روان.
الفصل 43 – روان
هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.
منذ بضع أعوام.
كانت قد فقدت والدها – سندها.
>تحت السماء المظلمة، وراء جبال آرتيميس.
في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.
كبّل رجلٌ أسود الشعر، تدلت خصلاته كستائر ليلٍ أغرقتها الأمطار، بعينين كلهيب لايطفئ، بسلاسل أشد سواداً من السماء، فوق منصة من العار والدم.
كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!
تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.
كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.
تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”
تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.
لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.
بدأت الأفكار السوداء تنهشها:
كان والدها – الفكيونت كينغرال آثماً إستحق القتل بموجب عدة قوانين، فبدمائه القذرة الدنيا كان قد تجرأ على “الزواج” من إحدى المنازل الثلاثة العظيمة، منزل دوقية أوريفيوس!
تقبّلت الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.
“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”
ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.
“!!!”
في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.
إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:
عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.
“أيها الوقح!”
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
“أنّى لذي سلالة دنيئة أن يتجرأ!”
هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.
“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”
رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”
“ابن العاهرة القذر!”
واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.
لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.
“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”
“سووش!”
واحدًا تلو الآخر.
في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.
مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.
“بلوب.”
منذ بضع أعوام.
تدحرج رأس الفيكونت كينغرال على أرض المنصّة، متوقفًا بهدوء أمام أنظار الحشود. لم يسمع سوى صوت شهيق الرياح.
مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…
رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.
“…شكراً لك.”
هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.
ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.
تشاركت روان وعمها وأخوها تعبيراً من اليأس والفجعة، ناظرين إلى ذلك الرأس المقطوع، مخالفين التعابير السائدة من الفرحة والراحة.
لكنها لم تتحرك.
آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.
في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.
كانت قد فقدت والدها – سندها.
“ووش.”
كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.
“ووش.”
كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!
“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”
حدث كل هذا بسببها!
تقبّلت الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.
كشخصٍ ينتمي إلى إحدى المنازل الثلاث العظيمة، فقد “أغوت” والدها – الفيكونت كينغرال مع معرفتها بالعواقب و أنجبتها و أخاها الصغير، ثم تخلصت منهم هكذا.
كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.
واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.
لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.
كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!
مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
“أيها الوقح!”
تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!
ظنّت أن الموت، قد…يحررها.
كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!
مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.
قال عمها أليتاليس:”يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين.”
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.
كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.
كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!
“ابن العاهرة القذر!”
كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!
…
لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.
بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…
لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
مع ترحالهم وهروبهم، عاشوا في الغابات و تحت الكهوف. بين الثلوج والعواصف، تسلقوا الجبال الشاهقة و وعبروا البحيرات و الأنهار. وكثيراً ما طوردوا من قبل جلادي منزل أوريفيوس.
كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.
قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.
شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.
كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.
كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.
كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.
“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”
كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.
كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.
كان كريثل طفلاً، لم يرد لا أليتاليس ولا روان أن يختبر هذه المعيشة مبكراً وينشأ عليها؛ لكن هذا قد كان واقعاً، وحُتِّم عليه ذلك.
واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.
في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.
“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”
“كريثل، أترى هؤلاء؟”
فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.
“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”
داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.
بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!
“!!!”
لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.
شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.
في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.
ولا أي وسيلة للعودة.
كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.
ولا أي وسيلة للعودة.
حاولت روان يائسةً أن تمنحه دفئًا يوازي ما سُرق منه، لكن مشهد الدم على منصة الإعدام لم يفارقه، ظلّ محفورًا في ذاكرته كندبة لا تندمل.
كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.
‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’
تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”
لم تعلم روان.
بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.
في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.
“أيها الوقح!”
عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.
‘حتى لو كانت دماء حشرة.’
وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”
“…”أعطاه كاليد أذناً صماء، ولم يأبه به.
كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.
لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”
أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.
ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.
لقد حُمّل ما لا يطاق.
تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!
كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه “ذنب” أخاه، والذي فاق الإستحالة.
كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.
شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.
راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.
كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.
راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.
قال الوحي—
وفي لحظةٍ من غفلة، لمس كريثل ، تيارات الفضاء الملتوية بالخطأ. شعرت روان بالرعب، وما كان لها إلا إحتضانه بسرعةٍ خوفاً عليه، لكن مالم تحسب حسابه هو أنها حين رمشت أظلم كل شيء.
في أقصى الجنوب الشرقي من القارة،
خلف جبالٍ لا تُعبر،
في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم،
ينتظركم قدَر.
“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”
فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.
كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!
في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…
لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.
عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.
ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.
كانوا كأشباح تسللت تحت عباءة الليل.
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.
“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”
ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.
‘واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟’
داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.
‘من هو هذا الطفل؟’
قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.
حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.
جبال آرتيميس الشاهقة حالت دون المرور، امتدت حتى كادت تلامس السماء، وتسلّقها سيستغرق سنوات.
‘من هو هذا الطفل؟’
وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.
في أقصى الجنوب الشرقي من القارة، خلف جبالٍ لا تُعبر، في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم، ينتظركم قدَر.
تبقّت منها اثنتان.
بعد مضي خمس أيام، سقط كريثل، ولم يسع جسده الهزيل التحمل.
استخدموا إحداها.
وقال:”لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا.”
بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…
إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.
واحدًا تلو الآخر.
بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.
وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.
“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”
وفي لحظةٍ من غفلة، لمس كريثل ، تيارات الفضاء الملتوية بالخطأ. شعرت روان بالرعب، وما كان لها إلا إحتضانه بسرعةٍ خوفاً عليه، لكن مالم تحسب حسابه هو أنها حين رمشت أظلم كل شيء.
“كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد.”
حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.
أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.
ولا أي وسيلة للعودة.
كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.
كانا وحدهما.
عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.
دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،
كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.
ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.
في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.
بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان:
لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!
“جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!”حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:”يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!”
كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.
بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.
لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.
كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!
كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.
“كريثل، أترى هؤلاء؟”
بعد مضي خمس أيام، سقط كريثل، ولم يسع جسده الهزيل التحمل.
“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”
جوع، وبرد، ورعب.
‘بطل، ساحر، أو حتى قديس، أنقذونا.’
مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.
“ووش!” “ووش!”
روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.
“أيها الوقح!”
كانت جائعة.
بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.
‘أشتهي دماً…’
عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.
‘حتى لو كانت دماء حشرة.’
خشيت أن يعود العم ولا يجدها.
‘لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.’
لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:
لكنها لم تتحرك.
“شوو!!”
خشيت أن يعود العم ولا يجدها.
امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.
إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.
‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’
مرّ الوقت… ولم يعد أحد.
لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.
بدأت الأفكار السوداء تنهشها:
“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”
‘هل تخلّى عمي عنا؟’
ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.
‘هل كنا عبئاً؟’
ظنّت أن الموت، قد…يحررها.
‘هل كنا عائقًا؟ ألهذا حال دوننا؟’
ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.
بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.
لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:
‘من هو هذا الطفل؟’
أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.
‘لماذا عليّ أن أعتني به؟’
خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:”طاب مساءك.”
كان كل شيء يتجمد.
…لكنها لم ترد الموت أيضاً.
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.
‘بطل، ساحر، أو حتى قديس، أنقذونا.’
استخدموا إحداها.
بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
‘لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.’
كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!
في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.
‘هل تخلّى عمي عنا؟’
‘أنا خائفة.’
– كانت حياتها لاتزال قاتمة .
ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.
ولا أي وسيلة للعودة.
ظنّت أن الموت، قد…يحررها.
بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!
مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…
وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.
مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.
“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”
منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.
مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.
– كانت حياتها لاتزال قاتمة .
ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.
…
عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.
شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.
آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.
لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:
آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.
“إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد.”
جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!
…
شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.
> بعد بضع أيّام.
امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.
أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.
‘لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.’
كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.
ولا أي وسيلة للعودة.
كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.
‘…آه، لقد ذكر ذلك قبل أن تبتلعنا البوابة.’تذكّر كاليد، وشعر فجأة بأن الأمر يستحق التجربة:”إذن من أين نبدأ؟ لنؤجل خدمتي هذه، ونبدأ بك.”
كانا أغاريس وكاليد.
الفصل 43 – روان
“ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟”
“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”
لم يفهم كاليد هذا.
قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.
بدا وكأن أغاريس قادرٌ على إيجاده أينما كان.
بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!
“ألم أخبرك؟ أنا ملعون!”عبّس أغاريس:”أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!”
خشيت أن يعود العم ولا يجدها.
“لعنة؟”رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،”ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟”
تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!
“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”
كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.
“عنصر نار قوي…أين هو؟”
“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”
“ألا تشعر به؟”كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:”إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!”
شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:’ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا ربّاه، هذه ورطة…’
“لهذه الدرجة؟”تجولت عينا كاليد حول المكان، لكنه لم يرى أو يستشعر أي شيء. هل كان أغاريس يهذي؟ أم أن غريزته قد كانت صائبة؟
“أزيرزز!!”
‘…آه، لقد ذكر ذلك قبل أن تبتلعنا البوابة.’تذكّر كاليد، وشعر فجأة بأن الأمر يستحق التجربة:”إذن من أين نبدأ؟ لنؤجل خدمتي هذه، ونبدأ بك.”
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
“ووش!!”
ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.
فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!
“سووش!”
رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”
أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.
كانت فتاة بشعرٍ قصير، حالك السواد ذو خصلة بيضاء، أشعت عيناها الدمويتين بضوءٍ بنفسجي مظلم، بينما لمع ناباها القصيران، مبرزين هويتها كمصاصة دماء!
لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.
كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.
استخدموا إحداها.
“ظلام؟”إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:”وهذا المستوى…أوريفيوس؟”
منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.
خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:”طاب مساءك.”
كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.
حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.
كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.
إبتسم كاليد بذلك، وقال:”يالها من تأثيرٍ طبي جيّد في جسدك، يبدو أنه قد كان مقموعاً لعدم توفر مغذيات كفاية لديك. فور أن عالجت عروق المانا لديك؛ وإذا به ينهمر كسد منفجر. لا تحتاجين الآن إلا الراحة والتغذية.”
كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!
لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:”أللعيش معنى؟”
وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.
شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.
لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:
مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.
“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”
هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.
أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.
هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.
…
ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.
في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.
لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:’ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا ربّاه، هذه ورطة…’
بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.
“معنى؟”لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،”أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل.”
“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”
“وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى.”
تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:”كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟”
“هذا العالم جميل…؟”تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:”أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟”
“ألا تشعر به؟”كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:”إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!”
لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟
كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!
“دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟”
رفع أغاريس حاجبيه،”آه، لقد إستيقظت الفتاة.”
كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.
كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.
…لكنها لم ترد الموت أيضاً.
لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:
ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.
“هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!”
لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.
إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:
“يافتى!”في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:”أنا جائع، أعدّ شيئاً!”
كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.
“جائع؟”عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:”هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!”
‘حتى لو كانت دماء حشرة.’
لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.
“أزيزززز!!”
“جائع؟ إذن، تجهّز!”إبتسم نحو روان، ثم قال:”دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة.”
لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.
” كما أخبرتك سلفاً؛ تغذية وراحة، هذا ما ينقصك. أعرف أن الشهية تغيب حين يختنق القلب…لكنّ الجسد، وإن قُهر، لا بدّ له من قوت.”
“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”
تنهد في نفسه:’آه، كان ليُستحسن لو كنا في قرية أقزام، لكن الجود بالموجود.’
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.
استخدموا إحداها.
في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.
أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.
“ووش!!”
حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.
في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!
ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.
“شوو!!”
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
تفتحت زهورٌ صغيرة بلون الذهب والقرمزي، وعلى أغصانها الوليدة تمايلت ثمارٌ طازجة نضرة، مبرزةً سحر الحياة الذي لا يخفى على ناظره.
“عنصر نار قوي…أين هو؟”
“ووش!” “ووش!”
إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.
مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.
“إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!”
“فرقعة!”
حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.
“أزيزززز!!”
منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.
بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!
لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.
“أزيرزز!!”
في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!
تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.
حدث كل هذا بسببها!
جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!
في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.
“تصفيق! تصفيق!”
كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.
“جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!”حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:”يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!”
“جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!”صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:”لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي.”
“…”أعطاه كاليد أذناً صماء، ولم يأبه به.
لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.
راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.
كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!
“ووش.”
فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!
ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.
واحدًا تلو الآخر.
“ووش!!”
كانا أغاريس وكاليد.
امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.
مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…
“هاك رحيق السنا، بالهناء عليك.”
“اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!”
كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.
كانا وحدهما.
“…شكراً لك.”
واحدًا تلو الآخر.
تقبّلت الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.
هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.
كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟
