Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الخيميائي الميكانيكي 246

حل المشاكل

حل المشاكل

الفصل 246: حل المشاكل

 

 

 

بعد مغادرة سوين، استلقت كاتيوشا الثملة بتكاسل على كرسي استرخاء ناعم داخل جناح فاخر في نزل النجوم، بينما راحت خادمتها تمسح أثر الكحول عن جسدها بمنشفة دافئة. غطّت الفتاة في سكر شديد، واكتسى وجهها بحمرة تنضح بالدلال الفريد للفتيات الصغيرات، في حين دلكت مربيتها العجوز صدغيها برفق.

وبينما غرق في حيرته وعجزه، ترامى إلى مسامعه صوت سوين من خلفه يقول باتزان، “جيك، لا يجدي المنطق نفعًا مع أصناف معينة من البشر؛ ففي ناظر البعض، تبرر الضخامة المتوقعة للمكاسب سحق الإنسانية والقوانين تحت الأقدام.” أثارت الكلمات في صدر جيك مزيجًا من المشاعر، غلب عليها الأسى والذنب فقال، “معلمي، أنا نادم أشد الندم، لقد ورطتك معي.” فاكتفى سوين بهز رأسه نفيًا؛ فالحقيقة أنه اعتزم تصفية هذه القلائل وحلها قبل رحيله حتى لو لم يأتوا، وبوصفه المعلم، لن يسمح للأوباش بإلحاق الأذى بتلميذه، وما فعلوه الآن لم يزد عن توفير عناء البحث والذهاب إليهم.

 

 

تمتمت كاتيوشا بلسان ثقيل، “إذن، هذا هو شعور السكر… إنه ممتع نوعًا ما، غير أن رأسي يؤلمني قليلًا، وهذا مزعج…”

“…”

 

التفتت أفكاره صوب معلمه القابع خلفه، غير أن كثرتهم العددية جعلته يتوجس؛ فحتى لو حاز معلمه قدرات خارقة، يظل الإفلات من هذه المعركة بلا خسائر أمرًا عسيرًا. وزيادة على ذلك، فإن اندلاع قتال في قلب المدينة سيستدعي تدخل قوات حفظ الأمن لاعتقالهم، ما يقود في النهاية إلى نفق مسدود. استوعب جيك فداحة المأزق في ثوانٍ، وندم لعدم تحسبه لهذا السيناريو مبكرًا. وتشبث بأمل أخير يصيح عبره، “أتجرؤون على الاختطاف علنًا؟ إن قوات الأمن ستلقي القبض عليكم حتمًا!” رفع القائد حاجبيه بابتسامة تفيض سخرية، “ها… قوات الأمن؟” ومع سماع تلك الضحكة المستهزئة، دهم جيك شعور ساحق بالعجز؛ فالقانون معطل، واليد قصيرة، فهل يؤول أمره إلى الهلاك بين أيديهم؟ وأورثه هذا العجز إحساسًا لاذعًا بالذنب؛ فهل تسببت حماقته في الزج بمعلمه داخل هذا المستنقع؟

قالت المربّية العجوز بعجز طفيف، “آنسة، لا يجدر بكِ الشرب بهذه الكثافة إن كنتِ لا تطيقين الخمر. إذا اكتشفت السيدة الأمر، ستتهمني بإهمال واجبي. هل تحتاجين إلى ترياق للصداع؟”

 

 

 

لوّحت كاتيوشا بيدها، “لا داعي، أنا أحب هذا الشعور. فمن النادر أن أسكر~”

مر جيك بأفضل مرحلة عمرية للارتقاء والتقدم، وخاصة بعدما لقنه سوين التقنية السرية فائقة المستوى، مما يضمن له بدء مسيرته من نقطة تفوق بكثير الرجل العادي، وتجعل خيارات الهياكل ومواد التخصص أكثر تنوعًا ووفرة أمامه. وبدا سوين متفائلًا للغاية بمستقبل تلميذه النجب. ومع سماع هذه الكلمات، تهلل وجه جيك بالبشر والترقب، وأومأ برأسه مؤكدًا، “أجل، يا معلمي.”

 

 

نظرت المربية العجوز —التي تولت رعايتها منذ الصغر— إلى الفتاة الثملة بعينين تفيضان بالمودة، وقالت بجدية، “آنسة، تفويض الآخرين بهذه الأمور أهون، ولم تكن هناك أدنى حاجة لذهابكِ شخصيًّا.”

 

 

 

أحست كاتيوشا بثقل جفنيها، غير أن السكر شحذ أفكارها وزادها حدة، فقالت، “كيف لي أن أعرف حقيقة العالم إن لم أعاينه بنفسي؟ طوال حياتي، ظلوا يخبرونني بأن العامة رعاع قذرون، وأن القراصنة يجسدون الشر، وأن الحانات ما هي إلا بؤر للكسل والمرض والجشع والشهوة… مستنقع لخطايا البشرية جمعاء. لكن العالم الحقيقي يختلف تمامًا؛ ما قيل لم يكن إلا نتاج غطرسة النبلاء وتحيزهم…”

تولى سوين الإجابة عن كل معضلة مستندًا إلى مخزونه المعرفي الهائل. وحتى في بعض المجالات المجهولة، نجح في تقديم خيوط وأفكار مكنت جيك من استنباط الحلول بسرعة فائقة.

 

 

صمتت لبرهة، ثم أردفت بعبارة تحمل عمقًا آخر، “كيف للمرء أن يخط قصة بارعة دون أن يعيش التجربة بنفسه؟”

تمتمت كاتيوشا بلسان ثقيل، “إذن، هذا هو شعور السكر… إنه ممتع نوعًا ما، غير أن رأسي يؤلمني قليلًا، وهذا مزعج…”

 

 

تنهدت المربية العجوز بهدوء إزاء كلماتها، مدركة عجزها عن إقناع آنستها بالغة العناد، فآثرت تغيير الموضوع قائلة، “بعثت السيدة العجوز برسالة تفيد باحتمال حدوث تقلبات كبرى في الشمال، وتطلب عودتكِ العاجلة لأن البقاء هنا لم يعد آمنًا.”

 

 

 

“حبكة القصة الأصيلة لم تعد قابلة للاستمرار، لا بد من تدخل عوامل مجهولة…”

بما أن سوين أوضح لتلميذه ضيق الوقت المتاح للتدريس، فقد اغتنم جيك هذه الفرصة الثمينة والنادرة. وخلال أيام وجيزة، طرح كل الأسئلة التي تجمعت في ذهنه على مر السنين؛ أسئلة غزيرة ومعقدة تضاهي النجوم كثرةً، حتى إن أساتذة الأكاديمية التحضيرية في عاصمة رويينغ عجزوا عن فك معضلات الكثير منها.

 

 

تمتمت الفتاة مغمضة العينين على كرسي الاسترخاء بعبارات أشبه بحديث الأحلام، دون أن يتضح إن كانت استوعبت تحذير المربية أم لا، “ستعترف العائلة المالكة للإمبراطورية العظيمة قريبًا بأوليغ ’ملكًا لبحر الشمال’. ومع أن تلك الحشود المتنافرة لن تحقق الكثير، إلا أنها ستثير قلاقل هائلة في مؤخرة رويينغ. إن عائلة بونابارت المالكة، والدوق رافائيل، وقادة القراصنة في البحار الغربية والجنوبية لن يسمحوا لأوليغ باعتلاء العرش بهذه البساطة. نحن على أعتاب عصر من الفوضى العارمة، وحتى أعرق العائلات قد تندثر إن لم تستعد…”

وراحت كاتيوشا، تحت وطأة السكر المتزايد، تهمس بجمل متفرقة، “تتواتر بين شعب يات نبوءة تفيد بأن محاربًا وفيًّا للعهد القديم سينقذ شعبهم ويعيد القطعة المقدسة. ووفقًا للمخطوطات التاريخية من عهد أتريا، يعود التحالف بين قبيلة دالو والبشر إلى ألف عام مضت، ولم يُنقض القسم بعد… من مصادفات القدر أن عائلتنا تحتفظ برأس رمح [ميولنير]، ويا لها من مادة مذهلة…”

 

تفحص جيك ملامح الوجه، فصعق حين تبين أنه رأس رامان، قائد حراس عائلتهم السابق! يا للهول، أفي دقائق معدودة ينجح المعلم في تصفية متخصص من المستوى الثالث؟ كم هو مرعب وقوي! تجمد جيك من فرط المفاجأة، بينما ألقى سوين بالرأس بلا مبالاة فوق كومة الأشلاء، ثم أضرم نارًا تلتهم الأدلة وقال باقتضاب، “لننطلق.” سأله جيك بذهن مشتت ونبرة غريزية، “معلمي، إلى أين وجهتنا؟” فنطق سوين بكلمات باردة لا تحمل أي اكتراث، “لنستأصل شأفتهم ونبيد الجذور.”

ارتسمت مشاعر معقدة على وجه المربية العجوز وهي تصغي إليها، ثم لفتها الصمت. لو لم تكن الآنسة امرأة، لكان الأمر رائعًا بحق!

 

 

مضت عشرون دقيقة، ليتوقفا أمام مركز تأهيل خاص في الجانب الشرقي من المدينة. انتظر سوين لبرهة عند المدخل الرئيسي، وقبل أن يطول الوقت، دوى انفجار مدوٍّ انبعث من جناح كبار الشخصيات في الطابق الثاني، وتصاعدت ألسنة اللهب لتلتهم النوافذ. وتزامنًا مع الحريق، خرج جيك بخطى وادعة وهادئة، فرمقه سوين بنظرة متسائلة، “أأنهيت الأمر؟” ففي تلك الغرفة تحديدًا، تقبع ماريان، المرأة التي بُترت ساقاها سلفًا.

وراحت كاتيوشا، تحت وطأة السكر المتزايد، تهمس بجمل متفرقة، “تتواتر بين شعب يات نبوءة تفيد بأن محاربًا وفيًّا للعهد القديم سينقذ شعبهم ويعيد القطعة المقدسة. ووفقًا للمخطوطات التاريخية من عهد أتريا، يعود التحالف بين قبيلة دالو والبشر إلى ألف عام مضت، ولم يُنقض القسم بعد… من مصادفات القدر أن عائلتنا تحتفظ برأس رمح [ميولنير]، ويا لها من مادة مذهلة…”

 

 

انشغل سوين بوضع اللمسات على مخطط مكونات درع ميكانيكي حين دلف جيك، فالتفت إليه متمتمًا، “همم.” وُضعت الأطباق على المائدة، وحال رفع غطائها، انتشرت رائحة الشواء الزكية في أرجاء الغرفة؛ إذ تألف غداؤهم من لحم الغزال المشوي وبعض الفواكه الطازجة. ولم يشكُ سوين عوزًا ماليًّا يمنعه من جلب أجود الأطعمة وتدليل نفسه وتلميذه.

“يجب أن تحظى القصص بتماسك منطقي محكم لئلا يلحظ الحكماء أي تناقض عند تقصيها. إن لم أنخرط في هذه الأحداث، فكيف لي أن أربط السبب بالنتيجة؟ نحن أبطال حكاياتنا، لكننا أيضًا مجرد شخصيات ثانوية في حكايات الآخرين…”

ولم يعبأ سوين كثيرًا بهذه الشكليات البروتوكولية. وفجأة، استشعر أمرًا طارئًا، فضاق بؤبؤ عينه وفكر في نفسه: ‘أأقبلوا أخيرًا؟’ التفت صوب جيك وخاطبه بجدية، “جيك، التحصيل العلمي أمر أساسي، لكن قبل أن تقفل راجعًا إلى العاصمة، هل ثمة مسألة أخرى تحتاج إلى تسويتها؟”

 

 

وبينما هي تتحدث، انفرجت عيناها قليلًا بنظرة ضبابية لا تخلو من الفطنة والعمق. وبدا أنها تذكرت شيئًا، فارتسمت غمازة صغيرة على شفتيها وهي تهمس، “همم، من النادر مصادفة شخص يثير الاهتمام إلى هذا الحد…” وما إن أنهت كلماتها حتى استسلمت للنوم أخيرًا.

وبانفراج الباب، تجسد أمامه ذلك الجسد المنغمس بكليته في الدراسة والبحث. وتعجب جيك في نفسه، “حتى المعلم بكل هذا العلم لا يفتأ يثابر ويجتهد!” فخلال يومين من التعامل عن قرب، تيقن جيك أن معلمه لا يملك مجرد إلمام سطحي بالعلوم المختلفة، بل هو أستاذ متمكن في شتى الميادين!

 

أحست كاتيوشا بثقل جفنيها، غير أن السكر شحذ أفكارها وزادها حدة، فقالت، “كيف لي أن أعرف حقيقة العالم إن لم أعاينه بنفسي؟ طوال حياتي، ظلوا يخبرونني بأن العامة رعاع قذرون، وأن القراصنة يجسدون الشر، وأن الحانات ما هي إلا بؤر للكسل والمرض والجشع والشهوة… مستنقع لخطايا البشرية جمعاء. لكن العالم الحقيقي يختلف تمامًا؛ ما قيل لم يكن إلا نتاج غطرسة النبلاء وتحيزهم…”

في النزل، لم يكد سوين وجيك يغادران غرفتهما منذ عودتهما؛ إذ خصص سوين قرابة ساعة يوميًّا لتعليم تلميذه الجديد.

 

 

 

امتلك جيك موهبة فذة في تركيب الجرعات الخيميائية، لا سيما في علوم المتفجرات والقنابل! ورغم أنه أشبه ببذرة برتقال أراد لها والده أن تنمو لتصبح شجرة تفاح، فإن ذلك الانحراف القسري في مساره المهني حجب موهبته العبقرية إلى حد كبير. أما الآن، وتحت إشراف سوين، انطلق جيك في نموه المعرفي بلا كوابح. وغدا تفكيره المتشعب والجامح يذهل سوين نفسه —القادم من عالم آخر— بين الحين والآخر. فالواقع يثبت أنه رغم تفوق سوين الهائل في حصيلته المعرفية، فإن ابتكار نوع جديد تمامًا من القنابل يتطلب موهبة خاصة؛ فالإبداع والابتكار يظلان دائمًا أسمى ملكات الخيميائي!

تولى سوين الإجابة عن كل معضلة مستندًا إلى مخزونه المعرفي الهائل. وحتى في بعض المجالات المجهولة، نجح في تقديم خيوط وأفكار مكنت جيك من استنباط الحلول بسرعة فائقة.

 

التفتت أفكاره صوب معلمه القابع خلفه، غير أن كثرتهم العددية جعلته يتوجس؛ فحتى لو حاز معلمه قدرات خارقة، يظل الإفلات من هذه المعركة بلا خسائر أمرًا عسيرًا. وزيادة على ذلك، فإن اندلاع قتال في قلب المدينة سيستدعي تدخل قوات حفظ الأمن لاعتقالهم، ما يقود في النهاية إلى نفق مسدود. استوعب جيك فداحة المأزق في ثوانٍ، وندم لعدم تحسبه لهذا السيناريو مبكرًا. وتشبث بأمل أخير يصيح عبره، “أتجرؤون على الاختطاف علنًا؟ إن قوات الأمن ستلقي القبض عليكم حتمًا!” رفع القائد حاجبيه بابتسامة تفيض سخرية، “ها… قوات الأمن؟” ومع سماع تلك الضحكة المستهزئة، دهم جيك شعور ساحق بالعجز؛ فالقانون معطل، واليد قصيرة، فهل يؤول أمره إلى الهلاك بين أيديهم؟ وأورثه هذا العجز إحساسًا لاذعًا بالذنب؛ فهل تسببت حماقته في الزج بمعلمه داخل هذا المستنقع؟

“معلمي، هل يمكننا الاستعانة بخيوط حريرية لتوجيه مقذوف وتعديل مساره بغية تحقيق إصابة دقيقة؟”

 

 

وراحت كاتيوشا، تحت وطأة السكر المتزايد، تهمس بجمل متفرقة، “تتواتر بين شعب يات نبوءة تفيد بأن محاربًا وفيًّا للعهد القديم سينقذ شعبهم ويعيد القطعة المقدسة. ووفقًا للمخطوطات التاريخية من عهد أتريا، يعود التحالف بين قبيلة دالو والبشر إلى ألف عام مضت، ولم يُنقض القسم بعد… من مصادفات القدر أن عائلتنا تحتفظ برأس رمح [ميولنير]، ويا لها من مادة مذهلة…”

“هل يصح استخدام كائنات حية فريدة مثل ’الدودة الشاطرة’، التي يستشعر كلا النصفين منهما الآخر بعد الانقسام، لابتكار صاعق تفجير عن بُعد؟”

وبينما هي تتحدث، انفرجت عيناها قليلًا بنظرة ضبابية لا تخلو من الفطنة والعمق. وبدا أنها تذكرت شيئًا، فارتسمت غمازة صغيرة على شفتيها وهي تهمس، “همم، من النادر مصادفة شخص يثير الاهتمام إلى هذا الحد…” وما إن أنهت كلماتها حتى استسلمت للنوم أخيرًا.

 

تناول الاثنان طعامهما في الغرفة، واغتنم جيك الفرصة ليخرج دفتر ملاحظاته مستفسرًا عن النقاط التي استعصت عليه خلال تحصيل اليوم. وحتى في أوقات الأكل، لم تكف أطراف سوين العنكبوتية الثمانية عن الحركة والعمل؛ فهو يأكل، ويجيب عن الأسئلة، ويدرس علم الميكانيكا، ويرسم المخططات… ينجز مهام متعددة في آن واحد ودون أدنى تداخل أو تشتت.

“معلمي، هل تجد فكرتي بشأن ’التتبع بالاستشعار الحراري’ صائبة؟”

 

 

وراحت كاتيوشا، تحت وطأة السكر المتزايد، تهمس بجمل متفرقة، “تتواتر بين شعب يات نبوءة تفيد بأن محاربًا وفيًّا للعهد القديم سينقذ شعبهم ويعيد القطعة المقدسة. ووفقًا للمخطوطات التاريخية من عهد أتريا، يعود التحالف بين قبيلة دالو والبشر إلى ألف عام مضت، ولم يُنقض القسم بعد… من مصادفات القدر أن عائلتنا تحتفظ برأس رمح [ميولنير]، ويا لها من مادة مذهلة…”

“تظل القنابل القائمة على الصيغ الكيميائية المعتادة محدودة بمقدار شحنتها، لكن الكائنات الحية قادرة على اختزان طاقة لا حصر لها، كالوحوش السحرية مثلًا. فهل يسعنا صنع قنابل بيولوجية؟”

 

 

التفتت أفكاره صوب معلمه القابع خلفه، غير أن كثرتهم العددية جعلته يتوجس؛ فحتى لو حاز معلمه قدرات خارقة، يظل الإفلات من هذه المعركة بلا خسائر أمرًا عسيرًا. وزيادة على ذلك، فإن اندلاع قتال في قلب المدينة سيستدعي تدخل قوات حفظ الأمن لاعتقالهم، ما يقود في النهاية إلى نفق مسدود. استوعب جيك فداحة المأزق في ثوانٍ، وندم لعدم تحسبه لهذا السيناريو مبكرًا. وتشبث بأمل أخير يصيح عبره، “أتجرؤون على الاختطاف علنًا؟ إن قوات الأمن ستلقي القبض عليكم حتمًا!” رفع القائد حاجبيه بابتسامة تفيض سخرية، “ها… قوات الأمن؟” ومع سماع تلك الضحكة المستهزئة، دهم جيك شعور ساحق بالعجز؛ فالقانون معطل، واليد قصيرة، فهل يؤول أمره إلى الهلاك بين أيديهم؟ وأورثه هذا العجز إحساسًا لاذعًا بالذنب؛ فهل تسببت حماقته في الزج بمعلمه داخل هذا المستنقع؟

“…”

في النزل، لم يكد سوين وجيك يغادران غرفتهما منذ عودتهما؛ إذ خصص سوين قرابة ساعة يوميًّا لتعليم تلميذه الجديد.

 

ولأنه استشعر غموض سوين واحتمال حيازته قدرات خاصة، آثر الاحتماء بنفوذ العصابة والتباهي بقوتها؛ إذ يعلم أن أعتى قادة القراصنة وأكثرهم تمردًا يحسبون لعصابتهم ألف حساب عند دخول المدينة. لكن سوين لم يكن من الصنف الذي يعرف الخوف أو يتراجع. أطلق ضحكة خافتة وادعة وقال، “ها، لم يكن سؤالي إلا من باب الاستفسار فحسب؛ إذ في نهاية المطاف… يستلزم إزهاق الأرواح مسوغًا مقنعًا، أليس كذلك؟” وما إن أتم جملته، حتى ومض ضوء أحمر قرمزي قاطع في عينيه!

بما أن سوين أوضح لتلميذه ضيق الوقت المتاح للتدريس، فقد اغتنم جيك هذه الفرصة الثمينة والنادرة. وخلال أيام وجيزة، طرح كل الأسئلة التي تجمعت في ذهنه على مر السنين؛ أسئلة غزيرة ومعقدة تضاهي النجوم كثرةً، حتى إن أساتذة الأكاديمية التحضيرية في عاصمة رويينغ عجزوا عن فك معضلات الكثير منها.

 

تولى سوين الإجابة عن كل معضلة مستندًا إلى مخزونه المعرفي الهائل. وحتى في بعض المجالات المجهولة، نجح في تقديم خيوط وأفكار مكنت جيك من استنباط الحلول بسرعة فائقة.

تولى سوين الإجابة عن كل معضلة مستندًا إلى مخزونه المعرفي الهائل. وحتى في بعض المجالات المجهولة، نجح في تقديم خيوط وأفكار مكنت جيك من استنباط الحلول بسرعة فائقة.

 

 

 

حل اليوم الثالث، فطرق جيك باب سوين قائلًا، “معلمي، حان وقت الغداء.” وما إن طرق حتى أدار مقبض الباب مباشرة؛ إذ نشأ بين المعلم وتلميذه تفاهم متبادل، وجيك يدرك تمامًا أن معلمه سيتولى فتح الباب بواسطة خيوطه السحرية حتمًا.

 

 

حل اليوم الثالث، فطرق جيك باب سوين قائلًا، “معلمي، حان وقت الغداء.” وما إن طرق حتى أدار مقبض الباب مباشرة؛ إذ نشأ بين المعلم وتلميذه تفاهم متبادل، وجيك يدرك تمامًا أن معلمه سيتولى فتح الباب بواسطة خيوطه السحرية حتمًا.

وبانفراج الباب، تجسد أمامه ذلك الجسد المنغمس بكليته في الدراسة والبحث. وتعجب جيك في نفسه، “حتى المعلم بكل هذا العلم لا يفتأ يثابر ويجتهد!” فخلال يومين من التعامل عن قرب، تيقن جيك أن معلمه لا يملك مجرد إلمام سطحي بالعلوم المختلفة، بل هو أستاذ متمكن في شتى الميادين!

 

 

“حبكة القصة الأصيلة لم تعد قابلة للاستمرار، لا بد من تدخل عوامل مجهولة…”

انشغل سوين بوضع اللمسات على مخطط مكونات درع ميكانيكي حين دلف جيك، فالتفت إليه متمتمًا، “همم.” وُضعت الأطباق على المائدة، وحال رفع غطائها، انتشرت رائحة الشواء الزكية في أرجاء الغرفة؛ إذ تألف غداؤهم من لحم الغزال المشوي وبعض الفواكه الطازجة. ولم يشكُ سوين عوزًا ماليًّا يمنعه من جلب أجود الأطعمة وتدليل نفسه وتلميذه.

وراحت كاتيوشا، تحت وطأة السكر المتزايد، تهمس بجمل متفرقة، “تتواتر بين شعب يات نبوءة تفيد بأن محاربًا وفيًّا للعهد القديم سينقذ شعبهم ويعيد القطعة المقدسة. ووفقًا للمخطوطات التاريخية من عهد أتريا، يعود التحالف بين قبيلة دالو والبشر إلى ألف عام مضت، ولم يُنقض القسم بعد… من مصادفات القدر أن عائلتنا تحتفظ برأس رمح [ميولنير]، ويا لها من مادة مذهلة…”

 

أحست كاتيوشا بثقل جفنيها، غير أن السكر شحذ أفكارها وزادها حدة، فقالت، “كيف لي أن أعرف حقيقة العالم إن لم أعاينه بنفسي؟ طوال حياتي، ظلوا يخبرونني بأن العامة رعاع قذرون، وأن القراصنة يجسدون الشر، وأن الحانات ما هي إلا بؤر للكسل والمرض والجشع والشهوة… مستنقع لخطايا البشرية جمعاء. لكن العالم الحقيقي يختلف تمامًا؛ ما قيل لم يكن إلا نتاج غطرسة النبلاء وتحيزهم…”

تناول الاثنان طعامهما في الغرفة، واغتنم جيك الفرصة ليخرج دفتر ملاحظاته مستفسرًا عن النقاط التي استعصت عليه خلال تحصيل اليوم. وحتى في أوقات الأكل، لم تكف أطراف سوين العنكبوتية الثمانية عن الحركة والعمل؛ فهو يأكل، ويجيب عن الأسئلة، ويدرس علم الميكانيكا، ويرسم المخططات… ينجز مهام متعددة في آن واحد ودون أدنى تداخل أو تشتت.

 

 

بيد أن إدراكه لرحيل سوين الوشيك اليوم أضفى مسحة من الكآبة على ملامحه، فسأله في تلك اللحظة، “معلمي، هل تعتزم المغادرة اليوم؟”

رمق جيك تلك الأطراف العنكبوتية المتوهجة خلف ظهر سوين، وعجز عن مواراة غبطته وحسده قائلًا، “معلمي، متى يتسنى لي امتلاك هياكل ميكانيكية مذهلة كهذه؟”

امتلك جيك موهبة فذة في تركيب الجرعات الخيميائية، لا سيما في علوم المتفجرات والقنابل! ورغم أنه أشبه ببذرة برتقال أراد لها والده أن تنمو لتصبح شجرة تفاح، فإن ذلك الانحراف القسري في مساره المهني حجب موهبته العبقرية إلى حد كبير. أما الآن، وتحت إشراف سوين، انطلق جيك في نموه المعرفي بلا كوابح. وغدا تفكيره المتشعب والجامح يذهل سوين نفسه —القادم من عالم آخر— بين الحين والآخر. فالواقع يثبت أنه رغم تفوق سوين الهائل في حصيلته المعرفية، فإن ابتكار نوع جديد تمامًا من القنابل يتطلب موهبة خاصة؛ فالإبداع والابتكار يظلان دائمًا أسمى ملكات الخيميائي!

 

 

ابتسم سوين مجيبًا، “واظب على تدريبك باجتهاد، وسيمكنك الارتقاء إلى مرتبة متخصص رسمي في غضون نصف عام. وحينها، يسعك تصميم الهيكل الوظيفي والقتالي الذي يلائمك. إن أسلوبي وطريقي لا يناسبانك، وعليك صياغة مسارك الخاص…”

 

 

تمتمت الفتاة مغمضة العينين على كرسي الاسترخاء بعبارات أشبه بحديث الأحلام، دون أن يتضح إن كانت استوعبت تحذير المربية أم لا، “ستعترف العائلة المالكة للإمبراطورية العظيمة قريبًا بأوليغ ’ملكًا لبحر الشمال’. ومع أن تلك الحشود المتنافرة لن تحقق الكثير، إلا أنها ستثير قلاقل هائلة في مؤخرة رويينغ. إن عائلة بونابارت المالكة، والدوق رافائيل، وقادة القراصنة في البحار الغربية والجنوبية لن يسمحوا لأوليغ باعتلاء العرش بهذه البساطة. نحن على أعتاب عصر من الفوضى العارمة، وحتى أعرق العائلات قد تندثر إن لم تستعد…”

مر جيك بأفضل مرحلة عمرية للارتقاء والتقدم، وخاصة بعدما لقنه سوين التقنية السرية فائقة المستوى، مما يضمن له بدء مسيرته من نقطة تفوق بكثير الرجل العادي، وتجعل خيارات الهياكل ومواد التخصص أكثر تنوعًا ووفرة أمامه. وبدا سوين متفائلًا للغاية بمستقبل تلميذه النجب. ومع سماع هذه الكلمات، تهلل وجه جيك بالبشر والترقب، وأومأ برأسه مؤكدًا، “أجل، يا معلمي.”

 

 

انسابت الدماء بغزارة تحت قدميه لتبلل السجادة وتصبغها باللون الأرجواني الداكن، وبحركته الطفيفة، أحس برطوبتها الدافئة تتسرب إليه. تراءى المشهد أمامه كقطع متناثرة؛ أطراف مبعثرة، وأحشاء مدلوقة، ولحوم ممزقة تشبه معروضات الجزارة في مسلخ بشع. زلزلته صدمة عنيفة لم يعهدها من قبل، وفي تلك اللحظات بالذات، نبتت في أعماق قلبه بذرة جديدة.. القوة! القوة الهائلة وحدها الكفيلة بجعل المرء يتحدى الوجود بلا وجل. وبينما هو غارق في لجة ذهوله، ومض خيال سريع ليعود سوين شاخصًا عند عتبة الباب، حاملًا في يده رأسًا بشريًّا يقطر دمًا.

بيد أن إدراكه لرحيل سوين الوشيك اليوم أضفى مسحة من الكآبة على ملامحه، فسأله في تلك اللحظة، “معلمي، هل تعتزم المغادرة اليوم؟”

 

 

سكت قليلًا، ثم استرعى انتباهه قول مأثور ردده صديق قديم على مسامعه ذات يوم، فأعاده قائلًا، “من القمم العالية فقط، يتسنى لك تأمل أروع المناظر وأوسعها.” هزت هذه العبارة وجدان جيك، فنهض واقفًا وانحنى بإجلال، “معلمي، بفضل توجيهاتك، أثق تمامًا في التحاقي بالأكاديمية الملكية. وعند لقائنا القادم، أعدك ألا أخيب ظنك أبدًا!” فاكتفى سوين بابتسامة وهزة رأس خفيفة متمتمًا، “همم.”

أجاب سوين، “همم، ينتظرني بضعة أمور لإنجازها. وفور استقرار أوضاعك، قد أقصد العاصمة.” فالمؤشرات تدل على توجه سابرينا إلى العاصمة، ناهيك عن وجود مجلد من مخطوطة إسحاق الخيميائية في مكتبة الأكاديمية الملكية، حيث تُحفظ أدق المعارف الخيميائية وأشملها. وبناءً على هذا، غدا الذهاب في رحلة إلى عاصمة إمبراطورية رويينغ أمرًا محتومًا.

التفتت أفكاره صوب معلمه القابع خلفه، غير أن كثرتهم العددية جعلته يتوجس؛ فحتى لو حاز معلمه قدرات خارقة، يظل الإفلات من هذه المعركة بلا خسائر أمرًا عسيرًا. وزيادة على ذلك، فإن اندلاع قتال في قلب المدينة سيستدعي تدخل قوات حفظ الأمن لاعتقالهم، ما يقود في النهاية إلى نفق مسدود. استوعب جيك فداحة المأزق في ثوانٍ، وندم لعدم تحسبه لهذا السيناريو مبكرًا. وتشبث بأمل أخير يصيح عبره، “أتجرؤون على الاختطاف علنًا؟ إن قوات الأمن ستلقي القبض عليكم حتمًا!” رفع القائد حاجبيه بابتسامة تفيض سخرية، “ها… قوات الأمن؟” ومع سماع تلك الضحكة المستهزئة، دهم جيك شعور ساحق بالعجز؛ فالقانون معطل، واليد قصيرة، فهل يؤول أمره إلى الهلاك بين أيديهم؟ وأورثه هذا العجز إحساسًا لاذعًا بالذنب؛ فهل تسببت حماقته في الزج بمعلمه داخل هذا المستنقع؟

 

 

قال جيك بعبارات لا تخلو من تأثر عاطفي نظير حداثة سنه، “معلمي، إن لقائي بك هو أعظم حسن طالع حظيت به في حياتي.” حركت هذه الكلمات شجون سوين ليتذكر معلمته سيريا، مدركًا الفارق الهائل الذي يصنعه المعلم الفاضل، وكأن المشهد يعيد إحياء ذكريات ذلك الحيز الملعون. ابتسم ووجه نصيحته قائلًا، “ضاعف جهودك لتغدو أقوى؛ فحتى لو غدوت ميكانيكيًّا وأردت بلوغ آفاق أبعد مستقبَلًا، يتعين عليك امتلاك قوة كافية تحميك.”

————————

 

 

سكت قليلًا، ثم استرعى انتباهه قول مأثور ردده صديق قديم على مسامعه ذات يوم، فأعاده قائلًا، “من القمم العالية فقط، يتسنى لك تأمل أروع المناظر وأوسعها.” هزت هذه العبارة وجدان جيك، فنهض واقفًا وانحنى بإجلال، “معلمي، بفضل توجيهاتك، أثق تمامًا في التحاقي بالأكاديمية الملكية. وعند لقائنا القادم، أعدك ألا أخيب ظنك أبدًا!” فاكتفى سوين بابتسامة وهزة رأس خفيفة متمتمًا، “همم.”

مر جيك بأفضل مرحلة عمرية للارتقاء والتقدم، وخاصة بعدما لقنه سوين التقنية السرية فائقة المستوى، مما يضمن له بدء مسيرته من نقطة تفوق بكثير الرجل العادي، وتجعل خيارات الهياكل ومواد التخصص أكثر تنوعًا ووفرة أمامه. وبدا سوين متفائلًا للغاية بمستقبل تلميذه النجب. ومع سماع هذه الكلمات، تهلل وجه جيك بالبشر والترقب، وأومأ برأسه مؤكدًا، “أجل، يا معلمي.”

 

 

ولم يعبأ سوين كثيرًا بهذه الشكليات البروتوكولية. وفجأة، استشعر أمرًا طارئًا، فضاق بؤبؤ عينه وفكر في نفسه: ‘أأقبلوا أخيرًا؟’ التفت صوب جيك وخاطبه بجدية، “جيك، التحصيل العلمي أمر أساسي، لكن قبل أن تقفل راجعًا إلى العاصمة، هل ثمة مسألة أخرى تحتاج إلى تسويتها؟”

 

 

ولأن جيك سريع البديهة، لمعت الفكرة في ذهنه فورًا وتساءل، “أتقصد… تلك المرأة الخبيثة؟” فأومأ سوين برأسه إيجابًا. ومع تبادر الاحتمالات، تبدلت ملامح جيك واعتراها الهلع، “معلمي، أتظنهم قادرين على اقتحام النزل؟” فأجابه سوين بنبرة باردة مستقرة، “لقد وصلوا بالفعل.”

ولأن جيك سريع البديهة، لمعت الفكرة في ذهنه فورًا وتساءل، “أتقصد… تلك المرأة الخبيثة؟” فأومأ سوين برأسه إيجابًا. ومع تبادر الاحتمالات، تبدلت ملامح جيك واعتراها الهلع، “معلمي، أتظنهم قادرين على اقتحام النزل؟” فأجابه سوين بنبرة باردة مستقرة، “لقد وصلوا بالفعل.”

“هل يصح استخدام كائنات حية فريدة مثل ’الدودة الشاطرة’، التي يستشعر كلا النصفين منهما الآخر بعد الانقسام، لابتكار صاعق تفجير عن بُعد؟”

 

 

في نهاية المطاف، ظل جيك مجرد خريج حديث عهد بالأكاديمية التحضيرية، يفتقر إلى حنكة الحياة وتجاربها، وجاهل تمامًا بمخاطر المجتمع ودهاليزه. صحيح أن والده بنسون قُتل، غير أن بقاء جيك على قيد الحياة يحول دون أيلولة ممتلكات العائلة في العاصمة إلى يد ماريان، ولو انكشف المستور لواجهوا ملاحقة قضائية صارمة؛ لذا ينحصر خيارهم الوحيد في تصفية جيك ومنعه من مغادرة مدينة العواصف الثلجية حيًّا. استنتج سوين هذه المكيدة لكنه آثر كتمانها مسبقًا، رغبةً منه في تلقين تلميذه درسًا عمليًّا يختبر فيه قسوة الواقع بنفسه.

رمق القائد ذو الشعر المنفوش الرجل المقنع بنظرات يمتزج فيها الفضول بالشك، وسأل، “يا هذا، من أي طينة أنت وما مقصدك؟” لم يتطوع سوين بالإجابة، بل اكتفى بابتسامة هادئة قائلًا، “إن لم يخب ظني، فقد تلقيتم وعودًا باقتطاع نسبة من أصول تجارة الفراء الخاصة ببنسون لقاء تسليم هذا الفتى… أليس كذلك؟ هل هي ستون بالمئة، أم سبعون؟” وهنا، أدرك جيك القابع في الجوار سر تدخل العصابة؛ فاستبد به الغيظ والاحتقان، إذ تجرأ ذلك الزوجان الخبيثان على تسخير أملاك عائلته لدفع مكافأة تصفية جسده!

 

 

وقبل أن يتما حديثهما، دوى صوت ركلة عنيفة حطمت الباب، واقتحمت الغرفة ثلة من الأوباش والبلطجية يناهز عددهم العشرين رجلًا. كست أجسادهم سترات جلدية، وتوزعت عليها الأوشام والثقوب، ناهيك عن تسريحات الشعر الغريبة والمدببة التي تعلن بوضوح انتمائهم لعصابة إجرامية. تفرض مدينة العواصف الثلجية قوانين صارمة تحظر القتال، غير أن هذه الأحكام تطبق عادة على الغرباء، في حين تحظى العصابات المحلية بمرونة وتواطؤ أوسع. واستشعر سوين انسحاب ضابطي الأمن اللذين كانا يجوبان الشارع فور دخول العصابة إلى النزل، في إشارة واضحة لرغبتهما في الابتعاد عن مسرح الجريمة. ورغم عنصر المفاجأة، انتفض جيك واقفًا بلا ذعر وسأل بحدة، “ماذا تبغون؟!”

تنهدت المربية العجوز بهدوء إزاء كلماتها، مدركة عجزها عن إقناع آنستها بالغة العناد، فآثرت تغيير الموضوع قائلة، “بعثت السيدة العجوز برسالة تفيد باحتمال حدوث تقلبات كبرى في الشمال، وتطلب عودتكِ العاجلة لأن البقاء هنا لم يعد آمنًا.”

 

“يجب أن تحظى القصص بتماسك منطقي محكم لئلا يلحظ الحكماء أي تناقض عند تقصيها. إن لم أنخرط في هذه الأحداث، فكيف لي أن أربط السبب بالنتيجة؟ نحن أبطال حكاياتنا، لكننا أيضًا مجرد شخصيات ثانوية في حكايات الآخرين…”

ميز سوين هوية المقتحمين بوصفهم أفرادًا في “عصابة التهريب” المحلية، لكنه آثر الصمت والتواري في الخلف، مراقبًا بكثب أسلوب جيك في إدارة الموقف ومجابهتهم.

ولأن جيك سريع البديهة، لمعت الفكرة في ذهنه فورًا وتساءل، “أتقصد… تلك المرأة الخبيثة؟” فأومأ سوين برأسه إيجابًا. ومع تبادر الاحتمالات، تبدلت ملامح جيك واعتراها الهلع، “معلمي، أتظنهم قادرين على اقتحام النزل؟” فأجابه سوين بنبرة باردة مستقرة، “لقد وصلوا بالفعل.”

 

 

تزامنًا مع كلماته، كان جيك قد أخرج قنبلتين يدويتين، بيد أن المهاجمين أقبلوا مستعدين تمامًا؛ إذ تقدم أول رجلين منهما بدروع مضادة للشغب. ولعل تجرؤ هذه الفئة على الاقتحام السافر ينبع من ظنهم ألا أحد يملك الجرأة على تحدي سلطة “عصابة التهريب” في عقر دارها بمدينة العواصف الثلجية. ولم يجهد قائدهم ذو الشعر المنفوش نفسه في مواراة غايتهم، بل قال بسخرية، “ثمة من دفع لنا المال لنصحبك في جولة خاصة.”

 

 

 

ومع رؤية فوهات المسدسات الموجهة نحو صدره، صاح جيك غاضبًا، “هل بعث بكما ذلك الزوجان الدنيئان؟ أنا الوريث الشرعي والوحيد لتجارة بنسون! لقد حكا مكيدة ضد والدي للاستيلاء على أملاك عائلتنا، فلا تقعا في فخهما!” غير أن الرجل ذا الشعر المنفوش لم يبدِ سوى ملامح الازدراء والتهكم، فمن الواضح علمه المسبق بتفاصيل المؤامرة. رمق القنبلة المستقرة في كف جيك وتهكم قائلًا، “أيها الصبي، أنصحك ألا تركب رأسك بالعناد، وسر معنا بهدوء أفضل لك.”

 

 

 

اندفع جيك يدافع عن حقه وصاح، “لن أخطو معكم خطوة واحدة! لا تملكون أي حق في إجباري، هذا اختطاف سافر!” بدا كلامه للرجل ذي الشعر المنفوش دعابة مسلية، فراح ينظف أذنه بتهكم ويقول، “ها! ومن قال إننا لا نختطف؟ ما الخطب أيها الصغير، أتريد تلقين ’عصابة التهريب’ أصول مهنتها؟” وأمام هذا الصلف والمنطق الأعوج، تملكت جيك مشاعر الغيظ والاضطراب معًا، فتلعثم وعجز عن النطق، “أنت… أنت…!”

تزامنًا مع كلماته، كان جيك قد أخرج قنبلتين يدويتين، بيد أن المهاجمين أقبلوا مستعدين تمامًا؛ إذ تقدم أول رجلين منهما بدروع مضادة للشغب. ولعل تجرؤ هذه الفئة على الاقتحام السافر ينبع من ظنهم ألا أحد يملك الجرأة على تحدي سلطة “عصابة التهريب” في عقر دارها بمدينة العواصف الثلجية. ولم يجهد قائدهم ذو الشعر المنفوش نفسه في مواراة غايتهم، بل قال بسخرية، “ثمة من دفع لنا المال لنصحبك في جولة خاصة.”

 

 

وتزامن مع غضبه رعب شديد تغلغل في أعماقه، فعصابة التهريب تحظى بسمعة بالغة السوء في الأوساط التجارية التي يألفها؛ إذ لا يسع أي تاجر في مدينة العواصف الثلجية —صغر شأنه أم كبر— بيع بضاعة أو شراؤها دون أن يقتطع هؤلاء الأوغاد نصيبهم منها قسرًا. يمتلك هؤلاء نفوذًا مخيفًا في المدينة، حتى إن والده حذره سلفًا بالقول، “أن تغضب المسؤولين خير لك ألف مرة من استثارة هؤلاء الأوباش”. وبالنسبة للتجار الممتثلين للقوانين، يمثل هؤلاء الرجال جرذان مجارٍ وآفة مهلكة لا تدع ضحيتها تفلت إن علقت بمخالبها.

 

 

 

التفتت أفكاره صوب معلمه القابع خلفه، غير أن كثرتهم العددية جعلته يتوجس؛ فحتى لو حاز معلمه قدرات خارقة، يظل الإفلات من هذه المعركة بلا خسائر أمرًا عسيرًا. وزيادة على ذلك، فإن اندلاع قتال في قلب المدينة سيستدعي تدخل قوات حفظ الأمن لاعتقالهم، ما يقود في النهاية إلى نفق مسدود. استوعب جيك فداحة المأزق في ثوانٍ، وندم لعدم تحسبه لهذا السيناريو مبكرًا. وتشبث بأمل أخير يصيح عبره، “أتجرؤون على الاختطاف علنًا؟ إن قوات الأمن ستلقي القبض عليكم حتمًا!” رفع القائد حاجبيه بابتسامة تفيض سخرية، “ها… قوات الأمن؟” ومع سماع تلك الضحكة المستهزئة، دهم جيك شعور ساحق بالعجز؛ فالقانون معطل، واليد قصيرة، فهل يؤول أمره إلى الهلاك بين أيديهم؟ وأورثه هذا العجز إحساسًا لاذعًا بالذنب؛ فهل تسببت حماقته في الزج بمعلمه داخل هذا المستنقع؟

 

 

ولم يعبأ سوين كثيرًا بهذه الشكليات البروتوكولية. وفجأة، استشعر أمرًا طارئًا، فضاق بؤبؤ عينه وفكر في نفسه: ‘أأقبلوا أخيرًا؟’ التفت صوب جيك وخاطبه بجدية، “جيك، التحصيل العلمي أمر أساسي، لكن قبل أن تقفل راجعًا إلى العاصمة، هل ثمة مسألة أخرى تحتاج إلى تسويتها؟”

وبينما غرق في حيرته وعجزه، ترامى إلى مسامعه صوت سوين من خلفه يقول باتزان، “جيك، لا يجدي المنطق نفعًا مع أصناف معينة من البشر؛ ففي ناظر البعض، تبرر الضخامة المتوقعة للمكاسب سحق الإنسانية والقوانين تحت الأقدام.” أثارت الكلمات في صدر جيك مزيجًا من المشاعر، غلب عليها الأسى والذنب فقال، “معلمي، أنا نادم أشد الندم، لقد ورطتك معي.” فاكتفى سوين بهز رأسه نفيًا؛ فالحقيقة أنه اعتزم تصفية هذه القلائل وحلها قبل رحيله حتى لو لم يأتوا، وبوصفه المعلم، لن يسمح للأوباش بإلحاق الأذى بتلميذه، وما فعلوه الآن لم يزد عن توفير عناء البحث والذهاب إليهم.

 

 

 

رمق القائد ذو الشعر المنفوش الرجل المقنع بنظرات يمتزج فيها الفضول بالشك، وسأل، “يا هذا، من أي طينة أنت وما مقصدك؟” لم يتطوع سوين بالإجابة، بل اكتفى بابتسامة هادئة قائلًا، “إن لم يخب ظني، فقد تلقيتم وعودًا باقتطاع نسبة من أصول تجارة الفراء الخاصة ببنسون لقاء تسليم هذا الفتى… أليس كذلك؟ هل هي ستون بالمئة، أم سبعون؟” وهنا، أدرك جيك القابع في الجوار سر تدخل العصابة؛ فاستبد به الغيظ والاحتقان، إذ تجرأ ذلك الزوجان الخبيثان على تسخير أملاك عائلته لدفع مكافأة تصفية جسده!

في النزل، لم يكد سوين وجيك يغادران غرفتهما منذ عودتهما؛ إذ خصص سوين قرابة ساعة يوميًّا لتعليم تلميذه الجديد.

 

قال جيك بعبارات لا تخلو من تأثر عاطفي نظير حداثة سنه، “معلمي، إن لقائي بك هو أعظم حسن طالع حظيت به في حياتي.” حركت هذه الكلمات شجون سوين ليتذكر معلمته سيريا، مدركًا الفارق الهائل الذي يصنعه المعلم الفاضل، وكأن المشهد يعيد إحياء ذكريات ذلك الحيز الملعون. ابتسم ووجه نصيحته قائلًا، “ضاعف جهودك لتغدو أقوى؛ فحتى لو غدوت ميكانيكيًّا وأردت بلوغ آفاق أبعد مستقبَلًا، يتعين عليك امتلاك قوة كافية تحميك.”

عجز القائد عن سبر أغوار هدوء الرجل الغامض، فاستطرد بسؤال آخر، “يا أخي، وما دخلك أنت في هذه المسألة؟” فأجابه سوين ببرود، “إنه تلميذي.” ومع هذه الكلمة، اغرورقت عينا جيك بالدموع وهتف متأثرًا، “معلمي، أنت…” فهز سوين رأسه برفق، إذ تعمد إطالة الحديث ليفهم جيك نواميس الواقع وحقائقه. ودون التفات لرد فعل الطرف الآخر، أردف، “أظن الأمور باتت واضحة الآن. وسؤالي هو: هل يسعنا طي هذه الصفحة والمغادرة بسلام؟”

 

 

 

ولم يكد يتم عبارته حتى جاء الرد الفوري بتوجيه أكثر من عشر فوهات نحو صدره. فكيف لعصابة اعتادت غطرسة الملوك المحليين أن ترتدع بكلمة عابرة؟ فضلاً عن أن ثروة بنسون تسيل اللعاب، وأرباحها أضخم من أن يتخلى عنها هؤلاء الأوباش. ضيق القائد ذو الشعر المنفوش عينيه كأفعى سامة، وقال بنبرة تقطر تهديدًا، “أنصحك بالابتعاد عما لا يخصك… فإغضاب عصابة التهريب في مدينة العواصف الثلجية ليس بالخطوة الحكيمة أبدًا!”

قال جيك بعبارات لا تخلو من تأثر عاطفي نظير حداثة سنه، “معلمي، إن لقائي بك هو أعظم حسن طالع حظيت به في حياتي.” حركت هذه الكلمات شجون سوين ليتذكر معلمته سيريا، مدركًا الفارق الهائل الذي يصنعه المعلم الفاضل، وكأن المشهد يعيد إحياء ذكريات ذلك الحيز الملعون. ابتسم ووجه نصيحته قائلًا، “ضاعف جهودك لتغدو أقوى؛ فحتى لو غدوت ميكانيكيًّا وأردت بلوغ آفاق أبعد مستقبَلًا، يتعين عليك امتلاك قوة كافية تحميك.”

 

 

ولأنه استشعر غموض سوين واحتمال حيازته قدرات خاصة، آثر الاحتماء بنفوذ العصابة والتباهي بقوتها؛ إذ يعلم أن أعتى قادة القراصنة وأكثرهم تمردًا يحسبون لعصابتهم ألف حساب عند دخول المدينة. لكن سوين لم يكن من الصنف الذي يعرف الخوف أو يتراجع. أطلق ضحكة خافتة وادعة وقال، “ها، لم يكن سؤالي إلا من باب الاستفسار فحسب؛ إذ في نهاية المطاف… يستلزم إزهاق الأرواح مسوغًا مقنعًا، أليس كذلك؟” وما إن أتم جملته، حتى ومض ضوء أحمر قرمزي قاطع في عينيه!

وبانفراج الباب، تجسد أمامه ذلك الجسد المنغمس بكليته في الدراسة والبحث. وتعجب جيك في نفسه، “حتى المعلم بكل هذا العلم لا يفتأ يثابر ويجتهد!” فخلال يومين من التعامل عن قرب، تيقن جيك أن معلمه لا يملك مجرد إلمام سطحي بالعلوم المختلفة، بل هو أستاذ متمكن في شتى الميادين!

 

 

وقبل أن يستوعب الحضور ما يجري، لمحوا سوين وقد انتصب فجأة أمام جيك، ثم صفق بكلتا يديه هاتفًا، “تقنية التحكم بالخيوط السرية.. المسلخ!” عقد العزم على الإبادة المطلقة دون منحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، وبرزت النوايا القاتلة في عينيه وهو يحرك أصابعه في الهواء كمن يقبض على اللاشيء، لتنبثق فجأة خيوط حريرية زرقاء متموجة؛ خيوط القطع القائمة على عنصر الرياح التي عكف على صناعتها طوال الأيام الفائتة. ولم يتجاوز أقوى هؤلاء البلاطجة رتبة المستوى الثاني المبتدئ، فبدوا أمام خيوط الرياح الحادة من المستوى الرابع واهنين كأوراق الشجر.

 

 

 

وفي اللحظة ذاتها، انطلقت نيران الأسلحة وهدرت الرصاصات الغزيرة لتخترق الفضاء وتترك ندوبًا وثقوبًا لا حصر لها في جدران الغرفة. غير أن الملحمة انتهت في لمح البصر؛ ففي تلك المساحة الضيقة والمحصورة، عجز الأوباش عن إيجاد مأوى أو مفر، وانجلت الغبرة عن سوين وهو يقف معافى تمامًا بلا خدش واحد. ومع تصفية هذه الشراذم، أحس بتهدج مشاعره المضطربة ويهدأ روع قلبه، فأرسل تنهيدة خفيفة. وفي تلك الأثناء، استشعر حركة مريبة في الجوار، فالتفت نحو جيك القابع خلفه وأوصاه، “انتظرني هنا، لن أتأخر.” وفور إنهاء كلمته، تلاشت هيئته من المكان.

 

 

في نهاية المطاف، ظل جيك مجرد خريج حديث عهد بالأكاديمية التحضيرية، يفتقر إلى حنكة الحياة وتجاربها، وجاهل تمامًا بمخاطر المجتمع ودهاليزه. صحيح أن والده بنسون قُتل، غير أن بقاء جيك على قيد الحياة يحول دون أيلولة ممتلكات العائلة في العاصمة إلى يد ماريان، ولو انكشف المستور لواجهوا ملاحقة قضائية صارمة؛ لذا ينحصر خيارهم الوحيد في تصفية جيك ومنعه من مغادرة مدينة العواصف الثلجية حيًّا. استنتج سوين هذه المكيدة لكنه آثر كتمانها مسبقًا، رغبةً منه في تلقين تلميذه درسًا عمليًّا يختبر فيه قسوة الواقع بنفسه.

عبقت الغرفة برائحة الدماء الزاكمة، وحين استرد جيك وعيه ونظر حوله، وجد نفسه الكائن الحي الوحيد المتبقي في تلك الغرفة الرحبة. جال ببصره بين الأشلاء والأطراف المبتورة المتناثرة في كل زاوية، فبرقت عيناه بذهول مطلق وعدم تصديق؛ لقد هلكوا جميعًا… أبادهم المعلم بجرّة قلم ومناداة أصابع؟ يا للإعصار! تجمد عقله تمامًا، وراحت كفه الغارقة بالعرق تتشبث بالقنبلتين بوهن. أهكذا ينتهي الأمر وهو الذي وطن نفسه على الموت رفقتهم؟ لم يسبق له إزهاق روح، ولم تكتحل عيناه بمرأى هذا الحشد من الموتى دفعة واحدة.

 

 

 

انسابت الدماء بغزارة تحت قدميه لتبلل السجادة وتصبغها باللون الأرجواني الداكن، وبحركته الطفيفة، أحس برطوبتها الدافئة تتسرب إليه. تراءى المشهد أمامه كقطع متناثرة؛ أطراف مبعثرة، وأحشاء مدلوقة، ولحوم ممزقة تشبه معروضات الجزارة في مسلخ بشع. زلزلته صدمة عنيفة لم يعهدها من قبل، وفي تلك اللحظات بالذات، نبتت في أعماق قلبه بذرة جديدة.. القوة! القوة الهائلة وحدها الكفيلة بجعل المرء يتحدى الوجود بلا وجل. وبينما هو غارق في لجة ذهوله، ومض خيال سريع ليعود سوين شاخصًا عند عتبة الباب، حاملًا في يده رأسًا بشريًّا يقطر دمًا.

 

 

 

تفحص جيك ملامح الوجه، فصعق حين تبين أنه رأس رامان، قائد حراس عائلتهم السابق! يا للهول، أفي دقائق معدودة ينجح المعلم في تصفية متخصص من المستوى الثالث؟ كم هو مرعب وقوي! تجمد جيك من فرط المفاجأة، بينما ألقى سوين بالرأس بلا مبالاة فوق كومة الأشلاء، ثم أضرم نارًا تلتهم الأدلة وقال باقتضاب، “لننطلق.” سأله جيك بذهن مشتت ونبرة غريزية، “معلمي، إلى أين وجهتنا؟” فنطق سوين بكلمات باردة لا تحمل أي اكتراث، “لنستأصل شأفتهم ونبيد الجذور.”

ولم يكد يتم عبارته حتى جاء الرد الفوري بتوجيه أكثر من عشر فوهات نحو صدره. فكيف لعصابة اعتادت غطرسة الملوك المحليين أن ترتدع بكلمة عابرة؟ فضلاً عن أن ثروة بنسون تسيل اللعاب، وأرباحها أضخم من أن يتخلى عنها هؤلاء الأوباش. ضيق القائد ذو الشعر المنفوش عينيه كأفعى سامة، وقال بنبرة تقطر تهديدًا، “أنصحك بالابتعاد عما لا يخصك… فإغضاب عصابة التهريب في مدينة العواصف الثلجية ليس بالخطوة الحكيمة أبدًا!”

 

 

مضت عشرون دقيقة، ليتوقفا أمام مركز تأهيل خاص في الجانب الشرقي من المدينة. انتظر سوين لبرهة عند المدخل الرئيسي، وقبل أن يطول الوقت، دوى انفجار مدوٍّ انبعث من جناح كبار الشخصيات في الطابق الثاني، وتصاعدت ألسنة اللهب لتلتهم النوافذ. وتزامنًا مع الحريق، خرج جيك بخطى وادعة وهادئة، فرمقه سوين بنظرة متسائلة، “أأنهيت الأمر؟” ففي تلك الغرفة تحديدًا، تقبع ماريان، المرأة التي بُترت ساقاها سلفًا.

 

 

 

أجاب جيك بثبات، “أجل!” ورغم الشحوب الطفيف الذي اعتلى محياه في تلك اللحظة، فإن عينيه أصبحتا أشد صلابة وتصميمًا من أي وقت مضى. لم يستطرد سوين في الأسئلة واكتفى بالقول، “تخلصنا من المتاعب الآن. هيا بنا لأوصلك إلى رصيف السفينة.” فأجابه جيك، “حاضر يا معلمي.” ومضى الاثنان دون التفات للنيران المستعرة خلفهما، لينصهرا وسط الحشود والمارة قبل وصول قوات حفظ الأمن.

 

 

 

————————

 

 

 

لما كل المط طيب.. جعلت الفصل ٣ آلاف كلمة بدون سبب

 

 

ولم يعبأ سوين كثيرًا بهذه الشكليات البروتوكولية. وفجأة، استشعر أمرًا طارئًا، فضاق بؤبؤ عينه وفكر في نفسه: ‘أأقبلوا أخيرًا؟’ التفت صوب جيك وخاطبه بجدية، “جيك، التحصيل العلمي أمر أساسي، لكن قبل أن تقفل راجعًا إلى العاصمة، هل ثمة مسألة أخرى تحتاج إلى تسويتها؟”

اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.

 

 

 

إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.

 

 

وتزامن مع غضبه رعب شديد تغلغل في أعماقه، فعصابة التهريب تحظى بسمعة بالغة السوء في الأوساط التجارية التي يألفها؛ إذ لا يسع أي تاجر في مدينة العواصف الثلجية —صغر شأنه أم كبر— بيع بضاعة أو شراؤها دون أن يقتطع هؤلاء الأوغاد نصيبهم منها قسرًا. يمتلك هؤلاء نفوذًا مخيفًا في المدينة، حتى إن والده حذره سلفًا بالقول، “أن تغضب المسؤولين خير لك ألف مرة من استثارة هؤلاء الأوباش”. وبالنسبة للتجار الممتثلين للقوانين، يمثل هؤلاء الرجال جرذان مجارٍ وآفة مهلكة لا تدع ضحيتها تفلت إن علقت بمخالبها.

قال جيك بعبارات لا تخلو من تأثر عاطفي نظير حداثة سنه، “معلمي، إن لقائي بك هو أعظم حسن طالع حظيت به في حياتي.” حركت هذه الكلمات شجون سوين ليتذكر معلمته سيريا، مدركًا الفارق الهائل الذي يصنعه المعلم الفاضل، وكأن المشهد يعيد إحياء ذكريات ذلك الحيز الملعون. ابتسم ووجه نصيحته قائلًا، “ضاعف جهودك لتغدو أقوى؛ فحتى لو غدوت ميكانيكيًّا وأردت بلوغ آفاق أبعد مستقبَلًا، يتعين عليك امتلاك قوة كافية تحميك.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط