بالتعاون بين يانغ جيان ويان لي، نُفّذت عملية الاحتجاز والتكبيل بنجاح لهذا الشبح الهائم داخل المركز التجاري.
ورغم أن مستوى خطورة هذا الشبح لم يزد على الفئة C بمستوى التقييد، إلا أنه كان أشد عسراً ومكابدة مما يتخيل المرء؛ فلم يقتصر الأمر على استيعاب نمط حركة الشبح واكتشاف جسده الحقيقي فحسب، بل استلزم إيجاد الطرق والوسائل الكفيلة بتقييده… علاوة على أن أي زلة يسيرة خلال ذلك كانت لتعصف بحياتهما وتوردهما الموت.
ولا سيما في اللحظة التي أوشك فيها الشبح على تركيب ذراع يان لي، حيث سرت قشعريرة باردة في رأس يانغ جيان.
فلولا أخذ الاحتياطات المسبقة وسرعة البديهة، لكان القضاء حليفه وحليف يان لي لو تأخرا خطوة واحدة.
«ألا تزالون في تعملون؟ ظننتُ أنك قد فارقت المكان.»
خرج يانغ جيان من المركز التجاري، وأبصر بضعة عناصر من رجال المهام الأمنية والتحقيق في الخارج.
اقترب أحدهم وقال: «هذا مقتضى الواجب، فكيف نتقاعس؟ استفسار بسيط؛ كيف أضحت الأوضاع بالداخل؟»
قال يانغ جيان: «حُلّت هذه الحادثة باكتفال تام، ولن يشهد هذا المركز التجاري أي ظروف استثنائية بعد اليوم.»
ثم تجهم وجهه قليلاً وأردف: «أما عن المفقودين… فقد عثرتُ على هذه الشابة فقط، وأما البقية… فأنت تستوعب الأمر.»
وأشار بأصبعه إلى جيانغ يان القابعة بجواره.
كانت جيانغ يان منفوشة الشعر، وتبدو عليها علامات الإرهاق والوجوم، غير أن عينيها نضحتا بابتهاج النجاة بعد الإشراف على الهلاك وهي تسير خلف يانغ جيان.
قال يانغ جيان: «تلاشى الخطر بالداخل… أو هكذا أرجح على الأقل. أستأذنكم في ترك البقية لكم، فلدي أمور يتعين علي معالجتها فوراً، ولا يسعني البقاء هنا أكثر من ذلك. وإذا استدعى الأمر مشاركتي في الاستيفاء والاستجواب، فبإمكانكم الاتصال بي.»
أومأ الموظف وقال: «حسناً، جزاك الله خيراً، وسنتولى معالجة المتبقي.»
أومأ يانغ جيان برأسه، وترك رقم هاتفه ثم غادر المكان.
أسرعت جيانغ يان باللحاق به وقالت: «أ، أين تمضي؟»
قال يانغ جيان: «يا أختي، لمَ تتبعيني؟ لقد خرجتِ من المركز التجاري بسلام، وإن لم يكن لديك ما يشغلك فسارعي بالعودة إلى بيتك، فأهلك في جزع وشوق عليك بعد غيابك لأيام، ولا تظلي كاللصيقة بي.»
قالت جيانغ يان بنبرة انطوت على شيء من العتب والرجاء: «لا تتحدث هكذا، فقد وافقتُ على كوني خطيبتك، ولا يجوز لك نبذي والتخلي عني بهذه البساطة.»
تقلصت جفنتا يانغ جيان وقال: «يا أختي، أتبتزينني؟ من ذا الذي طلب منك ان تصبحي خطيبتي؟»
قالت جيانغ يان: «ألم نتفق على هذا بصراحة وأنت في المرحاض سابقًا؟ ثم إنني أرجوك ألا تناديني بـ “يا أختي”، فأنا لا أزال في مقتبل الشباب، أليس كذلك؟»
نظر إليها يانغ جيان وقال: «كم بلغ سنك هذا العام؟»
قالت جيانغ يان بكبرياء وهي ترفع رأسها: «خمس وعشرون… لا بل أربع وعشرون، فالخمس والعشرون بالحساب التقديري. ما رأيك؟ ألا أزال في مقتبل شبابي؟»
وكأنها توحي بكلماتها أن خطبتها لك منحة ومكرمة.
قال يانغ جيان: «عذراً منك، فأنا في الثامنة عشرة من عمري هذا العام، وأقصى ما أبلغه بالتخمين التقديري هو التاسعة عشرة.»
ثم أردف: «لذا اعترفي بكونك أختًا كبيرة بصدق وأمانة، وعدم مناداتي لك بـ “خالتي” يعد من حسن أدبي وجزيل التزامي، ألا ترين ذلك؟ يا أختي جيانغ؟»
«…»
شعرت جيانغ يان بدوار وخيبة أمل، إذ أدركت انعدام المزيّة في فارق السن، وظنت في الأصل أن يانغ جيان في منتصف العشرينيات، فلا جرم أنه يناديها بالـ “أخت الكبيرة” فور لقائه بها.
فهي بالفعل أختٌ كبيرة بالقياس إليه.
وفجأة، أبصر المالك تانغ أن يانغ جيان يهم بالمغادرة، فأسرع بالركض نحوه وقبض على يده بامتنان ناضح وقال: «يا أخي الصغير، أرفع لك أسمى آيات الشكر على ما قدمته اليوم، فقد كان الفضل لجهودك الكبيرة.»
ابتسم يانغ جيان وقال: «عملٌ بمقابل مالي، وهو المقتضى والمفروض، فلا تبالغ يا معالي المالك.»
قال المالك تانغ: «كيف تقيس الأمر هكذا؟ إنما أنقذت حياتي يا أخي! هذا رقم هاتفي الخاص، ومتى احتجت لخدمة أو مساعدة، فلا تتردد بالاتصال بي.» وأخرج بطاقة عمل وسلّمها ليانغ جيان.
هتف أحد موظفي المتابعة: «هيّا يا تانغ آن، لم تنتهِ إجراءاتك هنا بعد، وعليك مرافقتنا لاحقاً.»
اعتذر المالك تانغ وقال: «آتٍ فوراً! أعتذر منك يا أخي، سأقول كلمات يسيرة وأعود.»
ثم التفت إلى يانغ جيان وقال: «يا أخي الصغير، أرجو أن تكرمني برعايتك مستقبلاً، وأنا أخوك تانغ آن، فإذا أتيح لك وقت فزُرني في شركتي القريبة من هنا، وسأدعوك لوليمة طعام في أقرب فرصة.»
شعر يانغ جيان بالاستعظام في نفسه؛ فهذا المالك تانغ رجل أعمال حقيقي يستوعب أساليب بناء العلاقات.
ونظره أبعد غوراً وأشد اتساعاً من الآخرين.
ولا جرم أنه المالك المطاع، بينما اقتصر المدير لي على منصب المدير التنفيذي.
قال يانغ جيان وهو يحتفظ ببطاقة العمل، إذ رأى أن زيادة المعارف والصلات قد تفيده مستقبلاً: «حسنًا، سأزور المالك تانغ متى أتيح الوقت.»
على الأقل هذا المالك تانغ مقتدر ماليًا، وإذا احتجت للاقتراض منه مستقبلاً، فسيجود بطيب خاطر.
وقف يانغ جيان عند مفترق الطرق ونظر حوله وقال في نفسه بتشتت: «ولكن، إلى أين أتوجه الآن؟»
العودة إلى البيت؟
دع عنك هذا الهراء، فالبيت مسكون بالأشباح، وحتى لو اتسع صدره بالجرأة فلن يجرؤ على السكن فيه.
فهذا استدعاء للموت.
فكر يانغ جيان: «يبدو أنه لا بد من البحث عن مأوى مؤقت للاستقرار، في انتظار العثور على مشترٍ عن طريق يان لي لإتمام الصفقة، ولكن قبل ذلك… يتعين عليّ لحام هذا الشيء وإحكام إغلاقه بالصهر.»
أخرج صندوقاً ملفوفاً برقائق الذهب.
لم تكن رقائق ألومنيوم عادية، بل ورق ذهب خالص.
ورغم صغر حجم الصندوق، إلا أنه كان ثقيلاً بوزن بضعة كيلوغرامات.
ومن ذا الذي يتخيل أن هذا الصندوق المصنوع من الذهب الخالص يحبس داخله شبحاً مرعباً؟
قالت جيانغ يان وهي تتبعه فجأة: «ما الذي تنويه؟ ألا تملك سيارة؟ لمَ لا تقودها؟»
قال يانغ جيان: «أنا مجرد إنسان صعلوك بسيط، فأنى لي بالسيارة؟ بل لا أملك حتى دراجة هوائية. ثم لمَ تواصلين اتباعي يا أختي؟»
ابتسمت جيانغ يان وقالت: «لم تكن تملك سيارة سابقاً، لكنك تملكها الآن! أنسيت أنك كسبت ثمانية ملايين من ذلك السيد لوه؟ وبسبب عجز سداده المالي، رهن لك سيارة، بالإضافة إلى حجر اليشم والساعة، وقد أبصرتُ ذلك بوضوح في غرفة المراقبة.»
استدرك يانغ جيان وقال: «ذكّرتِني، فبالفعل كسبتُ سيارة!»
فتش جيبه وأخرج حلقة مفاتيح ينطوي عليها مفتاح سيارة.
وضغط على الزر.
وفي صف السيارات المتوقفة على جانب الطريق، أضاءت مصابيح سيارة دفع رباعي ذات طراز عريض وقوي.
قالت جيانغ يان وهي ترصد السيارة وتعرفها فوراً: «لقد كسبت غنيمة فاخرة! هذه سيارة مستوردة بسعر يتجاوز خمسة ملايين، وذاك السيد لوه تكبد خسارة فادحة!»
قال يانغ جيان: «أفضّل بيع هذه السيارة واستبدالها بالمال، وإلا فسأضطر لإعادتها لذلك السيد لوه مستقبلاً.»
سحبت جيانغ يان ذراع يانغ جيان وقادته نحو الأمام وقالت: «دع عنك هذا، فالسيارة لم تُنقل ملكيتها باسمك بعد، ولن تستطيع بيعها.»
سأل يانغ جيان: «يا أختي، أظن أن علاقتنا لم تبلغ هذا القدر من القرب؟»
قالت جيانغ يان بابتسامة: «إنقاذك لحياتي يكفي ليكون مسوغاً، ألا تود الذهاب إلى شقتي لتناول وجبة طعام؟ شقتي قريبة من هنا.»
قال يانغ جيان: «أشعر أن نظراتك ونبرتك تنضحان بغرابة مريبة، وكأنك لا تدعونني لطعام، بل تريدين التهامي؟ ولكن إذا سمحتِ لي بالإقامة مؤقتاً فسأذهب، وبشرط مسبق؛ لن أدفع إيجاراً ولا مصاريف طعام.»
قالت جيانغ يان بحرص واهتمام وهي تتشبث به: «اتفقنا، فلنسرع بالذهاب!»
لم تكن كفتيات المدارس، بل كانت امرأة عاملة ومحاسبة شركة.
وخبرتها العاطفية والمهنية جعلتها تستوعب نمط الشريك الذي تحتاجه، وبعد هذه الحادثة الخارقة، أدركت أن التشبث بيانغ جيان هو سبيلها الوحيد لضمان مستقبل آمن.
وإلا، فلو داهمتها حادثة خارقة أخرى، فلن تتوقع النجاة بحال.
فقد أضحى هذا العالم مختلفاً بالكامل.
ضمت جيانغ يان ذراع يانغ جيان بإحكام، واستيقنت أن حياتهم اليومية ستجعله يميل إليها حتماً.
وسرعان ما شوهد يانغ جيان وهو يقود سيارة الدفع الرباعي الفاخرة على الطريق.
وكانت جيانغ يان ترتكز بابتسامة خفيفة على النافذة في مقعد الركب المجاور.
وتستطيع من خلال الزجاج رؤية يانغ جيان وهو يدير المقود.
وفكرت في سرها: «رغم صغر سنه، إلا أن ذلك لا يمثل أدنى مشكلة…»
غير أنه في اللحظة التالية.
ارتفعت يد يانغ جيان فجأة بقوة وقبضت على رقبة جيانغ يان، وبلغت شدة القبضة حداً كاد يقطع أنفاسها!
اصطنعت جيانغ يان التخبط وقالت: كحة، كحة… «ما الذي تفعله؟»
التفت يانغ جيان وهو يقود السيارة ونظر إليها وقال: «لقد أغفلتُ جزئية يسيرة قبل قليل… ذلك الشبح في المركز التجاري، أكان يملك رأساً أم بلا رأس؟ لو كان بلا رأس فالأمور بخير، ولكن إن كان يملك رأساً، فأين يقع رأس ذلك الشبح إذن؟»
قالت جيانغ يان: «أ، أنا أنى لي أن أعلم؟ ألا تستطيع معاملتي بلطف ولين؟»
قال يانغ جيان وهو يرخي قبضته قليلاً ويفحص رقبتها بيده: «عذراً، تملكني الشك والارتياب، وكان لا بد لي من التيقن؛ فلا أود أن يقلب الشبح الطاولة في اللحظات الأخيرة.»
قالت جيانغ يان بعتاب خفيف: «لو أردت التيقن فلِمَ لم تنبهني سابقاً؟ فلستُ أرفض التعاون معك.»
غير أنها لم تجرؤ على الامتناع عن فحصه؛
لأنه الوحيد القادر على التعامل مع الأشباح، ومتى تعلق الأمر بحادثة خارقة، فستمتثل لتعليماته بلا شرط، فهي لا ترغب في التعرض للمكروه.
تمرست يد يانغ جيان على رقبتها وتثبت مراراً، فلم يجد سوى ملمس الجلد الناعم الطبيعي، ودون وجود أي أثر لانفصال أو استبدال الرأس.
وهذا يعني أنه خلال فترة غيابه عن غرفة المراقبة، لم تطرأ أي مشكلة على جيانغ يان.
قال يانغ جيان: «لستِ أنتِ إذن… ولعل الشك أفرط في نفسي.»
لوت جيانغ يان شفتيها وقالت: «ألا تستطيع الكف عن هذا الجفاء والغلظة؟»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.