Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الحظ يفضل السقوط 01

الفصل الأول: البداية
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل الأول: البداية

كانت الاحتمالاتُ قوةً بذاتها؛ لها تدفقها الخاص.. وإيقاعها. أما “سيفن”، التي انخرطت في رقصة القدر هذه، فكانت بالكاد تلتقط أنفاسها.

“ربما يحاول فقط المماطلة”، فكرت ببرود وهي تراقبه. كانت وسيلة رخيصة، لكنها واجهت الكثير من الخصوم الذين انتهجوا الأسلوب ذاته؛ فمن فرط مرارتهم لخسارتهم أمام الابنة السابعة الملعونة لبيت “فيل”، كانوا يطيلون أمد اللعب بدافع الحقد، محاولين فقط حفظ ماء وجوههم.

سقط برجان، وبقي واحد. حافظت “سيفن” على ثبات جسدها وبرود ملامحها بدقة متناهية، رغم أن كل عصب في جسدها كان يشتعل، وساقاها ترتجفان ملامستين معدن الكرسي البارد. بالكاد استطاعت التركيز على رقعة اللعب وسط الطنين الذي يملأ رأسها وهتافات الحشود من حولها. لقد لعبت بذكاء.. بل ببراعة فائقة، لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الملحّ بوجود خطب ما.

قاطعته وهي تلتفت نحوه بحدة: “لن أتنازل عن المباراة. حللوا النرد الآن، وليس لاحقاً”.

امتدت الساحة من حولها ومن حول خصمها من كل جانب، بينما كانت أجهزة العرض العاملة بطاقة النرد تبث المباراة لمتعة المشاهدين. وكان وجهها، بطبيعة الحال، معروضاً هناك أيضاً. أمرٌ مزعج.. ومشتت للانتباه. الجميع يعرفون هويتها، لكن ليس لسبب يدعو للفخر؛ فالحاضرون لم يأبهوا لفوزها، ولم يكترثوا لمهارتها في اللعب، أو الساعات التي أفنتها في إتقان الاستراتيجيات وفنون الخداع، وتقليل “ثغراتها” وتعبيراتها الواضحة.

انتفضت “سيفن” واقفة وهي تصرخ: “في أحلامك! من الواضح أنه هو من عبث به”، وأشارت إلى “روك” بانفعال، “أو شخص آخر فعل ذلك”.

لقد جاؤوا ليروها وهي تخسر.. ليسخروا منها ويستهزئوا بها.

رقم سبعة.

ورغم ثقل نظراتهم الذي كان يضغط على كاهلها وهي تلعب، كادت “سيفن” تنساهم تماماً حين بدأ سحر اللعبة يتكشف أمامها. لقد أمضت ساعات طوال في صقل تقنياتها على الرقعة، رغم استياء عائلتها الشديد. ومع ذلك، كان هناك شيء آسر في الأمر؛ في ملمس النرد بين يديها، حتى وإن لم يستجب لبركة لمستها. ومع كل رمية وكل حركة، كادت تنسى أنها ملعونة وعاجزة؛ فهذا النرد، على الأقل، طوعُ امرها.

— “لا تهمني سياستكم اللعينة، أنا—”

ثبّتت نردا أخر في مكانه، فانفجر بعض المتفرجين القريبين بالضحك، ليرتد صدى سخريتهم في أرجاء الساحة المظلمة. نقش الضحك ندبة في قلبها، لكنها نبذته جانباً. “ليعتقدوا ما يشاؤون”، فكرت وهي تقاوم الرغبة في هز قدمها بتوتر. “بعد انتهاء هذه المباراة، سيكون لديهم موضوع آخر يتهامسون بشأنه”. لن يتحدثوا عن “ابنة بيت فيل الملعونة”، بل عن أستاذة في لعبة “فرصة المتسول”، امرأة موهوبة لدرجة ستجعلهم ينسون ماضيها الملطخ تماماً. كان بإمكانها تغيير كل شيء، لو وجدت فقط سبيلاً لسحق دفاعات خصمها.

فجأة، امتدت أيدٍ من خلفها لتختطفها. تلوت “سيفن” محاولةً تثبيت قدميها بينما كان أحدهم يجرها بعيداً. تحول ضجيج الحشد إلى همهمة استنكار منخفضة ومستمرة، وبينما كانت تقاوم قبضة الحراس، اصطدمت عيناها بوجوه أفراد عائلتها في الصفوف الأمامية. كان الاشمئزاز يطغى على ملامحهم؛ اشمئزاز ممزوج بالخزي. وفي وجوه الحشود، رأت انعكاساً لنفس ملامح عائلتها.

جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

لقد جعل الأمر مغرياً بالطبع؛ فالمعسكر الذي أحاطه بـ “أتباعه” كان سيجعل المجازفة تستحق العناء وأكثر. ربما ظن في قرارة نفسه أنها بحاجة لتلك الخطوة لتتقدم في الرقعة وتحسم الأمور، لكن “سيفن” كان لديها الكثير من الخيارات الأخرى التي لم يلحظها خصمها بعد.

أعلن المذيع بصوتٍ جهوري: “روك يفوز بالانسحاب القسري! استبعاد ’سيفنترا‘ من بيت فيل.. بتهمة استخدام نردٍ محشو. بتهمة الغش”.

أطلق زفيراً متهدجاً، ثم رمى نردَه التالي ووضع آخر “أتباعه” على الرقعة. كانت تلك فرصته الأخيرة لقلب موازين اللعبة لصالحه، ولكن حين استقر النرد، كان على “سيفن” أن تقاوم بكل كيانها كي لا تظهر أي رد فعل.

“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.

أما الحشد، فلم يشاركها حذرها؛ إذ انطلقت شهقة جماعية مسموعة في أرجاء الساحة، وصمت الجمهور الصاخب فجأة، لتنتشر همساتهم في المكان كسرب من الطيور القلقة.

ثبّتت نردا أخر في مكانه، فانفجر بعض المتفرجين القريبين بالضحك، ليرتد صدى سخريتهم في أرجاء الساحة المظلمة. نقش الضحك ندبة في قلبها، لكنها نبذته جانباً. “ليعتقدوا ما يشاؤون”، فكرت وهي تقاوم الرغبة في هز قدمها بتوتر. “بعد انتهاء هذه المباراة، سيكون لديهم موضوع آخر يتهامسون بشأنه”. لن يتحدثوا عن “ابنة بيت فيل الملعونة”، بل عن أستاذة في لعبة “فرصة المتسول”، امرأة موهوبة لدرجة ستجعلهم ينسون ماضيها الملطخ تماماً. كان بإمكانها تغيير كل شيء، لو وجدت فقط سبيلاً لسحق دفاعات خصمها.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.

بالطبع، كانت هي أيضاً بارعة، لكنها لم تستطع إيجاد تفسير لمنطقه في هذه الحركة. هل نالت الضغوط منه؟ أم أنها مجرد هفوة منه؟ على الأرجح أنه فخ؛ فـ “روك” معروف بأسلوبه الاستعراضي في اللعب، إذ يقامر بنردات “فيل” (Veil dice) الخاصة به لتهيئة سيناريوهات يعجز خصومه عن فك شفرتها بالسرعة الكافية. أعادت فحص الرقعة مرة أخرى، لكن لا؛ كانت متأكدة من تفوقها الساحق، حتى لو حالفه الحظ بأرقام عالية في تلك النردات المخفية. في الواقع، كانت كفتها راجحة لدرجة تجبره على الانسحاب فوراً واختصار زمن المباراة.

قاطعته وهي تلتفت نحوه بحدة: “لن أتنازل عن المباراة. حللوا النرد الآن، وليس لاحقاً”.

“ربما يحاول فقط المماطلة”، فكرت ببرود وهي تراقبه. كانت وسيلة رخيصة، لكنها واجهت الكثير من الخصوم الذين انتهجوا الأسلوب ذاته؛ فمن فرط مرارتهم لخسارتهم أمام الابنة السابعة الملعونة لبيت “فيل”، كانوا يطيلون أمد اللعب بدافع الحقد، محاولين فقط حفظ ماء وجوههم.

همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.

حسناً، “سيفن” كفيلة بإنهاء ذلك. كانت دفاعاتها متينة، وأبراجها محصنة، ومعسكراتها تحت السيطرة. كان وضعها الاقتصادي على الرقعة ممتازاً بشكل يبعث على الغبطة، وقد نشرت بالفعل الكثير من “النردات المحجوبة” في كل مكان كإجراء احترازي. كانت تملك الموارد الكافية لشن هجوم أكبر وأقوى.

حرك “روك” قطعته الأخيرة، وكان وجهه المتشنج ينطق بكل شيء؛ فقد أدرك أنه خسر، بل خسر خسارةً نكراء. شاطره الجمهور الرأي، إذ وقف الجميع يهتفون باسم “سيفن”. لم يتبقَّ سوى فعل واحد؛ أشار “روك” برأسه نحو النرد ذي العشرين وجهاً (d20) الملقى على الطاولة، وعيناه تفيضان مرارة.

وفي الحقيقة، وبينما كانت تحدق في الرقعة، أدركت أن الفوز الكلي بات في متناول يدها خلال حركات معدودة. دفعت بنرداتها إلى الأمام، ودقات قلبها تقرع في أذنيها كالمطارق. تمنت ألا يلحظ “روك” الذي يرمقها بحذر تورّد وجهها من فرط الحماس. بذلت قصارى جهدها لتبدو غارقة في الضجر، وهي ملامح أتقنت تمثيلها عبر سنوات من حضور المراسم الملكية المملة. كان ذلك الجزء سهلاً، لكن المعضلة في “ثغرات الملامح” هي أنك تعجز دوماً عن رؤية ثغراتك الخاصة.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

حرك “روك” قطعة أخرى —تلك التي راهنت تماماً على أنه سيحركها— فدفعت “سيفن” قطعتها التالية بثقة، مقتربةً من “النواة” (Core) في مركز الرقعة. كانت قد أطبقت عليها الحصار فعلياً في هذه المرحلة.

قال القاضي وهو ينظر إليها بازدراء وكأنها ارتكبت جريمة شنيعة: “لا يمكن التلاعب بنرد القمار؛ هذا مستحيل فيزيائياً. كفى مراوغة أيتها الأميرة، واعترفي بفعلتك”.

“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.

أعلن المذيع بصوتٍ جهوري: “روك يفوز بالانسحاب القسري! استبعاد ’سيفنترا‘ من بيت فيل.. بتهمة استخدام نردٍ محشو. بتهمة الغش”.

حرك “روك” قطعته الأخيرة، وكان وجهه المتشنج ينطق بكل شيء؛ فقد أدرك أنه خسر، بل خسر خسارةً نكراء. شاطره الجمهور الرأي، إذ وقف الجميع يهتفون باسم “سيفن”. لم يتبقَّ سوى فعل واحد؛ أشار “روك” برأسه نحو النرد ذي العشرين وجهاً (d20) الملقى على الطاولة، وعيناه تفيضان مرارة.

كانت نظرة نصرٍ ساحق.

قال بصوتٍ متهدج: “هيا إذن.. ارمي النرد، وأنهِ أمري”.

ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.

تلقفت “سيفن” النرد بحذر، مستمتعةً بملمس الحجر الكريستالي الصقيل. “يا للإله!”، كان مجرد إمساك النرد يمنح شعوراً رائعاً، حتى وإن كان خلواً من أي ذرة سحر. راقبت رد فعل “روك” بدقة؛ رمية واحدة وستسحق نواته. حسابياً، كان فوزها حتمياً.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.

جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.

لم يكن بيدها ما تفعله. وبيدين مرتعشتين، ألقت النرد. تدحرج على بساط اللباد، مع شرارة صغيرة أقسمت “سيفن” أنها شعرت بها في كفيها. لم تكن نردات الألعاب تحمل أي طاقة سحرية قط، لكن هذا النرد تحرك بأسلوب مريب، كما لو كان تحت سطوة قوة عليا. حدقت فيه محاولة فك لغز ذاك الإحساس الغريب، لكنه استقر أخيراً فوق اللباد، ومض ومضةً خاطفة تكاد لا تُرى، ثم انطفأ.

انفجرت قائلة وهي لاتزال تمسك بمعصمها ويدها ترتجف من الألم: “أنا لم أغش! لقد هزمته بنزاهة.. النرد هو الذي كان ملعوباً به”.

رقم سبعة.

همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.

ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.

قال المسؤول: “سنحسم هذا في المحكمة، لو تكرمتِ فقط بـ—”

إذن، لقد انتهى الأمر. بات بإمكانها حقاً التحرر من قبضة عائلتها، ومن وطأة توقعاتهم وأحمالهم. أثبتت أخيراً أنها ليست مجرد “فردٍ فائض عن الحاجة”. شعرت وكأنها تحلق عالياً، واستسلمت لابتسامة عريضة انتشرت كالنار في وجهها. لقد فعلتها! لقد—

بالطبع، كانت هي أيضاً بارعة، لكنها لم تستطع إيجاد تفسير لمنطقه في هذه الحركة. هل نالت الضغوط منه؟ أم أنها مجرد هفوة منه؟ على الأرجح أنه فخ؛ فـ “روك” معروف بأسلوبه الاستعراضي في اللعب، إذ يقامر بنردات “فيل” (Veil dice) الخاصة به لتهيئة سيناريوهات يعجز خصومه عن فك شفرتها بالسرعة الكافية. أعادت فحص الرقعة مرة أخرى، لكن لا؛ كانت متأكدة من تفوقها الساحق، حتى لو حالفه الحظ بأرقام عالية في تلك النردات المخفية. في الواقع، كانت كفتها راجحة لدرجة تجبره على الانسحاب فوراً واختصار زمن المباراة.

فجأة، انبعث ألم حارق في يدها، فصرخت وجعاً وهي تتشبث بها. ماذا حدث؟ انبعثت رائحة احتراق اللحم لتصدم أنفها، وتحول زئير الحشد المتحمس إلى طنين عدائي يمزق أذنيها.

لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.

حدقت في كفها وسط ظلام الساحة الدامس؛ علامات حروق، وألم لا يُطاق، وجلد منتفخ ومبقع يرسم شكل النرد ذي العشرين وجهاً الذي رمته للتو.

— “هذا يخالف سياستنا—”

همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.

فجأة، انبعث ألم حارق في يدها، فصرخت وجعاً وهي تتشبث بها. ماذا حدث؟ انبعثت رائحة احتراق اللحم لتصدم أنفها، وتحول زئير الحشد المتحمس إلى طنين عدائي يمزق أذنيها.

رفعت بصرها بذعر نحو الموضع الذي استقر فيه النرد، الذي كان الآن يتوهج بلون أحمر ملتهب كالحمم. اقترب أحد المسؤولين والتقط النرد بملقط معدني، وفحصه بدقة، ثم همس بكلمات للمذيع الذي رمق “سيفن” بنظرة قاتمة.

همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.

أعلن المذيع بصوتٍ جهوري: “روك يفوز بالانسحاب القسري! استبعاد ’سيفنترا‘ من بيت فيل.. بتهمة استخدام نردٍ محشو. بتهمة الغش”.

لقد جعل الأمر مغرياً بالطبع؛ فالمعسكر الذي أحاطه بـ “أتباعه” كان سيجعل المجازفة تستحق العناء وأكثر. ربما ظن في قرارة نفسه أنها بحاجة لتلك الخطوة لتتقدم في الرقعة وتحسم الأمور، لكن “سيفن” كان لديها الكثير من الخيارات الأخرى التي لم يلحظها خصمها بعد.

انفجرت قائلة وهي لاتزال تمسك بمعصمها ويدها ترتجف من الألم: “أنا لم أغش! لقد هزمته بنزاهة.. النرد هو الذي كان ملعوباً به”.

تلقفت “سيفن” النرد بحذر، مستمتعةً بملمس الحجر الكريستالي الصقيل. “يا للإله!”، كان مجرد إمساك النرد يمنح شعوراً رائعاً، حتى وإن كان خلواً من أي ذرة سحر. راقبت رد فعل “روك” بدقة؛ رمية واحدة وستسحق نواته. حسابياً، كان فوزها حتمياً.

قال القاضي وهو ينظر إليها بازدراء وكأنها ارتكبت جريمة شنيعة: “لا يمكن التلاعب بنرد القمار؛ هذا مستحيل فيزيائياً. كفى مراوغة أيتها الأميرة، واعترفي بفعلتك”.

كانت نظرة نصرٍ ساحق.

انتفضت “سيفن” واقفة وهي تصرخ: “في أحلامك! من الواضح أنه هو من عبث به”، وأشارت إلى “روك” بانفعال، “أو شخص آخر فعل ذلك”.

أما الحشد، فلم يشاركها حذرها؛ إذ انطلقت شهقة جماعية مسموعة في أرجاء الساحة، وصمت الجمهور الصاخب فجأة، لتنتشر همساتهم في المكان كسرب من الطيور القلقة.

قال المسؤول: “سنحسم هذا في المحكمة، لو تكرمتِ فقط بـ—”

جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.

قاطعته وهي تلتفت نحوه بحدة: “لن أتنازل عن المباراة. حللوا النرد الآن، وليس لاحقاً”.

رفعت بصرها بذعر نحو الموضع الذي استقر فيه النرد، الذي كان الآن يتوهج بلون أحمر ملتهب كالحمم. اقترب أحد المسؤولين والتقط النرد بملقط معدني، وفحصه بدقة، ثم همس بكلمات للمذيع الذي رمق “سيفن” بنظرة قاتمة.

— “هذا يخالف سياستنا—”

جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.

— “لا تهمني سياستكم اللعينة، أنا—”

حدقت في كفها وسط ظلام الساحة الدامس؛ علامات حروق، وألم لا يُطاق، وجلد منتفخ ومبقع يرسم شكل النرد ذي العشرين وجهاً الذي رمته للتو.

فجأة، امتدت أيدٍ من خلفها لتختطفها. تلوت “سيفن” محاولةً تثبيت قدميها بينما كان أحدهم يجرها بعيداً. تحول ضجيج الحشد إلى همهمة استنكار منخفضة ومستمرة، وبينما كانت تقاوم قبضة الحراس، اصطدمت عيناها بوجوه أفراد عائلتها في الصفوف الأمامية. كان الاشمئزاز يطغى على ملامحهم؛ اشمئزاز ممزوج بالخزي. وفي وجوه الحشود، رأت انعكاساً لنفس ملامح عائلتها.

لقد جعل الأمر مغرياً بالطبع؛ فالمعسكر الذي أحاطه بـ “أتباعه” كان سيجعل المجازفة تستحق العناء وأكثر. ربما ظن في قرارة نفسه أنها بحاجة لتلك الخطوة لتتقدم في الرقعة وتحسم الأمور، لكن “سيفن” كان لديها الكثير من الخيارات الأخرى التي لم يلحظها خصمها بعد.

لم يعد يهم كونها بريئة، ولم يعد يهم أنه لم يملك أي دافع للغش. لم يهم أن النرد كان فخاً وخديعة. ما كان يهم حقاً هو أن “سيفن” أصبحت الآن تجسيداً لكل ما آمنوا به: فتاة مستهلكة، عديمة القيمة، غشاشة وكاذبة.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

مجرد قطعة احتياطية.

— “هذا يخالف سياستنا—”

وبينما كان الحراس يسحبونها خارج المسرح، التقت عيناها بعيني خصمها الذي كان يراقبها من بعيد. لم يكن في نظراته صدمة، ولا دهشة، ولا حتى ذرة حزن..

حرك “روك” قطعة أخرى —تلك التي راهنت تماماً على أنه سيحركها— فدفعت “سيفن” قطعتها التالية بثقة، مقتربةً من “النواة” (Core) في مركز الرقعة. كانت قد أطبقت عليها الحصار فعلياً في هذه المرحلة.

كانت نظرة نصرٍ ساحق.

لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.

أوصد الحراس باب المسرح، فغرق عالم “سيفن” في السواد.

ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.

ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط