Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الشطرنج الأبدي 44

روان.
اعدادت القارئ
PDF

روان.

الفصل 43 – روان

وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.

منذ بضع أعوام.

“تصفيق! تصفيق!”

>تحت السماء المظلمة، وراء جبال آرتيميس.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

كبّل رجلٌ أسود الشعر، تدلت خصلاته كستائر ليلٍ أغرقتها الأمطار، بعينين كلهيب لايطفئ، بسلاسل أشد سواداً من السماء، فوق منصة من العار والدم.

“جائع؟”عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:”هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!”

تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”

فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

تدحرج رأس الفيكونت كينغرال على أرض المنصّة، متوقفًا بهدوء أمام أنظار الحشود. لم يسمع سوى صوت شهيق الرياح.

لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.

حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.

كان والدها – الفكيونت كينغرال آثماً إستحق القتل بموجب عدة قوانين، فبدمائه القذرة الدنيا كان قد تجرأ على “الزواج” من إحدى المنازل الثلاثة العظيمة، منزل دوقية أوريفيوس!

في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.

“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”

“أيها الوقح!”

“!!!”

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

“أيها الوقح!”

عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.

“أنّى لذي سلالة دنيئة أن يتجرأ!”

منذ بضع أعوام.

“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”

كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!

“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”

واحدًا تلو الآخر.

“ابن العاهرة القذر!”

تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”

لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.

كان والدها – الفكيونت كينغرال آثماً إستحق القتل بموجب عدة قوانين، فبدمائه القذرة الدنيا كان قد تجرأ على “الزواج” من إحدى المنازل الثلاثة العظيمة، منزل دوقية أوريفيوس!

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!

“سووش!”

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.

ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.

“بلوب.”

“ووش.”

تدحرج رأس الفيكونت كينغرال على أرض المنصّة، متوقفًا بهدوء أمام أنظار الحشود. لم يسمع سوى صوت شهيق الرياح.

قال عمها أليتاليس:”يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين.”

رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.

عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.

تشاركت روان وعمها وأخوها تعبيراً من اليأس والفجعة، ناظرين إلى ذلك الرأس المقطوع، مخالفين التعابير السائدة من الفرحة والراحة.

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.

كانت قد فقدت والدها – سندها.

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.

حدث كل هذا بسببها!

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

كشخصٍ ينتمي إلى إحدى المنازل الثلاث العظيمة، فقد “أغوت” والدها – الفيكونت كينغرال مع معرفتها بالعواقب و أنجبتها و أخاها الصغير، ثم تخلصت منهم هكذا.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

“بلوب.”

منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.

جوع، وبرد، ورعب.

تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

مرّ الوقت… ولم يعد أحد.

قال عمها أليتاليس:”يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين.”

بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!

بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.

كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

مع ترحالهم وهروبهم، عاشوا في الغابات و تحت الكهوف. بين الثلوج والعواصف، تسلقوا الجبال الشاهقة و وعبروا البحيرات و الأنهار. وكثيراً ما طوردوا من قبل جلادي منزل أوريفيوس.

كان كل شيء يتجمد.

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.

كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.

كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.

أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.

كان كريثل طفلاً، لم يرد لا أليتاليس ولا روان أن يختبر هذه المعيشة مبكراً وينشأ عليها؛ لكن هذا قد كان واقعاً، وحُتِّم عليه ذلك.

أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.

في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.

هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.

“كريثل، أترى هؤلاء؟”

في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.

“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”

“ألم أخبرك؟ أنا ملعون!”عبّس أغاريس:”أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!”

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”

لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.

استخدموا إحداها.

في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.

كانوا كأشباح تسللت تحت عباءة الليل.

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

قال الوحي—

حاولت روان يائسةً أن تمنحه دفئًا يوازي ما سُرق منه، لكن مشهد الدم على منصة الإعدام لم يفارقه، ظلّ محفورًا في ذاكرته كندبة لا تندمل.

شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.

‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’

‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’

لم تعلم روان.

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

‘حتى لو كانت دماء حشرة.’

كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.

بدأت الأفكار السوداء تنهشها:

أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

لقد حُمّل ما لا يطاق.

كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.

كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.

كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.

>تحت السماء المظلمة، وراء جبال آرتيميس.

قال الوحي—

‘حتى لو كانت دماء حشرة.’

في أقصى الجنوب الشرقي من القارة،
خلف جبالٍ لا تُعبر،
في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم،
ينتظركم قدَر.

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.

لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

قال الوحي—

عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

كانوا كأشباح تسللت تحت عباءة الليل.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.

تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.

داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.

“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”

قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.

جوع، وبرد، ورعب.

جبال آرتيميس الشاهقة حالت دون المرور، امتدت حتى كادت تلامس السماء، وتسلّقها سيستغرق سنوات.

” كما أخبرتك سلفاً؛ تغذية وراحة، هذا ما ينقصك. أعرف أن الشهية تغيب حين يختنق القلب…لكنّ الجسد، وإن قُهر، لا بدّ له من قوت.”

وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.

لقد حُمّل ما لا يطاق.

تبقّت منها اثنتان.

مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.

استخدموا إحداها.

كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

واحدًا تلو الآخر.

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

وفي لحظةٍ من غفلة، لمس كريثل ، تيارات الفضاء الملتوية بالخطأ. شعرت روان بالرعب، وما كان لها إلا إحتضانه بسرعةٍ خوفاً عليه، لكن مالم تحسب حسابه هو أنها حين رمشت أظلم كل شيء.

“أنّى لذي سلالة دنيئة أن يتجرأ!”

حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

ولا أي وسيلة للعودة.

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

كانا وحدهما.

حاولت روان يائسةً أن تمنحه دفئًا يوازي ما سُرق منه، لكن مشهد الدم على منصة الإعدام لم يفارقه، ظلّ محفورًا في ذاكرته كندبة لا تندمل.

دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،

وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.

ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.

“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”

بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان:
لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!

‘لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.’

كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

‘أشتهي دماً…’

كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.

‘هل كنا عبئاً؟’

بعد مضي خمس أيام، سقط كريثل، ولم يسع جسده الهزيل التحمل.

كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.

جوع، وبرد، ورعب.

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.

أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

منذ بضع أعوام.

كانت جائعة.

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

‘أشتهي دماً…’

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

‘حتى لو كانت دماء حشرة.’

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

لكنها لم تتحرك.

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

خشيت أن يعود العم ولا يجدها.

كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.

إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.

كان كل شيء يتجمد.

مرّ الوقت… ولم يعد أحد.

بدأت الأفكار السوداء تنهشها:

فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.

‘هل تخلّى عمي عنا؟’

ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.

‘هل كنا عبئاً؟’

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

‘هل كنا عائقًا؟ ألهذا حال دوننا؟’

‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’

بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

‘من هو هذا الطفل؟’

مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.

‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

كان كل شيء يتجمد.

‘أشتهي دماً…’

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.

‘بطل، ساحر، أو حتى قديس، أنقذونا.’

“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

‘لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.’

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.

‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’

‘أنا خائفة.’

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.

قال الوحي—

ظنّت أن الموت، قد…يحررها.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…

“أيها الوقح!”

مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.

“ووش!!”

منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.

‘أنا خائفة.’

– كانت حياتها لاتزال قاتمة .

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.

“ووش!” “ووش!”

لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:

قال عمها أليتاليس:”يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين.”

“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”

كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.

“…شكراً لك.”

> بعد بضع أيّام.

في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.

أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.

كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

كانا أغاريس وكاليد.

داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.

“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

لم يفهم كاليد هذا.

واحدًا تلو الآخر.

بدا وكأن أغاريس قادرٌ على إيجاده أينما كان.

وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”

“ألم أخبرك؟ أنا ملعون!”عبّس أغاريس:”أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!”

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”

هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.

“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”

“ألم أخبرك؟ أنا ملعون!”عبّس أغاريس:”أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!”

“عنصر نار قوي…أين هو؟”

“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”

“ألا تشعر به؟”كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:”إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!”

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

“لهذه الدرجة؟”تجولت عينا كاليد حول المكان، لكنه لم يرى أو يستشعر أي شيء. هل كان أغاريس يهذي؟ أم أن غريزته قد كانت صائبة؟

“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”

‘…آه، لقد ذكر ذلك قبل أن تبتلعنا البوابة.’تذكّر كاليد، وشعر فجأة بأن الأمر يستحق التجربة:”إذن من أين نبدأ؟ لنؤجل خدمتي هذه، ونبدأ بك.”

“!!!”

“ووش!!”

كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.

فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”

‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’

كانت فتاة بشعرٍ قصير، حالك السواد ذو خصلة بيضاء، أشعت عيناها الدمويتين بضوءٍ بنفسجي مظلم، بينما لمع ناباها القصيران، مبرزين هويتها كمصاصة دماء!

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.

تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.

“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”

‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’

خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:”طاب مساءك.”

‘من هو هذا الطفل؟’

حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.

لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.

إبتسم كاليد بذلك، وقال:”يالها من تأثيرٍ طبي جيّد في جسدك، يبدو أنه قد كان مقموعاً لعدم توفر مغذيات كفاية لديك. فور أن عالجت عروق المانا لديك؛ وإذا به ينهمر كسد منفجر. لا تحتاجين الآن إلا الراحة والتغذية.”

لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

“ووش!!”

شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.

خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:”طاب مساءك.”

هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.

بدأت الأفكار السوداء تنهشها:

ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.

شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:’ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا ربّاه، هذه ورطة…’

“ووش!!”

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”

دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،

“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

“ألا تشعر به؟”كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:”إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!”

“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”

“عنصر نار قوي…أين هو؟”

كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:’ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا ربّاه، هذه ورطة…’

ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.

“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”

لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”

كان كل شيء يتجمد.

“جائع؟”عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:”هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!”

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.

لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

” كما أخبرتك سلفاً؛ تغذية وراحة، هذا ما ينقصك. أعرف أن الشهية تغيب حين يختنق القلب…لكنّ الجسد، وإن قُهر، لا بدّ له من قوت.”

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

تنهد في نفسه:’آه، كان ليُستحسن لو كنا في قرية أقزام، لكن الجود بالموجود.’

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

“ووش!!”

“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”

في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!

“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”

“شوو!!”

منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.

تفتحت زهورٌ صغيرة بلون الذهب والقرمزي، وعلى أغصانها الوليدة تمايلت ثمارٌ طازجة نضرة، مبرزةً سحر الحياة الذي لا يخفى على ناظره.

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

“ووش!” “ووش!”

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.

“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”

“فرقعة!”

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

“أزيزززز!!”

كانت قد فقدت والدها – سندها.

بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!

‘حتى لو كانت دماء حشرة.’

“أزيرزز!!”

أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”

“تصفيق! تصفيق!”

كانا أغاريس وكاليد.

“جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!”حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:”يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!”

“عنصر نار قوي…أين هو؟”

“…”أعطاه كاليد أذناً صماء، ولم يأبه به.

مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

“ووش.”

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

قال الوحي—

“ووش!!”

تبقّت منها اثنتان.

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”

“أزيرزز!!”

كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.

في أقصى الجنوب الشرقي من القارة، خلف جبالٍ لا تُعبر، في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم، ينتظركم قدَر.

“…شكراً لك.”

منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.

كانت جائعة.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Ahmed khirallh🔥 100
4السيد الشاب🔥 100
5med abda🔥 100
6ABDULWAHAB ALKHALAF🔥 100
7A k🔥 100
8Wassim Sun🔥 100
9Arhama Alnuaimi🔥 100
10lsas xzpo🔥 100

لكنها لم تتحرك.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط