الفصل 119: مكافآت غير متوقعة
“عثرت على عجوز؟ ولماذا لم تسأله إن كان يجيد صناعة الحبوب؟ أو إن يمتلك عشرات السنين من القوة الداخلية ويبحث حاليًا عن وريث؟ على الأقل، عليك أن تسأله إن كان يملك أسلحة سامية، أو ابنة شابة وجميلة وثرية تركها خلفه!”
بعد هزيمة مارسوليت، أول ما فعلته هو إرسال هارلويس في هيئة خفاش، حاملةً معها «قارورة محيط سيدونوار» لتقيها المطر، حتى تتمكن من أداء مهمة الاستطلاع الجوي لصالحنا.
بما أن مارسوليت استطاع العثور علينا، فمن المحتمل أن يتمكن القتلة الآخرون من تعقبنا أيضًا. لكن حتى لو كان مَن يلاحقنا جواسيس العائلة الملكية، فلا أظن أنهم قادرون على الإفلات من رصد هارلويس.
ففي ظل هذا المطر الغزير والفيضان، حتى لو استطاع قاتل من الرتبة العالية إخفاء نفسه، فمن المستحيل أن يختفي جسده المادي. وإذا اختبأ تحت الماء، فلا بد أن يظهر فيه ثقب عملاق غريب. والأمر ذاته ينطبق على تعويذة الاختفاء الخاصة بالسحرة. فالماء يقلل كثيرًا من فاعلية مختلف أساليب التخفي والتحول.
“تختفي عن ناظري؟ وما هذا الذي أراه إذن؟ آثار أقدامك المبللة لا تزال موجودة! تمويه بالألوان؟ يؤسفني إخبارك بأن الصبغة التي تغطي جسدك قد زالت بالفعل. تذكر أن تشتري طلاءً مقاومًا للماء من النوع الفاخر في المرة القادمة. وأنت الذي تستخدم سحر الإخفاء… الماء يتناثر عليك بالفعل، فهل تنوي التنكر في هيئة عنصر مائي؟”
لكن المطمئن أن هارلويس لم ترصد أي كشافة آخرين، ما يعني أنه ربما لم يبقَ منهم أحد.
غير أنها أخبرتني بوجود رجل عجوز أبيض اللحية فوق شجرة ليست بعيدة عنا، فلم أتمالك نفسي من تذكر العبارات الكلاسيكية في روايات الفرسان، وقلت على الفور ما قلته للتو.
ففي روايات الفرسان، إذا عثر المرء فجأة على عجوز أبيض اللحية، فإن ذلك يكون في نصف الحالات بداية طريق البطل نحو المجد. إذ يتبين دائمًا أن العجوز أحد الحكماء أو أحد الساميين أو خبيرًا عظيمًا.
“يا له من قدر! بل إن لديه طفلًا ثريًا للغاية معجبًا بك أيضًا.”
“ماذا؟”
“دارسوس مينون! هذا العجوز هو كرو مينون، الإمبراطور السابق لإمبراطورية أولاند، وشقيق زميلتك الصغيرة اللطيفة. ما بالك؟ أسرع وألقِ التحية على حماك!”
“سأصادر حصتك من وجبات السمك الخفيفة غدًا. وإن لم تصمتي، فسأحولك إلى كلب يسيل لعابه أينما ذهب. أو ربما أحول كل وجباتك الصغيرة من السمك إلى بسكويت للكلاب… حسنًا، سأجعلها كلها منتهية الصلاحية!”
جعل هذا التهديد، الذي يُرجح بشدة أن أنفذه، هارلويس تصمت على الفور.
وعلى الرغم من أنني قلت ذلك، فإنني في الحقيقة سعيد للغاية. العثور على الإمبراطور السابق كرو مكسب كبير. يبدو أن مارسوليت كان ينوي في الأصل أخذ هذا الإمبراطور السابق معه. وما دمنا قادرين على الفرار من كاجيرسي، فإن مجرد انتشار خبر أن الإمبراطور العجوز لا يزال على قيد الحياة سيفتح أمامنا المجال لتنفيذ أنواع شتى من الخطط.
“هذا أشبه حقًا بروايات الفرسان؛ تقتل الوحش فتتساقط الكنوز من جسده. يا لها من نهاية مأساوية لكائن من رتبة نصف سامي”
كنت قد ألقيت بالفعل بجثة مارسوليت، إمبراطور سحرة الدم من رتبة نصف سامي، إلى الفرسان الذين يتبعوننا ليتفحصوها. ووفقًا لفحص النظام، لا يمتلك أي معدات من رتبة نصف سامي. كما أن المعدات القوية المظهر التي يحملها ليست من الرتبة الملحمية. أما ختم رأس التنين الدموي الذي بحوزته، فيبدو مألوفًا لي.
【شارة التنين الدموي للعائلة الملكية، ختم سلطة الإمبراطور: رغم أنها ترمز إلى أقصى درجات السلطة في إمبراطورية أولاند، فإنها أداة عديمة الفائدة بين يديك. ومع ذلك، هناك إمبراطور معين يتطلع بالتأكيد إلى استعادتها. وإلى جانب كونها دليلًا إثباتيًا، فإن هذه الشارة المصنوعة من معدن خاص تحتوي على أسرار كثيرة لم تُكتشف بعد.】
وبينما أتحسر على فقر ذلك الزعيم من الغنائم، حولت انتباهي إلى مدخل طريق هروبنا، الذي يسده التنين ذو الرؤوس التسعة بإحكام على مسافة غير بعيدة. لا بد أن يكون ذلك هدفنا الرئيسي في الوقت الراهن.
“تبًا! من بين امتداد الساحل كله، لماذا اختار الوصول إلى الشاطئ من هنا بالذات؟”
لكنني أعلم أن الأمر ليس مصادفة. ربما تتلاعب بي حظوظي السيئة مجددًا، أو أن تداخل عدة أسباب جعل وقوع هذا الأمر حتميًا.
قبل شهر، حشدت إمبراطورية أولاند عددًا كبيرًا من قوات الحامية هنا، إلى جانب أحد أنصاف الساميين. لكن أولئك التعساء شكلوا تهديدًا كبيرًا لشعب البحر، لذلك اختار إمبراطور التنانين التسعة هذا الموقع هدفًا رئيسيًا له.
ورغم أن كليهما من رتبة نصف سامي، فإن التنين ذو الرؤوس التسعة، بعد تطوره إلى إمبراطور التنانين التسعة من الرتبة نفسها، ليس كائنًا يستطيع نصف سامي بشري التعامل معه. فقد قُتل نصف السامي البشري في ذلك الوقت في لمح البصر، ثم عاد إمبراطور التنانين التسعة إلى النهر وظل يتجول فيه بحرية.
والآن، وقد استدعته المعركة، اختار هذا الموقع بطبيعة الحال للصعود إلى الشاطئ. لكن ما إن خرج حتى اعترض باستلار طريقه. وهكذا، وبعد سلسلة من الأحداث الحتمية، وقف أمامنا كالجبل، قاطعًا طريقنا ومانعا إيانا من التقدم.
لا تزال المعركة محتدمة، ولا يزال باستلار صاحب اليد العليا. تظهر مختلف الأسلحة السامية المخصصة لإبادة التنانين وختمها، فتقطع رؤوس إمبراطور التنانين التسعة الثابتة في أماكنها، بينما يتناثر الدم في كل مكان حوله.
لكن المشكلة أن هذا الأفعى ذي الرؤوس التسعة معروف بقدرته الهائلة على البقاء والتجدد. يُقال إنه قادر على استعادة جسده كاملًا خلال 3 أيام حتى لو لم يبقَ له سوى رأس واحد. وإذا مُزق جسده إلى نصفين، فإنه يستطيع الانقسام إلى فردين أصغر حجمًا. أما كائن في مستوى إمبراطور التنانين التسعة، فيستطيع التجدد بلا توقف ما دام على اتصال بالماء. ومن الصعب أن يموت حتى لو أراد ذلك.
باستلار روح بطولية لا تعرف معنى التعب. وهو ينوي مواصلة تدمير رؤوس العدو واستنزاف قدرته على التجدد، حتى يحسم المعركة بحرب استنزاف. صحيح أنه يملك الوقت والقدرة على إطالة القتال، لكننا لا نملك أيًّا منهما.
أعرف أنه بمجرد انتهاء الحكم العظيم، سيقلب التنين ذو الرؤوس التسعة موازين المعركة فورًا. وعندها سنكون في عداد الموتى.
الهجوم المباشر على الهيدرا لا يختلف عن الانتحار. لكن، ألا توجد طريقة لتحقيق النصر دون الاضطرار إلى مواجهتها وجهًا لوجه؟ وبعد أن استنفدت كل طاقتي الذهنية في التفكير، وجدت حلًا غير تقليدي إطلاقًا للمشكلة.
“يا صائد التنانين باستلار، أنا مبعوث إله القانون. ومن ألقى التعويذة المحرمة واحد من حلفائنا. لدي خبر مؤسف أبلغك به: مدة التعويذة المحرمة توشك على الانتهاء، وبعد 5 دقائق ستختفي السلاسل. وإذا لم أكن مخطئًا، فسيستعيد إمبراطور التنانين التسعة عافيته، ويعود القتال إلى طريق مسدود. وسرعان ما ستسقط المدينة بأكملها، وسيصعد شعب البحر إلى الشاطئ. لا أظن أن لديك متسعًا من الوقت لإضاعته.”
حلّقت هارلويس في هيئة خفاش إلى مكان غير بعيد عن باستلار. وتحت إصراري، أدت المهمة الأساسية لحيوان أليف سحري: نقل الرسائل.
“لدي خطة، لكن تنفيذها يُعد خرقًا واضحًا للقواعد، لذا فالقرار يعود إليك. إن كنت مستعدًا لتنفيذها، فأومئ برأسك. إليك تفاصيلها: سنساعدك على تأخير ذلك الأحمق ذي الرؤوس التسعة لفترة قصيرة، وخلالها ستقوم أنت…”
بعد أن شرحت له الخطة، تردد باستلار للحظة. لكنه لم يكن مستعدًا للتخلي عن فريسته التي أمامه، فأومأ برأسه بعنف موافقًا على خطتي.
في اللحظة التالية، رفع يديه وجمع البرق فيهما. ثم تمدد رمح التنين خلف ظهره حتى بلغ حجم قارب صغير. وبعد أن غمره بالبرق، تحول إلى رمح برق لا يمكن تحطيمه.
ثم استدعى قوته الكاملة، فتبددت الغيوم وانسابت خيوط من ضوء القمر.
بصفته روحًا بطولية لإلهة ضوء القمر، لا يستطيع باستلار إظهار كامل قوته إلا تحت ضوء القمر. تدفقت طاقة بيضاء شاحبة إلى الرمح المشحون بالبرق. وقد تبدو طبقة الضوء الفضي التي غطت رأسه ضئيلة، لكنها قوة منحها سامي حقيقي.
وبعد أن أضفى على الرمح نصل ضوء القمر ونال بركة سامي الصيد، ازدادت قوته الهائلة أكثر فأكثر.
“رمح الدمار!”
انتفض التنين ذو الرؤوس التسعة بعنف، مولدًا أمواجًا هائلة في مياه النهر. وفي تلك اللحظة، أخذت أمواج عاتية تتلاحق، بينما ومض البرق في كل مكان. بدا المشهد وكأنه نهاية العالم. ومع ذلك، مهما قاوم الهيدرا، ظلت تعاويذ مضادة للتنانين يعيد باستلار إلقاءها على السلاسل تمنعه من التحرك قيد أنملة.
“آآآآآآآآآآه!”
حتى إن زئيره ملأ السماء وهز الأرض، فإن رمح إبادة التنانين، الذي بدا بطيئًا لكنه سريع في الحقيقة، أصاب التنين ذي الرؤوس التسعة بضربة عنيفة.
“آآآآآآآآه! ألعنكم جميعًا! ألعنكم بألا تنالوا الخلاص أو الراحة أبدًا، وأن تظل كوابيس أحبائكم تطاردكم، وألا تنعموا بنوم هانئ أبدًا! تبًا لك يا صائد التنانين!”
وسط زئير إمبراطور التنانين ولعناته الغاضبة، انفصل رأسان من رؤوسه على الفور، وتدفق مقدار هائل من الدم الأخضر السام، محولًا المياه المحيطة إلى سم قاتل يفتك بالجسد والروح.
“هيه، ستصبح صرخات عذابك ولعناتك أنشودة أنام عليها كل ليلة.”
بعد ذلك، ومن دون أن يلتفت حتى إلى نتيجة هجومه، طفا باستلار باتجاهنا. وفي المقابل، أمرت إيربيلا بالتقدم لتولي موقع الروح البطولية.
“تنهد، 19 ثانية تكفيه لينبت رأسين من جديد. هذا التنين ذو الرؤوس التسعة يصعب التعامل معه حقًا.”
ما إن دخلت نطاق مراقبة التنين ذي الرؤوس التسعة، حتى انطلقت نحوي صواعق البرق واللهب والسم ورماح الجليد.
وبينما كان التنين ذو الرؤوس التسعة يصرخ متألمًا، ولا يزال الدم السام يتدفق من رأسيه اللذين قُطعا، لاعنًا صائد التنانين ومتمنيًا له سوء الحظ، استعادت الرؤوس السبعة الأخرى قدرتها على القتال بالفعل.
“هذه هي فائدة امتلاك رؤوس متعددة. هل ينبغي أن أعدل آه با عندما أعود؟ لقد تغير الزمن، ويبدو أن كلب سيربيروس ذي الرؤوس الثلاثة أصبح قديم الطراز. لا أظن أن 12 رأسًا أكثر من اللازم لكلب جحيم. لكن من المؤسف أن آه با يمر بمرحلة التمرد، وعلى الأرجح لن يوافق على تعديلاتي. في المرة الماضية، لم يرفض اللقب المحبب الذي اخترته له فحسب، بل أعلن أيضًا: «حتى لو انتهى العالم، فلن أسمح لك بتعديلي مجددًا أبدًا». ومع ذلك، الترقيات التي أجريتها له في المرة السابقة رائعة بوضوح.”
“همف، بل أجبرني على إلغاء وظيفة الصياح الآلي كل يوم عند 6 صباحًا. من المهم للقائد أن يشرف على ذهاب مرؤوسيه إلى التدريبات الصباحية في موعدها. ألم تسمع بالمثل القائل: «التدرب مع صياح الديك»؟ أحقًا تراجعت لمجرد أن أحدهم وصفك بـ«الديك المكاني الشيطاني»؟ ألا أعاني أنا أيضًا من وصف الآخرين لي بأنني مختل العقل؟ يا لك من عديم الفائدة! حسنًا، هل أضيف إليه بعض العجلات؟ يبدو أن المتحولون يحظون بشعبية كبيرة هذه الأيام.”
(ملاحظة المترجم: «التدرب مع صياح الديك» تعبير يشير في الأصل إلى الأشخاص الذين يتدربون على المبارزة بالسيف في الصباح الباكر، ثم أصبح يُستخدم لوصف من يحفزون أنفسهم على تحسين قدراتهم والسعي إلى غاية نبيلة)
كانت أربعة أنفاس تنين مدمرة على وشك إصابتي، ومع ذلك ظل ذهني منشغلًا بأمور أخرى.
لم يكن ذلك استخفافًا بخصمي. فإمبراطور التنانين التسعة، الذي خاض معارك لا حصر لها، يملك خبرة قتالية واسعة، ولذلك اختار مواضع إطلاق أنفاسه بعناية. انطلقت أنفاس التنانين الأربعة بدقة من أمامي وخلفي ويميني ويساري في الوقت نفسه، لتتقاطع كلها نحوي. ولو سارت الأمور على نحو طبيعي، لمتُّ مهما كانت الطريقة التي سأختارها للمراوغة.
لكنني لم أمت، وهذا يعني أن شيئًا ما قد سار على نحو مختلف.
اختفى حصان الحرب الجليدي المندفع فجأة، وتحول إلى امرأة الثلج الشابة التي جلست فوق كتفي. ثم نبتت من ظهري أجنحة ذهبية، وقفزت مستغلًا زخم اندفاعي لأصعد إلى الأعلى. وفي هيئة ملاك الحرب، حلقت نحو السماء.
بصفتي ملاك حرب، تتمثل موهبة عرقي الفطرية في التحكم بالنار المقدسة للنظام. وفي هذه اللحظة، النار المقدسة تغلي في قطرات المطر المتساقطة. لم يكن المطر يؤثر فيّ كثيرًا، لكنني لم أجرؤ على التوقف، وواصلت الارتفاع لتفادي هجمات التنين ذي الرؤوس التسعة المتتابعة مسبقًا.
وقد أثبت قراري صوابه. فبعد بضع ثوانٍ، اجتاحت العاصفة وموجة مد مفاجئة الموضع الذي كنت أقف فيه سابقًا.
هذه إحدى القواعد الأساسية للقتال على مستوى عالٍ. عندما تواجه خصمًا رشيقًا يجيد التخفي ويصعب إصابته، فإن أسهل طريقة للتعامل معه هي ألا تتورط في اشتباك مباشر، بل تستخدم تعاويذ ذات نطاق تأثير جماعي واسع لتدميره وتدمير كل مكان قد يختبئ فيه.
لو ان رين هنا، لربما ماتت حتى لو امتلكت مهاراتي. فالخبرة القتالية الاستثنائية شرط أساسي للتنبؤ بتحركات العدو مسبقًا. وبينما كنت أستدير في الهواء لتفادي مختلف أنفاس التنانين، شنت هجماتي السحرية الجليدية على التنين ذي الرؤوس التسعة.
نعم، سحر جليدي. بل إنها تعاويذ سحرية من الرتبة البرونزية، دون الدائرة الثالثة، من النوع الذي يستطيع التنين ذو الرؤوس التسعة تجاهله تمامًا. وبالطبع، أستطيع استخدام تعاويذ من 5 دوائر بفضل رتبتي الفضية المؤقتة. لكنني لا أرغب في إهدار نقاط مهاراتي عليها، لذلك لا أعرف أي تعويذة سحرية من الرتبة الفضية، سواء من الدائرة 4 أو 5.
وبما أن الجودة غير كافية، قررت تعويض ذلك بالكمية. حتى بقايا الجليد التي أصنعها بلا اكتراث يمكن استخدامها لإحداث وابل من البَرَد الاصطناعي أثناء سقوطها من السماء. لكن ما يقف تحت ذلك البَرَد ليس واقيًا ضعيفًا للرياح في سيارة، ولا أصحاب سيارات يبكون ندمًا لأنهم لم يشتروا تأمينًا.
إن سحر الماء الذي يستخدمه وحش البحر القديم في الأسفل لا يقل بأي حال عن سحر أحد كبار سحرة الماء. فسحر الماء والسحر الجليدي مترابطان بطرق دقيقة كثيرة. ناهيك عن أن رأس التنين الجليدي لدى التنين ذي الرؤوس التسعة متخصص في سحر التجميد السريع. لذلك لا تُقارن تلك البقايا الجليدية الصغيرة التي أصنعها بما يستطيع فعله.
لكن رأس التنين الجليدي تجاهل هجماتي ببساطة، وارتسمت على وجهه نظرة ازدراء. غير أن جسد التنين ذي الرؤوس التسعة نفسه واجه مشكلة صغيرة.
بدأ لون جسده يتحول إلى الأزرق البلوري، وراحت طبقة رقيقة من الجليد تتشكل فوق جلده. لقد أصيب بحالة التجمد.
“جلده سميك حقًا. رغم أن النظام لم يذكر قط استحالة مقاومة الهواء المتجمد، فمن كان يتوقع أن يقاوم أكثر من نصف تأثيره، حتى لا تظهر النتيجة إلا الآن؟”
أنا لا أقوم بمهام عديمة الجدوى. فمنذ البداية، الهجوم الذي بدا بلا معنى محاولةً لنشر تأثيرات الهواء المتجمد.
【الهواء المتجمد: هواء بارد قاتل لا صوت له ولا أثر. يمكن إضفاء تأثيره على جسد المرء وسلاحه، كما يمكن دمجه مع السحر الجليدي لاستخدامه في الهجوم. كل من يلامسه الهواء المتجمد تنخفض سرعة حركته بنسبة 1% ويتلقى نقطة واحدة من ضرر الصقيع كل ثانية. ويمكن تكديس هذا التأثير السلبي. إذا انخفضت سرعة حركة الهدف بأكثر من 20%، فسيصاب بحالة تجمد، وتُفرض عليه حالات سلبية عديدة، مثل تجمد أفكاره. وإذا انخفضت سرعة حركته بأكثر من 50%، فهناك احتمال أن يموت في أي لحظة بسبب فقدان حرارة جسده على نحو هائل.】
ليست قوة هذه القدرة استثنائية، لكن ميزتها أنها لا تتيح لأي كائن حي مناعة كاملة ضدها. وبالطبع، لم أكن لأحلم بتجميد هذا الكائن الذي يتحدى حدود الحياة، التنين ذي الرؤوس التسعة، حتى الموت. لكن التأثيرات السلبية المزعجة، مثل تباطؤ التفكير وسرعة رد الفعل، ستساعدني على تنفيذ المهمة الخطرة المتمثلة في استدراج عدوانه.
وفي الجانب الآخر، بلغوا بالفعل المراحل الأخيرة من الطقس.
“هل أنت مستعد لاتباع مشيئة سامي القانون، والقتال من أجل القانون والعدالة…”
ارتجف صوت كروز من شدة الانفعال وهو يجري طقس تغيير الوظيفة للروح البطولية من رتبة نصف سامي فهذا ليس أمرًا يحظى به رئيس أساقفة عادي.
نعم، هدفي واضح منذ البداية. بما أن باستلار هو الوحيد بين حلفائنا القادر على تشكيل تهديد للتنين ذي الرؤوس التسعة، فإن رفع قوته إلى مستوى أعلى هو القرار الأمثل في الوقت الراهن.
فما إن نضيف إليه هالة وظيفة من وظائف القانون، حتى يرفع «الحكم العظيم» رتبته إلى مستوى أعلى. أما الرتبة التي تعلو نصف السامي فهي… حسنًا، من المستحيل أن يبلغ قوة سامي حقيقي. لكنه سيكتسب مع ذلك قوة تكفي لإخضاع التنين ذي الرؤوس التسعة بسهولة.
لكنني أقدر أن قوته الهائلة ستؤدي إلى انتهاء الحكم العظيم في وقت أبكر. كما أن القوة التي سيحصل عليها على الأرجح تتجاوز قدرة جسده بصفته روحًا بطولية على تحملها. وفي أفضل الاحتمالات، سيسقط بعد أن يوجه ضربة واحدة إلى الهيدرا. ومع ذلك، باستلار ميت بالفعل، فكيف سيهتم بأمر كهذا؟ كل ما يقلقه هو ما إذا كان سيتمكن من إسقاط التنين معه بتلك الضربة الواحدة.
في هذه اللحظة، وحتى مع مساعدة معدات نصف السامي «الصفحة المتناثرة»، لا بد من اتباع الإجراءات اللازمة لمنح باستلار وظيفة من وظائف القانون. على كروز إكمال تلاوة الصلاة الطويلة. وفوق ذلك، فالطقس مقدس، لذا لا يستطيع المشاركون التحرك أثناء إقامته.
ولم يكن التنين ذو الرؤوس التسعة أحمق. فذلك الساحر الجليدي في السماء، الذي استطاع تجميده على نحو مثير للدهشة، يماطل بوضوح لكسب الوقت. ورغم أنه لا يعرف ما يفعله صائد التنانين، فمن المؤكد أن الأمر لا يبشر بالخير بالنسبة إليه.
لذلك رفع رؤوسه التسعة دون تردد، وبدأ بشحن أنفاس التنين في كل رأس منها. ولو أطلقها، لما مات كروز والآخرون حتمًا فحسب، بل لاختفى الرصيف بأكمله من الوجود.
“بغض النظر عن الموقف أو المخططات التي يدبرونها، فلنطلق عليهم هجمة أولًا ثم نفكر في الأمر! يعجبني هذا المنطق، لأنني أفكر بالطريقة نفسها. هارلويس، الخطة ج! أعطيه جرعة محترمة!”
–+–
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.