الشهيدة
الفصل السادس: الشهيدة
هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية. لقد ماتت إيو… لكن كلماتها ما تزال حيّة. “اكسروا القيود!” — صدى لن ينطفئ بسهولة. وسنرى في الفصول القادمة: هل سيسمعه دارو حقًا؟ وهل سيكمل الطريق… لا حبًا في الانتقام، بل وفاءً لما هو أكبر؟
من أجل “إيو”، لا أُبدي أي ردة فعل. أنا الغضب. أنا الكراهية. أنا كل شيء. لكني أواصل التحديق في عينيها حتى وهم يأخذونها ويضعون حبل المشنقة حول عنقها.
من أجل “إيو”، لا أُبدي أي ردة فعل. أنا الغضب. أنا الكراهية. أنا كل شيء. لكني أواصل التحديق في عينيها حتى وهم يأخذونها ويضعون حبل المشنقة حول عنقها.
أنظر إلى “بريدج” فينزع بهدوء الكمامة من فمي. أسناني لن تعود كما كانت أبدًا. تتجمع الدموع في عيني علبة الصفيح. أتركه وأتعثر مترنحا متجها نحو أسفل المنصة حتى تتمكن إيو من رؤيتي وهي تموت. هذا خيارها. سأكون معها حتى النهاية. يداي ترتجفان. تتعالى شهقات الحشود من خلفي.
شكرًا لمرافقتكم لي حتى هنا. ترقّبوا ما هو آتٍ… فالمريخ لا يرحم.
“الكلمات الأخيرة، لمن ستوجهينها قبل أن تتحقق العدالة؟” يسألها بودجينوس. كلماته تقطر تعاطفًا أمام الكاميرات.
أحتضن جسدها الهامد وآمل أن ترى روحها أنني في مكان كنا فيه سعداء.
أتهيّأ لسماع اسمي، لكنها لا تذكره. عيناها لا تفارقان عيني، لكنها تنادي أختها. “ديو”. ترتجف الكلمة في الهواء. هي خائفة الآن. لا أبدِ أي ردة فعل بينما تصعد ديو درجات المنصة؛ لا أفهم، لكني لن أغار. هذا لا يتعلق بي. أنا أحبها. وقد اتخذت قرارها. لا أفهم، لكني لن أدعها تموت الا وهي تعلم مقدار حبي لها.
“عش من أجل المزيد”، نطقتها لي بشفتيها. تمد يدها إلى جيبها وتخرج زهرة الهيمانثوس التي أعطيتها لها. إنها مسحوقة ومحطمة. ثم تصرخ بصوت عالٍ في وجه كل المحتشدين، “حطموا الأغلال!”.
يضطر “دان القبيح” لمساعدة ديو في صعود المشنقة؛ تتعثر مترنحة وهي تنحني بالقرب من أختها. مهما قيل، لم أسمعه؛ لكن ديو تطلق عويلا سيطاردني إلى الأبد. تنظر إليّ وهي تبكي. ماذا قالت لها زوجتي؟ النساء يبكين. الرجال يمسحون أعينهم. كان عليهم صعق ديو ليتمكنوا من سحبها بعيدًا، لكنها تتشبث باكية بقدمي إيو.
أخطو إلى الأمام. “لست بحاجة إلى إذنك”.
أومأ الحاكم الأعلى برأسه، على الرغم من أنه لا يهتم حتى بالمشاهدة، فكما حدث مع والدي، شُنقت إيو.
أحفر حفرة بالقرب من قاعدة شجرة. يداي، الملطختان بتراب أرضنا، حمراء مثل شعرها، آخذ يدها وأقبل خاتم زواجنا. أضع البصيلة الخارجية من زهرة الهيمانثوس فوق قلبها وآخذ الداخلية وأضعها بالقرب من قلبي. ثم أقبل شفتيها وأدفنها. لكني أنتحب قبل أن أنتهي من فعل ذلك.
“عش من أجل المزيد”، نطقتها لي بشفتيها. تمد يدها إلى جيبها وتخرج زهرة الهيمانثوس التي أعطيتها لها. إنها مسحوقة ومحطمة. ثم تصرخ بصوت عالٍ في وجه كل المحتشدين، “حطموا الأغلال!”.
ينفتح باب المشنقة تحت قدميها. تسقط، وللحظة قصيرة، يطفو شعرها معلقا حول رأسها، كزهرة حمراء متفتحة. ثم تتخبط قدماها في الهواء وتسقط. يختنق حلقها النحيل. عيناها مفتوحتان على وسعهما. لو كان بإمكاني إنقاذها من هذا. لو كان بإمكاني حمايتها؛ لكن العالم بارد وقاسٍ بالنسبة لي. إنه لا ينحني مثل ما أرغب. أنا ضعيف. أشاهد زوجتي تموت وتسقط زهرة الهيمانثوس من يدها. الكاميرات تسجل كل شيء.
أنا لا أغني. لقد خلقت لأشياء أخرى. موتي لا معنى له. إنه الحب.
أندفع لأقبل كاحلها. أحتضن ساقيها. لن أدعها تعاني.
“حسنًا”، يقول وهو يهز كتفيه. “سأمشي معك إذن، بما أن رأسك متحجر”. يضحك. “نحن آل لامبدا نحب حبل المشنقة”.
على المريخ، ليست هناك جاذبية كافية، لذا عليك شد القدمين للأسفل لكسر العنق. انهم يسمحون للأحباء بالقيام بذلك.
ينفتح باب المشنقة تحت قدميها. تسقط، وللحظة قصيرة، يطفو شعرها معلقا حول رأسها، كزهرة حمراء متفتحة. ثم تتخبط قدماها في الهواء وتسقط. يختنق حلقها النحيل. عيناها مفتوحتان على وسعهما. لو كان بإمكاني إنقاذها من هذا. لو كان بإمكاني حمايتها؛ لكن العالم بارد وقاسٍ بالنسبة لي. إنه لا ينحني مثل ما أرغب. أنا ضعيف. أشاهد زوجتي تموت وتسقط زهرة الهيمانثوس من يدها. الكاميرات تسجل كل شيء.
سرعان ما يخفت الصوت، فلا يُسمع سوى صرير الحبل. زوجتي أخف من أن تُحدث صوتًا. لم تكن سوى فتاة صغيرة.
أريد أن أموت. تضمد أمي جرحي بالحرير الذي سرقته أختي، ليانا، من مصنع النسيج.
ثم يبدأ قرع ترنيمة الأفول. قبضات تضرب الصدور. الآلاف. بسرعة، كنبضات قلب متسارع. ثم أبطأ. ضربة كل ثانية. ضربة كل خمس. كل عشر. ثم لا شيء مرة أخرى، ويتلاشى الجمع الحزين كالغبار في راحة اليد بينما تعوي الرياح العميقة في الأنفاق القديمة. ويُحلق الذهبيون بعيدًا.
“الراقص ؟”
يجلس والد إيو ولوران وكيران بجوار بابي طوال الليل. يقولون إنهم هناك ليؤنسوا وحدتي. لكنهم في الحقيقة هنا لحراستي، ليضمنوا ألا أموت.
“حسنًا”، يقول وهو يهز كتفيه. “سأمشي معك إذن، بما أن رأسك متحجر”. يضحك. “نحن آل لامبدا نحب حبل المشنقة”.
أريد أن أموت. تضمد أمي جرحي بالحرير الذي سرقته أختي، ليانا، من مصنع النسيج.
أشير بإصبعي إلى عمي. “أنت لا تعرف شيئًا. لا شيء على الإطلاق عما أرادته”.
“حافظ على مجدد النوى العصبية جافا، وإلا سيترك ندوبا”.
💥 تنويه مهم: أرجو منكم التركيز على أدق التفاصيل في هذا المجلد؛ فما يبدو هامشيًا الآن، سيكون محوريًا لاحقًا. من ذلك مثلًا:
ما أهمية الندوب؟ لم تعد تهم. لن تراها إيو، فلماذا أهتم؟ لن تمرر يدها على ظهري. لن تقبّل جراحي أبدًا. لقد رحلت.
أسير في صمت للحظة مع عمي. يضع يده على كتفي. هناك نحيب يريد الخروج من صدري. أبتلعه.
أستلقي في سريرنا على ظهري حتى أشعر بالألم وأنسى زوجتي. لكني لا أستطيع أن نسيانها. إنها معلقة حتى الآن. في الصباح، سأمر بجانبها في طريقي إلى المناجم. قريبًا ستفوح منها رائحة كريهة وعما قريب ستتعفن. زوجتي الجميلة أشرقت ببراعة لدرجة أنها لم تعش طويلاً. ما زلت أشعر بعنقها ينكسر بين يدي؛ يداي ترتجفان الآن في الليل.
لا أصدقها، لكني أبتسم وأقبل جبينها. لا تستطيع تحمل المزيد من الأسئلة. وأنا أشعر بالدوار. من الصعب الكلام.
يوجد نفق خفي حفرته في غرفة نومي منذ زمن بعيد في الصخر حتى أتمكن من التسلل خارجًا عندما كنت طفلا. أستخدمه الآن. أخرج من الممر السري، متسلقًا خلسة من منزلي، حتى لا يراني أهلي وأنا أتسلل في الضوء الخافت.
الشوارع هادئة وأنا أشق طريقي نحو الساحة العامة. سيعود عمال الوردية الليلية قريبًا. ثم أسمع ضوضاء و أرى رجلا يخطو إلى الشارع أمامي. يحدق وجه عمي في وجهي من الظلال. مصباح واحد معلق فوق رأسه، يضيء القارورة التي في يده اضافة لقميصه الأحمر الممزق.
الهدوء يسود المجمّع السكني . يعم الهدوء المجمّع بأسره باستثناء مكعب العرض المجسم، الذي يجعل زوجتي تموت على أنغام موسيقى تصويرية. كانوا ينوون إظهار عبثية العصيان. وقد نجحوا في ذلك، ولكن هناك شيء آخر في الفيديو. يعرضون عملية جلدي، وجلد إيو، مصحوبة بأغنيتها طوال الوقت. وبينما تموت، يعزفونها مرة أخرى، مما يبدو أنه يعطي الفيديو تأثيرًا خاطئًا. حتى لو لم تكن زوجتي، أرى شهيدة، أرى أغنية فتاة صغيرة جميلة يجري اسكاتها بحبل رجال قساة.
أتهيّأ لسماع اسمي، لكنها لا تذكره. عيناها لا تفارقان عيني، لكنها تنادي أختها. “ديو”. ترتجف الكلمة في الهواء. هي خائفة الآن. لا أبدِ أي ردة فعل بينما تصعد ديو درجات المنصة؛ لا أفهم، لكني لن أغار. هذا لا يتعلق بي. أنا أحبها. وقد اتخذت قرارها. لا أفهم، لكني لن أدعها تموت الا وهي تعلم مقدار حبي لها.
ثم يومض مكعب العرض المجسم باللون الأسود لعدة لحظات. لم يتحول إلى اللون الأسود من قبل. ثم تعود أوكتافيا أو لون بنفس الرسالة القديمة. يكاد يبدو الأمر وكأن شخصًا ما اخترق البث، لأن زوجتي تومض على الشاشة العملاقة مرة أخرى. “حطموا الأغلال!” تصرخ. ثم تختفي وتتحول الشاشة إلى الأسود. تتشوش. تعود الصورة. تصرخ مرة أخرى. ثم تتحول للأسود. يظهر البرنامج المعتاد، ثم ينقطع ليُعرض مشهد صراخها للمرة الأخيرة، ثم يظهر مشهدي وأنا أشد ساقيها. ثم تشويش.
“أسمع.”
الشوارع هادئة وأنا أشق طريقي نحو الساحة العامة. سيعود عمال الوردية الليلية قريبًا. ثم أسمع ضوضاء و أرى رجلا يخطو إلى الشارع أمامي. يحدق وجه عمي في وجهي من الظلال. مصباح واحد معلق فوق رأسه، يضيء القارورة التي في يده اضافة لقميصه الأحمر الممزق.
تبدأ النساء في البكاء، وبينما أمر، يمددن أيديهن للمس وجه إيو، للمس وجهي ومساعدتي في فتح قناة التهوية. أسحب زوجتي عبر المساحة المعدنية الضيقة، آخذًا إياها إلى حيث مارسنا الحب تحت النجوم، حيث أخبرتني بخططها ولم أستمع لها.
“أنت ابن أبيك أيها الوغد الصغير. غبي ومغرور”.
“عنيد كأفعى الحفر، أليس هذا ما قلته؟” أقول بهدوء، وأسمح بابتسامة صغيرة لترتسم على وجهي.
أقبض يدي. “أتيت لتوقفني يا عمي؟”
الفصل السادس: الشهيدة
يتمتم. “لم أستطع إيقاف والدك عن قتل نفسه اللعينة. وقد كان رجلاً أفضل منك. كما أن لديه ضبط نفس أكثر”.
“هل حسمت أمرك؟” يسأل، وهو ينقر على رأسه. “بالطبع. نسيت، لقد علمتك كيف ترقص”.
أخطو إلى الأمام. “لست بحاجة إلى إذنك”.
شعبي يغنون، كما أنهم يرقصون و يحبون. هذه هي قوتنا. لكننا أيضًا نحفر. ثم نموت. نادرًا ما نختار السبب. الا أن هذا الاختيار هو القوة. هذا الاختيار هو سلاحنا الوحيد. لكنه ليس كافيًا.
“لا، أيها الوغد الصغير، لست بحاجته”. يمرر يده في شعره. “لا تفعل ما أنت على وشك فعله، رغم ذلك. سيحطم ذلك والدتك؛ قد تعتقد أنها لم تكن تعلم أنك ستتسلل. انها تعلم. فهي من أخبرتني بذلك بعد كل شيء. قالت أنك ستموت مثل أخي، مثل فتاتك”.
*
“لو علمت أمي، لكانت أوقفتني”.
“ستعرفه. وإذا رأيت جدك وجدتك، أخبرهما أننا ما زلنا نرقص من أجلهما. لن يظلا وحيدين لفترة طويلة”.
“لا. هي تتركنا نحن الرجال نرتكب أخطاءنا بأنفسنا. لكن هذا ليس ما كانت تريده فتاتك”.
أريد أن أموت. تضمد أمي جرحي بالحرير الذي سرقته أختي، ليانا، من مصنع النسيج.
أشير بإصبعي إلى عمي. “أنت لا تعرف شيئًا. لا شيء على الإطلاق عما أرادته”.
“لقد تركتني”، أهمس. “لقد تركتني فحسب”.
قالت إيو إنني لن أفهم معنى أن أكون شهيدًا. سأريها أنني أفهم.
خمسة أرواح فقط دُفنت في ثلاثة أجيال – دائمًا ما يُشنق شخص جراء ذلك. هذا هو أسمى تعبير عن الحب. مرثاة إيو الصامتة.
“حسنًا”، يقول وهو يهز كتفيه. “سأمشي معك إذن، بما أن رأسك متحجر”. يضحك. “نحن آل لامبدا نحب حبل المشنقة”.
“ماذا كانت كلمات إيو الأخيرة؟” أسألها، على الرغم من أن فمي يتحرك ببطء، بشكل غريب.
يرمي لي قارورته وأسير بخطى مترددة إلى جانبه.
من أجل “إيو”، لا أُبدي أي ردة فعل. أنا الغضب. أنا الكراهية. أنا كل شيء. لكني أواصل التحديق في عينيها حتى وهم يأخذونها ويضعون حبل المشنقة حول عنقها.
“حاولت إقناع والدك بالعدول عن احتجاجه الصغير، كما تعلم. أخبرته أن الكلمات والرقص لا قيمة لهما كالغبار. حاولت تسوية الأمور معه. لقد أفسدت الأمر. لقد طرحني أرضًا ببرود”. يوجه لكمة بطيئة. “يأتي وقت في الحياة تدرك فيه أن الرجل قد حسم أمره وأنه من الإهانة معارضته”.
أشرب من قارورته وأعيدها إليه. طعم الشراب غريب وأكثر كثافة من المعتاد. غريب. يجعلني أنهي القارورة.
أشرب من قارورته وأعيدها إليه. طعم الشراب غريب وأكثر كثافة من المعتاد. غريب. يجعلني أنهي القارورة.
أعلم أن الكاميرات تراقبني من مكعب العرض المجسم وأنا أصعد المشنقة. إنها من المعدن، لذا فإن الدرج لا يصدر صريرًا. إيو تتدلى كدمية. وجهها شاحب كالطبشور وشعرها يتحرك قليلاً مع هبوب الرياح من أجهزة التهوية في الأعلى.
“هل حسمت أمرك؟” يسأل، وهو ينقر على رأسه. “بالطبع. نسيت، لقد علمتك كيف ترقص”.
يرمي لي قارورته وأسير بخطى مترددة إلى جانبه.
“عنيد كأفعى الحفر، أليس هذا ما قلته؟” أقول بهدوء، وأسمح بابتسامة صغيرة لترتسم على وجهي.
“سأبلغها تحياتك”.
أسير في صمت للحظة مع عمي. يضع يده على كتفي. هناك نحيب يريد الخروج من صدري. أبتلعه.
“عش من أجل المزيد”، نطقتها لي بشفتيها. تمد يدها إلى جيبها وتخرج زهرة الهيمانثوس التي أعطيتها لها. إنها مسحوقة ومحطمة. ثم تصرخ بصوت عالٍ في وجه كل المحتشدين، “حطموا الأغلال!”.
“لقد تركتني”، أهمس. “لقد تركتني فحسب”.
وإلى هنا نكون قد طوينا آخر صفحات المجلد الأول من هذه الرحلة الدامية… رحلة إيو ودارو، التي بدأت بدفء العناق وانتهت ببرودة الحبل.
“لا بد أن لديها سببًا. تلك الفتاة لم تكن غبية”.
يصفعني كيران على وجهي عندما يراني مرة أخرى في المجمّع. لا يستطيع لوران الكلام، بينما يترنح والد إيو على الحائط. يعتقدون أنهم خذلوني. أسمع صرخات والدة إيو.
تنهمر الدموع وأنا أدخل الساحة العامة. يحتضنني عمي في عناق بذراع واحدة ويقبل قمة رأسي. هذا كل ما يمكنه تقديمه. هو ليس رجلاً مصنوعًا للعاطفة. وجهه شاحب وباهت. عمره خمسة وثلاثون عامًا و يعتبر كبير جدًا، كما يبدو متعبا جدًا. شفته العلوية ملوية بفعل ندبة. يخالط الشيب شعره الكثيف.
أشير بإصبعي إلى عمي. “أنت لا تعرف شيئًا. لا شيء على الإطلاق عما أرادته”.
“أبلغهم تحياتي في الوادي”، يقول في أذني، ولحيته الخشنة تحتك بعنقي. “أبلغ إخوتي تحيتي وأرسل قبلة لزوجتي، خاصة الراقص”.
ثم يومض مكعب العرض المجسم باللون الأسود لعدة لحظات. لم يتحول إلى اللون الأسود من قبل. ثم تعود أوكتافيا أو لون بنفس الرسالة القديمة. يكاد يبدو الأمر وكأن شخصًا ما اخترق البث، لأن زوجتي تومض على الشاشة العملاقة مرة أخرى. “حطموا الأغلال!” تصرخ. ثم تختفي وتتحول الشاشة إلى الأسود. تتشوش. تعود الصورة. تصرخ مرة أخرى. ثم تتحول للأسود. يظهر البرنامج المعتاد، ثم ينقطع ليُعرض مشهد صراخها للمرة الأخيرة، ثم يظهر مشهدي وأنا أشد ساقيها. ثم تشويش.
“الراقص ؟”
يرمي لي قارورته وأسير بخطى مترددة إلى جانبه.
“ستعرفه. وإذا رأيت جدك وجدتك، أخبرهما أننا ما زلنا نرقص من أجلهما. لن يظلا وحيدين لفترة طويلة”.
تنهمر الدموع وأنا أدخل الساحة العامة. يحتضنني عمي في عناق بذراع واحدة ويقبل قمة رأسي. هذا كل ما يمكنه تقديمه. هو ليس رجلاً مصنوعًا للعاطفة. وجهه شاحب وباهت. عمره خمسة وثلاثون عامًا و يعتبر كبير جدًا، كما يبدو متعبا جدًا. شفته العلوية ملوية بفعل ندبة. يخالط الشيب شعره الكثيف.
يبتعد، ثم يتوقف ودون أن يستدير يقول: “حطموا الأغلال. أتسمع؟”
“لقد تركتني”، أهمس. “لقد تركتني فحسب”.
“أسمع.”
يجلس والد إيو ولوران وكيران بجوار بابي طوال الليل. يقولون إنهم هناك ليؤنسوا وحدتي. لكنهم في الحقيقة هنا لحراستي، ليضمنوا ألا أموت.
يتركني هناك في الساحة العامة مع زوجتي المتأرجحة.
“قالت إنها تحبك”.
أعلم أن الكاميرات تراقبني من مكعب العرض المجسم وأنا أصعد المشنقة. إنها من المعدن، لذا فإن الدرج لا يصدر صريرًا. إيو تتدلى كدمية. وجهها شاحب كالطبشور وشعرها يتحرك قليلاً مع هبوب الرياح من أجهزة التهوية في الأعلى.
الهدوء يسود المجمّع السكني . يعم الهدوء المجمّع بأسره باستثناء مكعب العرض المجسم، الذي يجعل زوجتي تموت على أنغام موسيقى تصويرية. كانوا ينوون إظهار عبثية العصيان. وقد نجحوا في ذلك، ولكن هناك شيء آخر في الفيديو. يعرضون عملية جلدي، وجلد إيو، مصحوبة بأغنيتها طوال الوقت. وبينما تموت، يعزفونها مرة أخرى، مما يبدو أنه يعطي الفيديو تأثيرًا خاطئًا. حتى لو لم تكن زوجتي، أرى شهيدة، أرى أغنية فتاة صغيرة جميلة يجري اسكاتها بحبل رجال قساة.
عندما يُقطع الحبل بالنصل المنجلي الذي سرقته من المناجم، أمسك طرفه المهترئ وأنزلها برفق. آخذ زوجتي بين ذراعي ومعًا نشق طريقنا من الساحة نحو مصنع النسيج.
تلتفت إلى أمي، التي تبعتها أخيرًا لكنها الآن تهز رأسها. هناك شيء لا يخبرونني به. شيء لا يريدونني أن أعرفه. سر يحتفظون به على الرغم من أنني على وشك الموت.
هناك، تعمل وردية ليلية في ساعاتها الأخيرة. تراقب النساء في صمت وأنا أحمل إيو إلى قناة التهوية. هناك أرى ليانا، أختي. انها طويلة وهادئة مثل أمي، تراقبني بنظرات قاسية، لكنها لا تفعل شيئًا. لا تفعل أي من النساء شيئًا. لن يثرثرن عن مكان دفن زوجتي. لن يتكلمن، ولا حتى من أجل الشوكولاتة التي تُعطى للجواسيس.
الشوارع هادئة وأنا أشق طريقي نحو الساحة العامة. سيعود عمال الوردية الليلية قريبًا. ثم أسمع ضوضاء و أرى رجلا يخطو إلى الشارع أمامي. يحدق وجه عمي في وجهي من الظلال. مصباح واحد معلق فوق رأسه، يضيء القارورة التي في يده اضافة لقميصه الأحمر الممزق.
خمسة أرواح فقط دُفنت في ثلاثة أجيال – دائمًا ما يُشنق شخص جراء ذلك. هذا هو أسمى تعبير عن الحب. مرثاة إيو الصامتة.
ينفتح باب المشنقة تحت قدميها. تسقط، وللحظة قصيرة، يطفو شعرها معلقا حول رأسها، كزهرة حمراء متفتحة. ثم تتخبط قدماها في الهواء وتسقط. يختنق حلقها النحيل. عيناها مفتوحتان على وسعهما. لو كان بإمكاني إنقاذها من هذا. لو كان بإمكاني حمايتها؛ لكن العالم بارد وقاسٍ بالنسبة لي. إنه لا ينحني مثل ما أرغب. أنا ضعيف. أشاهد زوجتي تموت وتسقط زهرة الهيمانثوس من يدها. الكاميرات تسجل كل شيء.
تبدأ النساء في البكاء، وبينما أمر، يمددن أيديهن للمس وجه إيو، للمس وجهي ومساعدتي في فتح قناة التهوية. أسحب زوجتي عبر المساحة المعدنية الضيقة، آخذًا إياها إلى حيث مارسنا الحب تحت النجوم، حيث أخبرتني بخططها ولم أستمع لها.
“أسمع.”
أحتضن جسدها الهامد وآمل أن ترى روحها أنني في مكان كنا فيه سعداء.
أشرب من قارورته وأعيدها إليه. طعم الشراب غريب وأكثر كثافة من المعتاد. غريب. يجعلني أنهي القارورة.
أحفر حفرة بالقرب من قاعدة شجرة. يداي، الملطختان بتراب أرضنا، حمراء مثل شعرها، آخذ يدها وأقبل خاتم زواجنا. أضع البصيلة الخارجية من زهرة الهيمانثوس فوق قلبها وآخذ الداخلية وأضعها بالقرب من قلبي. ثم أقبل شفتيها وأدفنها. لكني أنتحب قبل أن أنتهي من فعل ذلك.
الهدوء يسود المجمّع السكني . يعم الهدوء المجمّع بأسره باستثناء مكعب العرض المجسم، الذي يجعل زوجتي تموت على أنغام موسيقى تصويرية. كانوا ينوون إظهار عبثية العصيان. وقد نجحوا في ذلك، ولكن هناك شيء آخر في الفيديو. يعرضون عملية جلدي، وجلد إيو، مصحوبة بأغنيتها طوال الوقت. وبينما تموت، يعزفونها مرة أخرى، مما يبدو أنه يعطي الفيديو تأثيرًا خاطئًا. حتى لو لم تكن زوجتي، أرى شهيدة، أرى أغنية فتاة صغيرة جميلة يجري اسكاتها بحبل رجال قساة.
أكشف عن وجهها وأقبلها مرة أخرى وأضم جسدي إلى جسدها الى أن أرى بزوغ شمس حمراء تشرق من خلال سقف القبة الاصطناعي.
أصاب بالذعر كما يفعل المنتحرون عندما يدركون حماقتهم. فات الأوان.
ألوان المكان تبهر عيني ولا أستطيع إيقاف دموعي.
يجلس والد إيو ولوران وكيران بجوار بابي طوال الليل. يقولون إنهم هناك ليؤنسوا وحدتي. لكنهم في الحقيقة هنا لحراستي، ليضمنوا ألا أموت.
عندما أبتعد، أرى عصابة رأسي تبرز من جيبها. لقد صنعتها لي لتمتص عرقي. أعطيها دموعي الآن وآخذها معي.
أحتضن جسدها الهامد وآمل أن ترى روحها أنني في مكان كنا فيه سعداء.
يصفعني كيران على وجهي عندما يراني مرة أخرى في المجمّع. لا يستطيع لوران الكلام، بينما يترنح والد إيو على الحائط. يعتقدون أنهم خذلوني. أسمع صرخات والدة إيو.
أسير في صمت للحظة مع عمي. يضع يده على كتفي. هناك نحيب يريد الخروج من صدري. أبتلعه.
أمي لا تقول شيئًا وهي تعد لي وجبة. لا أشعر أني على ما يرام. من الصعب التنفس. تأتي ليانا متأخرة وتساعدها، تقبلني على رأسي وأنا آكل، وتبقى كذلك طويلاً بما يكفي لتشم رائحة شعري.
“سأبلغها تحياتك”.
يجب أن أستخدم يدًا واحدة وأنا أنقل الطعام من الطبق إلى فمي. تمسك أمي بيدي الأخرى بين راحتيها المتصلبتين. تراقبها بدلاً مني، وكأنها تتذكر عندما كانت يدي صغيرة وناعمة وتتعجب كيف أصبحت قاسية جدًا.
“هل حسمت أمرك؟” يسأل، وهو ينقر على رأسه. “بالطبع. نسيت، لقد علمتك كيف ترقص”.
أنهي الوجبة تمامًا عندما يأتي “دان القبيح”. لا تغادر أمي الطاولة وأنا أُسحب بعيدًا. تبقى عيناها مثبتتين حيث كانت يدي. أعتقد أنها تؤمن بأنها إذا لم تنظر إلى الأعلى، فلن يحدث هذا. حتى هي لا تستطيع سوى تحمل القليل.
“أبلغهم تحياتي في الوادي”، يقول في أذني، ولحيته الخشنة تحتك بعنقي. “أبلغ إخوتي تحيتي وأرسل قبلة لزوجتي، خاصة الراقص”.
سيشنقونني أمام جمع غفير في التاسعة صباحًا. أشعر بالدوار لسبب ما. قلبي ينبض ببطء على نحو غريب. أسمع كلمات الحاكم الأعلى لزوجتي تتردد. “أهذا كل ما لديك؟”
أريد أن أموت. تضمد أمي جرحي بالحرير الذي سرقته أختي، ليانا، من مصنع النسيج.
شعبي يغنون، كما أنهم يرقصون و يحبون. هذه هي قوتنا. لكننا أيضًا نحفر. ثم نموت. نادرًا ما نختار السبب. الا أن هذا الاختيار هو القوة. هذا الاختيار هو سلاحنا الوحيد. لكنه ليس كافيًا.
“سأبلغها تحياتك”.
يسمحون لي بكلماتي الأخيرة. أنادي ديو. عيناها محتقنتان بالدم ومتورمتان. إنها كائن هش، لا تشبه أختها أبدًا.
أستلقي في سريرنا على ظهري حتى أشعر بالألم وأنسى زوجتي. لكني لا أستطيع أن نسيانها. إنها معلقة حتى الآن. في الصباح، سأمر بجانبها في طريقي إلى المناجم. قريبًا ستفوح منها رائحة كريهة وعما قريب ستتعفن. زوجتي الجميلة أشرقت ببراعة لدرجة أنها لم تعش طويلاً. ما زلت أشعر بعنقها ينكسر بين يدي؛ يداي ترتجفان الآن في الليل.
“ماذا كانت كلمات إيو الأخيرة؟” أسألها، على الرغم من أن فمي يتحرك ببطء، بشكل غريب.
أصاب بالذعر كما يفعل المنتحرون عندما يدركون حماقتهم. فات الأوان.
تلتفت إلى أمي، التي تبعتها أخيرًا لكنها الآن تهز رأسها. هناك شيء لا يخبرونني به. شيء لا يريدونني أن أعرفه. سر يحتفظون به على الرغم من أنني على وشك الموت.
يرمي لي قارورته وأسير بخطى مترددة إلى جانبه.
“قالت إنها تحبك”.
وإلى هنا نكون قد طوينا آخر صفحات المجلد الأول من هذه الرحلة الدامية… رحلة إيو ودارو، التي بدأت بدفء العناق وانتهت ببرودة الحبل.
لا أصدقها، لكني أبتسم وأقبل جبينها. لا تستطيع تحمل المزيد من الأسئلة. وأنا أشعر بالدوار. من الصعب الكلام.
“عش من أجل المزيد”، نطقتها لي بشفتيها. تمد يدها إلى جيبها وتخرج زهرة الهيمانثوس التي أعطيتها لها. إنها مسحوقة ومحطمة. ثم تصرخ بصوت عالٍ في وجه كل المحتشدين، “حطموا الأغلال!”.
“سأبلغها تحياتك”.
يصفعني كيران على وجهي عندما يراني مرة أخرى في المجمّع. لا يستطيع لوران الكلام، بينما يترنح والد إيو على الحائط. يعتقدون أنهم خذلوني. أسمع صرخات والدة إيو.
أنا لا أغني. لقد خلقت لأشياء أخرى. موتي لا معنى له. إنه الحب.
أكشف عن وجهها وأقبلها مرة أخرى وأضم جسدي إلى جسدها الى أن أرى بزوغ شمس حمراء تشرق من خلال سقف القبة الاصطناعي.
لكن إيو كانت على حق، أنا لا أفهم هذا. هذا ليس انتصاري. انه أنانية. أخبرتني أن أعيش من أجل المزيد. أرادتني أن أقاتل. لكن ها أنا أموت على الرغم مما أرادته. أستسلم بسبب الألم.
💥 تنويه مهم: أرجو منكم التركيز على أدق التفاصيل في هذا المجلد؛ فما يبدو هامشيًا الآن، سيكون محوريًا لاحقًا. من ذلك مثلًا:
أصاب بالذعر كما يفعل المنتحرون عندما يدركون حماقتهم. فات الأوان.
💥 تنويه مهم: أرجو منكم التركيز على أدق التفاصيل في هذا المجلد؛ فما يبدو هامشيًا الآن، سيكون محوريًا لاحقًا. من ذلك مثلًا:
أشعر بالباب تحتي ينفتح. يسقط جسدي. الحبل يمزق عنقي. عمودي الفقري يصدر صريرًا. وخزات أشبه بالإبر تخترق أسفل ظهري. يندفع كيران متعثرا إلى الأمام. يدفعه العم نارول بعيدًا. بغمزة، يلمس قدمي ويسحب. آمل ألا يدفنوني.
لا أصدقها، لكني أبتسم وأقبل جبينها. لا تستطيع تحمل المزيد من الأسئلة. وأنا أشعر بالدوار. من الصعب الكلام.
……
“لا، أيها الوغد الصغير، لست بحاجته”. يمرر يده في شعره. “لا تفعل ما أنت على وشك فعله، رغم ذلك. سيحطم ذلك والدتك؛ قد تعتقد أنها لم تكن تعلم أنك ستتسلل. انها تعلم. فهي من أخبرتني بذلك بعد كل شيء. قالت أنك ستموت مثل أخي، مثل فتاتك”.
وإلى هنا نكون قد طوينا آخر صفحات المجلد الأول من هذه الرحلة الدامية…
رحلة إيو ودارو، التي بدأت بدفء العناق وانتهت ببرودة الحبل.
أومأ الحاكم الأعلى برأسه، على الرغم من أنه لا يهتم حتى بالمشاهدة، فكما حدث مع والدي، شُنقت إيو.
أرجو أن يكون هذا الفصل قد لامس قلوبكم،
وأن تكونوا قد وجدتم في طيّاته ما يُشبه الحياة: قاسية، لكن جديرة بأن تُعاش.
سرعان ما يخفت الصوت، فلا يُسمع سوى صرير الحبل. زوجتي أخف من أن تُحدث صوتًا. لم تكن سوى فتاة صغيرة.
💥 تنويه مهم:
أرجو منكم التركيز على أدق التفاصيل في هذا المجلد؛
فما يبدو هامشيًا الآن، سيكون محوريًا لاحقًا.
من ذلك مثلًا:
“ستعرفه. وإذا رأيت جدك وجدتك، أخبرهما أننا ما زلنا نرقص من أجلهما. لن يظلا وحيدين لفترة طويلة”.
* الهدية الثانية التي كانت إيو تنوي تقديمها لـدارو…
أمي لا تقول شيئًا وهي تعد لي وجبة. لا أشعر أني على ما يرام. من الصعب التنفس. تأتي ليانا متأخرة وتساعدها، تقبلني على رأسي وأنا آكل، وتبقى كذلك طويلاً بما يكفي لتشم رائحة شعري.
* كلماتها الأخيرة لأختها…
“ماذا كانت كلمات إيو الأخيرة؟” أسألها، على الرغم من أن فمي يتحرك ببطء، بشكل غريب.
* حواراته مع عمه
“الراقص ؟”
*
“سأبلغها تحياتك”.
وغيرها ، ستتكشف حقيقتها في المجلدات القادمة، واحدة تلو الأخرى.
“أنت ابن أبيك أيها الوغد الصغير. غبي ومغرور”.
هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية.
لقد ماتت إيو… لكن كلماتها ما تزال حيّة.
“اكسروا القيود!” — صدى لن ينطفئ بسهولة.
وسنرى في الفصول القادمة: هل سيسمعه دارو حقًا؟ وهل سيكمل الطريق… لا حبًا في الانتقام، بل وفاءً لما هو أكبر؟
أحفر حفرة بالقرب من قاعدة شجرة. يداي، الملطختان بتراب أرضنا، حمراء مثل شعرها، آخذ يدها وأقبل خاتم زواجنا. أضع البصيلة الخارجية من زهرة الهيمانثوس فوق قلبها وآخذ الداخلية وأضعها بالقرب من قلبي. ثم أقبل شفتيها وأدفنها. لكني أنتحب قبل أن أنتهي من فعل ذلك.
شكرًا لمرافقتكم لي حتى هنا.
ترقّبوا ما هو آتٍ… فالمريخ لا يرحم.
* حواراته مع عمه
نلتقي في المجلد الثاني، حيث يبدأ كل شيء.
نلتقي في المجلد الثاني، حيث يبدأ كل شيء.
ترجمة [Great Reader]
“ستعرفه. وإذا رأيت جدك وجدتك، أخبرهما أننا ما زلنا نرقص من أجلهما. لن يظلا وحيدين لفترة طويلة”.
……
