قرصان
الفصل 247: قرصان
قبل أن تبادر عصابة التهريب بأي خطوة، أمن سوين صعود جيك على متن سفينة تجارية تمخر العباب نحو رويينغ. ورأى سوين أنه قدم لتلميذه كل ما يقع في طوقه، وغدا لزامًا على الفتى أن يخطو بقية الطريق بمفرده.
وبمعزل عن صيته، حظي هذا الرجل بمكانة ومهابة كبيرة؛ فرغم مقت النخاسين له، لم يحمل التجار العاديون ضغينة تجاهه. وبناءً على إعلانه السعي لإنقاذ المستضعفين، أدرك الجميع أن مجابهة خبير من الرتبة الخامسة فداءً لأملاك شركة كبرى ضرب من الطيش والجنون.
غادر الرصيف، ثم بدل ملابسه لينصهر وسط الحشود مجددًا. ولم يداخله أدنى قلق بشأن الانتقام المحتمل لعصابة التهريب؛ ليس لتوخيه الحذر الدائم فحسب، بل لرجحان عدم علمهم بوجوده من الأساس. وفوق هذا، حتى لو اعترضت المتاعب سبيله، فلن تشكل معضلة كبرى؛ إذ استبان له أن زعيم هذه العصابة لم يتجاوز الرتبة الرابعة.
تلاحقت الخطوات المتسارعة فوق السطح، وتصاعدت جلبة طاقم المدفعية وهم يعبئون الذخائر، وانطلقت القنابل المضيئة تشق عنان السماء لتبدد عتمة الليل، فاستبان للحضور حقيقة ما يجري علنًا، “تبًّا، إنه هودج! لقد أقبل لشن هجومه على سفينة العبيد مجددًا!”.
في لينغدون القديمة، مثل الانتماء إلى العصابات وسيلة حتمية للبقاء؛ فوسط ظروف العيش الطاحنة، صقلت العصابات الثلاث الكبرى عود العديد من الشخصيات الفتاكة.
بيد أن الأمر اختلف في العالم الخارجي الفسيح؛ حيث يتألف سواد العصابات الأعظم من كسالى وعديمي كفاءة، يندر بينهم وجود أفراد ذوي بأس حقيقي —على الأقل، هذا هو واقع الحال في الحواضر الصغيرة مثل مدينة العواصف الثلجية.
وغاب عن بصائرهم حقيقة مرعبة؛ فالطيور المصابة لم تسقط جثثًا، بل انفجرت محولة أجسادها إلى سحب وسدم من الدماء القانية في كبد الهواء.
وحتى لو تفوقوا عليه عددًا وعجز عن سحقهم في نزال مباشر، فإنه يحتفظ بيقين تام في قدرته على النجاة وحماية نفسه.
ونظرًا لانعزاله طوال الأيام الفائتة، لم يستعجل سوين العودة إلى نُزله، بل آثر التجول في أرجاء السوق برهة، معتزمًا ابتياع بعض المستلزمات الخيميائية. تميزت النوى الشيطانية القادمة من الصقاع الشمالية بجودتها العالية وسعرها الزهيد، فضلًا عن غناها بمكونات تفوق بمراحل مجرد عناصر الطاقة المظلمة المستقرة في البلورات الملعونة، مما يسد طيفًا واسعًا من الاحتياجات الخيميائية. كما حرص على تجديد مخزونه من المواد الاستهلاكية الضرورية لنقش الرونات.
“ولكننا رهن اتفاقية دفاع مشترك! إن أحجمنا عن العون وسُلبت عبيد ’صن شاين’، فسنكابد غرامات باهظة جراء نقض العقود!”
قادته خطاه بعدها نحو السوق السوداء، لينتقي خرائط بحرية متفرقة من متاجر ملاحية شتى، إلى جانب خرائط استكشافية خاصة بـ”الغابة الصامتة”.
بيد أن حيازة خرائط ناقصة خير من البقاء بلا دليل، وأيقن سوين أن امرأ بمثل حاله —قد يضطر للفرار في أي طرفة عين— يجدر به دائمًا التزود بمخططات إضافية.
————————
وأجل، اقتضى الأمر قصد السوق السوداء؛ ففي هذا العالم، تُصنف الخرائط البحرية والمخططات الجغرافية المفصلة كسلع عسكرية محظورة ويُمنع تهريبها.
بلغ سوين المكان قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة تحديدًا، وراح يجوب الرصيف متثبتًا من وجود أفراد قبيلة دالو على متن سفينة العبيد. وفي الأثتاء، نجحت يوتا —المتوارية وسط الزحام— في التقاط رائحة أبناء جلدتها.
وبشكل رسم الخرائط مهنة بالغة الندرة والرفعة، توضع حصرًا في خدمة طبقة النبلاء. وبمعزل عن المخططات الرسمية الصادرة عن رويينغ، يواجه كل من يجرؤ على طباعتها بصفة شخصية تهمة “التجسس” الجسيمة؛ ولهذا السبب، لا تعدو معظم الخرائط المتاحة للعامة كونها نسخًا صاغتها أيدي البحارة والمغامرين، تفتقر للدقة وتغص بالهفوات والتناقضات، ناهيك عن أسعارها الباهظة.
بيد أن حيازة خرائط ناقصة خير من البقاء بلا دليل، وأيقن سوين أن امرأ بمثل حاله —قد يضطر للفرار في أي طرفة عين— يجدر به دائمًا التزود بمخططات إضافية.
ولم يلبث الراصد القابع فوق الصاري أن لمح الأعلام الإجرامية، فبث صيحة ذعر شقت الأثير، “غارة قراصنة! القراصنة يهاجمون!”، لتهوي هذه الصرخة بالأسطول في غيابات فوضى عارمة.
وعقب جولة تسوق مثمرة، استحصل سوين مواد كثيرة بالغة النفع. وبدا أن أنباء مذبحة نزل الحداد التي خلفت قرابة ثلاثين جثة تسارعت لتطرق مسامع الرؤوس الكبيرة في “عصابة التهريب”؛ إذ رصد في الشوارع انتشارًا لأوباش العصابة وهم يقفون على قلق بحثًا عن الجناة. ودون أدنى اكتراث بحركتهم، قصد سوين نُزلًا آخر عثر عليه مصادفة، واستأجر فيه غرفة.
ولا يقدر على تمويل صنيع كهذا إلا الكبار؛ كأحد نبلاء الطبقة الأولى أو لعلها العائلة الحاكمة في رويينغ. أطبق سوين شفتيه متأملًا، وتيقن دون إطالة الفكر أن هذه التحركات ترمي لإحكام القبضة على أراضي التندرا الشمالية الشاسعة واستمالة أعراقها الأصلية. ولم تتركه الوقائع يسترسل في تكهناته؛ إذ استرعى انتباهه احتدام وطيس المعركة في عرض اليَم.
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
وحلت صبيحة اليوم التالي، ليرتد سوين مبكرًا صوب رصيف مدينة العواصف الثلجية. وتأهبت شركة “صن شاين” لتجارة العبيد لشحن دفعة جديدة من الأسرى عبر البحر نحو رويينغ في ذلك اليوم.
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
بيد أن حيازة خرائط ناقصة خير من البقاء بلا دليل، وأيقن سوين أن امرأ بمثل حاله —قد يضطر للفرار في أي طرفة عين— يجدر به دائمًا التزود بمخططات إضافية.
بلغ سوين المكان قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة تحديدًا، وراح يجوب الرصيف متثبتًا من وجود أفراد قبيلة دالو على متن سفينة العبيد. وفي الأثتاء، نجحت يوتا —المتوارية وسط الزحام— في التقاط رائحة أبناء جلدتها.
فمع حيازته لـ[رقعة شطرنج ستانيتز] و[كفن رجل الثلج أوز]، استحال رصده أو كشف تواجده. وحتى لو ضم طاقم السفينة قائد حراسة من الرتبة الرابعة، بمقدور سوين كبحه وشل حركته بلا جلبة.
تظاهر الاثنان بالانفصال وعدم المعرفة، ودلفا إلى السفينة تِباعًا. ولم يفت سوين ملاحظة أن أحد الأفراد الثلاثة الذين رصد تعقبهم له سلفًا، لحق بيوتا إلى الرصيف، غير أنه آثر البقاء دون صعود السفينة. ولم يداخل سوين ظن بأن هؤلاء قد كفوا أيديهم، بل رأى في سلوكهم تكتيكًا بارعًا يقوم على المراقبة المتعاقبة والمتبادلة بغية التمويه وتشتيت الانتباه.
وغدا عسيرًا على سوين في هذه اللحظة فرز وجوه الحشد لتمييز من يتولى المراقبة الآن، بيد أن فضوله تعاظم لمعرفة مآرب هؤلاء الذين يقتفون أثر يوتا.
ولم يطُل الوقت حتى رفعت السفن مراسيها لتنطلق، وراحت السفن ثلاثية الصواري تغادر الميناء تباعًا في خطوط منتظمة.
تلاحقت الخطوات المتسارعة فوق السطح، وتصاعدت جلبة طاقم المدفعية وهم يعبئون الذخائر، وانطلقت القنابل المضيئة تشق عنان السماء لتبدد عتمة الليل، فاستبان للحضور حقيقة ما يجري علنًا، “تبًّا، إنه هودج! لقد أقبل لشن هجومه على سفينة العبيد مجددًا!”.
“إنه سحر أسود! احذروا جميعًا ولا تلمسوا تلك الطيور المشؤومة!”
تألف الأسطول من قرابة عشر سفن في المجمل، على غرار الأسطول الذي وفد على متنه أول مرة. وبما أن المؤسسات التجارية الضخمة مثل شركة “صن شاين” تحوز فيالق حراسة خاصة بها، انتفت حاجتها للاستعانة بالمغامرين؛ وتبعًا لهذا، اندمج سوين ويوتا بين ركاب السفن التجارية المتأخرة في الخلف. وتطلب بلوغ رويينغ رحلة مديدة، مما يتيح فرصًا وفيرة للتحرك وتنفيذ المخطط.
غير أن حساباته خالفت الواقع؛ إذ لم يكد الضباب يطبق حصاره حتى تناهى إليه أن طرفًا آخر قد سبقه وفجر الموقف! وبينما هو منكب على كتابه، اخترقت سمعه جلبة قتال ضارٍ تنبعث من السفن القابعة في الخلف؛ دوي انفجارات وطلقات نارية تمازجت مع صليل السيوف واصطدام الحديد، لتندلع الفوضى العارمة وتجتاح الأسطول بأسره، وارتفعت النداءات، “إلى مراكزكم! إلى مراكزكم!”، “ليتأهب الجميع للقتال!”.
قضت خطة سوين الأصلية بالتريث وترقب ليلة يلفها الضباب الكثيف أو تضربها الأنواء العاصفة، ليستغل جنح الظلام وسديم البحر للعبور خفية، تمهيدًا لاختطاف السفينة المحملة بأسرى أشباه البشر.
وثب هودج فوق السطح وهدر صوته الجهوري كالجرس، “أنا هودج سوريانو! أقبلنا لكسر قيود العبيد، والأمان لكل بريء! أما من تسول له نفسه اعتراض سبيلنا، فسنلحقه بزمرة نخاسي العبيد الأوغاد، وننزِل به حكم الإعدام بلا هوادة!” ومع إطلاق نداءاته، انبعثت هالة ضغط قوية تمددت في كل صوب، لتخبو حدة النيران الداعمة المنطلقة من السفن غير التابعة لشركة صن شاين بشكل ملحوظ.
فمع حيازته لـ[رقعة شطرنج ستانيتز] و[كفن رجل الثلج أوز]، استحال رصده أو كشف تواجده. وحتى لو ضم طاقم السفينة قائد حراسة من الرتبة الرابعة، بمقدور سوين كبحه وشل حركته بلا جلبة.
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
سارت ساعات الإبحار النهارية رخيّة في ظل طقس صحو ورياح مؤاتية. وبدا أن الطالع يبتسم لمخطط الاختطاف؛ إذ لم يكد الليل يسدل ستاره حتى أخذت غلالات الضباب تحجب أفق البحر، واستحال الهواء رطبًا وقارس البرودة دفعة واحدة.
ارتفعت التمتمات، “يا للنحس! ما بال هذه الغربان تلاحقنا حتى في عرض البحر؟”
واستشعر سوين القابع يطالع كتابًا في مقصورته هذا التحول فورًا؛ وتطلع عبر فتحة التهوية ليرى سديمًا خفيفًا ينسج خيوطه فوق اليَم، وأيقن مع تنامي الرطوبة أن الضباب سيزداد كثافة وقوة، وهو ما مثل بشارة خير لخطته.
وحتى لو تفوقوا عليه عددًا وعجز عن سحقهم في نزال مباشر، فإنه يحتفظ بيقين تام في قدرته على النجاة وحماية نفسه.
وثب هودج فوق السطح وهدر صوته الجهوري كالجرس، “أنا هودج سوريانو! أقبلنا لكسر قيود العبيد، والأمان لكل بريء! أما من تسول له نفسه اعتراض سبيلنا، فسنلحقه بزمرة نخاسي العبيد الأوغاد، وننزِل به حكم الإعدام بلا هوادة!” ومع إطلاق نداءاته، انبعثت هالة ضغط قوية تمددت في كل صوب، لتخبو حدة النيران الداعمة المنطلقة من السفن غير التابعة لشركة صن شاين بشكل ملحوظ.
ولم يغب هذا التغير عن ملاحي السفينة؛ إذ سارع الضابط الثاني لإخطار المغامرين في مقاصيرهم محذرًا، “إننا نلج منطقة ضبابية، ليتأهب الجميع ويتحسب لهجمات القراصنة!”
فالمتتبع لخطوات يوتا يظهر بوضوح كجاسوس متمرس، يستحيل على جماعة عادية تنشئة كادر بمثل مهاراته، وهو ما يؤكد أن هودج ليس بطلًا متفردًا يغرد وحيدًا في ميدان “حركة تحرير العبيد”، بل تستتر خلفه قوى نافذة تمده بالدعم السري.
تعد مواجهة السديم البحري أمرًا مألوفًا، لذا حافظ الطاقم والمغامرون على هدوئهم؛ فآوى من رغب إلى مرقده، وظل الآخرون يسامرون بعضهم. وخمن سوين أن تكثف الضباب يتطلب ساعة أو ساعتين إضافيتين، مما يجعل منتصف الليل التوقيت الأمثل لبدء الهجوم.
وفي تلك الأثناء، أتاه صوت يوتا —المتوارية وسط الحشد— عبر جهاز الاتصال، “سيد سوين، سأنطلق لتفقد أبناء عشيرتي أولًا!”
غير أن حساباته خالفت الواقع؛ إذ لم يكد الضباب يطبق حصاره حتى تناهى إليه أن طرفًا آخر قد سبقه وفجر الموقف! وبينما هو منكب على كتابه، اخترقت سمعه جلبة قتال ضارٍ تنبعث من السفن القابعة في الخلف؛ دوي انفجارات وطلقات نارية تمازجت مع صليل السيوف واصطدام الحديد، لتندلع الفوضى العارمة وتجتاح الأسطول بأسره، وارتفعت النداءات، “إلى مراكزكم! إلى مراكزكم!”، “ليتأهب الجميع للقتال!”.
بيد أن غمرة الهدوء تبددت بوقوع حدث غير محتسب؛ إذ حرك سوين أذنيه متوجسًا إثر سماع نعيق طيور يتردد صداه في جو السماء. ولم تكن تلك الطيور السوداء بادية للعيان وسط عتمة الليل، وعجزت عيناه الحادتان عن رصد أكثر من ظلال قاتمة تمخر عباب الجو من مسافات بعيدة.
تلاحقت الخطوات المتسارعة فوق السطح، وتصاعدت جلبة طاقم المدفعية وهم يعبئون الذخائر، وانطلقت القنابل المضيئة تشق عنان السماء لتبدد عتمة الليل، فاستبان للحضور حقيقة ما يجري علنًا، “تبًّا، إنه هودج! لقد أقبل لشن هجومه على سفينة العبيد مجددًا!”.
ومع تبادر هذه الفكرة، وثب مغادرًا سفينة العبيد ليستقر فوق ظهر السفينة التجارية التي أحكم سيطرته عليها سلفًا.
بيد أن غمرة الهدوء تبددت بوقوع حدث غير محتسب؛ إذ حرك سوين أذنيه متوجسًا إثر سماع نعيق طيور يتردد صداه في جو السماء. ولم تكن تلك الطيور السوداء بادية للعيان وسط عتمة الليل، وعجزت عيناه الحادتان عن رصد أكثر من ظلال قاتمة تمخر عباب الجو من مسافات بعيدة.
“أوه، أطار صياحك روعي، خلتنا وقعنا بين براثن القراصنة! إن هودج ليس بقرصان، وجل همه ينحصر في عتق العبيد وتحريرهم دون المساس بالتجار العاديين، فلا مبرر للذعر.”
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
قضت خطة سوين الأصلية بالتريث وترقب ليلة يلفها الضباب الكثيف أو تضربها الأنواء العاصفة، ليستغل جنح الظلام وسديم البحر للعبور خفية، تمهيدًا لاختطاف السفينة المحملة بأسرى أشباه البشر.
“ولكننا رهن اتفاقية دفاع مشترك! إن أحجمنا عن العون وسُلبت عبيد ’صن شاين’، فسنكابد غرامات باهظة جراء نقض العقود!”
ولم يطُل الوقت حتى رفعت السفن مراسيها لتنطلق، وراحت السفن ثلاثية الصواري تغادر الميناء تباعًا في خطوط منتظمة.
اندمج سوين مع الجموع المتتدفقة صوب السطح، واستحالت ملامحه أشد غرابة حين تيقن أن المحرك للأحداث هو “قبضة العدالة” هودج نفسه. وفي غمرة ذلك، التمعت حقيقة في ذهنه وتكاملت أجزاء الأحجية؛ فتراكم تلك المصادفات يشي بوجود تدبير مسبق وغاية مرسومة. وتساءل في نفسه: ‘أيعقل أن يكون ذلك الظل الذي يقتفي أثر يوتا تابعًا لرجال هودج؟’ وكلما أمعن الفكر، رجح لديه هذا الاحتمال.
اقتفى سوين أثر نظرات المحارب لتبين الهياكل الضخمة للسفن المقتربة وسط السديم، ومع دُنُوّها، ميز الأعلام الخفاقة فوق الصواري العالية.. أعلامًا تحمل جماجم زرقاء يتقاطع خلفها هراوات مسننة كأنياب الذئاب! إنه أسطول “ملك بحر الشمال”! وبات مؤكدًا أن المحرك لأسراب الغربان هو وينغرب بلا ريب.
فمن بين سفن العبيد الكثيرة التي تبحر يوميًّا من ميناء مدينة العواصف الثلجية، ما الذي جعلهم يستهدفون هذا الأسطول بالذات؟
تذكر سوين أن المزية الوحيدة لهذه الشحنة تكمن في أسر كاهنة درويد رفيعة المقام من قبيلة دالو.. يوتا! ولكن ما الغاية الكامنة وراء صنيع كهذا؟ أيسعون للتودد إلى قبيلة دالو وبلوغ مأرب مجهول؟ استرجع سوين المعطيات المستجدة؛ فالمعروف عن هودج تصدره لـ”حركة تحرير العبيد” ونيله حظوة وسمعة رفيعة بين الأعراق المتباينة، مما مكنه من حشد قوة لا يستهان بها.
تمثلت هذه التعويذة في السحر الأسود الملعون المعروف بـ”لعنة دماء الغربان الطاعونية”! ورغم جهله بآلية عملها سابقًا، تجلت الحقيقة أمام إدراكه المستجد بوضوح تام؛ فلحظة انفجار الغربان وتحولها إلى سديم دموي، رصدت عيناه ما يشبه إعصارًا رمليًّا يتألف من جزيئات روحية دقيقة، تمددت بسرعة فائقة لتطوق رقعة البحر بأكملها. ولم يكن ذلك الدم سوى الوسيط الناقل للطفيلي الملعون!
تمتم سوين في سره، “تسك تسك، أمر يثير الاهتمام بحق…”
الفصل 247: قرصان
لو اقتصر مسعى هودج على عتق المستضعفين مخلصًا، لاستحق إعجاب سوين؛ غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن مقاصد الرجل تشوبها بعض الشوائب.
‘أهي غربان؟’ رفع ناظريه وقد عقدت الدهشة حاجبيه. وتذكر إجهازه بيده على شخص يعشق تربية الغربان إبان تواجده في لينغدون القديمة، ويدرك تمامًا طبائع هذه الطيور المشؤومة؛ فهي لا تقوى على قطع مسافات مديدة تحليقًا فوق المياة المفتوحة.
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
فالمتتبع لخطوات يوتا يظهر بوضوح كجاسوس متمرس، يستحيل على جماعة عادية تنشئة كادر بمثل مهاراته، وهو ما يؤكد أن هودج ليس بطلًا متفردًا يغرد وحيدًا في ميدان “حركة تحرير العبيد”، بل تستتر خلفه قوى نافذة تمده بالدعم السري.
ولا يقدر على تمويل صنيع كهذا إلا الكبار؛ كأحد نبلاء الطبقة الأولى أو لعلها العائلة الحاكمة في رويينغ. أطبق سوين شفتيه متأملًا، وتيقن دون إطالة الفكر أن هذه التحركات ترمي لإحكام القبضة على أراضي التندرا الشمالية الشاسعة واستمالة أعراقها الأصلية. ولم تتركه الوقائع يسترسل في تكهناته؛ إذ استرعى انتباهه احتدام وطيس المعركة في عرض اليَم.
تميز بصر سوين بحدة تفوق المعتاد، فاخترق السديم ليعاين بدقة مجريات الاشتباك فوق ظهر سفينة ترفع علم شركة “نورسين للصرافة”. تمحور النزال بين طرف يسعى للسيطرة على السفينة، وآخر يستميت في الدفاع؛ غير أن الكفة مالت بوضوح لطرف واحد، نظرًا لوجود ذلك المحارب المهيب الذي تسربل بدرع الأسد الفضي فوق السطح، وهو المحترف من الرتبة الخامسة، “قبضة العدالة” هودج! صائد الجوائز الفذ الذي أطاح سلفًا بقرصان تتجاوز مكافأة رأسه مئة مليون ليوكسي. وغدا وجود خبير بمثل وزنه كافيًا لإنهاء آمال حراس الشركة والمغامرين في المقاومة.
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
وثب هودج فوق السطح وهدر صوته الجهوري كالجرس، “أنا هودج سوريانو! أقبلنا لكسر قيود العبيد، والأمان لكل بريء! أما من تسول له نفسه اعتراض سبيلنا، فسنلحقه بزمرة نخاسي العبيد الأوغاد، وننزِل به حكم الإعدام بلا هوادة!” ومع إطلاق نداءاته، انبعثت هالة ضغط قوية تمددت في كل صوب، لتخبو حدة النيران الداعمة المنطلقة من السفن غير التابعة لشركة صن شاين بشكل ملحوظ.
وبمعزل عن صيته، حظي هذا الرجل بمكانة ومهابة كبيرة؛ فرغم مقت النخاسين له، لم يحمل التجار العاديون ضغينة تجاهه. وبناءً على إعلانه السعي لإنقاذ المستضعفين، أدرك الجميع أن مجابهة خبير من الرتبة الخامسة فداءً لأملاك شركة كبرى ضرب من الطيش والجنون.
جعل الظهور المباغت لمحترف من الرتبة الخامسة في قلب الأسطول سوين يعقد حاجبيه، دون أن يستشعر خطرًا محدقًا؛ إذ لم تكن تحركاتهم تستهدفه بالأساس. وفضلاً عن ذلك، ومهما تكن الغايات الحقيقية لهودج، فإن مسعاه في عتق الأسرى يلتقي تمامًا مع مأرب سوين؛ وتحرك خبير بمثل هذه الرتبة وفر عليه عناءً وجلسة شاقة. ولم يملِك سوين أدنى رغبة في صناعة صيت أو لفت الأنظار في هذا التوقيت الحرج، فوقف فوق السطح يرقب مجريات الملحمة باهتمام كبقية النظارة.
“هاها، أترى دقة تصويبي؟ لقد أطحت بطائرين برصاصة فريدة!”
وفي تلك الأثناء، أتاه صوت يوتا —المتوارية وسط الحشد— عبر جهاز الاتصال، “سيد سوين، سأنطلق لتفقد أبناء عشيرتي أولًا!”
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
تدارس سوين الموقف؛ فإن رغب هودج في استمالة الأنظار وكسب الحظوة عبر إنقاذ الأسرى، فلن يلحق الأذى بأفراد قبيلة دالو يقينًا، وغدا ذهاب يوتا مأمون العواقب. فأجابه عبر الجهاز، “همم! توخي أقصى درجات الحيطة، فقد يعترض سبيلك ذلك الظل المتعقب.” فجاء صدى صوتها، “علم!”، لتثب هيئة رشيقة وتغوص في أعماق اليَم.
وحتى لو تفوقوا عليه عددًا وعجز عن سحقهم في نزال مباشر، فإنه يحتفظ بيقين تام في قدرته على النجاة وحماية نفسه.
لم تستعر المعركة طويلًا؛ إذ أفلحت القوات بقيادة هودج في سحق جيوب المقاومة سريعًا. ورأى سوين فك قيود العبيد وإطلاق سراحهم من ثلاث سفن نخاسة، وتزامنًا مع ذلك، انشقت لجة الضباب عن بضع سفن تقترب وئيدًا، لعلها تتبع رجال هودج لتأمين الانسحاب. واستحسن سوين خاتمة الأمر؛ فنجاة الجميع أزاحت عن عاتقه عبئًا ثقيلًا وقلاقل جمة.
تعالت الجلبة، “تبًّا! كيف تجرأ القراصنة على بلوغ هذا المدى؟”
ولم يطُل الوقت حتى رفعت السفن مراسيها لتنطلق، وراحت السفن ثلاثية الصواري تغادر الميناء تباعًا في خطوط منتظمة.
بيد أن غمرة الهدوء تبددت بوقوع حدث غير محتسب؛ إذ حرك سوين أذنيه متوجسًا إثر سماع نعيق طيور يتردد صداه في جو السماء. ولم تكن تلك الطيور السوداء بادية للعيان وسط عتمة الليل، وعجزت عيناه الحادتان عن رصد أكثر من ظلال قاتمة تمخر عباب الجو من مسافات بعيدة.
“إنها التقنية الملعونة ذاتها…” ضيق سوين عينيه وهو يرمق سدم الضباب الدموي، مستوثقًا من منشأ هذه الطيور؛ فقد جابه هذا الأسلوب سلفًا وخبر دهاليزه.
تمثلت هذه التعويذة في السحر الأسود الملعون المعروف بـ”لعنة دماء الغربان الطاعونية”! ورغم جهله بآلية عملها سابقًا، تجلت الحقيقة أمام إدراكه المستجد بوضوح تام؛ فلحظة انفجار الغربان وتحولها إلى سديم دموي، رصدت عيناه ما يشبه إعصارًا رمليًّا يتألف من جزيئات روحية دقيقة، تمددت بسرعة فائقة لتطوق رقعة البحر بأكملها. ولم يكن ذلك الدم سوى الوسيط الناقل للطفيلي الملعون!
‘أهي غربان؟’ رفع ناظريه وقد عقدت الدهشة حاجبيه. وتذكر إجهازه بيده على شخص يعشق تربية الغربان إبان تواجده في لينغدون القديمة، ويدرك تمامًا طبائع هذه الطيور المشؤومة؛ فهي لا تقوى على قطع مسافات مديدة تحليقًا فوق المياة المفتوحة.
ظهورها في عرض البحر لا يحتمل سوى تفسير واحد: ثمة من يعتني بها ويوجهها فوق متن سفينة قريبة! وزيادة على هذا، تسارعت وتيرة رفرفة الأجنحة لتعلن عن قدوم أسراب غفيرة، مما بث نذير شؤم في وجدان سوين. وفجأة، حط أكثر من اثني عشر غرابًا قرمزي العيون فوق الصاري الرئيسي للسفينة التي يستقلها.
وتعالت الصرخات المذعورة، “سحقًا! ما هذه اللعنة التي حلت بنا؟”
ومعاينة تلك العيون الحمراء النارية قادت حبل أفكاره فورًا صوب ذلك الرجل الذي رمقه قبل ثلاثة أيام في حانة القراصنة.. العرّاب غراب، وينغرب ماري! فتمتم بهلع، “الأمر ينذر بالسوء!”
بيد أن الأمر اختلف في العالم الخارجي الفسيح؛ حيث يتألف سواد العصابات الأعظم من كسالى وعديمي كفاءة، يندر بينهم وجود أفراد ذوي بأس حقيقي —على الأقل، هذا هو واقع الحال في الحواضر الصغيرة مثل مدينة العواصف الثلجية.
تظاهر الاثنان بالانفصال وعدم المعرفة، ودلفا إلى السفينة تِباعًا. ولم يفت سوين ملاحظة أن أحد الأفراد الثلاثة الذين رصد تعقبهم له سلفًا، لحق بيوتا إلى الرصيف، غير أنه آثر البقاء دون صعود السفينة. ولم يداخل سوين ظن بأن هؤلاء قد كفوا أيديهم، بل رأى في سلوكهم تكتيكًا بارعًا يقوم على المراقبة المتعاقبة والمتبادلة بغية التمويه وتشتيت الانتباه.
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
تعالت الجلبة، “تبًّا! كيف تجرأ القراصنة على بلوغ هذا المدى؟”
بيد أن غمرة الهدوء تبددت بوقوع حدث غير محتسب؛ إذ حرك سوين أذنيه متوجسًا إثر سماع نعيق طيور يتردد صداه في جو السماء. ولم تكن تلك الطيور السوداء بادية للعيان وسط عتمة الليل، وعجزت عيناه الحادتان عن رصد أكثر من ظلال قاتمة تمخر عباب الجو من مسافات بعيدة.
ارتفعت التمتمات، “يا للنحس! ما بال هذه الغربان تلاحقنا حتى في عرض البحر؟”
واستشعر سوين القابع يطالع كتابًا في مقصورته هذا التحول فورًا؛ وتطلع عبر فتحة التهوية ليرى سديمًا خفيفًا ينسج خيوطه فوق اليَم، وأيقن مع تنامي الرطوبة أن الضباب سيزداد كثافة وقوة، وهو ما مثل بشارة خير لخطته.
أما بقية الركاب، فقد عجزوا عن إبداء أي رد فعل وتجرعوا كميات من ذلك السديم الملوث. وفي الثواني التالية، تفتق المشهد عن ظاهرة بالغة الغرابة والرعب! أحس الضحايا فوق السطح بغصة غريبة تخنق حلاقيمهم، فاندفعوا يحاولون انتزاعها بأصابعهم؛ ومع محاولاتهم، بدأت غربان حية تنبثق وتخرج من أفواههم!
“هاها، أترى دقة تصويبي؟ لقد أطحت بطائرين برصاصة فريدة!”
تعد مواجهة السديم البحري أمرًا مألوفًا، لذا حافظ الطاقم والمغامرون على هدوئهم؛ فآوى من رغب إلى مرقده، وظل الآخرون يسامرون بعضهم. وخمن سوين أن تكثف الضباب يتطلب ساعة أو ساعتين إضافيتين، مما يجعل منتصف الليل التوقيت الأمثل لبدء الهجوم.
وغدا عسيرًا على سوين في هذه اللحظة فرز وجوه الحشد لتمييز من يتولى المراقبة الآن، بيد أن فضوله تعاظم لمعرفة مآرب هؤلاء الذين يقتفون أثر يوتا.
وغاب عن بصائرهم حقيقة مرعبة؛ فالطيور المصابة لم تسقط جثثًا، بل انفجرت محولة أجسادها إلى سحب وسدم من الدماء القانية في كبد الهواء.
“إنها التقنية الملعونة ذاتها…” ضيق سوين عينيه وهو يرمق سدم الضباب الدموي، مستوثقًا من منشأ هذه الطيور؛ فقد جابه هذا الأسلوب سلفًا وخبر دهاليزه.
تمثلت هذه التعويذة في السحر الأسود الملعون المعروف بـ”لعنة دماء الغربان الطاعونية”! ورغم جهله بآلية عملها سابقًا، تجلت الحقيقة أمام إدراكه المستجد بوضوح تام؛ فلحظة انفجار الغربان وتحولها إلى سديم دموي، رصدت عيناه ما يشبه إعصارًا رمليًّا يتألف من جزيئات روحية دقيقة، تمددت بسرعة فائقة لتطوق رقعة البحر بأكملها. ولم يكن ذلك الدم سوى الوسيط الناقل للطفيلي الملعون!
بيد أن الأمر اختلف في العالم الخارجي الفسيح؛ حيث يتألف سواد العصابات الأعظم من كسالى وعديمي كفاءة، يندر بينهم وجود أفراد ذوي بأس حقيقي —على الأقل، هذا هو واقع الحال في الحواضر الصغيرة مثل مدينة العواصف الثلجية.
تعد مواجهة السديم البحري أمرًا مألوفًا، لذا حافظ الطاقم والمغامرون على هدوئهم؛ فآوى من رغب إلى مرقده، وظل الآخرون يسامرون بعضهم. وخمن سوين أن تكثف الضباب يتطلب ساعة أو ساعتين إضافيتين، مما يجعل منتصف الليل التوقيت الأمثل لبدء الهجوم.
فطن إلى الفخ وتمتم، “لقد وقع الأسطول في مأزق مهلك…”، وسارع عبر إلقاء تعويذة خاطفة إلى تبديل ملامحه، مرتديًا قناع غاز شبيهًا بمنقار الغراب لحماية نفسه.
ونظرًا لانعزاله طوال الأيام الفائتة، لم يستعجل سوين العودة إلى نُزله، بل آثر التجول في أرجاء السوق برهة، معتزمًا ابتياع بعض المستلزمات الخيميائية. تميزت النوى الشيطانية القادمة من الصقاع الشمالية بجودتها العالية وسعرها الزهيد، فضلًا عن غناها بمكونات تفوق بمراحل مجرد عناصر الطاقة المظلمة المستقرة في البلورات الملعونة، مما يسد طيفًا واسعًا من الاحتياجات الخيميائية. كما حرص على تجديد مخزونه من المواد الاستهلاكية الضرورية لنقش الرونات.
قبل أن تبادر عصابة التهريب بأي خطوة، أمن سوين صعود جيك على متن سفينة تجارية تمخر العباب نحو رويينغ. ورأى سوين أنه قدم لتلميذه كل ما يقع في طوقه، وغدا لزامًا على الفتى أن يخطو بقية الطريق بمفرده.
أما بقية الركاب، فقد عجزوا عن إبداء أي رد فعل وتجرعوا كميات من ذلك السديم الملوث. وفي الثواني التالية، تفتق المشهد عن ظاهرة بالغة الغرابة والرعب! أحس الضحايا فوق السطح بغصة غريبة تخنق حلاقيمهم، فاندفعوا يحاولون انتزاعها بأصابعهم؛ ومع محاولاتهم، بدأت غربان حية تنبثق وتخرج من أفواههم!
ومعاينة تلك العيون الحمراء النارية قادت حبل أفكاره فورًا صوب ذلك الرجل الذي رمقه قبل ثلاثة أيام في حانة القراصنة.. العرّاب غراب، وينغرب ماري! فتمتم بهلع، “الأمر ينذر بالسوء!”
تحول المشهد إلى كابوس مروع والناس يسعلون ويتقيأون طيورًا داكنة كما لو تملكتهم الأرواح الشريرة، وتكاثرت الغربان المنبعثة لتغزل غطاءً يحجب وجه السماء. ارتسم الوجوم الشديد على محيا سوين؛ فالتعويذة الحالية تفوق ببأسها كل ما خبره ماضيًا، وهمس وهو يتأمل الجو الملبد بالطيور، “إن السحر الأسود الصادر عن محترفي الرتبة الرابعة يبز بمراحل أثر الرتبة الثانية.”
ورأى سوين أنه لو اعتلى منصب الملك، لما سمح ببقاء هذا التمرد يتنامى.
وصحيح أن التجار تهاونوا مع هودج لعلمهم بامتلاكه مبادئ وأعرافًا أخلاقية تمنعه من سلبهم، غير أن مواجهة قراصنة حقيقيين لا تترك مجالاً سوى لقتال مستميت حتى الرمق الأخير! فالوقوع في أسر هؤلاء يعني ملاقاة مصير يفوق الموت رعبًا؛ فبمعزل عن فئة قليلة تحظى بفرصة الفدية المالية، يؤول أمر البقية —وخاصة النساء— إلى جحيم مطلق.
وتعالت الصرخات المذعورة، “سحقًا! ما هذه اللعنة التي حلت بنا؟”
وحلت صبيحة اليوم التالي، ليرتد سوين مبكرًا صوب رصيف مدينة العواصف الثلجية. وتأهبت شركة “صن شاين” لتجارة العبيد لشحن دفعة جديدة من الأسرى عبر البحر نحو رويينغ في ذلك اليوم.
“إنه سحر أسود! احذروا جميعًا ولا تلمسوا تلك الطيور المشؤومة!”
“ليتأهب الجميع، لعلنا نكابد غارة قراصنة! تناهت لسمعي أخبار عن وافد جديد يلقب بـ’الغراب’ يبسط سطوته في البحار مستعينًا بهذه الأساليب الشيطانية…”.
“هذا طفيلي ملعون، لن يجهز علينا فورًا، لكن بقاء اللعنة دون ترياق يضمن استنزاف طاقاتنا حتى الهلاك حتمًا!”
غير أن حساباته خالفت الواقع؛ إذ لم يكد الضباب يطبق حصاره حتى تناهى إليه أن طرفًا آخر قد سبقه وفجر الموقف! وبينما هو منكب على كتابه، اخترقت سمعه جلبة قتال ضارٍ تنبعث من السفن القابعة في الخلف؛ دوي انفجارات وطلقات نارية تمازجت مع صليل السيوف واصطدام الحديد، لتندلع الفوضى العارمة وتجتاح الأسطول بأسره، وارتفعت النداءات، “إلى مراكزكم! إلى مراكزكم!”، “ليتأهب الجميع للقتال!”.
تمثلت هذه التعويذة في السحر الأسود الملعون المعروف بـ”لعنة دماء الغربان الطاعونية”! ورغم جهله بآلية عملها سابقًا، تجلت الحقيقة أمام إدراكه المستجد بوضوح تام؛ فلحظة انفجار الغربان وتحولها إلى سديم دموي، رصدت عيناه ما يشبه إعصارًا رمليًّا يتألف من جزيئات روحية دقيقة، تمددت بسرعة فائقة لتطوق رقعة البحر بأكملها. ولم يكن ذلك الدم سوى الوسيط الناقل للطفيلي الملعون!
“تبًّا، إن ’ترياق اللعنات المبتدئ’ عديم الأثر! من يحوز ترياقًا رفيع المستوى فليبعني إياه بأي ثمن!”
وعقب جولة تسوق مثمرة، استحصل سوين مواد كثيرة بالغة النفع. وبدا أن أنباء مذبحة نزل الحداد التي خلفت قرابة ثلاثين جثة تسارعت لتطرق مسامع الرؤوس الكبيرة في “عصابة التهريب”؛ إذ رصد في الشوارع انتشارًا لأوباش العصابة وهم يقفون على قلق بحثًا عن الجناة. ودون أدنى اكتراث بحركتهم، قصد سوين نُزلًا آخر عثر عليه مصادفة، واستأجر فيه غرفة.
تذكر سوين أن المزية الوحيدة لهذه الشحنة تكمن في أسر كاهنة درويد رفيعة المقام من قبيلة دالو.. يوتا! ولكن ما الغاية الكامنة وراء صنيع كهذا؟ أيسعون للتودد إلى قبيلة دالو وبلوغ مأرب مجهول؟ استرجع سوين المعطيات المستجدة؛ فالمعروف عن هودج تصدره لـ”حركة تحرير العبيد” ونيله حظوة وسمعة رفيعة بين الأعراق المتباينة، مما مكنه من حشد قوة لا يستهان بها.
“ليتأهب الجميع، لعلنا نكابد غارة قراصنة! تناهت لسمعي أخبار عن وافد جديد يلقب بـ’الغراب’ يبسط سطوته في البحار مستعينًا بهذه الأساليب الشيطانية…”.
تحول المشهد إلى كابوس مروع والناس يسعلون ويتقيأون طيورًا داكنة كما لو تملكتهم الأرواح الشريرة، وتكاثرت الغربان المنبعثة لتغزل غطاءً يحجب وجه السماء. ارتسم الوجوم الشديد على محيا سوين؛ فالتعويذة الحالية تفوق ببأسها كل ما خبره ماضيًا، وهمس وهو يتأمل الجو الملبد بالطيور، “إن السحر الأسود الصادر عن محترفي الرتبة الرابعة يبز بمراحل أثر الرتبة الثانية.”
تألف الأسطول من قرابة عشر سفن في المجمل، على غرار الأسطول الذي وفد على متنه أول مرة. وبما أن المؤسسات التجارية الضخمة مثل شركة “صن شاين” تحوز فيالق حراسة خاصة بها، انتفت حاجتها للاستعانة بالمغامرين؛ وتبعًا لهذا، اندمج سوين ويوتا بين ركاب السفن التجارية المتأخرة في الخلف. وتطلب بلوغ رويينغ رحلة مديدة، مما يتيح فرصًا وفيرة للتحرك وتنفيذ المخطط.
واستبد الهلع والذهول بالجميع جراء وطأة السحر، وعجزوا عن سبر كنه ما يدور، لتتردد أنات الوجع والتفجع في أرجاء السطح والمقاصير الداخلية.
تلاحقت الخطوات المتسارعة فوق السطح، وتصاعدت جلبة طاقم المدفعية وهم يعبئون الذخائر، وانطلقت القنابل المضيئة تشق عنان السماء لتبدد عتمة الليل، فاستبان للحضور حقيقة ما يجري علنًا، “تبًّا، إنه هودج! لقد أقبل لشن هجومه على سفينة العبيد مجددًا!”.
واستبد الهلع والذهول بالجميع جراء وطأة السحر، وعجزوا عن سبر كنه ما يدور، لتتردد أنات الوجع والتفجع في أرجاء السطح والمقاصير الداخلية.
داخلت الحيرة سوين بدوره؛ فلو سلمنا بأن هودج يبغي نجدة الأسرى، فما المسوغ لإقحام هذا التحول المرعب؟ أيعقل كون هودج بيدقًا يتحكم به ملك بحر الشمال؟ غير أن الشواهد تدحض هذا الزعم؛ فبتأمل الأفق، بدا على ملامح “قبضة العدالة” هودج وجوم حاد وهو يرقب السفن الغامضة المنبثقة من لجة الضباب، مما يثبت جهله التام بهوية القادم.
“ليتأهب الجميع، لعلنا نكابد غارة قراصنة! تناهت لسمعي أخبار عن وافد جديد يلقب بـ’الغراب’ يبسط سطوته في البحار مستعينًا بهذه الأساليب الشيطانية…”.
اقتفى سوين أثر نظرات المحارب لتبين الهياكل الضخمة للسفن المقتربة وسط السديم، ومع دُنُوّها، ميز الأعلام الخفاقة فوق الصواري العالية.. أعلامًا تحمل جماجم زرقاء يتقاطع خلفها هراوات مسننة كأنياب الذئاب! إنه أسطول “ملك بحر الشمال”! وبات مؤكدًا أن المحرك لأسراب الغربان هو وينغرب بلا ريب.
ظهورها في عرض البحر لا يحتمل سوى تفسير واحد: ثمة من يعتني بها ويوجهها فوق متن سفينة قريبة! وزيادة على هذا، تسارعت وتيرة رفرفة الأجنحة لتعلن عن قدوم أسراب غفيرة، مما بث نذير شؤم في وجدان سوين. وفجأة، حط أكثر من اثني عشر غرابًا قرمزي العيون فوق الصاري الرئيسي للسفينة التي يستقلها.
“أوه، أطار صياحك روعي، خلتنا وقعنا بين براثن القراصنة! إن هودج ليس بقرصان، وجل همه ينحصر في عتق العبيد وتحريرهم دون المساس بالتجار العاديين، فلا مبرر للذعر.”
استشف سوين حقيقة الموقف فورًا، وربط الخيوط بذكاء متمتمًا: ‘أيعقل أن رجال ملك بحر الشمال استدرجوا هودج لتصفيته؟’ وتيقن أن أحداث الليلة تشبه “أحجية من الفخاخ المتلاحقة”؛ فهودج تحرك بدافع عتق الأسرى، بينما رصدت عيون ملك بحر الشمال خطواته، واغتنمت فرصة نزوله اليَم لتطويقه والقضاء عليه.
وأمام هذا المشهد، آثر سوين التريث وعدم الاندفاع، مراقبًا تطورات الفوضى في صمت زاهد.
ولم يفتأ دافع المكيدة ينجلي بوضوح؛ فجهود هودج المستمرة في تحرير المستضعفين أكسبته حظوة وتأثيرًا متعاظمًا بين أعراق الشمال المتباينة، وهو ما بات يهدد بشكل مباشر هيبة وسلطان “ملك بحر الشمال”.
وتعالت الصرخات المذعورة، “سحقًا! ما هذه اللعنة التي حلت بنا؟”
تمتم سوين في سره، “تسك تسك، أمر يثير الاهتمام بحق…”
ورأى سوين أنه لو اعتلى منصب الملك، لما سمح ببقاء هذا التمرد يتنامى.
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
داخلت الحيرة سوين بدوره؛ فلو سلمنا بأن هودج يبغي نجدة الأسرى، فما المسوغ لإقحام هذا التحول المرعب؟ أيعقل كون هودج بيدقًا يتحكم به ملك بحر الشمال؟ غير أن الشواهد تدحض هذا الزعم؛ فبتأمل الأفق، بدا على ملامح “قبضة العدالة” هودج وجوم حاد وهو يرقب السفن الغامضة المنبثقة من لجة الضباب، مما يثبت جهله التام بهوية القادم.
التفت يعاين وضع يوتا، فتبين أن طاقة الكهانة والدرويد التي تحوزها حصنتها ضد أثر اللعنة الطفيلية؛ إذ انشغلت بإطلاق تعاويذ تطهير لتبديد الضباب الملعون فوق سفينة الأسرى.
وتمثل السيناريو الأبهى في الاستيلاء على سفينة العبيد بعيدًا عن الأعين والتواري بها صامتًا. بيد أن المجهول الوحيد الذي كدر يقين سوين تلخص في ذلك الظل المتتبع ليوتا؛ فنظرًا لجهله بغايتهم، ضاعف من حيطته وحذره. ولم تتسع حواسه لتطويق كل تلك السفن الممتدة خلفه، وتملكه الشك في وجود أساتذة يفوقونه قوة يرقبون المشهد في صمت مريب.
وأمام هذا المشهد، آثر سوين التريث وعدم الاندفاع، مراقبًا تطورات الفوضى في صمت زاهد.
اقتفى سوين أثر نظرات المحارب لتبين الهياكل الضخمة للسفن المقتربة وسط السديم، ومع دُنُوّها، ميز الأعلام الخفاقة فوق الصواري العالية.. أعلامًا تحمل جماجم زرقاء يتقاطع خلفها هراوات مسننة كأنياب الذئاب! إنه أسطول “ملك بحر الشمال”! وبات مؤكدًا أن المحرك لأسراب الغربان هو وينغرب بلا ريب.
ولم يلبث الراصد القابع فوق الصاري أن لمح الأعلام الإجرامية، فبث صيحة ذعر شقت الأثير، “غارة قراصنة! القراصنة يهاجمون!”، لتهوي هذه الصرخة بالأسطول في غيابات فوضى عارمة.
ولم يلبث الراصد القابع فوق الصاري أن لمح الأعلام الإجرامية، فبث صيحة ذعر شقت الأثير، “غارة قراصنة! القراصنة يهاجمون!”، لتهوي هذه الصرخة بالأسطول في غيابات فوضى عارمة.
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
وحلت صبيحة اليوم التالي، ليرتد سوين مبكرًا صوب رصيف مدينة العواصف الثلجية. وتأهبت شركة “صن شاين” لتجارة العبيد لشحن دفعة جديدة من الأسرى عبر البحر نحو رويينغ في ذلك اليوم.
تعالت الجلبة، “تبًّا! كيف تجرأ القراصنة على بلوغ هذا المدى؟”
استشف سوين حقيقة الموقف فورًا، وربط الخيوط بذكاء متمتمًا: ‘أيعقل أن رجال ملك بحر الشمال استدرجوا هودج لتصفيته؟’ وتيقن أن أحداث الليلة تشبه “أحجية من الفخاخ المتلاحقة”؛ فهودج تحرك بدافع عتق الأسرى، بينما رصدت عيون ملك بحر الشمال خطواته، واغتنمت فرصة نزوله اليَم لتطويقه والقضاء عليه.
“الموقف حرج، إنه أسطول بحر الشمال السفاح…”
تمتم سوين في سره، “تسك تسك، أمر يثير الاهتمام بحق…”
وأصدر قادة السفن التجارية أوامرهم الصارمة على عجل، “أديروا الدفة فورًا واقفلوا راجعين صوب الميناء! أبلغوا بقية السفن بالاحتشاد وتشكيل نسق قتالي، جهزوا المدافع لنسحق هؤلاء الأوغاد ونغرقهم في جوف البحر!”
والواقع يثبت عجز سفن الشحن الثقيلة عن الإفلات من مطاردة زوارق القراصنة؛ لا سيما تلك القادمة من أراضي الشمال وهي مثقلة بالبضائع، مما يزيد من عمق غاطسها ويجعل حركتها وئيدة.
تحول المشهد إلى كابوس مروع والناس يسعلون ويتقيأون طيورًا داكنة كما لو تملكتهم الأرواح الشريرة، وتكاثرت الغربان المنبعثة لتغزل غطاءً يحجب وجه السماء. ارتسم الوجوم الشديد على محيا سوين؛ فالتعويذة الحالية تفوق ببأسها كل ما خبره ماضيًا، وهمس وهو يتأمل الجو الملبد بالطيور، “إن السحر الأسود الصادر عن محترفي الرتبة الرابعة يبز بمراحل أثر الرتبة الثانية.”
وفي المقابل، صُممت قطع القراصنة بأسلوب يخدم الغارات السريعة والخاطفة، مما يجعل فكرة الفرار ضربًا من المحال، ويجعل القتال والمناورة خيارهم الأوحد أملاً في الصمود لحين وفود نجدة.
ولم يطُل الوقت حتى رفعت السفن مراسيها لتنطلق، وراحت السفن ثلاثية الصواري تغادر الميناء تباعًا في خطوط منتظمة.
وصحيح أن التجار تهاونوا مع هودج لعلمهم بامتلاكه مبادئ وأعرافًا أخلاقية تمنعه من سلبهم، غير أن مواجهة قراصنة حقيقيين لا تترك مجالاً سوى لقتال مستميت حتى الرمق الأخير! فالوقوع في أسر هؤلاء يعني ملاقاة مصير يفوق الموت رعبًا؛ فبمعزل عن فئة قليلة تحظى بفرصة الفدية المالية، يؤول أمر البقية —وخاصة النساء— إلى جحيم مطلق.
فطن هودج بذكائه أن قدوم هؤلاء الأوغاد يستهدفه هو بالذات، وأدرك أن بقاءه فوق متن سفينة الأسرى سيقحم المستضعفين من أشباه البشر في نيرانهم، مما يجهض جهوده السابقة لعتقهم ويحيلها رمادًا.
لم تستعر المعركة طويلًا؛ إذ أفلحت القوات بقيادة هودج في سحق جيوب المقاومة سريعًا. ورأى سوين فك قيود العبيد وإطلاق سراحهم من ثلاث سفن نخاسة، وتزامنًا مع ذلك، انشقت لجة الضباب عن بضع سفن تقترب وئيدًا، لعلها تتبع رجال هودج لتأمين الانسحاب. واستحسن سوين خاتمة الأمر؛ فنجاة الجميع أزاحت عن عاتقه عبئًا ثقيلًا وقلاقل جمة.
وفجأة، انطلقت قذائف المدافع لتزلزل الأركان وتملأ الأجواء بدوي الانفجارات الهائل.
وانقبضت حدقتاه بغتة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، انقضت أسراب الغربان ذات العيون المتوهجة لتهبط بكثافة، مخترقة الأجواء لشن هجوم ضارٍ على المتواجدين فوق السطح. وهب المغامرون يجابهون الخطر وسط صيحات الذعر، ودوى وابل كثيف من الطلقات النارية التي ما لبثت أن خفتت حدتها سريعًا. ولم تسفر الرصاصات سوى عن تصفية بضعة طيور، فلم يلقِ البقية بالًا للأمر.
فطن هودج بذكائه أن قدوم هؤلاء الأوغاد يستهدفه هو بالذات، وأدرك أن بقاءه فوق متن سفينة الأسرى سيقحم المستضعفين من أشباه البشر في نيرانهم، مما يجهض جهوده السابقة لعتقهم ويحيلها رمادًا.
وحلت صبيحة اليوم التالي، ليرتد سوين مبكرًا صوب رصيف مدينة العواصف الثلجية. وتأهبت شركة “صن شاين” لتجارة العبيد لشحن دفعة جديدة من الأسرى عبر البحر نحو رويينغ في ذلك اليوم.
ولم يلبث الراصد القابع فوق الصاري أن لمح الأعلام الإجرامية، فبث صيحة ذعر شقت الأثير، “غارة قراصنة! القراصنة يهاجمون!”، لتهوي هذه الصرخة بالأسطول في غيابات فوضى عارمة.
ومع تبادر هذه الفكرة، وثب مغادرًا سفينة العبيد ليستقر فوق ظهر السفينة التجارية التي أحكم سيطرته عليها سلفًا.
واستبد الهلع والذهول بالجميع جراء وطأة السحر، وعجزوا عن سبر كنه ما يدور، لتتردد أنات الوجع والتفجع في أرجاء السطح والمقاصير الداخلية.
ومع عيان سوين لهذه الحركة، وثب بدوره مغادرًا ظهر السفينة لينطلق صوب خضم الأحداث.
والواقع يثبت عجز سفن الشحن الثقيلة عن الإفلات من مطاردة زوارق القراصنة؛ لا سيما تلك القادمة من أراضي الشمال وهي مثقلة بالبضائع، مما يزيد من عمق غاطسها ويجعل حركتها وئيدة.
————————
وصحيح أن التجار تهاونوا مع هودج لعلمهم بامتلاكه مبادئ وأعرافًا أخلاقية تمنعه من سلبهم، غير أن مواجهة قراصنة حقيقيين لا تترك مجالاً سوى لقتال مستميت حتى الرمق الأخير! فالوقوع في أسر هؤلاء يعني ملاقاة مصير يفوق الموت رعبًا؛ فبمعزل عن فئة قليلة تحظى بفرصة الفدية المالية، يؤول أمر البقية —وخاصة النساء— إلى جحيم مطلق.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
وأجل، اقتضى الأمر قصد السوق السوداء؛ ففي هذا العالم، تُصنف الخرائط البحرية والمخططات الجغرافية المفصلة كسلع عسكرية محظورة ويُمنع تهريبها.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
وبمعزل عن صيته، حظي هذا الرجل بمكانة ومهابة كبيرة؛ فرغم مقت النخاسين له، لم يحمل التجار العاديون ضغينة تجاهه. وبناءً على إعلانه السعي لإنقاذ المستضعفين، أدرك الجميع أن مجابهة خبير من الرتبة الخامسة فداءً لأملاك شركة كبرى ضرب من الطيش والجنون.
