بنجاح احتجاز الشبح، انتهت علاقة التعاون الميداني بين يانغ جيان ويان لي عند هذا الحد.
وكانت الخطوة التالية تتلخص في انتزاع كل طرف لمكاسبه الخاصة.
فالصندوق واحد لا غير، ولا يملك يانغ جيان أي مسوغ يدفعه لتركه بين يدي يان لي.
فبعد الخروج من هذا الباب، من عساه يتعرف على الآخر؟
وفي هذا الزمان، الدائن هو الطرف الأضعف، بينما الغريم هو السيد المطاع!
رفع يان لي حاجبيه بحدة ونظر إلى يانغ جيان وقال: «يانغ جيان، ما الذي تعنيه بكلماتك هذه؟ أتعتقد أنني سأستأثر بهذا الشيء لنفسي؟»
ثم أردف: «يبقى هذا الشيء بحوزتي مؤقتًا، وسأذهب لاحقًا إلى النادي الخاص لأشيع الخبر، وسيسارع المشرون بالاتصال بي في وقت قريب، وحينها سنذهب معًا لإتمام الصفقة، ونقتسم المال مناصفة، ونتبادل المعلومات.»
«لن أبتزك، ولن أدعك تتكبد خسارة.»
قال يانغ جيان: «طالما أن الأمر كذلك، فلماذا لا تطمئن لتركه بحوزتي؟ اتصل بالمشترين أولاً ثم عد إليّ، وسأحضر ومعي الصندوق، أم أنك تخشى أن ألوذ بالفرار؟»
قال يان لي: «هذا يعني ألا سبيل للتفاهم بيننا؟»
لم يتوقع أن يبادر هذا الشاب الناشئ إلى المساومة على المصالح فور الفراغ من حل هذه الحادثة الخارقة مباشرة.
قال يانغ جيان بنبرة جادة: «إذا لم تستطع طمأنتي، فلا أرى موجباً للاستمرار في هذا الحديث.»
«أنت لا تطمئن إليّ، تمامًا كما أنني لا أطمئن إليك.»
هتف يان لي بصوت حاد: «كفى! لقد احتجزتُ هذا الشبح بيدي قبل قليل!»
قال يانغ جيان ببرود وركود: «وأنا أنقذتُ حياتك… مرتين.»
استشاط يان لي غضبًا وقال: «أولك عينٌ تتحدث بها عن إنقاذي؟ لقد جعلتني أخرج من النطاق الشبحي قبل قليل لتستخدمني طُعمًا لاستدراج ذلك الشبح! لم تكن تعرِف أي الجثث هي الشبح الحقيقي، وإلا لجلبتني إلى داخل النطاق الشبحي في تلك اللحظة الخاطفة، بدلاً من تركي أتراجع رويدًا رويدًا!»
«أتعلم أن تصرفك ذلك كاد يوردني الهلاك؟»
حدق فيه يانغ جيان وثبّت نظره عليه وقال: «لأنك الوحيد الذي يصلح ليكون طُعمًا، وإلا لكانت عملية الاقتناص هذه قد باءت بالفشل حتمًا! لقد تصرفتُ مراعاة للظروف العامة، وإلا فكيف يتسنى لك الوقوف هنا لتجادلني؟ وعلاوة على ذلك، أملك النطاق الشبحي، وإنقاذك كائنٌ في غضون ثانية واحدة، وأملك الثقة الكاملة بضمان نجاتك… لكن لو انقلب الوضع، أتملك أنت هذه الثقة لضمان نجاتي؟»
قال يان لي بوجه اكفهرّ وتجهم: «وماذا لو أصررتُ اليوم على المغادرة وهذا الصندوق بحوزتي؟»
مستحيل أن يترك الشيء الذي حصل عليه بشق الأنفس عند يانغ جيان.
عقد يانغ جيان عينيه قليلاً وقال: «أتستيقن أن هذا الصندوق الذي بين يديك هو الصندوق الحقيقي؟ هل… تفهم شيئًا عن النطاق الشبحي؟»
اطردت ضربات قلب يان لي، ونظر غريزيًا إلى الشيء الممسوك في يده.
وانتابه الذعر في اللحظة التالية!
إذ استحال الصندوق الذهبي الممسوك في يده دون أن يشعر إلى رأس جثة متعفنة وميتة!
فألقى بتلك الرأس بعيدًا حركة غريزية.
صاح يان لي بذهول وغضب: «أنت… متى استبدلته؟»
قال يانغ جيان: «تخمّن؟»
ثم أردف: «داخل النطاق الشبحي، الشيء الذي أراه حقيقيًا هو وحده الحقيقي، وإلا فإن كل ما تقع عليه عينك قد يكون زائفًا… وبناءً على هذا، يقع الشيء الأكثر إمتاعًا؛ ما الذي تراه حقيقيًا إذن؟»
«ما تبصره بعينيك؟ أم ما تلمسه بيدك؟ أم ما تشتمه بأنفك؟»
«حين تسقط هذه الأمور كافة وتستحيل إلى زيف، ستكتشف أن هذا العالم بأكمله زائف، وهذا بالذات هو الوهم.»
«أليست قدرة ممتعة للغاية؟»
عض يان لي على أسنانه وقال: «مستحيل! نطاقك الشبحي مجرد قوة شبح شرس، ولا يمكن أن يؤثر على الذهب بحال، وهذه حقيقة يعلمها كل مروّضي الأشباح حول العالم!»
قال يانغ جيان: «أنا لا أستطيع التأثير على الذهب، أفلا أستطيع التأثير على عينيك؟ أتظن أن الشيء الذي ألقيته قبل قليل كان رأس جثة بحق؟»
أيعقل هذا؟
ارتجف قلب يان لي، وأسرع بالتقاط الرأس الملقاة على مسافة غير بعيدة.
قال يانغ جيان مجددًا، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة خفيفة: «أتستطيع التيقن من أن الرأس التي التقاطها الآن هي نفسها التي ألقيتها سابقًا؟»
ثم أردف: «بعد الفراغ من الأمر، أبديتَ عدم رغبتك في الوثوق بي، وأنا كذلك لا أستطيع الوثوق بك، والصندوق لا يمكن شقه إلى نصفين. ورغم أن إنجازك كان كبيرًا، إلا أن إنجازي لم يكن بأقل منه.»
«فمن اكتشف قواعد هذا الشبح وعثر عليه أولاً… كان أنا بالذات.»
وما إن تتالت كلماته.
حتى شوهد في يده صندوقٌ ذهبي.
وهو الصندوق ذاته الذي استخدمه يان لي سابقًا لاحتجاز الظل الشبحي بلا رأس.
فإذا كان الصندوق في يد يانغ جيان، فالشيء الذي بين يدي يان لي… كان رأس جثة حقيقية!
سُخط يان لي وشتم في سره: «سحقًا!»
وأسرع بإلقاء الرأس التي التقاطها بيده مرة أخرى.
وانتابته الحيرة والالتباس، لأنه عجز تمامًا عن التمييز بين الحقيقي والزائف داخل هذا النطاق الشبحي، وفي الوقت ذاته ثارت في نفسه مشاعر الارتياح، وكأنه يغتبط لأن يانغ جيان ليس شبحًا حقيقيًا، وإلا فكيف يمكن تقييد مثل هذا الشبح؟
كان ليعصف بالجميع في لحظة خاطفة!
قال يان لي: «أعترف أنني لست كفؤًا لمواجهتك، والأمر في هذه المرة متروك لقرارك، فما الذي تريده؟ ألا تنوي الاستئثار بالغنيمة لنفسك؟»
لو اختار يانغ جيان الاستئثار بالغنيمة، فلن يملك أي حيلة للتصدي له.
قال يانغ جيان: «رغم أن كدورة شابت توزيع المنافع بيننا، إلا أنني لا أزال رجلًا يلتزم بالمبادئ؛ فلو عاش المرء بلا ضوابط ولا حدود، فما الفارق بين الإنسان والشبح إذن؟ ولذا… يستمر التعاون السابق بيننا، لكن هذا الصندوق يُحفظ بحوزتي، وعليك التكفل بالتواصل مع المشترين، غير أن إدارة هذه الصفقة والتفاوض فيها يتعين أن يتولاها شخصي المتواضع، ما رأيك؟»
«… أأملك المقومات التي تؤهلني للمشارطة والتفاوض؟»
قال يان لي: «لننفذ ما قلته إذن.»
وكان يستعظم في نفسه بقاء علاقة التعاون بينهما قائمة، فلو كان الخصم أكثر قسوة، لما بقى له أي وجود اليوم.
قال يانغ جيان: «حسناً، اتصل بي عند إتمام الصفقة، ولا تتصل بي في الأوقات العادية، فأنا مشغول للغاية… وعلاوة على ذلك، تعاونٌ ممتع.»
أخرج قلمًا من جيبه، وكتب رقم هاتفه، ثم وضعه على الأرض.
وبعد الفراغ من كل هذا، تلاشى الوهج الأحمر المحيط بهما.
وتلاشى يانغ جيان معه في اللحظة ذاتها.
أغادر النطاق الشبحي إذن؟
جال يان لي بنظره في المحيط، وألمح برأس الجثة الملقاة على الأرض.
لم تكن رأس جثة مطلقًا، بل مجرد كيس معكرونة سريعة التحضير، وبالنكهة الأصلية التي يمقتها للغاية!
قال يان لي وهو يضغط بقبضته بقوة وينتابه شعور بالعجز: «أي تعاون ممتع هذا تبًا… هذا النطاق الشبحي المستعصي على الحل…»
كلاهما مروّضا أشباح، فلماذا يحظى يانغ جيان بهذا القدر من التوفيق ليحصل على مثل هذه القدرة المرعبة… هذا جَوْرٌ وامتياز غير عادل!
التوفيق؟
لو علم يانغ جيان بخاطره هذا لغلب عليه الضحك والتهكم.
فهذا التوفيق كان يفضل التخلي عنه لو استطاع.
فلولا صيرورته مروّض أشباح، وحصوله على تنبيهات رقعة الجلد البشرية، لكانت تلك المرة هلاكًا كليًا للمجموعة، وما كان لينجو منهم أحد.
أكان يان لي ليستطيع البقاء حيًا لو كان مكانه؟
لم يغادر يانغ جيان المركز التجاري فورًا.
فلم يكن قد نسي شخصًا آخر.
جيانغ يان.
ظهر يانغ جيان فجأة في غرفة المراقبة وقال: «الأخت جيانغ يان، ألم تفارقي الحياة بعد؟ انقطع الصوت من الهاتف أيضًا.»
كان زمان النطاق الشبحي الخاص به لا يزال جاريًا.
وفي هذه اللحظة، كانت جيانغ يان تقبض على هاتف محمول انقطع خطه لعدم دفع الرصيد، وانكمشت في إحدى الزوايا، مخفية رأسها وهي تنتحب بصوت خفيض.
وكانت قد أحست باليأس القاتل في الأصل؛
لأن يانغ جيان ويان لي دخلا متجر الملابس ولم يخرجا منه، فظنت أن كليهما قد قضيا نحبهما بالداخل.
وأوضاع النطاق الشبحي لا تستطيع شاشات المراقبة التقاطها بحال.
وكانت جيانغ يان تعيش انهيارًا داخليًا؛ فلو مات يانغ جيان، فما الذي ستصنعه بمفردها؟ والشبح لا يزال في الخارج، وخروجها بمفردها يعني حتفها المؤكد…
غير أنه مع ترداد صوت يانغ جيان، توقف انتحابها، وأسرعت برفع رأسها.
وفور رؤيتها ليانغ جيان واقفًا أمام عينيها، اندفعت قائمة بافتضاض وذهول ورمت بنفسها نحوه قائلا: «ظننتُ أنك قد فارقتَ الحياة! الحمد لله على سلامتك!»
«آه!»
كان المأمول عناقًا حارًا، غير أن جيانغ يان اخترقت جسد يانغ جيان مباشرة لترتمي على الأرض بقوة، وحين رفعت رأسها كان أنفها ينزف دمًا.
نظر إليها يانغ جيان بحيرة وقال: «يا أختي، ممَ كل هذا الاندفاع؟ ظننتُ أنك تبادرين لمهاجمتي!»
رفعت جيانغ يان رأسها ونظرت إلى يانغ جيان بذعر ورعب وقالت: «أ، أنت إنسان أم شبح؟»
كانت تستيقن أنها اخترقت جسده قبل قليل.
أجل، اختراق مباشر وجهًا لوجه.
قبض يانغ جيان على معصمها وقال: «لا أرغب في شرح أمور لن تستوعبيها، مهمتك انتهت وحان وقت المغادرة.»
وفي اللحظة التالية، اختفى كلاهما من المكان فورًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.