Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

التمرد على الموت 31

دخول العزلة

 

 

جال جومانجي في أرجاء القبيلة ببرودٍ تام، تاركاً خلفه مجلساً يغلي بالصراعات والقرارات المصيرية.

 

لم يكن الأمر بالنسبة للشيوخ مجرد اختيار، بل كان مقامرةً بمستقبل قبيلة “سمكة الكارب” بأكمله؛ فبين مطالب “راعي الأغنام” التعجيزية وكارثة سرقة “جواهر البرق”، وجد الحكماء أنفسهم في زاوية ضيقة لا ترحم.

 

بعد ساعاتٍ طوال من النقاشات الحادة والاتهامات المتبادلة التي كادت تفتك بوحدة المجلس، استقر القرار الأخير في يد الزعيم.

 

وبشكلٍ مفاجئ، وقع الاختيار على الشيخ “زهور” ليكون المتحدث الرسمي والمسؤول المباشر عن التنسيق مع جومانجي، وهو ما أشعل فتيل الغضب في صدر الشيخ “بايدو”؛ فخرج الأخير من القاعة متجهم الوجه، يجر خلفه أذيال الخيبة والشرر يتطاير من عينيه، وكأنه ينوي تدبير أمرٍ ما في الخفاء.

 

في ركنٍ هادئ من دار الضيافة، جلس جومانجي أمام الشيخ “زهور”.

 

كان جومانجي كعادته كتلةً من الجمود، عيناه لا تشيان بأي تعبير، وهدوءه كان مستفزاً لمن يجهل معرفته.

 

أما الشيخ “زهور”، فقد كان على نقيض ضيفه تماماً؛ بدا شاحباً، تظهر عليه آثار السهر والقلق الذي نهش استقراره منذ توالي النكبات على القبيلة.

 

كسر الشيخ زهور الصمت بصوتٍ متهدج: “لقد اتخذ المجلس قراره يا جومانجي.. ولكن الثمن الذي تطلبه قد يجعلنا جميعاً في مواجهة الموت قبل أن نرى شفاء العليق.

 

صمت الشيخ زهور لفترة، كمن يبتلع غصةً مريرة، قبل أن يكمل بصوتٍ خافت: “كل ما طلبته سيتم تلبيته.. لقد استنزفنا مواردنا لدرجة إفراغ نصف مخزون المزرعة الروحية لتأمين القائمة.

 

ومن حسن الحظ، أن ‘نحلة العسل الأسود’ موجودة بالفعل داخل مزارعنا الخاصة، ولم نضطر للمخاطرة بالخروج لصيدها.”

 

ثم نظر إلى جومانجي بنظرة توسلٍ وانكسار وأضاف: “أرجو منك فقط.. أن تبذل كل ما في وسعك لشفاء هذا الجنين؛ فمصيرنا الآن معلقٌ بين يديك.”

 

رسم جومانجي على وجهه تعبيراً مصطنعاً من الدهشة، وقال بنبرةٍ باردة لا تعكس أي انفعال حقيقي: “أهذا صحيح؟ لديكم تلك النحلة الروحية من الرتبة السابعة بالفعل؟ يا له من أمرٍ مفاجئ حقاً!”

 

أومأ الشيخ زهور برأسه بوقارٍ حزين: “نعم.. لقد قمنا بتربيتها والعناية بها منذ أزمنةٍ بعيدة كأحد كنوز القبيلة المخفية.”

 

علق جومانجي وهو يشبك أصابعه بهدوء: “إذاً، هذا يخفف الضغط عن كاهلكم كثيراً، ولن تحتاجوا لبذل دماءٍ في أعماق الغابة.”

 

كان جومانجي يدرك يقيناً أن القبيلة تمتلك هذه “النحلة” ذات الرتبة السابعة، وهي القطعة التي كان يطمح للحصول عليها أكثر من أي شيء آخر.

 

فلم تكن بالنسبة له مجرد حيوان روحية، بل كانت الوسيلة الوحيدة والأساسية لتطوير “جوهر عليق غسق الليل” إلى الرتبة السابعة.

 

فهذا النوع من العليق، حين يصل إلى تلك المرتبة، يصبح مطمعاً وضرورةً قصوى للمزارعين الروحيين من الرتبة الرابعة، نظراً لخصائصه النادرة وقدرته الفائقة على تعزيز الطاقة.

 

انحنى الشيخ زهور قليلاً وقال بنبرةٍ مثقلة بالهموم: “أدرك ذلك، لكنني أكرر رجائي.. ابذل جهدك، فلا مجال لدينا للفشل.”

 

رد جومانجي ببرودٍ وثقةٍ مطلقة: “لا تقلق، سأنجح بالتأكيد.. ولكن، بمجرد استلامي لتلك الموارد، سأدخل في حالة ‘زراعة مغلقة’ لمدة شهرين كاملين.

 

المرجو عدم إزعاجي أو محاولة التواصل معي لأي سببٍ كان حتى يحين الوقت المحدد. هل هذا مفهوم؟”

 

أومأ الشيخ زهور برأسه بموافقةٍ مثقلة بالتحذير، وقال بنبرةٍ قاطعة: “حسناً.. سننتظر حتى تنتهي من عزلتك الروحية وتتمّ شهرين من الزراعة المغلقة، لكن تذكر جيداً؛ ليس لدينا ترف الوقت للتأخير ولو ليومٍ واحدٍ إضافي.

 

لذلك، فور خروجك من تلك العزلة، ستبدأ في تلك اللحظة ذاتها بعملية شفاء ‘العليق’ كما وعدت.. لا مجال للمماطلة حينها، فصبر القبيلة له حدود.”

 

عقب انصراف الشيخ “زهور”، بدأت الاستعدادات في القبيلة تتخذ طابعاً عسكرياً مشوباً بالحذر والقلق.

 

كانت عربات الموارد الروحية تتدفق نحو دار الضيافة تحت حراسة مشددة من نخبة المحاربين، مما رسم علامات الفضول والتوجس على محيا الناس الذين لم يعتادوا رؤية مثل هذا الاستنفار.

 

في زاويةٍ بعيدة، كان شيخان يراقبان قوافل الموارد وهي تُفرغ حمولتها في دار الضيافة، وقد ارتسمت على ملامحهما علامات الريبة.

 

تمتم أحدهما وهو يهز رأسه بذهول: “أكلُّ هذه الكنوز والموارد النادرة من أجل شفاء ‘العليق’ فحسب؟ ألا يبدو الأمر مبالغاً فيه؟”

 

رد عليه الآخر بنبرةٍ خافتة ملؤها الخبرة والدهاء: “لا، الأمر ليس بهذه البساطة..

 

الأطباء الروحيون من طرازه يتسمون بحذرٍ شديد. فمن المؤكد أن أكثر من نصف هذه القائمة ما هو إلا تمويهٌ بارع، إضافاتٌ وضعها لكي يُخفي المكونات الأساسية للعلاج.

 

لو كشف لنا عن المقادير الحقيقية والجوهرية لكان أحمقاً، ولأصبح سر علاج ‘العليق’ مشاعاً بين الجميع.”

 

تنهد الشيخ الأول بحنق: “لكن هذه الموارد تعادل ثروةً قومية.. إنه طماعٌ بشكلٍ لا يُصدق.”

 

ضيق الآخر عينيه وهو يراقب خيال جومانجي من بعيد وقال: “إن نجح في مهمته، فليكن طماعاً كما يشاء.

 

هذا الذي يسمي نفسه ‘راعي الأغنام’ ليس مجرد طبيب، بل هو شخصٌ يقطر دهاءً، ومثل هؤلاء الأشخاص هم الأخطر على الإطلاق؛ فهم لا يطلبون شيئاً إلا ولهم فيه مأربٌ أبعد مما تراه الأبصار.”

 

قال الشيخ الأول بلهجةٍ حازمة: “إذًا، يقع على عاتقنا مراقبته بدقة؛ فلا يمكننا المخاطرة بفكرة هربه أو محاولته القيام بأمرٍ مريب تحت غطاء العزلة.”

 

أومأ الآخر موافقاً وقال: “أصبت.. لا يمكن ترك دار الضيافة دون حراسة مشددة.

 

سأصدر أوامري لرجالي بالإحاطة بالمكان، واليقظة لكل شاردة وواردة، وعليك فعل الأمر ذاته؛ لن نترك مجالاً للصدفة.”

 

تبادل الشيخان إيماءة أخيرة من التفاهم الصامت قبل أن يتفرقا، بينما كانت العيون تترصد كل حركة في المحيط.

 

أما في الداخل، فقد أوصد جومانجي الأبواب بإحكام، لتستقبله غرفة واسعة اكتظت بمختلف الصناديق المعدنية والخشبية التي رُصّفت بعناية على الأرض.

 

توسط جومانجي تلك الثروة الروحية، جالساً بوضعية القرفصاء في سكونٍ مهيب، وعيناه تتفحصان المكونات التي انتزعها من مخازن القبيلة.

 

من بين تلك الموارد، لفت نظره كائنٌ يتحرك ببطءٍ شديد، وكأنه يصارع قيوداً غير مرئية أو شللاً أصاب أطرافه.

 

حدق فيه جومانجي بتركيزٍ عميق، قبل أن يهمس بنبرةٍ غلب عليها الرضا: “نحلة العسل الأسود..”

 

كانت النحلة كائناً مرعباً يتجاوز تصورات العامة؛ ضخمة بحجم كلبٍ متوسط، يكسوها سوادٌ قاتم كظلام الليل، تتقاطع فيه خطوط فضية لامعة تنساب على كامل جسدها كأنها نقوشٌ سحرية.

 

وفي نهايتها، برز زبّانٌ ضخم يشبه رأس الرمح، حادٌ لدرجةٍ تجعل الهواء من حوله يبدو وكأنه يتمزق، بينما ارتفعت فوق رأسها شعيرتان طويلتان تتحسسان محيطها ببطء، وكأنها ترسم خريطةً طاقية للغرفة التي ستكون نهايتها فيها.

 

كان جومانجي يدرك تماماً أن الإمساك بهذا الحيوان الروحي وهو لا يزال في رتبته الأولى أمرٌ يقرب من المحال؛ فنحل العسل الأسود لا يتحرك إلا في أسرابٍ منظمة،

 

وحتى المزارع من الرتبة الرابعة قد يجد نفسه مضطراً للفرار بجلده إذا ما حاصره ثلاثة أو أربعة منها، فكيف بمن يواجه جيشاً من الإبر السامة؟ لكن الأقدار ساقته ليكون هذا الكنز بين يديه دون عناء الصيد، في لحظةٍ مهمة في حياته.

 

لوح جومانجي بيده في حركة أفقية رشيقة، وبلمح البصر، تلاشت الصناديق والموارد المحيطة به، مبتلعةً داخل مساحته الخاصة، ليغدو وحيداً وسط سكون الغرفة المطبق.

 

أغلق عينيه ببطء، وفي تلك اللحظة، ساد صمتٌ من نوعٍ آخر؛ صمتٌ يضج بذكريات الماضي وأوجاعه.

 

تمتم في سره بنبرةٍ مثقلة بالعهود: “أمي.. أبي.. مايرومي.. طفلاي.. أصدقائي وقبيلتي.. اليوم أخطو الخطوة الأولى في هذا الطريق الشاق والموحش لاستعادتكم.

 

انتظروني فقط؛ فيوم ما ستعودون للحياة، أعدكم أنني سأسخر كل ذرّة من كياني، وكل قوة في هذا العالم، من أجل رؤية وجوهكم مرة أخرى.. أعدكم بذلك.”

 

كانت كلمات جومانجي بمثابة القسَم الروحي الذي هزّ كيانه الداخلي، قبل أن تنبثق من جسده هالةٌ هادئة لكنها حادة كالشفرة، معلنةً بدء شهرين من المخاض الروحي الذي لا يعلم أحدٌ مداه.

 

نهاية الفصل

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط