنثيرا، وألقى على أديمير نظرةً مُطمئنةً. “لقد أُنجر الكثير باسم أفيتوس وجنس الأزوراس لم نعرفه قط، وبالتأكيد لم نوافق عليه. بالنسبة لمعظمنا، هُمش العالم القديم إلى أسطورةٍ قديمة. ليس هذا عذرًا بالطبع، ولكننا أُبقينا عمدًا في الظلام بشأن عالمكم.”

“آه، ألاريك ماير سيئ السمعة،” قال كايدن مبتسمًا وهو يمد يده، التي أمسكها ألاريك بقوة. “كم هو جميل رؤيتك مرة أخرى.”

بدأ كلامه، وقد فاضت نبرته بمرارة عميقة، “لا يمكن للجندي أن يختبئ وراء ذريعة الواجب. ودم فريترا الشرير يجري في عروق كل ألاكريان. الجرائم التي ارتُكبت هنا—”

ارتفعت إحدى حاجبي ألاريك. “هل التقينا؟”

تعرفت على عدد من جنود سيريس المتمردين الذين يحرسون المدخل، مع أنني لم أكن أعرف أيًا منهم بالاسم. لا بد أنهم تعرفوا عليّ أيضًا، لأنهم جميعًا تنحّوا جانبًا باستثناء امرأة في منتصف العمر ترتدي درعًا أسود غير لامع. كانت هناك بقع بدت وكأنها كشطت تفاصيل قرمزية. قدّمت نفسها بسرعة، وشطبتُ اسمي أنا ومايليس من القائمة، وقادتنا تحت القوس المترامي الأطراف.

هز كايدن كتفيه واتخذ الخطوة الأولى على المقاعد المتدرجة بشكل أخرق. “أوه، من يستطيع تتبع ذلك.”

“كان أحد أتباع أغرونا هو من قتل ابنة عمي أليا،” هكذا قالت الإلف، ساريا تريسكان، في صمتٍ أجوف عقب إفادتي. “لكن لم يكن أحد أتباع أغرونا أو حتى فتاةً من ألاكريان هي من دمّرت وطننا وقتلت الملايين من شعبنا. لا، كان هذا أزوراس.”

“بالحديث عن سيريس،” بدأتُ باستقصاء، متابعة كايدن. أبقت مايليس ذراعها مشدودة بقوة من خلال ذراعه لدعم ساقه المصابة.

توقف الحديث. بدلًا من التحدث، شاهدنا بهدوء بينما استمر الآخرون في التدفق.

“ها هي،” أجاب ألاريك، ناظرًا حوله كما لو كانت مختبئة في الحشد الصغير. “أعتقد أننا ننتظر ضيوفنا من الأعلى.” نظر إليّ بنظرة متآمرة. “وصديقنا غراي؟ هل سمعتِ أي شيء عنه؟”

في الجهة المقابلة من القاعة، لاحظتُ بعضًا من الأزوراس يحدّقون في مورداين، الجالس وحيدًا مع تيسيا على المقعد السفلي.

هززتُ رأسي. “لا شيء.”

نزلت سيريس إلى المنصة المركزية الصغيرة. ساد الصمتُ القاعةَ وهي تُحدّق حولها، بادئةً ومنتهيةً بالألاكريين. “أهلًا بكم، ممثلو ديكاثين، ألاكريا، وأفيتوس. نجد أنفسنا معًا لأول مرة على الإطلاق، وفي أوقاتٍ غير مسبوقةٍ تمامًا.”

أومأ برأسه قبل أن يجلس قرب كايدن ومايليس. عبرتُ الغرفة وحدي إلى نظرائنا الديكاثيين.

صرخ دورجار سيلفرشيل، وضرب المقعد بجانبه بقبضة سميكة، “ما أسهل أن يدّعي كل من الألاكريين والأفيتوسيين الجهل والبراءة. إذًا يجب أن تُغفر لكم جميع جرائم الماضي لمجرد أن قادتكم السابقين قد ماتوا؟ القادة الذين اتبعتهم؟ لم يمضِ وقت طويل منذ أن خان ملك وملكة الأقزام دارف لأغرونا، وكان هناك الكثير منا الذين قاوموا خيانتهم! كل رجل وامرأة مسؤول عن قراراته، أوامر أم لا!”

نهض فيريون وقابلني في منتصف الطريق. ارتسمت على وجه الإلف العجوز ابتسامة متعبة، لكنه حيّاني بحرارة، ممسكًا بيديّ بكلتا يديه وضغط عليها برفق.

قلتُ، “إن لم تُعاملهيم كحكام، فربما لن يُعاملوك كأدنى.”

“فيريون. أتمنى ألا تكون الرحلة صعبة للغاية؟”

كان من الغريب رؤية المقابر الأثيرية المألوفة مُرتبة بهذه الطريقة غير المألوفة. كانت هناك مبانٍ أعرفها بجوار مبانٍ لا أعرفها، وكلها تقريبًا بتصميم مختلف عما كانت عليه قبل بوابات الصعود. لم نرَ سوى جنود ومسؤولين من جمعية الصاعدين. على الأرجح، كنتُ أُقيّم الوضع. وحتى حدَّ ذلك بسبب الاجتماع الذي كنتُ في طريقي لحضوره.

ضحك بخفة وعبث بشعره، الذي بدا متطايرًا بعض الشيء رغم محاولة أحدهم انتزاعه. “رحلة طويلة كالعنقاء، لكن كان من الممكن أن تكون أسوأ.”

قادت سيريس موكبهم، مما رسّخ وجود الأزوراس في ذهني. أومأت برأسها بخفة وهم يقتربون. “وهذا أحد ممثلي ألاكريان الآخرين. كايرا دينوار، أهلًا بكِ بين اللوردات الكبار ومجموعة من ورثتهم.”

ابتسمتُ له ابتسامة عريضة. “ألم ترغب في استكشاف المقابر الأثيرية؟ قيل لي إن برجنا متصل ببرجك.”

مرّت موجة من نظرات الارتياح على الأزوراس، لكن لم يتحدّث أيّ منهم.

تمتم، رافعًا حاجبه، ونظر حوله كما لو كان يتأمل الطابق الأول المترامي الأطراف خارج قاعة المحكمة. “أعتقد أنه من الأفضل تركه لأشخاص أصغر سنًا وأكثر نشاطًا.”

انحنت لتتحدث إليّ بهدوء. “لستُ متأكدةً مما توقعتُ، ولكن…” هدأت، رافعةً حاجبيها في حيرة.

“وأين هؤلاء العنقاء؟”

“كايدن،” قلتُ بينما كنا نلحق به. ضغطتُ على ساعده مُرحّبة، فأومأ لنا إيماءة عميقة.

“أوه، في مكان ما هنا،” قال وهو يهز كتفيه. “كان مورداين متشوقًا لمعرفة المزيد عن البرج قبل بدء اجتماعنا. أعتقد أنه ربما يكون متوترًا أيضًا من مواجهة الأزوراس الآخرين وجهًا لوجه، مع أنني مستبعد أن أتخيل مشاعر كائن أعلى.”

كان رد الفعل على ظهوره بيننا “الأدنى” أكثر تباينًا. من حولي، تحرك بقية الألاكريين بخطوات مترددة. ابتسم ألاريك لآرثر، وهو يتمتم بكلمات “متباهي”، لكن معظم البقية كانوا منزعجين بشكل واضح من وجوده.

لاحظتُ يدًا تتجه نحو وركه، تفركه بغفلة كما لو كان يؤلمه. أشرتُ إلى المقاعد وسألته، “هل ترغب بالجلوس؟”

وبينما كان يستنشق نفسًا ليواصل هديره، انحرف الهواء. كان شيئًا خفيًا، لكن النفس هبت من رئتي راديكس، وتبخر معها كل ما كان ينوي قوله. بدأ العملاق يدير رأسه، باحثًا عن شيء ما وهو يتقلص إلى حجمه السابق.

نظر إليّ نظرة حزينة لكن مُقدّرة، وجلسنا وتبادلنا أطراف الحديث لبعض الوقت، في انتظار وصول الآخرين. أشار إلى كل من لم أكن أعرفه بالفعل، شارحًا من هم وما دورهم. مع أنني لم أتطرق لموضوع آرثر، إلا أن فيريون لاحظ فضولي المتردد، لكنه لم يستطع سوى هز رأسه والاعتراف بأنه لم يسمع أكثر مما سمعت.

“أوه، في مكان ما هنا،” قال وهو يهز كتفيه. “كان مورداين متشوقًا لمعرفة المزيد عن البرج قبل بدء اجتماعنا. أعتقد أنه ربما يكون متوترًا أيضًا من مواجهة الأزوراس الآخرين وجهًا لوجه، مع أنني مستبعد أن أتخيل مشاعر كائن أعلى.”

من طرف عيني، رأيت تيسيا إيراليث تُخرج نفسها من محادثة أخرى وتأتي للانضمام إلينا. كانت الإلف الصغيرة جميلةً بحق في ثوبها الزمرديّ الفخم المُطرّز بتطريز فضيّ يتناسب مع لون شعرها. ومع ذلك، تحت اللمعان والبريق، لم يسعني إلا أن أعتقد أنها بدت مُرهقةً للغاية.

ظننتُ أن فيريون كان محقًا. بدا العنقاء متوترًا.

قلتُ بعد أن تبادلنا التحية المهذبة وجلست بجانب جدها، “إذن، لقد رأيتِ كل هذا عن كثب في الوقت الفعلي. كان من الرائع مشاهدته وهو يرتفع من بعيد. لا أستطيع تخيل أن أكون في خضمه.”

“أوه، في مكان ما هنا،” قال وهو يهز كتفيه. “كان مورداين متشوقًا لمعرفة المزيد عن البرج قبل بدء اجتماعنا. أعتقد أنه ربما يكون متوترًا أيضًا من مواجهة الأزوراس الآخرين وجهًا لوجه، مع أنني مستبعد أن أتخيل مشاعر كائن أعلى.”

غمضت عينا تيسيا نظرة بعيدة، وصمتت لبضع ثوانٍ قبل أن تجيب. “أتمنى لو أستطيع وصفه لكِ، لكن حقيقة الأمر أغرب بكثير مما يمكن للكلمات أن تنقله.”

سألت الأزوراس الخافتة، نيفيل إيريند، بنبرةٍ مُتسائلةٍ مُرتجلة، “لماذا المنبوذ هنا؟”

انتظرتُها أن تُكمل. عندما لم تفعل، قلتُ، “وآمل أن يتعافى آرثر جيدًا؟ لا بد أن هذا الإنجاز قد تركه محطمًا.”

مرّت موجة من نظرات الارتياح على الأزوراس، لكن لم يتحدّث أيّ منهم.

شحب وجه تيسيا عند كلماتي، ومع أنني قصدتُ ببساطة أنه لا بد أنه كان منهكًا، إلا أنني شعرتُ بخوفٍ مُزعج ينمو بداخلي.

شحب وجه تيسيا عند كلماتي، ومع أنني قصدتُ ببساطة أنه لا بد أنه كان منهكًا، إلا أنني شعرتُ بخوفٍ مُزعج ينمو بداخلي.

توقف الحديث. بدلًا من التحدث، شاهدنا بهدوء بينما استمر الآخرون في التدفق.

لاحظتُ يدًا تتجه نحو وركه، تفركه بغفلة كما لو كان يؤلمه. أشرتُ إلى المقاعد وسألته، “هل ترغب بالجلوس؟”

بعد وقت قصير من وصولي ومايليس، دخل أوغسطين رامسير والمربية أميلي بيلروز معًا، تبعهما هارلو إيديفان، كبير السحرة في قاعة نيرمالا.

ارتعشت شفتاي. تفصيل رائع يا آرثر.

لقد فوجئت برؤية القاضية العليا سيرافينا ديسماريس، الزعيمة ذات الشعر الناري لأنظمة محاكم المقابر، حيث لم تكن مدرجة في قائمة الحاضرين الذين تلقيتهم. على الرغم من أنني لم أكن أعرف المرأة شخصيًا، إلا أنني عرفتها من خلال سُمعتها، بما في ذلك أنها تدخلت لمساعدة آرثر عندما حاول آل غرانبيل رشوة المحاكم ضده، وكنت متأكدة من أن صوتها سيكون موضع ترحيب.

قلت لفيريون وتيسيا، “معذرةً.” قبل أن أصعد إلى الطبقات العليا لمقابلته عند الباب. “أوريل. لم أكن متأكدة من أنك ستنجو. مع ذلك، أنا سعيدة لأنك نجحت، لأن…” اضطررتُ لابتلاع ريقي قبل أن أواصل. “أنا آسفة بشأن إينولا. كانت شابة رائعة وساحرة بارعة. يؤلمني معرفة أنها رحلت.”

عندما دخل أوريل فروست قاعة المحكمة، التوت معدتي بشكل غير مريح.

ابتسمتُ بسخرية لألاريك، المرتدي ملابس أنيقة كتاجر ثري. “دارين أجبرك على تغيير ملابسك، كما أرى.”

قلت لفيريون وتيسيا، “معذرةً.” قبل أن أصعد إلى الطبقات العليا لمقابلته عند الباب. “أوريل. لم أكن متأكدة من أنك ستنجو. مع ذلك، أنا سعيدة لأنك نجحت، لأن…” اضطررتُ لابتلاع ريقي قبل أن أواصل. “أنا آسفة بشأن إينولا. كانت شابة رائعة وساحرة بارعة. يؤلمني معرفة أنها رحلت.”

التفتُّ لأشاهده وهو يرحل، والذنب ينهش أحشائي. لقد هبت إينولا لنجدتي في المعركة؛ لو لم تفعل، لربما لا تزال على قيد الحياة. وربما كنتُ ميتى، لكن هذا التفكير لا يوصلنا إلى أي مكان.

حدّق بي لفترة طويلة جدًا. “أجل. حسنًا. أعتقد أن اليوم هو فرصتنا للتأكد من أن تضحيتها تستحق العناء.” ثم مرّ بي ونزل نحو حيث تجمع الألاكريون الآخرون.

“بكلّ المقاييس، كان مُصابًا بجنون العظمة يُمثّل دور الطاغوت!” صاحت ستويا، وهي تعقد ذراعيها وتحدّق في الأزوراس بلا خوف.

التفتُّ لأشاهده وهو يرحل، والذنب ينهش أحشائي. لقد هبت إينولا لنجدتي في المعركة؛ لو لم تفعل، لربما لا تزال على قيد الحياة. وربما كنتُ ميتى، لكن هذا التفكير لا يوصلنا إلى أي مكان.

ابتسمت الديكاثينية حمراء العين لآرثر وهزت رأسها هزة خفيفة، كما لو كانت تشارك نوعًا من النكتة الداخلية.

عاد مورداين أسكليبيوس إلى الغرفة بعد ذلك بوقت قصير، وعلى كتفه بومة خضراء مقرنة. فوجئتُ برؤيته قد جاء وحيدًا، دون أي شخص آخر من عشيرته. على أقل تقدير، كنت آمل أن يحضر تشول معه، لأتمكن من استجواب العنقاء حول آرثر. قدّم مورداين تحية مهذبة لكن سطحية لجميع الحاضرين، ثم انزوى جانبًا.

ضحكتُ رغم توتري، وهو ما توقعتُ أنه السبب وراء تصرفها الوقح. “ليتكِ تستطيعين الآن التخلص من عادة اللجوء إلى فريترا في كل شيء.”

ظننتُ أن فيريون كان محقًا. بدا العنقاء متوترًا.

 

أثار اهتمامي أن تيسيا، بعد دقائق قليلة، غادرت جانب فيريون لتجلس مع مورداين. تحدثا بصوت خافت لم يصل إلى حيث وقفت، قرب الباب في أعلى مستوى من مقاعد قاعة المحكمة.

توقفنا أمام الأبواب الأمامية في اللحظة التي كانت تغادر فيها عربة أخرى. لمحتُ كايدن أفيليون يعرج صعودًا على الدرج، حيث استقبله مُرحّب وأُرشد إلى الداخل، مع توجيهات على الأرجح إلى الغرفة الصحيحة.

توقف هدير الحديث الخافت عندما أحسسنا جميعًا بعلامات مانا تقترب بقوة هائلة.

عندما دخل أوريل فروست قاعة المحكمة، التوت معدتي بشكل غير مريح.

تراجع المرحّب عن الباب، وظلّ الجميع ثابتين في أماكنهم، فدخلتُ الردهة. على الفور، استقبلني مشهدٌ سريالي.

قادت سيريس موكبهم، مما رسّخ وجود الأزوراس في ذهني. أومأت برأسها بخفة وهم يقتربون. “وهذا أحد ممثلي ألاكريان الآخرين. كايرا دينوار، أهلًا بكِ بين اللوردات الكبار ومجموعة من ورثتهم.”

اقتربت مجموعة من الأزوراس في موكب مهيب. يرتدون ملابس رائعة بألوان قوس قزح وأقمشة متدفقة لم أستطع حتى تسميتها، ومع ذلك، كان الأشخاص أنفسهم هم من برزوا. على وجه الخصوص، ثبت نظري على امرأة غريبة، صغيرة الحجم ذات بشرة زرقاء فاتحة، كانت تتمايل في الردهة رأسًا على عقب، تحدق باهتمام شديد في حجارة الأرضية.

توقف الحديث. بدلًا من التحدث، شاهدنا بهدوء بينما استمر الآخرون في التدفق.

قادت سيريس موكبهم، مما رسّخ وجود الأزوراس في ذهني. أومأت برأسها بخفة وهم يقتربون. “وهذا أحد ممثلي ألاكريان الآخرين. كايرا دينوار، أهلًا بكِ بين اللوردات الكبار ومجموعة من ورثتهم.”

قالت مايليس ساخرة، قافزة من العربة برشاقة —وإهمال— صاعدة، “حسنًا، هل أنت مستعدة لمواجهة الحكام؟”

لم تُقدّمهم مباشرةً، بل سارعت إلى قاعة المحكمة قبلهم، حيث بدأت تُعلن أسماءهم بصوت عالٍ وهم يمرّون من أمامي واحدًا تلو الآخر. أومأ بعضهم لي باحترام، بينما اكتفى آخرون بالابتسام مُرحّبين، بينما دخل زوجان قاعة المحكمة بثقة دون أن يُلقيا نظرةً تُذكر إليّ.

 

جلس اللوردات الكبار —ممثلون عن كل عرق من أعراق الأزوراس، باستثناء التنانين— في الصف الأعلى في قسمٍ لم يكن يشغله أحدٌ غيرهم آنذاك. أما الورثة، فافترضتُ من مظهرهم الأصغر سنًا، فقد جلسوا في الصفوف أمام لورداتهم.

شحب وجه تيسيا عند كلماتي، ومع أنني قصدتُ ببساطة أنه لا بد أنه كان منهكًا، إلا أنني شعرتُ بخوفٍ مُزعج ينمو بداخلي.

بعد أن دخلوا جميعًا، تبعتهم وعدتُ إلى قسم ألاكريان، وجلستُ بجانب مايليس.

هز كايدن كتفيه واتخذ الخطوة الأولى على المقاعد المتدرجة بشكل أخرق. “أوه، من يستطيع تتبع ذلك.”

انحنت لتتحدث إليّ بهدوء. “لستُ متأكدةً مما توقعتُ، ولكن…” هدأت، رافعةً حاجبيها في حيرة.

ارتطم كتفٌ بكتفي بشدة، فتعثرتُ للأمام. “هيا يا ملكة دينوار، الوقوف والتحديق لن يُوصلنا إلى أي مكان.”

نزلت سيريس إلى المنصة المركزية الصغيرة. ساد الصمتُ القاعةَ وهي تُحدّق حولها، بادئةً ومنتهيةً بالألاكريين. “أهلًا بكم، ممثلو ديكاثين، ألاكريا، وأفيتوس. نجد أنفسنا معًا لأول مرة على الإطلاق، وفي أوقاتٍ غير مسبوقةٍ تمامًا.”

غمضت عينا تيسيا نظرة بعيدة، وصمتت لبضع ثوانٍ قبل أن تجيب. “أتمنى لو أستطيع وصفه لكِ، لكن حقيقة الأمر أغرب بكثير مما يمكن للكلمات أن تنقله.”

في الجهة المقابلة من القاعة، لاحظتُ بعضًا من الأزوراس يحدّقون في مورداين، الجالس وحيدًا مع تيسيا على المقعد السفلي.

التفتُّ لأشاهده وهو يرحل، والذنب ينهش أحشائي. لقد هبت إينولا لنجدتي في المعركة؛ لو لم تفعل، لربما لا تزال على قيد الحياة. وربما كنتُ ميتى، لكن هذا التفكير لا يوصلنا إلى أي مكان.

تابعت سيريس، “لقد اختارنا أقراننا للدفاع عن احتياجات منازلنا وشعبنا. لنتّحد معًا في رسم معالم عالمنا الجديد المشترك. ولنضمن إخماد نيران الحرب ومنع اشتعالها مجددًا. نحن هنا كممثلين لشعبنا وكنظراء لبعضنا البعض. لسنا مُستبدين نطالب، بل جيران نتفق.”

لكن على الرغم من إرهاقه الواضح، لم ينزعج آرثر من سيد الأزوراس الآخر. “أنا مندهش يا أديمير. كنت أتوقع منك أن تُعارض ذلك بشدة، وأعتقد أنك تعرف السبب. العالم الآن أكبر من أن يتسع للملوك. كان حكم كيزيس خالدًا وحازمًا. ما يحتاجه العالم الآن هو تنوع في الأفكار والأصوات، لتمثيل المشهد الجديد لسكانه. لا أحد يستطيع فهم عمق وتنوع هذا التنوع في الشعوب. لهذا السبب أنتم جميعًا هنا اليوم. عليكم أن ترسموا الطريق لشعوبكم معًا. جدوا طريقة للعمل معًا، للحفاظ على السلام، لبناء أوطانكم جنبًا إلى جنب، لا على حساب بعضكم البعض.”

كنتُ أنظر إلى الأزوراس، إذ وجدتُ صعوبةً في إبعاد نظري عنهم، فرأيتُ بوضوحٍ بعضهم يتبادلون نظراتٍ غامضة —بل ومقلقةً أكثر— قاتمة. لم أظنّ أنهم جميعًا كانوا متحمسين أو مستعدين للمساواة مع من كانوا يُسمّونهم “أدنى” قبل فترةٍ ليست ببعيدة.

“وأين هؤلاء العنقاء؟”

سألت الأزوراس الخافتة، نيفيل إيريند، بنبرةٍ مُتسائلةٍ مُرتجلة، “لماذا المنبوذ هنا؟”

“كايدن،” قلتُ بينما كنا نلحق به. ضغطتُ على ساعده مُرحّبة، فأومأ لنا إيماءة عميقة.

قبل أن تُجيب سيريس، نهضت تيسيا إيراليث. صعدت على المقاعد المُتدرجة لتقف على صفٍّ أعلى، تنظر إلى الأزوراس بثبات. “دافع مورداين من عشيرة أسكليبيوس بشجاعة عن ديكاثين في الأيام الأخيرة. عرض علينا صداقته بحماس وعلنية، دون أن يطلب مقابلًا. لفترة أطول من عمرنا، شاركنا هو وشعبه قارتنا بهدوء، والآن، اليوم، يجب اعتباره ممثلًا لديكاثين، كأي فرد منا.”

سار في دائرة صغيرة، يتجول حول سيريس ساكنة، لا ينظر إلينا بل يحدق في المسافة المتوسطة.

انحنى الأزوراس ذو البشرة الداكنة والشعر البرتقالي الدخاني، نوفيس أفينييس، وتحدث إلى جاره، الذي سمته سيريس راي كوثان. شعرتُ بشعرات صغيرة على مؤخرة رقبتي تنتصب عند ارتعاش توقيعات المانا المضطربة. كان نوفيس هو من وقف. نظر إلى مورداين بمزيج من القلق والغضب والأمل. “نقبل وجود عشيرة أسكليبيوس، ومستعدون للاستماع إلى إخواننا المفقودين. ربما في مكان أنسب عندما تُؤدى واجباتنا الحالية.” خفّ صوته، وأصبح أقل رسمية. “مورداين، صديقي القديم. أنا… سعيد برؤيتك. تفضل بزيارتنا في فيذرووك إيري في الأيام القادمة.”

عدد كلمات الفصل: 4400

تلاشى التوتر من مورداين، وبدا وكأنه يشعّ بنور داخلي. ضغطت تيسيا على يده داعمةً إياه، وانحنت لتتحدث معه بهدوء. عبستُ قليلًا، فقد وجدتُ قربهما مثيرًا للاهتمام، وللأمانة، مقلقًا. على الرغم مما قلتُه لمايليس، كان من مسؤوليتنا فهم احتياجات بعضنا البعض —ونقاط ضعفنا— ورؤية الرابطة الوثيقة التي تتشكل بالفعل بين عشيرة العنقاء المتمردة والإلف غيّرت ديناميكية السلطة في الغرفة.

سار في دائرة صغيرة، يتجول حول سيريس ساكنة، لا ينظر إلينا بل يحدق في المسافة المتوسطة.

“الآن، ربما نستطيع بدء هذا العرض،” قالت امرأة قزمة —ستويا، كما أخبرني فيريون— بلهجتها الفيلدوريالية الغليظة. “هناك الكثير لمناقشته، ورحلة طويلة جدًا للعودة إلى الوطن بعد ذلك دون أن تعمل بوابات النقل الآني.”

سأل بنبرة ساخرة، “هل هو خطأك أنني هنا؟” أو على الأقل، ظننتُ أنه يُبالغ. كان من الصعب دائمًا معرفة ما يُفكّر فيه. “بالتأكيد لم أزعجك بما يكفي خلال فترة عملنا القصيرة في الأكاديمية المركزية لبذلكذ جهدًا لمعاقبتي هكذا.”

“أعتقد أنه من العدل أن نبدأ ببعض الضمانات،” قالت أميلي بيلروز. على الرغم من سنها، كان صوتها قويًا وخفيف الحركة في أرجاء الغرفة، رغم أنها لم تقف. “أفعال أغرونا تخصه وحده. هذا الهجوم الذي جرّ أفيتوس إلى عالمنا —أو أيًا كان ما حدث— كان بمثابة عمل حربي ضد شعب ألاكريا تمامًا كما فعلتم أنتم أيها الأزوراس. أود أن أسمع من مصدر موثوق أننا في مأمن من الانتقام من عشيرة فريترا. لقد ماتوا جميعًا الآن، أليس كذلك؟” أنهت كلامها بإيماءة حازمة كما لو أنها قدمت حجة دامغة ضد أي عداء مستقبلي.

واحد مليء بالوحوش. والآخر بالطواغيت.

وقف راي كوثان، وعيناه الحمراوان تتوهجان. كان الأمر صادمًا، رؤية باسيليسك ليس من فريترا. طوال حياتي، مثل الملوك سيفًا ذا حدين، سلاح الرعب والسلطة. غريزيًا، وربما ظلمًا، وجدت نفسي أكره هذا السيد العظيم.

 

بدأ كلامه، وقد فاضت نبرته بمرارة عميقة، “لا يمكن للجندي أن يختبئ وراء ذريعة الواجب. ودم فريترا الشرير يجري في عروق كل ألاكريان. الجرائم التي ارتُكبت هنا—”

لكن على الرغم من إرهاقه الواضح، لم ينزعج آرثر من سيد الأزوراس الآخر. “أنا مندهش يا أديمير. كنت أتوقع منك أن تُعارض ذلك بشدة، وأعتقد أنك تعرف السبب. العالم الآن أكبر من أن يتسع للملوك. كان حكم كيزيس خالدًا وحازمًا. ما يحتاجه العالم الآن هو تنوع في الأفكار والأصوات، لتمثيل المشهد الجديد لسكانه. لا أحد يستطيع فهم عمق وتنوع هذا التنوع في الشعوب. لهذا السبب أنتم جميعًا هنا اليوم. عليكم أن ترسموا الطريق لشعوبكم معًا. جدوا طريقة للعمل معًا، للحفاظ على السلام، لبناء أوطانكم جنبًا إلى جنب، لا على حساب بعضكم البعض.”

“أبي،” قال الباسيليسك الأصغر، ريڤين، بإلحاح، وهو يمسك بمرفق والده. “تحدثنا عن هذا. هؤلاء الناس—”

“كان أحد أتباع أغرونا هو من قتل ابنة عمي أليا،” هكذا قالت الإلف، ساريا تريسكان، في صمتٍ أجوف عقب إفادتي. “لكن لم يكن أحد أتباع أغرونا أو حتى فتاةً من ألاكريان هي من دمّرت وطننا وقتلت الملايين من شعبنا. لا، كان هذا أزوراس.”

وقفتُ فجأةً، مُفاجئة حتى نفسي. “أنت مُحق يا سيد كوثان.” ارتجف صوتي قليلًا. أخذتُ لحظةً لأُهدئ نفسي، وأعود إلى ساعات التدريب الطويلة. “كلُّ ألاكريان وُلِد في آلة حرب. إما أن نكون وقودًا، أو أسلحةً، وهذا كل ما رآنا عليه قادتنا من الباسيليسك.”

لم تُقدّمهم مباشرةً، بل سارعت إلى قاعة المحكمة قبلهم، حيث بدأت تُعلن أسماءهم بصوت عالٍ وهم يمرّون من أمامي واحدًا تلو الآخر. أومأ بعضهم لي باحترام، بينما اكتفى آخرون بالابتسام مُرحّبين، بينما دخل زوجان قاعة المحكمة بثقة دون أن يُلقيا نظرةً تُذكر إليّ.

عبس أوريل فروست، وحدّق هارلو إيديفان بحزنٍ في يديه.

وبينما كان يستنشق نفسًا ليواصل هديره، انحرف الهواء. كان شيئًا خفيًا، لكن النفس هبت من رئتي راديكس، وتبخر معها كل ما كان ينوي قوله. بدأ العملاق يدير رأسه، باحثًا عن شيء ما وهو يتقلص إلى حجمه السابق.

“ومع ذلك، من هنا عانى على يد أغرونا أكثر من شعبه؟” تجوّلتُ بنظري في الغرفة بثبات. “كيف لا نُقاتل وثمن الرفض هو تدمير كل ما نُقدّره؟” ركّزتُ على تيسيا. “كانت هناك شابة تُدعى سيرس. عندما تلقت أول رونية لها، سُميت حارسة، وأُخذت من عائلتها، وأُجبرت على الالتحاق بمدرسة عسكرية. تركت وراءها أخًا أصغر، صبيًا ضعيفًا ومريضًا. كانت

“كما شرحت، لم أراسل آرثر كل هذا،” قاطعتها، مشيرًا إلى المقابر الأثيرية من حولنا. “ومن فضلك توقفي عن مناداته بذلك. لسنا… معًا.”

الطريقة الوحيدة للحصول على المساعدة التي يحتاجها شقيقها هي إثبات جدارتها في الحرب. قادت يائسةً مجموعة من محاربي ألاكريان عبر غابة إلشاير، راسمةً طريقًا إلى إلينور. لم يكن هدفها قتل الإلف، بل إنقاذ شقيقها.” أطرقتُ رأسي. “كان نجاحها نقطة تحول في الحرب بأكملها، مما أسفر عن مقتل ملايين الإلف. لكن الآن، هناك صبيٌّ لا يزال على قيد الحياة.”

غمضت عينا تيسيا نظرة بعيدة، وصمتت لبضع ثوانٍ قبل أن تجيب. “أتمنى لو أستطيع وصفه لكِ، لكن حقيقة الأمر أغرب بكثير مما يمكن للكلمات أن تنقله.”

“لا أحد سيلوم أي ديكاثيني حاضر على كرهها. لكنها لم تُمنح أبدًا خيارًا في كيفية تطور حياتها، والقرار الذي اتخذته كان قرارًا أعتقد أن أيًا منا سيتخذه نيابةً عنها.” كان الصمت يلف الغرفة كصمت المقبرة. لم أتراجع عندما حدقت تيسيا إيراليث في عينيّ. “إن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال جرائم الحرب” —ثم تحول تركيزي إلى اللورد كوثان— “ولكن من المهم أن نلقي اللوم على أولئك الذين ارتكبوها بالفعل.”

كان لذكر اسم آرثر تأثيرٌ مُهدئٌ على القاعة.

“كان أحد أتباع أغرونا هو من قتل ابنة عمي أليا،” هكذا قالت الإلف، ساريا تريسكان، في صمتٍ أجوف عقب إفادتي. “لكن لم يكن أحد أتباع أغرونا أو حتى فتاةً من ألاكريان هي من دمّرت وطننا وقتلت الملايين من شعبنا. لا، كان هذا أزوراس.”

اقتربت مجموعة من الأزوراس في موكب مهيب. يرتدون ملابس رائعة بألوان قوس قزح وأقمشة متدفقة لم أستطع حتى تسميتها، ومع ذلك، كان الأشخاص أنفسهم هم من برزوا. على وجه الخصوص، ثبت نظري على امرأة غريبة، صغيرة الحجم ذات بشرة زرقاء فاتحة، كانت تتمايل في الردهة رأسًا على عقب، تحدق باهتمام شديد في حجارة الأرضية.

“وقتله هذا الفعل!” دوّى صوتٌ حادٌّ في أرجاء قاعة المحكمة، يهزّ ثريات الحديد المطاوع التي كانت تحمل تحف الإضاءة فوقنا. قفز أزوراس طويلٌ جدًا ذو عيونٍ متعددة، مُرسلًا موجةً من المانا. بدا أديمير ثييستس، قادرًا على التحديق في جميع الحاضرين دفعةً واحدة بعينيه الست. “ومثل هذه الفتاة التي تتحدثين عنها، كان جنديًا —شخصًا كرّس سنواتٍ لخدمة سيده أكثر من عمر جنسكم بأكمله!— وكان هو أيضًا يُنفّذ أوامر رجلٍ ميت.”

حدّق بي لفترة طويلة جدًا. “أجل. حسنًا. أعتقد أن اليوم هو فرصتنا للتأكد من أن تضحيتها تستحق العناء.” ثم مرّ بي ونزل نحو حيث تجمع الألاكريون الآخرون.

“جميعنا ملطخون بالدماء.”

“جميعنا ملطخون بالدماء.”

توجهت جميع الأنظار نحو فيريون، الذي وقف وسار نحو المنصة المركزية، حيث كانت سيريس لا تزال واقفة، بعد أن التزم الصمت حتى ذلك الحين. “كل فصيل في هذه الغرفة جرح فصيلًا آخر. قاتل الإلف البشر والأقزام على حد سواء في حروب طويلة ومريرة. كل منقطة ممثلة هنا خاضت حربًا مع جيرانها في وقت ما، أو هكذا قيل لي. وبين الأزوراس، ألم يكن هناك صراع رهيب بين التنانين والعنقاء منذ وقت ليس ببعيد، حسب تقديركم، على الأقل؟”

 

سار في دائرة صغيرة، يتجول حول سيريس ساكنة، لا ينظر إلينا بل يحدق في المسافة المتوسطة.

ضحك بخفة وعبث بشعره، الذي بدا متطايرًا بعض الشيء رغم محاولة أحدهم انتزاعه. “رحلة طويلة كالعنقاء، لكن كان من الممكن أن تكون أسوأ.”

في الجوار، تمتمت سيرافينا ديسماريه بشيء لأوغسطين رامسير، متسائلة عن هوية فيريون.

قفز العملاق، راديكس جراندوس، واقفًا، يتضاعف حجمه بين أنفاسه. انضغطت المانا حوله، متقلصةً داخل الحجرة ككماشة.

“إذا أصررنا على الانتقام من جرائم الموتى، فلن ينتهي القتال أبدًا، وبدلًا من ازدهار الحضارات، سيشق ورثتنا طريقهم عبر حطام ممزق لا يعرفون سوى الموت والمعركة.” أخيرًا، رفع بصره. ألقى نظرةً لطيفةً على ساريا تريسكان، مُظهرًا أنه لا يحمل لها ضغينةً تجاه كلماتها، ثم حوّل تركيزه على الأزوراس. “نحن مدينون لأنفسنا بالأفضل. وأولئك الذين يعتمدون علينا، وسيأتون بعدنا. لم يُنقذ آرثر ليوين أراضينا الثلاث لنُهاجم بعضنا البعض الآن، في أعقاب انتصاره.”

ارتعشت شفتاي. تفصيل رائع يا آرثر.

كان لذكر اسم آرثر تأثيرٌ مُهدئٌ على القاعة.

توقفنا أمام الأبواب الأمامية في اللحظة التي كانت تغادر فيها عربة أخرى. لمحتُ كايدن أفيليون يعرج صعودًا على الدرج، حيث استقبله مُرحّب وأُرشد إلى الداخل، مع توجيهات على الأرجح إلى الغرفة الصحيحة.

وقف تنينٌ شابٌّ ذو شعرٍ وردي، أُعلن عنه فيريا من عشيرة إنثيرا، وألقى على أديمير نظرةً مُطمئنةً. “لقد أُنجر الكثير باسم أفيتوس وجنس الأزوراس لم نعرفه قط، وبالتأكيد لم نوافق عليه. بالنسبة لمعظمنا، هُمش العالم القديم إلى أسطورةٍ قديمة. ليس هذا عذرًا بالطبع، ولكننا أُبقينا عمدًا في الظلام بشأن عالمكم.”

هززتُ رأسي. “لا شيء.”

وقفت زيلينا، وريثة ليفياثان الشرسة، بجانبها، وشعرها يرفرف حولها كما لو كان عالقًا في تيار قوي. “لقد أخفى كيزيس إندراث الكثير مما فعله هنا حتى عن بقية اللوردات الكبار الثمانية. جرائمه ضدكم فظيعة، وإذا استطاعت عشيرة إكلياه مساعدتكم في إعادة البناء، فسنفعل. لكننا لن نتحمل عبء جميع جرائم حرب تنين ميت.”

فعل الجميع حولي الشيء نفسه.

صرخ دورجار سيلفرشيل، وضرب المقعد بجانبه بقبضة سميكة، “ما أسهل أن يدّعي كل من الألاكريين والأفيتوسيين الجهل والبراءة. إذًا يجب أن تُغفر لكم جميع جرائم الماضي لمجرد أن قادتكم السابقين قد ماتوا؟ القادة الذين اتبعتهم؟ لم يمضِ وقت طويل منذ أن خان ملك وملكة الأقزام دارف لأغرونا، وكان هناك الكثير منا الذين قاوموا خيانتهم! كل رجل وامرأة مسؤول عن قراراته، أوامر أم لا!”

لم تُقدّمهم مباشرةً، بل سارعت إلى قاعة المحكمة قبلهم، حيث بدأت تُعلن أسماءهم بصوت عالٍ وهم يمرّون من أمامي واحدًا تلو الآخر. أومأ بعضهم لي باحترام، بينما اكتفى آخرون بالابتسام مُرحّبين، بينما دخل زوجان قاعة المحكمة بثقة دون أن يُلقيا نظرةً تُذكر إليّ.

كان هناك اتفاقٌ فظّ من الحيّ الديكاثيني، بينما ساد الصمت بين الألاكريين من حولي. بالنسبة لي، شعرتُ وكأنّ جميع الأطراف على حقّ في حججهم، لكنّ أيًّا من هذه الحجج لم يكن ليُحقّق غرض هذا الاجتماع. الوقت وحسن النية وحدهما كفيلان ببناء الثقة اللازمة بين الديكاثيّين والألاكريّين وأزوراس أفيتوس.

“ومع ذلك، من هنا عانى على يد أغرونا أكثر من شعبه؟” تجوّلتُ بنظري في الغرفة بثبات. “كيف لا نُقاتل وثمن الرفض هو تدمير كل ما نُقدّره؟” ركّزتُ على تيسيا. “كانت هناك شابة تُدعى سيرس. عندما تلقت أول رونية لها، سُميت حارسة، وأُخذت من عائلتها، وأُجبرت على الالتحاق بمدرسة عسكرية. تركت وراءها أخًا أصغر، صبيًا ضعيفًا ومريضًا. كانت

انقطع الدّمع عندما صاحت موروينا مابيليا، طويلة القامة كشجرة، بحدّة، “لم يكن كيزيس إندراث الوحش الذي يُصوّره. لقد حمى عالمينا منذ ما قبل وجود أيّ من أنواعكم الأدنى، وأخشى أن أفكّر فيما سيحدث لنا الآن وقد أصبحت قوّة أفيتوس الكاملة داخل هذا العالم.”

“كما شرحت، لم أراسل آرثر كل هذا،” قاطعتها، مشيرًا إلى المقابر الأثيرية من حولنا. “ومن فضلك توقفي عن مناداته بذلك. لسنا… معًا.”

قال كايدن في نفسه، “لقد كان مجنونًا مُدمّرًا جماعيًّا.”

كان رد الفعل على ظهوره بيننا “الأدنى” أكثر تباينًا. من حولي، تحرك بقية الألاكريين بخطوات مترددة. ابتسم ألاريك لآرثر، وهو يتمتم بكلمات “متباهي”، لكن معظم البقية كانوا منزعجين بشكل واضح من وجوده.

“بكلّ المقاييس، كان مُصابًا بجنون العظمة يُمثّل دور الطاغوت!” صاحت ستويا، وهي تعقد ذراعيها وتحدّق في الأزوراس بلا خوف.

تابعت سيريس، “لقد اختارنا أقراننا للدفاع عن احتياجات منازلنا وشعبنا. لنتّحد معًا في رسم معالم عالمنا الجديد المشترك. ولنضمن إخماد نيران الحرب ومنع اشتعالها مجددًا. نحن هنا كممثلين لشعبنا وكنظراء لبعضنا البعض. لسنا مُستبدين نطالب، بل جيران نتفق.”

“كفى!”

ارتفعت إحدى حاجبي ألاريك. “هل التقينا؟”

ضربت الكلمة كفأسٍ حاد، شقّت الهواء تاركةً وراءها صمتًا عميقًا.

 

قفز العملاق، راديكس جراندوس، واقفًا، يتضاعف حجمه بين أنفاسه. انضغطت المانا حوله، متقلصةً داخل الحجرة ككماشة.

حدّق بي لفترة طويلة جدًا. “أجل. حسنًا. أعتقد أن اليوم هو فرصتنا للتأكد من أن تضحيتها تستحق العناء.” ثم مرّ بي ونزل نحو حيث تجمع الألاكريون الآخرون.

وبينما كان يستنشق نفسًا ليواصل هديره، انحرف الهواء. كان شيئًا خفيًا، لكن النفس هبت من رئتي راديكس، وتبخر معها كل ما كان ينوي قوله. بدأ العملاق يدير رأسه، باحثًا عن شيء ما وهو يتقلص إلى حجمه السابق.

نزلت سيريس إلى المنصة المركزية الصغيرة. ساد الصمتُ القاعةَ وهي تُحدّق حولها، بادئةً ومنتهيةً بالألاكريين. “أهلًا بكم، ممثلو ديكاثين، ألاكريا، وأفيتوس. نجد أنفسنا معًا لأول مرة على الإطلاق، وفي أوقاتٍ غير مسبوقةٍ تمامًا.”

فعل الجميع حولي الشيء نفسه.

انقطع الدّمع عندما صاحت موروينا مابيليا، طويلة القامة كشجرة، بحدّة، “لم يكن كيزيس إندراث الوحش الذي يُصوّره. لقد حمى عالمينا منذ ما قبل وجود أيّ من أنواعكم الأدنى، وأخشى أن أفكّر فيما سيحدث لنا الآن وقد أصبحت قوّة أفيتوس الكاملة داخل هذا العالم.”

رأته تيسيا أولًا، وتتبعتُ خط نظرتها إلى كوةٍ مظلمة على طول الجدار الخارجي. حتى من بعيد، استطعتُ رؤية الصبغة الذهبية الرقيقة لشعره وعينيه في الظلال.

قد وصل ممثلو ديكاثين بالفعل وتجمعوا في الجانب البعيد من قاعة المحكمة.

خرج آرثر إلى النور بأناقةٍ غير رسمية، مرتديًا ملابس بسيطة: بنطالًا فضفاضًا وقميصًا عاديًا.

كنتُ أنظر إلى الأزوراس، إذ وجدتُ صعوبةً في إبعاد نظري عنهم، فرأيتُ بوضوحٍ بعضهم يتبادلون نظراتٍ غامضة —بل ومقلقةً أكثر— قاتمة. لم أظنّ أنهم جميعًا كانوا متحمسين أو مستعدين للمساواة مع من كانوا يُسمّونهم “أدنى” قبل فترةٍ ليست ببعيدة.

أومأ كبار الأزوراس برؤوسهم احترامًا لآرثر، بينما ارتسمت على وجوه الورثة الأصغر ابتسامات ودية خففها القلق.

 

كان رد الفعل على ظهوره بيننا “الأدنى” أكثر تباينًا. من حولي، تحرك بقية الألاكريين بخطوات مترددة. ابتسم ألاريك لآرثر، وهو يتمتم بكلمات “متباهي”، لكن معظم البقية كانوا منزعجين بشكل واضح من وجوده.

“فيريون. أتمنى ألا تكون الرحلة صعبة للغاية؟”

في الجهة المقابلة لنا، فوجئت إلى حد ما برؤية رد الفعل الحذر نفسه من الديكاثينيين أيضًا. تبادل كورتيس وكاثيلين غلايدر نظرة أوضحت بوضوح أنهما قلقان، بينما ساد الصمت والانطواء بين الأقزام. وقف رفاق آرثر من الرماح باحترام، مفتقدين ابتسامات الترحيب التي اتسم بها الأزوراس الصغار، ولكن أيضًا بدون التوتر على وجوه العديد من الآخرين.

نظر إليّ نظرة حزينة لكن مُقدّرة، وجلسنا وتبادلنا أطراف الحديث لبعض الوقت، في انتظار وصول الآخرين. أشار إلى كل من لم أكن أعرفه بالفعل، شارحًا من هم وما دورهم. مع أنني لم أتطرق لموضوع آرثر، إلا أن فيريون لاحظ فضولي المتردد، لكنه لم يستطع سوى هز رأسه والاعتراف بأنه لم يسمع أكثر مما سمعت.

ابتسمت الديكاثينية حمراء العين لآرثر وهزت رأسها هزة خفيفة، كما لو كانت تشارك نوعًا من النكتة الداخلية.

انقطع الدّمع عندما صاحت موروينا مابيليا، طويلة القامة كشجرة، بحدّة، “لم يكن كيزيس إندراث الوحش الذي يُصوّره. لقد حمى عالمينا منذ ما قبل وجود أيّ من أنواعكم الأدنى، وأخشى أن أفكّر فيما سيحدث لنا الآن وقد أصبحت قوّة أفيتوس الكاملة داخل هذا العالم.”

ربما كان تعبير تيسيا هو الأكثر دلالة، إذ تحوّلت ملامحها الجادة إلى دهشة دامعة، ثمّ إلى ارتياح.

وقفت زيلينا، وريثة ليفياثان الشرسة، بجانبها، وشعرها يرفرف حولها كما لو كان عالقًا في تيار قوي. “لقد أخفى كيزيس إندراث الكثير مما فعله هنا حتى عن بقية اللوردات الكبار الثمانية. جرائمه ضدكم فظيعة، وإذا استطاعت عشيرة إكلياه مساعدتكم في إعادة البناء، فسنفعل. لكننا لن نتحمل عبء جميع جرائم حرب تنين ميت.”

سأل آرثر بصوت خافت لكنه خالٍ من الثقل في صمتٍ مُطبق، “هل أنا متأخر؟” وجّهت عيناه الذهبيتان نظراتهما إلى صفّ الأزوراس الصغار. “آخر المختبئين في بُعد ماير الجيبي قد استُعيدوا للتو، بمن فيهم أمي وأختي.”

وقفتُ فجأةً، مُفاجئة حتى نفسي. “أنت مُحق يا سيد كوثان.” ارتجف صوتي قليلًا. أخذتُ لحظةً لأُهدئ نفسي، وأعود إلى ساعات التدريب الطويلة. “كلُّ ألاكريان وُلِد في آلة حرب. إما أن نكون وقودًا، أو أسلحةً، وهذا كل ما رآنا عليه قادتنا من الباسيليسك.”

مرّت موجة من نظرات الارتياح على الأزوراس، لكن لم يتحدّث أيّ منهم.

“ها هي،” أجاب ألاريك، ناظرًا حوله كما لو كانت مختبئة في الحشد الصغير. “أعتقد أننا ننتظر ضيوفنا من الأعلى.” نظر إليّ بنظرة متآمرة. “وصديقنا غراي؟ هل سمعتِ أي شيء عنه؟”

قال بعد لحظة، مُخاطبًا الحضور، “توقفوا جميعًا عن النظر إليّ كما لو أنكم تتوقعون مني أن أعرف كلّ الإجابات. لقد منحتكم فرصة، لكن الآن عليكم جميعًا استغلال هذه اللحظة.”

نظر إليّ نظرة حزينة لكن مُقدّرة، وجلسنا وتبادلنا أطراف الحديث لبعض الوقت، في انتظار وصول الآخرين. أشار إلى كل من لم أكن أعرفه بالفعل، شارحًا من هم وما دورهم. مع أنني لم أتطرق لموضوع آرثر، إلا أن فيريون لاحظ فضولي المتردد، لكنه لم يستطع سوى هز رأسه والاعتراف بأنه لم يسمع أكثر مما سمعت.

كسر أديمير ثييستس الصمت الذي خيّم على بقية الغرفة، قائلًا، “سيدي آرثر، من سلالة الأركون. لقد صغتَ هذا العالم الجديد للأفضل أو الأسوأ. لا أفهم كيف فعلتَ هذا، وهذا وحده ما يدعم قيادتك. ألن تملأ الفراغ الذي تركه كيزيس وتضمن تحقيق رؤيتك؟”

ابتسمتُ له ابتسامة عريضة. “ألم ترغب في استكشاف المقابر الأثيرية؟ قيل لي إن برجنا متصل ببرجك.”

انظر إليه، أيها الأحمق، فكرتُ، وأنا أغضب نيابةً عن آرثر. إنه متعب. بل منهك. عادت كلمة “مُحطّم” إلى ذهني، وظننتُ أنني فهمتُ رد فعل تيسيا السابق.

توقف الحديث. بدلًا من التحدث، شاهدنا بهدوء بينما استمر الآخرون في التدفق.

لكن على الرغم من إرهاقه الواضح، لم ينزعج آرثر من سيد الأزوراس الآخر. “أنا مندهش يا أديمير. كنت أتوقع منك أن تُعارض ذلك بشدة، وأعتقد أنك تعرف السبب. العالم الآن أكبر من أن يتسع للملوك. كان حكم كيزيس خالدًا وحازمًا. ما يحتاجه العالم الآن هو تنوع في الأفكار والأصوات، لتمثيل المشهد الجديد لسكانه. لا أحد يستطيع فهم عمق وتنوع هذا التنوع في الشعوب. لهذا السبب أنتم جميعًا هنا اليوم. عليكم أن ترسموا الطريق لشعوبكم معًا. جدوا طريقة للعمل معًا، للحفاظ على السلام، لبناء أوطانكم جنبًا إلى جنب، لا على حساب بعضكم البعض.”

“أبي،” قال الباسيليسك الأصغر، ريڤين، بإلحاح، وهو يمسك بمرفق والده. “تحدثنا عن هذا. هؤلاء الناس—”

مرة أخرى، ساد صمتٌ مُريع بعد أن تكلّم آرثر.

مرة أخرى، قشعرتُ. هبَّ نسيم بارد عبر السهول غير الطبيعية التي تشغل الآن معظم جبال ناب الباسيليسك، التي تقلصت إلى دائرة واقية حول البرج.

رأيتُ الافتتاحية، فنهضتُ. “للبناء على ما قاله آرثر، أودُّ مناقشة نوعٍ جديدٍ من الحكم.” نظرتُ حولي، منتظرةً أن تُسحب الوجوه بعيدًا عن آرثر نحوي. “نظامٌ تُسمَع فيه جميع الأصوات بالتساوي، حيثُ تستطيع كلُّ بلدةٍ ومدينةٍ في كلِّ منطقة ضمان تمثيلها وتلبية احتياجاتها.”

“وأين هؤلاء العنقاء؟”

من طرف عيني، لمحتُ ابتسامةً وإيماءةً تقديريةً من آرثر. مدعومًا باهتمامٍ مُتفرِّغٍ من الممثلين المجتمعين، بدأتُ أشرحُ بالتفصيل النظامَ الذي تناقشتُ فيه مع مايليس في رحلتنا الطويلة إلى المقابر الأثيرية.

وُفِّرت عربة ذاتية السحب لي ولمايليس، بينما أُخذ حراس تريمبلاي بعيدًا مع وعد بالاسترخاء والطعام لمساعدتهم على التعافي من الرحلة الطويلة إلى هنا.

عندما نظرتُ في اتجاهه في المرة التالية، كان آرثر قد اختفى.

قلتُ بأقصى ما استطعتُ من أدب، “دون أن يُفهم كلامي على أنه إهانة لمكانتك أو قدراتك يا كايدن… لا، لم أرتب لك حضورك هنا.”

 

التفتُّ لأشاهده وهو يرحل، والذنب ينهش أحشائي. لقد هبت إينولا لنجدتي في المعركة؛ لو لم تفعل، لربما لا تزال على قيد الحياة. وربما كنتُ ميتى، لكن هذا التفكير لا يوصلنا إلى أي مكان.

————————

تابعت سيريس، “لقد اختارنا أقراننا للدفاع عن احتياجات منازلنا وشعبنا. لنتّحد معًا في رسم معالم عالمنا الجديد المشترك. ولنضمن إخماد نيران الحرب ومنع اشتعالها مجددًا. نحن هنا كممثلين لشعبنا وكنظراء لبعضنا البعض. لسنا مُستبدين نطالب، بل جيران نتفق.”

 

 

عدد كلمات الفصل: 4400

“أجل، بدلًا من ذلك، يمكننا أن نتطلع إلى البراعة السياسية الرائعة لكايدن أفيليون وأميلي بيلروز.” توقفت، ومررت لسانها على أسنانها. “هل لاحظتِ سهولة الوقوع في هذه العادة؟ أسنان فريترا، لكن من الجيد ألا تضطر إلى نطق كل هذا الهراء عن ‘الدم’ وما إلى ذلك.”

 

كان هناك اتفاقٌ فظّ من الحيّ الديكاثيني، بينما ساد الصمت بين الألاكريين من حولي. بالنسبة لي، شعرتُ وكأنّ جميع الأطراف على حقّ في حججهم، لكنّ أيًّا من هذه الحجج لم يكن ليُحقّق غرض هذا الاجتماع. الوقت وحسن النية وحدهما كفيلان ببناء الثقة اللازمة بين الديكاثيّين والألاكريّين وأزوراس أفيتوس.

عدد الفصول المتبقية: 4

قلبتُ عينيّ، لكنني تجاهلتُ تصرفاتها الغريبة، واستأنفتُ الاستمتاع بالمناظر بينما نقترب من البرج. كنا محاطين بالفعل بمبانٍ —تعرفتُ على بعضها— تُشكل نوعًا من المدينة المحيطة بقاعدة البرج. كما تعرفتُ فورًا على القوس الضخم المغطى بالرونية والذي كان في السابق بوابة الصعود الرئيسية في الطابق الثاني.

 

قالت مايليس ساخرة، قافزة من العربة برشاقة —وإهمال— صاعدة، “حسنًا، هل أنت مستعدة لمواجهة الحكام؟”

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

“هذا معقول.”

 

دخلنا القاعة الكبرى، التي كانت على حالها إلى حد كبير. أرضيات رخامية منحوتة، وسلالم حديدية داكنة… لكن لا لوحة جدارية، كما لاحظت. في إحدى المرات، غطّت صورة أغرونا السقف بأكمله، تصوير مُزيّف له وهو يمنح القوة لأهل ألاكريا. لم يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كان آرثر قد أُغرِيَ بتغطيته بصورة مماثلة لنفسه. قبل ذلك، كنت سأرفض، ولكن إذا كانت السلطة تُفسد…

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

عدد كلمات الفصل: 4400

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 19 يوم متبقي
10,000 شعلة الهدف: 66,666
15%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000

قالت مايليس ساخرة، قافزة من العربة برشاقة —وإهمال— صاعدة، “حسنًا، هل أنت مستعدة لمواجهة الحكام؟”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط