وقف جومانجي وسط الدائرة المحيطة به، وقد عصفت به الحيرة؛ فهو يدرك يقيناً أنه ليس الشخص الذي ينشدونه، وأن هذه المسميات والمواعيد التي يلقونها على مسامعه ما هي إلا ألغازٌ لا يملك مفاتيحها.
وجد نفسه في مهب الضياع، لكن روحه الخبيرة أدركت أن الصمت الطويل في حضرة الشك هو اعترافٌ ضمني، لذا كان عليه التحرك لدرء الشبهات.
كسر جومانجي حاجز الصمت، متحدثاً بنبرةٍ هادئة مشوبة بالارتباك المصطنع كي لا يجذب مزيداً من الأنظار: “والداي؟ يبدو أن الأمور قد اختلطت عليكم بعض الشيء.. لقد خرجتُ فحسب لأتمشى قرب حدود القبيلة بحثاً عن قليلٍ من الهدوء، لكنني ضللت الطريق في عتمة الغابة. أنتم تدركون جيداً أننا كصغارٍ لا يُسمح لنا بالخروج وحدنا إلى غياهب الأشجار، فكيف لي أن أجرؤ على فعل ذلك عمداً؟”
ساد صمتٌ قصير، استغله جومانجي ليلتفت نحو الشابين الذين كانا يهددانه قبل قليل، مرتسمةً على وجهه ملامح براءةٍ متقنة أخفت خلفها دهاء السنين، ثم أردف مكملاً: “يمكنكم سؤال الإخوة هنا؛ فلم أكن معهم في رحلتهم قط، بل عثروا عليَّ صدفةً وهم في طريق عودتهم إلى القرية بعد أن أنهوا مهمتهم، ولولاهم لكنت الآن في حالٍ لا تسرُّ أحداً”.
في هذه اللحظة، التقط أحد الشابين طرف الخيط ببراعة مواكباً كذبة جومانجي، وقال بسرعة: “نعم، هذا صحيح! لقد عثرنا عليه قبل لحظات، ويبدو أنه سقط من شجرة عالية أثناء محاولته استكشاف المكان.. انظروا إلى تلك الجروح التي خلفها السقوط!”؛ وهنا استدار جومانجي بجسده ليظهر الضمادات التي تغطي ظهره، مؤكداً روايتهما دون أن ينطق بكلمة.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يلوح أحد الشابين بيده قائلاً: “حسناً، نلتقي غداً”. فعل الآخر مثله وهمّوا بالانصراف، أما “تاسكاست” فقد اكتفت بمراقبة المشهد بصمت مطبق، ثم استدارت بهدوء لتغادر المكان.
وجد جومانجي نفسه في ورطةٍ جديدة؛ فهو لا يعرف موقع منزل الصبي الذي انتحل شخصيته، لم يكن يريد أن يشك به أحد لهذا قرر وبسرعة بديهة، تظاهر بالضعف وسقط أرضاً متكئاً على ركبتيه، ثم قال بصوتٍ واهن قبل أن يبتعد الجميع: “هل يمكن لأحدكم مساعدتي للوصول إلى المنزل؟ أنا مجهدٌ جداً ولا أقوى على السير وحدي”.
التفت الجميع نحوه من جديد واقتربوا منه، ليوجه أحد الفتية نظره نحو تاسكاست متسائلاً: “هل يمكنكِ أخذه معكِ؟ أليس منزلكما في نفس الاتجاه؟”.
أردف فتى آخر بلهجةٍ واثقة: “بالطبع ستفعل، فهي ابنة عمه في النهاية؛ ورغم أنه دائم التقليل من احترامها، إلا أنها تظل من دمه ولا يمكنها تركه في هذه الحالة”.
سرى ذهولٌ صامت في عروق جومانجي بعد سماع هذه الحقيقة؛ فهذه الفتاة القوية، صاحبة السهم القاتل، هي ابنة عم الشخص الذي التهمه الدب!
لم تعلق تاسكاست كثيراً، بل قالت ببرود وقار: “سأفعل”.
وقبل أن يغادر أحد الشابين، رمق جومانجي بنظرةٍ أخيرة وقال بسخرية: “إياك أن تزعجها في الطريق بثرثرتك كما تفعل دائماً، كن مهذباً لمرة واحدة”.
سارت تاسكاست جنباً إلى جنب مع جومانجي، وقد أسند كتفه الواهن إليها لتساعده على المضي؛ كانت فارعة الطول، تفوقه قامةً وهيبة، وتشع رزانةً وجدية في كل خطوة، مما عزز يقين جومانجي بأن علاقة هذا الفتى بابنة عمه كانت متوترة وشائكة إلى أبعد الحدود.
ساد بينهما صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى وقع أقدامهما على الحجر المبلل. بعد برهة من الزمن، تمتم جومانجي بصوتٍ خافت يكاد يُسمع: “أنا آسف”.
لم تنبع هذه الكلمة من شعور بالذنب تجاهها، بل كانت لفتةً من روحه الخبيرة تجاه الفتى الراحل؛ أراد أن يترك بصمةً من الندم الجميل، كعربون شكرٍ خفي لذاك الشخص الذي استعار هويته، وليبدأ برسم ملامح جديدة لعلاقةٍ لم تكن يوماً مستقرة.
اندهشت الفتاة وتسمرت في مكانها لبرهة، وكأن تلك الكلمة البسيطة كانت صاعقةً لم تتوقعها؛ فـ “جومانجي” الذي تعرفه لم يكن يملك في قاموسه مفردة الاعتذار، خاصةً تجاهها.
أمالت رأسها قليلاً ورمقته بنظرةٍ فاحصة، وكأنها تحاول اختراق ملامحه لتتأكد إن كان هو الشخص ذاته أم أن الغابة قد استبدلته بآخر.
لم تنطق بكلمة في البداية، بل واصلت السير بخطىً أبطأ، ثم قالت بصوتٍ رخيم يملؤه الارتياب: “آسف؟ يبدو أن مخالب ذلك الدب قد وصلت إلى رأسك وأفسدت شيئاً فيه.. لم أسمع منك هذه الكلمة من قبل.
شعر جومانجي ببرودة كلماتها، لكنه أدرك أن هذا الاعتذار قد غرس بذرة الشك في عقلها؛ فالتغيير المفاجئ في الشخصية سلاحٌ ذو حدين.
تابع السير وهو يتصنع الإعياء، مدركاً أن عليه الآن مراقبة ردود أفعاله بدقة أكبر، فابنة العم هذه ليست كبقية الفتية؛ إنها تملك عيناً لا تخطئ الهدف، تماماً كما لا يخطئ سهمها.
لم تعقب تاسكاست بكلمة أخرى، بل تابعت السير بخطىً وئيدة، وكأنها تُعيد قراءة تفاصيل هذا الكائن الذي تُسنده؛ فبعد أن نطق باعتذاره، غرق في صمتٍ مطبق ونظراتٍ شاردة نحو الأفق، فلم يعد يثرثر كعادته، ولم يجرؤ على التحديق فيها مطولاً كما كان يفعل بصلفٍ سابق.
بعد دقائق من المسير الصامت بين الممرات المرصوفة بالحجارة، توقفا أمام منزلٍ مهيب يتألف من طابقين، ويتميز ببابٍ خشبي نُقشت عليه زخارف بدقةٍ متناهية، ليعكس مكانة قاطنيه.
“لقد وصلنا”، قالت تاسكاست وهي تُفلته برفق أمام المدخل، تاركةً إياه ليواجه قدره الجديد.
تأمل جومانجي المنزل بوجل، وقبل أن يستجمع شتات نفسه، انفتح الباب بعنف ليخرج منه رجلٌ في الأربعينيات من عمره، يرتدي عباءةً خضراء داكنة تمنحه وقاراً مهيباً، وعلى وجهه تقاسيم حادة تفيض بالصرامة والقلق الذي حاول مواراته خلف هيبته.
“عمي!”.. انحنت تاسكاست فوراً بوقار، واضعةً يدها اليمنى فوق قلبها في تحيةٍ تنمُّ عن احترامٍ عميق.
أومأ الرجل برأسه بصلابة: “أهلاً بكِ يا تاسكاست”، ثم نقل بصره بحدة نحو جومانجي.
بقي جومانجي ساكناً، ورغم الحيرة التي تعتصر عقله، إلا أن ملامحه ظلت جامدة كالصخر؛ لم تظهر عليه علامات الخوف أو التوتر المعتادة من الصبي الأصلي. قلد حركة تاسكاست، فانحنى بصمتٍ واضعاً يده على قلبه، ممتنعاً عن النطق بأي كلمة.
“أنت تدرك فداحة ما فعلته، أليس كذلك؟” نطق الرجل بصرامةٍ لا تلين، وعيناه تخترقان صمت جومانجي كخنجرين.
انتصب جومانجي في وقفته، وثبت نظره في الأرض دون أن يفتح فمه، منتظراً ما ستؤول إليه الأمور. وهنا، تدخلت تاسكاست لإنقاذ الموقف قائلة: “أنا من اصطحب جومانجي معي يا عمي.. لقد احتجت مساعدته في أمرٍ ما، وأعتذر لأني لم أستأذنك مسبقاً”.
حول الرجل نظره من ابنة أخيه إلى جومانجي، وارتسمت على وجهه ملامح شكٍّ ممزوجة بالاستغراب، ثم سأل تاسكاست بنبرةٍ حملت سخريةً مبطنة: “أرجو فقط أنه لم يسبب لكِ المتاعب، ولم يزعجكِ بطلبات الزواج الحمقاء كعادته؟”
ردت تاسكاست ببرودٍ معهود: “لا يا عمي، لقد كان مطيعاً اليوم بشكلٍ يثير الدهشة”.
أومأ الرجل برأسه بوقارٍ هادئ وقال: “تفضلي يا تاسكاست، العشاء جاهز، فلتشاركينا مائدتنا”.
لم ترفض تاسكاست طلبه بحدة، بل أجابت بصوتٍ يملؤه الاحترام: “أشكرك يا عمي، لكن لديَّ أمرٌ هام يقتضي إنهاءه الليلة.. أستأذنك الآن”، ثم انحنت مرةً أخرى وغادرت المكان بخطىً ثابتة حتى توارت خلف ظلال الممرات.
بعد رحيلها، استدار الأب نحو جومانجي، ورمقه بنظرةٍ غامضة قبل أن يقول بجفاء: “هل تنوي البقاء في الخارج طوال الليل؟”.
“سأدخل”.. تمتم جومانجي بصوتٍ خافت، ثم تقدم نحو الداخل بخطىً ثقيلة.
راقب الرجل ظهر ابنه بصمتٍ مريب، ملاحظاً تلك الرزانة غير المعهودة في مشيته، قبل أن يغلق الباب خلفهما، ليفصل جومانجي عن العالم الخارجي ويضعه في قلب مواجهةٍ جديدة.
كان المنزل من الداخل يعكس ثراءً يمزج بين البساطة الرفيعة والقوة؛ جدرانه مكسوة بألواح خشب الخيزران المصقولة، وتنتشر في أرجائه فوانيس ورقية تنبعث منها إضاءة ذهبية خافتة تمنح المكان هيبةً ووقاراً.
في وسط الردهة، كانت تفوح رائحة بخورٍ عشبية مهدئة، تتداخل مع عبق الطعام المنبعث من غرفة المائدة.
لم يكد جومانجي يخطو خطواته الأولى، حتى هرعت نحوه امرأةٌ في أواخر الثلاثينيات، ترتدي ثوباً حريرياً ناعماً بلون الأرض.
كانت ملامحها تفيض بالرقة، رغم أن عينيها كانتا محمرتين من أثر البكاء والقلق. ما إن وقع بصرها عليه حتى ضمت شهقةً مكتومة، وارتمت نحوه تمسح وجهه بيديها المرتجفتين وهي تقول بنبرةٍ يمزقها الحنان: “جومانجي! يا بني.. لقد كاد قلبي يتوقف من الخوف عليك! أين كنت؟
فجأة، تلمست يداها المرتجفتان ظهره، فانتفضت رعباً وأدارته نحوها بسرعة وهي تلهث بكلماتها المذعورة: “ولماذا جسدك مغطىً بهذه الضمادات؟ ما الذي حلَّ بك يا بني؟”.
تجمد جومانجي في مكانه، وشعر بغصةٍ غريبة هل كان عليه أن يمثل هذا الدور حقا، هل يستحق هؤلاء الأبوين هذا الكذب، كان عليه أن يواجه الآن أصعب أنواع التمثيل؛ ليس أمام الخصوم، بل أمام عاطفةٍ صادقة لا يعرف كيف يرد عليها دون أن ينكشف أمره.
تناول جومانجي عشاءه بلهفةٍ لم يستطع كبحها؛ فقد نال الجوع من جسده الهزيل ما نال، فأكل حتى استشعر الشبع وكأنه لم يأكل من قبل.
وبعد أن انتهى، استعان مجدداً بحيلة الإعياء والتعب، لترافقه أمه نحو غرفته بخطىً حانية يملؤها القلق.
كانت الغرفة متوسطة المساحة، تتسم ببساطةٍ رصينة؛ يتوسطها سريرٌ خشبي، وإلى جانبه طاولةٌ صغيرة يعلوها سراجٌ خافت، بينما اصطفت خزانة للكتب وأخرى للملابس في الزوايا. لم يملك جومانجي في تلك اللحظة رغبةً في استكشاف محتويات الغرفة أو نبش أسرار صاحبها الراحل؛ فكل ما كان يصبو إليه هو السكينة.
بمجرد أن لامس جسده فراشه اللين، وشعر بذاك الدفء الذي ينسل إلى أطرافه، استسلم تماماً لثقل أجفانه.
سقط في غياهب نومٍ عميق، منهكاً من صراع البقاء ومثقلاً بتمثيل دورٍ لم يختره، لتطوى صفحة يومه الأول في هذا العالم خلف ستار الأحلام.
نهاية الفصل
