الفصل الأول: البداية
كانت الاحتمالاتُ قوةً بذاتها؛ لها تدفقها الخاص.. وإيقاعها. أما “سيفن”، التي انخرطت في رقصة القدر هذه، فكانت بالكاد تلتقط أنفاسها.
لم يكن بيدها ما تفعله. وبيدين مرتعشتين، ألقت النرد. تدحرج على بساط اللباد، مع شرارة صغيرة أقسمت “سيفن” أنها شعرت بها في كفيها. لم تكن نردات الألعاب تحمل أي طاقة سحرية قط، لكن هذا النرد تحرك بأسلوب مريب، كما لو كان تحت سطوة قوة عليا. حدقت فيه محاولة فك لغز ذاك الإحساس الغريب، لكنه استقر أخيراً فوق اللباد، ومض ومضةً خاطفة تكاد لا تُرى، ثم انطفأ.
سقط برجان، وبقي واحد. حافظت “سيفن” على ثبات جسدها وبرود ملامحها بدقة متناهية، رغم أن كل عصب في جسدها كان يشتعل، وساقاها ترتجفان ملامستين معدن الكرسي البارد. بالكاد استطاعت التركيز على رقعة اللعب وسط الطنين الذي يملأ رأسها وهتافات الحشود من حولها. لقد لعبت بذكاء.. بل ببراعة فائقة، لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الملحّ بوجود خطب ما.
“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.
امتدت الساحة من حولها ومن حول خصمها من كل جانب، بينما كانت أجهزة العرض العاملة بطاقة النرد تبث المباراة لمتعة المشاهدين. وكان وجهها، بطبيعة الحال، معروضاً هناك أيضاً. أمرٌ مزعج.. ومشتت للانتباه. الجميع يعرفون هويتها، لكن ليس لسبب يدعو للفخر؛ فالحاضرون لم يأبهوا لفوزها، ولم يكترثوا لمهارتها في اللعب، أو الساعات التي أفنتها في إتقان الاستراتيجيات وفنون الخداع، وتقليل “ثغراتها” وتعبيراتها الواضحة.
حرك “روك” قطعته الأخيرة، وكان وجهه المتشنج ينطق بكل شيء؛ فقد أدرك أنه خسر، بل خسر خسارةً نكراء. شاطره الجمهور الرأي، إذ وقف الجميع يهتفون باسم “سيفن”. لم يتبقَّ سوى فعل واحد؛ أشار “روك” برأسه نحو النرد ذي العشرين وجهاً (d20) الملقى على الطاولة، وعيناه تفيضان مرارة.
لقد جاؤوا ليروها وهي تخسر.. ليسخروا منها ويستهزئوا بها.
جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.
ورغم ثقل نظراتهم الذي كان يضغط على كاهلها وهي تلعب، كادت “سيفن” تنساهم تماماً حين بدأ سحر اللعبة يتكشف أمامها. لقد أمضت ساعات طوال في صقل تقنياتها على الرقعة، رغم استياء عائلتها الشديد. ومع ذلك، كان هناك شيء آسر في الأمر؛ في ملمس النرد بين يديها، حتى وإن لم يستجب لبركة لمستها. ومع كل رمية وكل حركة، كادت تنسى أنها ملعونة وعاجزة؛ فهذا النرد، على الأقل، طوعُ امرها.
إذن، لقد انتهى الأمر. بات بإمكانها حقاً التحرر من قبضة عائلتها، ومن وطأة توقعاتهم وأحمالهم. أثبتت أخيراً أنها ليست مجرد “فردٍ فائض عن الحاجة”. شعرت وكأنها تحلق عالياً، واستسلمت لابتسامة عريضة انتشرت كالنار في وجهها. لقد فعلتها! لقد—
ثبّتت نردا أخر في مكانه، فانفجر بعض المتفرجين القريبين بالضحك، ليرتد صدى سخريتهم في أرجاء الساحة المظلمة. نقش الضحك ندبة في قلبها، لكنها نبذته جانباً. “ليعتقدوا ما يشاؤون”، فكرت وهي تقاوم الرغبة في هز قدمها بتوتر. “بعد انتهاء هذه المباراة، سيكون لديهم موضوع آخر يتهامسون بشأنه”. لن يتحدثوا عن “ابنة بيت فيل الملعونة”، بل عن أستاذة في لعبة “فرصة المتسول”، امرأة موهوبة لدرجة ستجعلهم ينسون ماضيها الملطخ تماماً. كان بإمكانها تغيير كل شيء، لو وجدت فقط سبيلاً لسحق دفاعات خصمها.
فجأة، انبعث ألم حارق في يدها، فصرخت وجعاً وهي تتشبث بها. ماذا حدث؟ انبعثت رائحة احتراق اللحم لتصدم أنفها، وتحول زئير الحشد المتحمس إلى طنين عدائي يمزق أذنيها.
جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.
جلس “روك” قبالتها؛ كان وسيماً بطريقته الخاصة، سليل عائلة نبيلة أخرى ومنافساً لدوداً فوق ذلك. لم تكن عائلته بقوة عائلة “فيل”، لكنها كانت تحظى بالاحترام على الأقل. كانت ساقه تهتز وهو يحدق في الرقعة، مسنداً رأسه إلى يديه غارقاً في التفكير. أدركت “سيفن” أن هذه كانت “ثغرته” (tell)، وهو أمر اكتشفته خلال الأشهر التي قضتها في مواجهته استعداداً للبطولة. كان يحاول التمويه بهز ساقه، لكنه دائماً ما يلعب بنردٍ عالي القيمة عندما يلمس وجهه. وبفضل هذه المعلومة، عرفت أن عليها تجنب حافة الخريطة، حيث حشد مجموعة من النرد لا سبيل لها لهزيمتها.
لقد جعل الأمر مغرياً بالطبع؛ فالمعسكر الذي أحاطه بـ “أتباعه” كان سيجعل المجازفة تستحق العناء وأكثر. ربما ظن في قرارة نفسه أنها بحاجة لتلك الخطوة لتتقدم في الرقعة وتحسم الأمور، لكن “سيفن” كان لديها الكثير من الخيارات الأخرى التي لم يلحظها خصمها بعد.
إذن، لقد انتهى الأمر. بات بإمكانها حقاً التحرر من قبضة عائلتها، ومن وطأة توقعاتهم وأحمالهم. أثبتت أخيراً أنها ليست مجرد “فردٍ فائض عن الحاجة”. شعرت وكأنها تحلق عالياً، واستسلمت لابتسامة عريضة انتشرت كالنار في وجهها. لقد فعلتها! لقد—
أطلق زفيراً متهدجاً، ثم رمى نردَه التالي ووضع آخر “أتباعه” على الرقعة. كانت تلك فرصته الأخيرة لقلب موازين اللعبة لصالحه، ولكن حين استقر النرد، كان على “سيفن” أن تقاوم بكل كيانها كي لا تظهر أي رد فعل.
فجأة، امتدت أيدٍ من خلفها لتختطفها. تلوت “سيفن” محاولةً تثبيت قدميها بينما كان أحدهم يجرها بعيداً. تحول ضجيج الحشد إلى همهمة استنكار منخفضة ومستمرة، وبينما كانت تقاوم قبضة الحراس، اصطدمت عيناها بوجوه أفراد عائلتها في الصفوف الأمامية. كان الاشمئزاز يطغى على ملامحهم؛ اشمئزاز ممزوج بالخزي. وفي وجوه الحشود، رأت انعكاساً لنفس ملامح عائلتها.
أما الحشد، فلم يشاركها حذرها؛ إذ انطلقت شهقة جماعية مسموعة في أرجاء الساحة، وصمت الجمهور الصاخب فجأة، لتنتشر همساتهم في المكان كسرب من الطيور القلقة.
ورغم ثقل نظراتهم الذي كان يضغط على كاهلها وهي تلعب، كادت “سيفن” تنساهم تماماً حين بدأ سحر اللعبة يتكشف أمامها. لقد أمضت ساعات طوال في صقل تقنياتها على الرقعة، رغم استياء عائلتها الشديد. ومع ذلك، كان هناك شيء آسر في الأمر؛ في ملمس النرد بين يديها، حتى وإن لم يستجب لبركة لمستها. ومع كل رمية وكل حركة، كادت تنسى أنها ملعونة وعاجزة؛ فهذا النرد، على الأقل، طوعُ امرها.
لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.
حسناً، “سيفن” كفيلة بإنهاء ذلك. كانت دفاعاتها متينة، وأبراجها محصنة، ومعسكراتها تحت السيطرة. كان وضعها الاقتصادي على الرقعة ممتازاً بشكل يبعث على الغبطة، وقد نشرت بالفعل الكثير من “النردات المحجوبة” في كل مكان كإجراء احترازي. كانت تملك الموارد الكافية لشن هجوم أكبر وأقوى.
بالطبع، كانت هي أيضاً بارعة، لكنها لم تستطع إيجاد تفسير لمنطقه في هذه الحركة. هل نالت الضغوط منه؟ أم أنها مجرد هفوة منه؟ على الأرجح أنه فخ؛ فـ “روك” معروف بأسلوبه الاستعراضي في اللعب، إذ يقامر بنردات “فيل” (Veil dice) الخاصة به لتهيئة سيناريوهات يعجز خصومه عن فك شفرتها بالسرعة الكافية. أعادت فحص الرقعة مرة أخرى، لكن لا؛ كانت متأكدة من تفوقها الساحق، حتى لو حالفه الحظ بأرقام عالية في تلك النردات المخفية. في الواقع، كانت كفتها راجحة لدرجة تجبره على الانسحاب فوراً واختصار زمن المباراة.
بالطبع، كانت هي أيضاً بارعة، لكنها لم تستطع إيجاد تفسير لمنطقه في هذه الحركة. هل نالت الضغوط منه؟ أم أنها مجرد هفوة منه؟ على الأرجح أنه فخ؛ فـ “روك” معروف بأسلوبه الاستعراضي في اللعب، إذ يقامر بنردات “فيل” (Veil dice) الخاصة به لتهيئة سيناريوهات يعجز خصومه عن فك شفرتها بالسرعة الكافية. أعادت فحص الرقعة مرة أخرى، لكن لا؛ كانت متأكدة من تفوقها الساحق، حتى لو حالفه الحظ بأرقام عالية في تلك النردات المخفية. في الواقع، كانت كفتها راجحة لدرجة تجبره على الانسحاب فوراً واختصار زمن المباراة.
“ربما يحاول فقط المماطلة”، فكرت ببرود وهي تراقبه. كانت وسيلة رخيصة، لكنها واجهت الكثير من الخصوم الذين انتهجوا الأسلوب ذاته؛ فمن فرط مرارتهم لخسارتهم أمام الابنة السابعة الملعونة لبيت “فيل”، كانوا يطيلون أمد اللعب بدافع الحقد، محاولين فقط حفظ ماء وجوههم.
أما الحشد، فلم يشاركها حذرها؛ إذ انطلقت شهقة جماعية مسموعة في أرجاء الساحة، وصمت الجمهور الصاخب فجأة، لتنتشر همساتهم في المكان كسرب من الطيور القلقة.
حسناً، “سيفن” كفيلة بإنهاء ذلك. كانت دفاعاتها متينة، وأبراجها محصنة، ومعسكراتها تحت السيطرة. كان وضعها الاقتصادي على الرقعة ممتازاً بشكل يبعث على الغبطة، وقد نشرت بالفعل الكثير من “النردات المحجوبة” في كل مكان كإجراء احترازي. كانت تملك الموارد الكافية لشن هجوم أكبر وأقوى.
وفي الحقيقة، وبينما كانت تحدق في الرقعة، أدركت أن الفوز الكلي بات في متناول يدها خلال حركات معدودة. دفعت بنرداتها إلى الأمام، ودقات قلبها تقرع في أذنيها كالمطارق. تمنت ألا يلحظ “روك” الذي يرمقها بحذر تورّد وجهها من فرط الحماس. بذلت قصارى جهدها لتبدو غارقة في الضجر، وهي ملامح أتقنت تمثيلها عبر سنوات من حضور المراسم الملكية المملة. كان ذلك الجزء سهلاً، لكن المعضلة في “ثغرات الملامح” هي أنك تعجز دوماً عن رؤية ثغراتك الخاصة.
وفي الحقيقة، وبينما كانت تحدق في الرقعة، أدركت أن الفوز الكلي بات في متناول يدها خلال حركات معدودة. دفعت بنرداتها إلى الأمام، ودقات قلبها تقرع في أذنيها كالمطارق. تمنت ألا يلحظ “روك” الذي يرمقها بحذر تورّد وجهها من فرط الحماس. بذلت قصارى جهدها لتبدو غارقة في الضجر، وهي ملامح أتقنت تمثيلها عبر سنوات من حضور المراسم الملكية المملة. كان ذلك الجزء سهلاً، لكن المعضلة في “ثغرات الملامح” هي أنك تعجز دوماً عن رؤية ثغراتك الخاصة.
لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.
حرك “روك” قطعة أخرى —تلك التي راهنت تماماً على أنه سيحركها— فدفعت “سيفن” قطعتها التالية بثقة، مقتربةً من “النواة” (Core) في مركز الرقعة. كانت قد أطبقت عليها الحصار فعلياً في هذه المرحلة.
ورغم ثقل نظراتهم الذي كان يضغط على كاهلها وهي تلعب، كادت “سيفن” تنساهم تماماً حين بدأ سحر اللعبة يتكشف أمامها. لقد أمضت ساعات طوال في صقل تقنياتها على الرقعة، رغم استياء عائلتها الشديد. ومع ذلك، كان هناك شيء آسر في الأمر؛ في ملمس النرد بين يديها، حتى وإن لم يستجب لبركة لمستها. ومع كل رمية وكل حركة، كادت تنسى أنها ملعونة وعاجزة؛ فهذا النرد، على الأقل، طوعُ امرها.
“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.
“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.
حرك “روك” قطعته الأخيرة، وكان وجهه المتشنج ينطق بكل شيء؛ فقد أدرك أنه خسر، بل خسر خسارةً نكراء. شاطره الجمهور الرأي، إذ وقف الجميع يهتفون باسم “سيفن”. لم يتبقَّ سوى فعل واحد؛ أشار “روك” برأسه نحو النرد ذي العشرين وجهاً (d20) الملقى على الطاولة، وعيناه تفيضان مرارة.
أوصد الحراس باب المسرح، فغرق عالم “سيفن” في السواد.
قال بصوتٍ متهدج: “هيا إذن.. ارمي النرد، وأنهِ أمري”.
انتفضت “سيفن” واقفة وهي تصرخ: “في أحلامك! من الواضح أنه هو من عبث به”، وأشارت إلى “روك” بانفعال، “أو شخص آخر فعل ذلك”.
تلقفت “سيفن” النرد بحذر، مستمتعةً بملمس الحجر الكريستالي الصقيل. “يا للإله!”، كان مجرد إمساك النرد يمنح شعوراً رائعاً، حتى وإن كان خلواً من أي ذرة سحر. راقبت رد فعل “روك” بدقة؛ رمية واحدة وستسحق نواته. حسابياً، كان فوزها حتمياً.
ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.
لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.
لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.
لم يكن بيدها ما تفعله. وبيدين مرتعشتين، ألقت النرد. تدحرج على بساط اللباد، مع شرارة صغيرة أقسمت “سيفن” أنها شعرت بها في كفيها. لم تكن نردات الألعاب تحمل أي طاقة سحرية قط، لكن هذا النرد تحرك بأسلوب مريب، كما لو كان تحت سطوة قوة عليا. حدقت فيه محاولة فك لغز ذاك الإحساس الغريب، لكنه استقر أخيراً فوق اللباد، ومض ومضةً خاطفة تكاد لا تُرى، ثم انطفأ.
— “هذا يخالف سياستنا—”
رقم سبعة.
لكنها لم تستطع التخلص من ذاك الشعور الجاثم بأن ثمة خطباً فادحاً، شيئاً ما قد أغفلته. أعادت فحص الرقعة، لكن كل شيء كان في موضعه الصحيح. لقد حسمت المباراة. ومع ذلك، رأت في عيني “روك” شيئاً غريباً؛ “ثغرة” (tell) لم تلحظها من قبل. ومضة حياة في عينيه المريرتين، كأنه يترقب شيئاً ما؛ إثارة وتلهف لا مبرر لهما في موقفه هذا.
ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.
لقد ارتكب خطأً.. خطأً جسيماً. “لماذا تحرك إلى ذاك الموضع تحديداً؟” تساءلت في نفسها، وهي تمسح الرقعة بحثاً عن تفصيل قد يكون فاتها. استحضرت في عقلها كل الاحتمالات الممكنة؛ فـ “روك” لاعب بارع في “فرصة المتسول” ولا يستهان به، وقد لعب دون أخطاء ليصل إلى نهائيات هذه البطولة. كان يبدو دائماً متقدماً بخطوة، وبسلسلة من المناورات التي تسبق خصمه. لم تملك إلا أن تعترف —بمرارة بعض الشيء— بأنه موهوب حقاً في هذه اللعبة.
إذن، لقد انتهى الأمر. بات بإمكانها حقاً التحرر من قبضة عائلتها، ومن وطأة توقعاتهم وأحمالهم. أثبتت أخيراً أنها ليست مجرد “فردٍ فائض عن الحاجة”. شعرت وكأنها تحلق عالياً، واستسلمت لابتسامة عريضة انتشرت كالنار في وجهها. لقد فعلتها! لقد—
قاطعته وهي تلتفت نحوه بحدة: “لن أتنازل عن المباراة. حللوا النرد الآن، وليس لاحقاً”.
فجأة، انبعث ألم حارق في يدها، فصرخت وجعاً وهي تتشبث بها. ماذا حدث؟ انبعثت رائحة احتراق اللحم لتصدم أنفها، وتحول زئير الحشد المتحمس إلى طنين عدائي يمزق أذنيها.
بالطبع، كانت هي أيضاً بارعة، لكنها لم تستطع إيجاد تفسير لمنطقه في هذه الحركة. هل نالت الضغوط منه؟ أم أنها مجرد هفوة منه؟ على الأرجح أنه فخ؛ فـ “روك” معروف بأسلوبه الاستعراضي في اللعب، إذ يقامر بنردات “فيل” (Veil dice) الخاصة به لتهيئة سيناريوهات يعجز خصومه عن فك شفرتها بالسرعة الكافية. أعادت فحص الرقعة مرة أخرى، لكن لا؛ كانت متأكدة من تفوقها الساحق، حتى لو حالفه الحظ بأرقام عالية في تلك النردات المخفية. في الواقع، كانت كفتها راجحة لدرجة تجبره على الانسحاب فوراً واختصار زمن المباراة.
حدقت في كفها وسط ظلام الساحة الدامس؛ علامات حروق، وألم لا يُطاق، وجلد منتفخ ومبقع يرسم شكل النرد ذي العشرين وجهاً الذي رمته للتو.
“ربما يحاول فقط المماطلة”، فكرت ببرود وهي تراقبه. كانت وسيلة رخيصة، لكنها واجهت الكثير من الخصوم الذين انتهجوا الأسلوب ذاته؛ فمن فرط مرارتهم لخسارتهم أمام الابنة السابعة الملعونة لبيت “فيل”، كانوا يطيلون أمد اللعب بدافع الحقد، محاولين فقط حفظ ماء وجوههم.
همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.
لقد جاؤوا ليروها وهي تخسر.. ليسخروا منها ويستهزئوا بها.
رفعت بصرها بذعر نحو الموضع الذي استقر فيه النرد، الذي كان الآن يتوهج بلون أحمر ملتهب كالحمم. اقترب أحد المسؤولين والتقط النرد بملقط معدني، وفحصه بدقة، ثم همس بكلمات للمذيع الذي رمق “سيفن” بنظرة قاتمة.
كانت نظرة نصرٍ ساحق.
أعلن المذيع بصوتٍ جهوري: “روك يفوز بالانسحاب القسري! استبعاد ’سيفنترا‘ من بيت فيل.. بتهمة استخدام نردٍ محشو. بتهمة الغش”.
“حركة واحدة فقط”، قالت لنفسها، بينما غدا هتاف الجمهور مجرد طنين بعيد في أذنيها. “دفعة واحدة، وسيتغير كل شيء. لا نبذ بعد الآن، لا ازدراء ولا رفض”. سيكون لديها أخيراً إنجاز يخصها وحدها لتواجه به عائلتها؛ مهارة لا يمكن لأي منهم أن يطمح لامتلاكها، حتى وهم من يملكون النرد. سيكون لها مسارها المهني المستقل عن الهراء الذي يحاول والداها إقحامها فيه. بهذا الفوز، ستمسك بزمام قدرها، وربما تضع يدها على نردٍ يتناغم حقاً مع حالتها الخاصة.
انفجرت قائلة وهي لاتزال تمسك بمعصمها ويدها ترتجف من الألم: “أنا لم أغش! لقد هزمته بنزاهة.. النرد هو الذي كان ملعوباً به”.
وبينما كان الحراس يسحبونها خارج المسرح، التقت عيناها بعيني خصمها الذي كان يراقبها من بعيد. لم يكن في نظراته صدمة، ولا دهشة، ولا حتى ذرة حزن..
قال القاضي وهو ينظر إليها بازدراء وكأنها ارتكبت جريمة شنيعة: “لا يمكن التلاعب بنرد القمار؛ هذا مستحيل فيزيائياً. كفى مراوغة أيتها الأميرة، واعترفي بفعلتك”.
لم يعد يهم كونها بريئة، ولم يعد يهم أنه لم يملك أي دافع للغش. لم يهم أن النرد كان فخاً وخديعة. ما كان يهم حقاً هو أن “سيفن” أصبحت الآن تجسيداً لكل ما آمنوا به: فتاة مستهلكة، عديمة القيمة، غشاشة وكاذبة.
انتفضت “سيفن” واقفة وهي تصرخ: “في أحلامك! من الواضح أنه هو من عبث به”، وأشارت إلى “روك” بانفعال، “أو شخص آخر فعل ذلك”.
ثبّتت نردا أخر في مكانه، فانفجر بعض المتفرجين القريبين بالضحك، ليرتد صدى سخريتهم في أرجاء الساحة المظلمة. نقش الضحك ندبة في قلبها، لكنها نبذته جانباً. “ليعتقدوا ما يشاؤون”، فكرت وهي تقاوم الرغبة في هز قدمها بتوتر. “بعد انتهاء هذه المباراة، سيكون لديهم موضوع آخر يتهامسون بشأنه”. لن يتحدثوا عن “ابنة بيت فيل الملعونة”، بل عن أستاذة في لعبة “فرصة المتسول”، امرأة موهوبة لدرجة ستجعلهم ينسون ماضيها الملطخ تماماً. كان بإمكانها تغيير كل شيء، لو وجدت فقط سبيلاً لسحق دفاعات خصمها.
قال المسؤول: “سنحسم هذا في المحكمة، لو تكرمتِ فقط بـ—”
همست وهي تهز رأسها بذهول: “لا.. لا، مستحيل. لم أفعل.. لم أكن لأفعل ذلك”.
قاطعته وهي تلتفت نحوه بحدة: “لن أتنازل عن المباراة. حللوا النرد الآن، وليس لاحقاً”.
قال بصوتٍ متهدج: “هيا إذن.. ارمي النرد، وأنهِ أمري”.
— “هذا يخالف سياستنا—”
حسناً، “سيفن” كفيلة بإنهاء ذلك. كانت دفاعاتها متينة، وأبراجها محصنة، ومعسكراتها تحت السيطرة. كان وضعها الاقتصادي على الرقعة ممتازاً بشكل يبعث على الغبطة، وقد نشرت بالفعل الكثير من “النردات المحجوبة” في كل مكان كإجراء احترازي. كانت تملك الموارد الكافية لشن هجوم أكبر وأقوى.
— “لا تهمني سياستكم اللعينة، أنا—”
أعلن المذيع بصوتٍ جهوري: “روك يفوز بالانسحاب القسري! استبعاد ’سيفنترا‘ من بيت فيل.. بتهمة استخدام نردٍ محشو. بتهمة الغش”.
فجأة، امتدت أيدٍ من خلفها لتختطفها. تلوت “سيفن” محاولةً تثبيت قدميها بينما كان أحدهم يجرها بعيداً. تحول ضجيج الحشد إلى همهمة استنكار منخفضة ومستمرة، وبينما كانت تقاوم قبضة الحراس، اصطدمت عيناها بوجوه أفراد عائلتها في الصفوف الأمامية. كان الاشمئزاز يطغى على ملامحهم؛ اشمئزاز ممزوج بالخزي. وفي وجوه الحشود، رأت انعكاساً لنفس ملامح عائلتها.
لم يعد يهم كونها بريئة، ولم يعد يهم أنه لم يملك أي دافع للغش. لم يهم أن النرد كان فخاً وخديعة. ما كان يهم حقاً هو أن “سيفن” أصبحت الآن تجسيداً لكل ما آمنوا به: فتاة مستهلكة، عديمة القيمة، غشاشة وكاذبة.
لم يعد يهم كونها بريئة، ولم يعد يهم أنه لم يملك أي دافع للغش. لم يهم أن النرد كان فخاً وخديعة. ما كان يهم حقاً هو أن “سيفن” أصبحت الآن تجسيداً لكل ما آمنوا به: فتاة مستهلكة، عديمة القيمة، غشاشة وكاذبة.
ضحكت بهدوء خافت؛ كانت رميةً هزيلة، لكنها كافية للإطاحة بنواة “روك”. حركت قطعتها الأخيرة، فانفجر الحشد بالهتاف بينما تلاشت نواة خصمها وتفككت على الرقعة. في تلك اللحظة، شعرت “سيفن” بكتفيها يسترخيان أخيراً.
مجرد قطعة احتياطية.
لم يعد يهم كونها بريئة، ولم يعد يهم أنه لم يملك أي دافع للغش. لم يهم أن النرد كان فخاً وخديعة. ما كان يهم حقاً هو أن “سيفن” أصبحت الآن تجسيداً لكل ما آمنوا به: فتاة مستهلكة، عديمة القيمة، غشاشة وكاذبة.
وبينما كان الحراس يسحبونها خارج المسرح، التقت عيناها بعيني خصمها الذي كان يراقبها من بعيد. لم يكن في نظراته صدمة، ولا دهشة، ولا حتى ذرة حزن..
كانت نظرة نصرٍ ساحق.
فجأة، امتدت أيدٍ من خلفها لتختطفها. تلوت “سيفن” محاولةً تثبيت قدميها بينما كان أحدهم يجرها بعيداً. تحول ضجيج الحشد إلى همهمة استنكار منخفضة ومستمرة، وبينما كانت تقاوم قبضة الحراس، اصطدمت عيناها بوجوه أفراد عائلتها في الصفوف الأمامية. كان الاشمئزاز يطغى على ملامحهم؛ اشمئزاز ممزوج بالخزي. وفي وجوه الحشود، رأت انعكاساً لنفس ملامح عائلتها.
أوصد الحراس باب المسرح، فغرق عالم “سيفن” في السواد.
مجرد قطعة احتياطية.
رقم سبعة.
