بعد ليلةٍ مريحة وهادئة استغرق فيها جومانجي في نومٍ عميق، استفاق على ترانيم العصافير التي كانت تتراقص في الخارج فوق أسطح المنازل، وكأن تغريدها الشجي يعلن بزوغ فجر يومٍ جديد في هذا العالم الغامض.
فتح عينيه ببطء، مستشعراً ليونة الفراش ودفئه؛ وهي رفاهيةٌ لم يعتدها قط في أيامه الخالية التي قضاها في مهب المخاطر داخل الغابة.
نهض جومانجي من فراشه بخفة، وجذبته أنوار الصباح نحو الشرفة القابعة في غرفته في الطابق الثاني.
وما إن أطلَّ برأسه، حتى استقبله مشهدٌ يأسر الألباب؛ مكانٌ يضج بالحيوية والنشاط تحت شمسٍ دافئة تداعب جنبات القبيلة.
لم تسعفه عتمة الليل بالأمس لرؤية جمال القبيلة الحقيقي، لكنها الآن بدت أمامه لوحةً فنية متقنة؛ حيث كانت أشجار الخيزران تقف شامخة كحراسٍ أبديين في شتى أنحاء القبيلة، تتداخل أغصانها الخضراء بانسجامٍ فريد بين المنازل الخشبية المنتظمة، مشكلةً حصناً طبيعياً يجمع بين الرقة والمناعة.
استنشق جومانجي الهواء العليل، وأدرك أن خلف هذا الهدوء الجمالي تكمن قبيلة محاربة، وأن عليه اليوم أن يبدأ أولى خطواته لتثبيت أقدامه في هذا النعيم المحفوف بالمخاطر.
في هذه الأثناء، اخترق سكون تفكيره صوتُ طرقاتٍ خافتة على الباب، فالتفت بهدوء وصاح بنبرةٍ رصينة: “تفضل.. ادخل”.
انفتح الباب لتظهر فتاةٌ في مقتبل العشرينيات، ترتدي ملابس قماشية سوداء موشاة بخطوط بيضاء دقيقة؛ كانت ملامحها تنطق بالارتباك، وكأن شبح الخوف يطاردها بمجرد وجودها في حضرته.
انحنت بسرعة فائقة وهي تخفض بصرها نحو الأرض، وقالت بصوتٍ مرتعش: “سيدي.. والدتك بانتظارك، الجميع متأهب لتناول طعام الإفطار”.
ظلت الفتاة على وضعية الانحناء، متسمرة في مكانها وهي لا تجرؤ على رفع رأسها، تترقب رده بفزعٍ مكتوم.
استشعر جومانجي الخوف في ملامحها، وأدرك في لحظة أن جومانجي “الآخر” كان يغذي رعب هؤلاء الخدم بسوء خلقه؛ فقرر ألا يبدد ذلك الخوف حالاً كي لا يثير ريبتها، واكتفى بالقول ببرود: “حسناً.. سأوافيكم بعد قليل”.
استجمعت الفتاة شتات نفسها، وانحنت مرة أخرى في صمت مطبق، ثم استدارت وغادرت الغرفة مسرعة، وكأنها نجت لتوها من عرين أسد.
“يبدو أن جومانجي ذاك كان نذلاً حقيقياً؛ ولو قُدّر له البقاء على قيد الحياة، لارتكب من الفظائع ما لا يُحمد عقباه”.
هكذا تمتم جومانجي في سرّه وهو يراقب أثر الرعب الذي خلفه وراءه. لم يطل تفكيره في الأمر، بل نزل إلى الطابق السفلي حيث كانت المائدة تجمع ثلاثة أشخاص؛ تعرّف على اثنين منهما، أما الثالث فكان شاباً في مقتبل العشرينيات، لم يسبق له أن رآه.
كان الشاب يرتدي حُلة رمادية نُقش عليها ببراعة طابع ورقة الخيزران، وبدت ملامحه الحادة وشعره الكثيف المربوط للخلف كذيل حصان نسخةً مصغرة عن الرجل الجالس بجانبه.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه الشاب فور رؤيته لجومانجي، وقال بنبرةٍ حملت شيئاً من المداعبة: “لقد سمعتُ أنك تسللت خارج أسوار القبيلة ليلة أمس.. أين كنت تغامر يا أخي؟”.
لم يستوعب الأمر بعد، اتسعت عينا جومانجي قليلاً في دهشةٍ صامتة؛ “هل هذا هو شقيق جومانجي الراحل؟”.
آثر الصمت ولم ينطق ببنت شفة، بل سحب كرسياً وجلس بجانب أمه، مواجهاً الشاب الذي لم تفارقه نظراته المتسائلة. وحين طال صمته، تمتم الشاب من جديد بابتسامةٍ فاترة: “ما خطبك؟ لِمَ لا تتحدث؟”.
هنا تدخلت الأم، ورمقت ابنها الأكبر بنظرةٍ حازمة قائلة: “لقد أخبرتك يا جينجي، لا تفتح سيرة هذا الموضوع مجدداً!”.
لم تتلاشَ الابتسامة عن وجه جينجي، بل التفت نحو أمه بهدوء وقال: “لا تقلقي يا أمي، كنت أمازحه فحسب”. ثم استدار ثانيةً نحو جومانجي وأردف بنبرةٍ واثقة: “في المرة القادمة التي تود فيها الخروج من القبيلة، أخبرني فحسب.. سأكون أنا من يُخرجك”.
اكتفى جومانجي بإيماءةٍ خفيفة من رأسه دون أن يكسر حاجز صمته، ثم صوّب نظره نحو الطعام المرصوص أمامه، منتظراً أن يبدأ الجميع الأكل ليحذو حذوهم، محاولاً استيعاب خيوط هذه العائلة التي وجد نفسه فجأة فرداً منها.
نظر الأب “جالفان” نحو جومانجي، ثم أطلق ضحكةً مكتومة مشوبة بالرضا وهو يتمتم: “يبدو أنه يفضل لغة الطعام على لغة الكلام اليوم.. لا بأس، فلنبدأ!”.
افتتح الرجل مائدة الطعام معلناً بدء الوجبة، فانطلق الجميع في الأكل بهدوءٍ لم يخلُ من نظرات “جينجي” المتفحصة التي كانت تلاحق كل حركة من حركات جومانجي.
كانت المائدة عامرة بما تشتهيه الأنفس؛ أطباقٌ من الأرز المطهو بالبخار تفوح منها رائحة الأعشاب الجبلية، وشرائح رقيقة من اللحم المقدد، وإلى جانبها تشكيلة من الخضروات المخللة والمطهوة التي تعكس ثقافة “إكسبيريا” المرتبطة بخيرات الغابة.
جلس جومانجي يراقب المشهد بتركيز؛ كانت المائدة خشبية ثقيلة تعكس وقار العائلة، والأطباق الخزفية مرتبة بدقة.
أدرك جومانجي أن عليه الآن الاندماج في هذا النظام العائلي دون جلب الشبهات، فبدأ بتناول طعامه ببطء ورزانة، مخالفاً طبيعة “جومانجي الآخر” الذي ربما كان يفتقر لهذه الرصانة.
بينما كان جومانجي يتناول طعامه ببطء، خيم صمت مؤقت على المائدة، لم يقطعه سوى رنين الأواني الخزفية.
كان يشعر بنظرات والده المزيف التي انتقلت من تفكير إلى الحيرة، فابنه الذي كان يلتهم الطعام بفوضوية ويثرثر بلا انقطاع، صار الآن يأكل بهدوء مريب.
وضع جالفان ملعقته جانباً، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر جدية، مما جعل الشاب جينجي يتوقف عما يفعله، نظر الأب مباشرة إلى جومانجي وقال:
“كفاك تكاسلاً وتسكعاً هنا وهناك؛ فاليوم سيجتمع مجلس الشيوخ لتقرير موعد افتتاح ‘المزرعة الروحية’. عليك أن تشحذ ذهنك وتستعد جيداً، فلا نريد انتظار ثلاث سنوات أخرى حتى توقظ مزرعتك الخامدة.
شعر جومانجي ببرودة الكلمات وقسوتها، لكن ملامحه ظلت كسطح بحيرةٍ راكدة. رفع عينيه ببطء ليلتقي بنظرات والده الصارمة، وفي تلك اللحظة، استرجع كلمات الفتية التي ألقيت على مسامعه ليلة أمس؛ فأدرك على الفور أن “فتح المزرعة” هو ذاته “الموعد الكبير”.
لم يفهم جومانجي معنى المزرعة الروحية، أو عن هذا الموعد الكبير، لكنه أومأ برأسه بهدوء، وقال بصوتٍ واثق لم تعهده العائلة من قبل: “سأكون في الموعد.. ولن أخيب ظنكم بي هذه المرة”.
“حسناً، أرجو ذلك حقاً”.. تمتم الرجل وهو يشيح بنظراته ليكمل طعامه، ملقياً بظلال الشك خلفه.
ساد الصمت المائدة مجدداً، ولم يعد يُسمع سوى وقع الأواني مرة أخرى، حتى أنهى الجميع وجبتهم في جوٍ مشحون بالقلق.
عقد جومانجي العزم على اكتشاف ملامح هذه القبيلة وفهم طبيعة المكان الذي سيعيش فيه؛ لذا قرر الخروج للاستطلاع. ولكن، وقبل أن يتجاوز عتبة الدار، استوقفه صوت أمه الدافئ وهي تنادي بلهفة: “جومانجي!!!”.
استدار نحوه بهدوء وسأل: “ما الأمر؟”.
اقتربت منه وتعابير القلق تكسو وجهها الرقيق، وقالت بنبرةٍ توسلية: “لا تبتعد كثيراً يا بني، لا تشغل قلوبنا عليك مرة أخرى.. وأرجوك، لا تحمل في نفسك من كلمات والدك؛ فهو لا يقصد القسوة، بل يدفعه الخوف عليك والرغبة في رؤيتك فخراً لنا جميعاً”.
طمأنها جومانجي بنبرةٍ هادئة: “لا تقلقي يا أمي، سأتجول في أنحاء القرية فحسب، ولن أتجاوز حدودها هذه المرة”. وما إن أتمَّ كلماته حتى استدار مغادراً المنزل بخطىً ثابتة.
وقفت الأم تراقب الباب الذي أُغلق خلفه، وشعورٌ غامض بالوجل يعتصر قلبها منذ ليلة أمس؛ وكأن حدسها يخبرها بأن “جومانجي” قد يرحل في أي لحظة.. ولم تكن تدرك أن جومانجي الذي كانت تعرفه قد رحل بالفعل، وأن هذا الشخص الذي دخل بيتهم لا يشبه ابنها في شيء إلا في ملامح وجهه.
لقد كان جومانجي “الحقيقي” يشبه هذا الجسد بالتأكيد، لكنه لم يكن يطابقه تماماً؛ فملامح جومانجي الحالي بدت أكثر حدة وجلاءً، وكأنها نُحتت من مرمرٍ بارد، فلا تشوبها شائبة ولا تهزها عاطفة.
لقد لاحظ الجميع ذلك التبدل الجذري، لكنهم عزوه في مخيلتهم إلى تغيرٍ في نضارة بشرته التي أضحت ناصعة البياض، فبدا في عيونهم أكثر وسامةً وهيبة من ذي قبل، وكأن ملامحه باتت لوحةً غامضة لا تشبه أحداً.
وعلى الرغم من إدراكهم الخفي بأنه قد توغل في أحشاء الغابة فعلاً —ضاربين عرض الحائط بإنكاره وتغطية ابنة عمه “تاسكاست” عليه— إلا أنهم أقنعوا أنفسهم بأن حادثاً ما قد واجهه هناك وبدّل من طباعه؛ فآثروا الصمت وتجاوز الأمر بقلوبٍ يملؤها التساؤل المكتوم: “إن لم يكن هذا ابننا.. فمن عساه أن يكون؟”.
أما بالنسبة لـ “تاسكاست” والشابين، فقد توهموا أن رعب اللحظة التي واجه فيها الدب قد ألقى بظلاله على كيانه؛ فظنوا أن الخوف هو الذي خطف ألوان وجهه وجعله شاحباً بتلك الطريقة.
كانوا على يقين بأن تلك التجربة المروعة هي التي كسرت كبرياءه وأبدلت حاله، ولم يدركوا قط أن ما خلفته الغابة كان أعمق بكثير من مجرد شحوبٍ في الجلد.
بعد خروجه من المنزل، بدأ جومانجي يتسكع في ممرات القبيلة المرصوفة بعناية، حيث كانت أشجار الخيزران تتشابك في الأعلى لتصنع مظلات طبيعية تظلل الطرقات، بينما تعبق الأجواء برائحة الخشب المحروق ونسيم البخور المنبعث من البيوت المتراصة.
كان يراقب كل تفصيلة بعينين سوداوين حادتين؛ يحلل مواقع مخازن الطعام، ويدرس توزيع أبراج المراقبة، ويرصد حركة المتاجر المفتوحة التي تضج بالحياة في كل زاوية، مستكشفاً مسرح حياته الجديدة كقائدٍ يدرس ساحة معركة.
ظلَّ جومانجي على هذه الحال لبرهة من الزمن، غارقاً في تفاصيل المكان، قبل أن يخرق سكون تأمله صوتٌ أجش قادم من خلفه.
“جومانجي.. الشيوخ يطلبون حضورك فوراً”، قالها شابٌ في أواخر العشرينيات، يرتدي حُلة رمادية مطرزة بأوراق الخيزران، لا تختلف في تصميمها عن تلك التي كان يرتديها “جينجي”.
ارتبك جومانجي قليلاً، ليس خوفاً بل محاولةً منه لاستيعاب كلام الشاب، ثم سأل بنبرةٍ هادئة: “وهل لدى الشيوخ أمرٌ طارئ لي؟”.
رفع الشاب حاجبه باستنكارٍ وغلظة، وصاح به: “تخرق قواعد القبيلة وتتسلل خارج أسوارها، ثم تسأل ببرودٍ عما إذا كان لديهم أمر مهم؟! أنت حقاً وغدٌ مدلل.. ليتك كنت تملك ذرةً من وقار أخيك الأكبر”. وبمجرد أن أفرغ ما في جعبته من ازدراء، استدار منطلقاً في طريقه دون أن ينتظر رداً.
لقد كان جومانجي مكروهاً حقاً في أنحاء القبيلة.
لم يستفسر جومانجي أكثر، ولم يعقّب على نبرة الشاب الحادة التي تقطر كراهية؛ إذ لم تتغير تعابير وجهه الرخامية، بل اكتفى باتباع الشاب بكل هدوء ورزانة، وكأنه يقاد نحو بيته وليس بيت الشيوخ.
نهاية الفصل
