الصامتة
الفصل 30: الصامتة
يخلع الراكبون الآخرون خوذاتهم ويترجلون بسرعة حين يرون لون شعرنا وأعيننا. لم يكن بينهم رجل واحد. وجوه النساء مرسومة ببصمات يد زرقاء، وفي وسط كل منها عين صغيرة. شعرهن الأبيض ينسدل في ضفائر طويلة، وأعينهن السوداء تطل من تحت أجفان غائرة. ثقوب من الحديد والعظم تزيّن أنوفهن وآذانهن. وحدها القائدة لم تخلع خوذتها أو تركع، بل تقدمت نحونا كأنها في غيبوبة.
رحلت آجا. الهوة عميقة، وجوانبها تضيق مبتعدة في الظلام. أهرعُ عائداً إلى راغنار بينما تنظر موستانغ إلى سفوح التلال والغيوم، وقوسها في وضع الاستعداد. لم يتبقَّ معها سوى ثلاث سهام. “لا أرى شيئاً”، تقول.
أرقد بسلام أيها البطل.
“الحاصد”، يتمتم راغنار من الأرض. صدره يرتفع ويهبط، يلهثُ بصعوبة. دمُ حياته الداكن ينبض خارجاً من معدته المفتوحة. كان بإمكان آجا أن تنهي أمره سريعاً بطعنتين حين كان ساقطاً، لكنها بدلاً من ذلك، طعنت أحشاءه السفلية ليعاني وهو يحتضر. أضغطُ على الجرح الأول، وقد تلطخت ذراعيّ بالدماء حتى المرفقين، لكن الدماء كثيرة لدرجة أنني لا أعرف ماذا أفعل. إن مجدد النوى العصبية لا يمكنه إصلاح ما فعلته آجا، ولا حتى إبقاء جسده متماسكاً. الدموع تحرق عيني، وبالكاد أستطيع الرؤية. البخار يتصاعد من الجرح، وأصابعي المتجمدة تشعر بدفء دمائه. يشحبُ لون راغنار وهو يرى الدماء، وتظهر نظرة خجل على وجهه وهو يهمس بالاعتذارات.
أومئ برأسي كأنني أصدق وجود الوادي. “شعبك سيكون حراً”، أقول. “أعدك بهذا بحياتي. وسأراك قريباً”، أضيف. يبتسم وهو ينظر للسماء. تضع سيفي فأسها في يده ليموت كمحارب وسلاحه معه.
“قد يكونون آكلي لحوم البشر”، تقول موستانغ بخصوص تشتت انتباه آجا. “هل يمكنه التحرك؟”، تسأل. “لا”، أقول بوهن. تنظر إليه، وهي أكثر تماسكاً مني. “لا يمكننا البقاء هنا”، تقول.
“سيفي…”، يشير راغنار. أتبع إصبعه نحو السماء. لا أرى شيئاً سوى غيوم باهتة تتحرك مع الرياح. لا أسمع سوى سعال كاسيوس، وصرير قوس موستانغ، وهوليداي وهي تعرج نحونا فوق الثلج. ثم أدركت سبب فرار آجا حين يخترق الغيوم مفترس مجنح يزن ثلاثة آلاف كيلوغرام. جسده كجسد أسد، وأجنحته وقوائمه الأمامية ورأسه كرأس صقر. ريشه أبيض، ومنقاره معقوف وأسود. رأسه بحجم أحمر بالغ. الجريفين ضخم، وباطن جناحيه مرسوم عليهما وجوه شياطين زرقاء صارخة. تمتد أجنحته بعرض عشرة أمتار حين يهبط في الثلج أمامي، فتهتز الأرض. عيناه زرقاوان باهتتان، ومنقاره الأسود منقوش برموز بيضاء. وعلى ظهره يجلس بشري نحيل ومهيب، ينفخ بحزن في بوق أبيض.
أتجاهلها. لقد شاهدت الكثير من الأصدقاء يموتون ولن أترك راغنار يرحل. أنا من قدته لقتال آجا. أنا من أقنعه بالعودة إلى وطنه. لن أدعه ينزلق مني؛ فأنا مدين له بهذا القدر. وإن كان هذا آخر عمل أقوم به، فسأدافع عنه. سأجد طريقة لعلاجه، سأوصله إلى طبيب من الصفر، حتى لو جاء آكلو لحوم البشر، وحتى لو كلفني ذلك حياتي، فلن أتركه. لكن التفكير لا يجعل الأمر حقيقة، ولا يمنحني قوى سحرية. فمهما كانت الخطط التي أضعها، يبدو أن العالم عازم على إفسادها.
“سيفي…”، يشير راغنار. أتبع إصبعه نحو السماء. لا أرى شيئاً سوى غيوم باهتة تتحرك مع الرياح. لا أسمع سوى سعال كاسيوس، وصرير قوس موستانغ، وهوليداي وهي تعرج نحونا فوق الثلج. ثم أدركت سبب فرار آجا حين يخترق الغيوم مفترس مجنح يزن ثلاثة آلاف كيلوغرام. جسده كجسد أسد، وأجنحته وقوائمه الأمامية ورأسه كرأس صقر. ريشه أبيض، ومنقاره معقوف وأسود. رأسه بحجم أحمر بالغ. الجريفين ضخم، وباطن جناحيه مرسوم عليهما وجوه شياطين زرقاء صارخة. تمتد أجنحته بعرض عشرة أمتار حين يهبط في الثلج أمامي، فتهتز الأرض. عيناه زرقاوان باهتتان، ومنقاره الأسود منقوش برموز بيضاء. وعلى ظهره يجلس بشري نحيل ومهيب، ينفخ بحزن في بوق أبيض.
“الحاصد…”، يتمكن راغنار من القول ثانية. “وفر قوتك يا صديقي. سنحتاجها كلها لإخراجك من هنا”، أقول. “كانت سريعة. سريعة جداً”، يقول. “لقد رحلت الآن”، أقول، رغم أنني لا أستطيع التأكد. “لطالما حلمت بميتة صالحة”، يقول وهو يرتجف لإدراكه أنه يحتضر. “هاته لا تبدو كذلك”، يضيف.
لم تنظر إليّ سيفي. “لقد فات الأوان”، يقول راغنار والثلج يتجمع على لحيته. “دعوني أموت هنا. فوق الجليد. تحت السماء البرية”، يتابع.
كلماته تسبب غصة في حلقي. “لا بأس”، أقول بصوت مختنق. “سيكون كل شيء بخير بمجرد تضميد جراحك. ميكي سيعالجك بشكل صحيح. سنوصلك إلى الأبراج ونطلب الإخلاء”، أتابع.
“هل تعرفينني؟”، يهمس راغنار بينما تقترب الراكبة، وعلى شفتيها ابتسامة مترددة. “لا بد أنكِ تفعلين”، يضيف. تتفحص الراكبة ندوبه من خلف قناعها. “سأعرفكِ حتى لو كان العالم مظلماً، ولو كنا ذابلين وعجائز”، يتابع راغنار. “حتى لو ذاب الجليد وسكنت الرياح”، يضيف. تتقدم الراكبة خطوة بخطوة. “علمتكِ الأسماء التسعة والأربعين للجليد… والأنفاس الأربعة والثلاثين للريح”، يقول مبتسماً. “رغم أنكِ لم تتذكري سوى اثنين وثلاثين”، يتابع.
“دارو…”، تقول موستانغ. يرمش راغنار بشدة وهو ينظر إليّ محاولاً تركيز بصره. يمد يده نحو السماء. “سيفي…”، يقول. “لا، هذا أنا يا راغنار. إنه دارو”، أقول. “دارو…”، تنادي موستانغ بحدة. “ماذا؟”، أصرخ بها.
أومئ برأسي كأنني أصدق وجود الوادي. “شعبك سيكون حراً”، أقول. “أعدك بهذا بحياتي. وسأراك قريباً”، أضيف. يبتسم وهو ينظر للسماء. تضع سيفي فأسها في يده ليموت كمحارب وسلاحه معه.
“سيفي…”، يشير راغنار. أتبع إصبعه نحو السماء. لا أرى شيئاً سوى غيوم باهتة تتحرك مع الرياح. لا أسمع سوى سعال كاسيوس، وصرير قوس موستانغ، وهوليداي وهي تعرج نحونا فوق الثلج. ثم أدركت سبب فرار آجا حين يخترق الغيوم مفترس مجنح يزن ثلاثة آلاف كيلوغرام. جسده كجسد أسد، وأجنحته وقوائمه الأمامية ورأسه كرأس صقر. ريشه أبيض، ومنقاره معقوف وأسود. رأسه بحجم أحمر بالغ. الجريفين ضخم، وباطن جناحيه مرسوم عليهما وجوه شياطين زرقاء صارخة. تمتد أجنحته بعرض عشرة أمتار حين يهبط في الثلج أمامي، فتهتز الأرض. عيناه زرقاوان باهتتان، ومنقاره الأسود منقوش برموز بيضاء. وعلى ظهره يجلس بشري نحيل ومهيب، ينفخ بحزن في بوق أبيض.
أومئ برأسي كأنني أصدق وجود الوادي. “شعبك سيكون حراً”، أقول. “أعدك بهذا بحياتي. وسأراك قريباً”، أضيف. يبتسم وهو ينظر للسماء. تضع سيفي فأسها في يده ليموت كمحارب وسلاحه معه.
تتردد أصداء المزيد من الأبواق من الغيوم، واثنا عشر جريفين آخرين ينقضون على الممر الجبلي؛ بعضهم يتشبث بالجدران الصخرية، والبعض الآخر ينبش في الثلج. الراكبة الأولى مغطاة بفراء أبيض متسخ، وترتدي خوذة عظمية تعلوها ريشة زرقاء واحدة تتدلى خلف عنقها. لم يكن بينهم من يقل طوله عن مترين.
أرقد بسلام أيها البطل.
“سليل الشمس”، تنادي إحداهن بلهجتها البطيئة وهي تهرع لجانب قائدتهن الصامتة. تخلع خوذتها لتكشف عن وجه غليظ مليء بالندوب، قبل أن تجثو على ركبتها وتلمس جبهتها كعلامة احترام. بصمة يد زرقاء تغطي وجهها. “رأينا اللهب في السماء…”، تقول. يتعثر صوتها عندما ترى نصلي المنجلي.
مدت يدها إلى أخيها لتتحسس بخار أنفاسه. قبض راغنار على يدها وضغطها على صدره لتشعر بنبض قلبه المتلاشي. تجمعت دموع الفرح في عينيه، وحين انهمرت دموع سيفي على خديها، تصدع صوته. “أخبرتكِ أنني سأعود”، يقول.
يخلع الراكبون الآخرون خوذاتهم ويترجلون بسرعة حين يرون لون شعرنا وأعيننا. لم يكن بينهم رجل واحد. وجوه النساء مرسومة ببصمات يد زرقاء، وفي وسط كل منها عين صغيرة. شعرهن الأبيض ينسدل في ضفائر طويلة، وأعينهن السوداء تطل من تحت أجفان غائرة. ثقوب من الحديد والعظم تزيّن أنوفهن وآذانهن. وحدها القائدة لم تخلع خوذتها أو تركع، بل تقدمت نحونا كأنها في غيبوبة.
مدت يدها إلى أخيها لتتحسس بخار أنفاسه. قبض راغنار على يدها وضغطها على صدره لتشعر بنبض قلبه المتلاشي. تجمعت دموع الفرح في عينيه، وحين انهمرت دموع سيفي على خديها، تصدع صوته. “أخبرتكِ أنني سأعود”، يقول.
“أختي. أختي”، يقول راغنار. “سيفي؟”، تكرر موستانغ وهي تنظر إلى ألسنة البشر السوداء المعلقة على خصر الأوبسديان. لم تكن الراكبة ترتدي قفازات، وظهور يديها موشومة بالرموز.
الفصل 30: الصامتة
“هل تعرفينني؟”، يهمس راغنار بينما تقترب الراكبة، وعلى شفتيها ابتسامة مترددة. “لا بد أنكِ تفعلين”، يضيف. تتفحص الراكبة ندوبه من خلف قناعها. “سأعرفكِ حتى لو كان العالم مظلماً، ولو كنا ذابلين وعجائز”، يتابع راغنار. “حتى لو ذاب الجليد وسكنت الرياح”، يضيف. تتقدم الراكبة خطوة بخطوة. “علمتكِ الأسماء التسعة والأربعين للجليد… والأنفاس الأربعة والثلاثين للريح”، يقول مبتسماً. “رغم أنكِ لم تتذكري سوى اثنين وثلاثين”، يتابع.
كلماته تسبب غصة في حلقي. “لا بأس”، أقول بصوت مختنق. “سيكون كل شيء بخير بمجرد تضميد جراحك. ميكي سيعالجك بشكل صحيح. سنوصلك إلى الأبراج ونطلب الإخلاء”، أتابع.
لم تعطهِ أي رد فعل، لكن الراكبين الآخرين كانوا يهمسون باسمه، وينظرون إلينا كأنهم أدركوا هويتي. يتابع راغنار بآخر ما لديه من قوة: “حملتكِ على كتفيّ لنشاهد خمس عمليات تفكيك. وتركتكِ تضفرين شعري بأشرطتكِ. ولعبنا بالدمى التي صنعتِها، ورشقنا ‘براودفوت’ العجوز بكرات الثلج. أنا أخوكِ. وحين أخذني رجال ‘الشمس الباكية’ إلى ‘الأراضي المقيدة’، هل تذكرين ماذا قلتُ لكِ؟”، يسأل.
لقد غادر صديقي وحامِيّ، راغنار فولاروس، هذا العالم.
رغم جرحه، كان الرجل يفيض بالقوة. هذه أرضه وهذا وطنه. جاذبيته تجذب سيفي أقرب، فتنهار على ركبتيها وتنزع خوذتها.
“دارو…”، تقول موستانغ. يرمش راغنار بشدة وهو ينظر إليّ محاولاً تركيز بصره. يمد يده نحو السماء. “سيفي…”، يقول. “لا، هذا أنا يا راغنار. إنه دارو”، أقول. “دارو…”، تنادي موستانغ بحدة. “ماذا؟”، أصرخ بها.
سيفي الصامتة، ابنة “آليا سنوسبارو”، كانت مهيبة. وجهها حاد، عيناها صغيرتان ومتقاربتان، وشفتاها رقيقتان من البرد. شعرها الأبيض محلوق من الجانب الأيسر، ومضفور ينسدل حتى الخصر من الجانب الأيمن. وشم جناح محاط برموز يظهر بلون أزرق على جمجمتها. لكن ما يميزها هو أن جلدها خالٍ من الندوب. الزينة الوحيدة التي ترتديها هي قضيب حديدي عبر أنفها. وحين نظرت إلى جرح راغنار، اخترقتني عيناها الزرقاوان الموشومتان على أجفانها.
لقد غادر صديقي وحامِيّ، راغنار فولاروس، هذا العالم.
مدت يدها إلى أخيها لتتحسس بخار أنفاسه. قبض راغنار على يدها وضغطها على صدره لتشعر بنبض قلبه المتلاشي. تجمعت دموع الفرح في عينيه، وحين انهمرت دموع سيفي على خديها، تصدع صوته. “أخبرتكِ أنني سأعود”، يقول.
بدا العالم بعيداً. استمرت دماؤه في الخروج، لكن الحزن فارق صديقي؛ لقد طردته سيفي. “ليس الموت أمراً عظيماً”، يقول لي. “ليس لمن عاش حقاً”، يضيف. يبتسم محاولاً مواساتي، لكن وجهه يحمل ظلم حياته. “أنا مدين لك بذلك. ولكن هناك الكثير مما لم يكتمل. سيفي”، يقول. يبتلع ريقه بصعوبة. “هل وجدكِ رجالي؟”، يسأل. أومأت سيفي برأسها وشعرها الأبيض يتطاير. ينظر إليّ ويقول بلغة الذهبيين: “دارو، أعلم أنك تعتقد أن الكلمات ستكفي، لكنها لن تفعل. ليس مع أمي”. كان هذا هو الرعب الذي يحمله؛ لقد عاد ليقتل أمه، والآن يمنحني الإذن بذلك. نظرت إلى موستانغ؛ لقد سمعت ذلك أيضاً وبدا الحزن على وجهها. يرتجف من الألم، فتسحب سيفي سكيناً من حذائها لتنهي معاناته. يهز راغنار رأسه لها ويومئ إليّ؛ يريدني أنا أن أفعل ذلك. أهز رأسي رافضاً الكابوس، فتنظر إليّ سيفي بحدة لتنفيذ رغبته.
نظرت إلى آثار آجا في الهوة. نقرت بلسانها، فنزل أربع من الفالكيري في الظلام للبحث عن آجا. البقية يحرسون القائدة ويراقبون التلال. “علينا نقله جواً إلى الأبراج. إلى مشعوذتكم”، أقول بلغتهم.
نظرت إلى آثار آجا في الهوة. نقرت بلسانها، فنزل أربع من الفالكيري في الظلام للبحث عن آجا. البقية يحرسون القائدة ويراقبون التلال. “علينا نقله جواً إلى الأبراج. إلى مشعوذتكم”، أقول بلغتهم.
لم تنظر إليّ سيفي. “لقد فات الأوان”، يقول راغنار والثلج يتجمع على لحيته. “دعوني أموت هنا. فوق الجليد. تحت السماء البرية”، يتابع.
“قد يكونون آكلي لحوم البشر”، تقول موستانغ بخصوص تشتت انتباه آجا. “هل يمكنه التحرك؟”، تسأل. “لا”، أقول بوهن. تنظر إليه، وهي أكثر تماسكاً مني. “لا يمكننا البقاء هنا”، تقول.
“لا، يمكننا إنقاذك”، أتمتم.
أتجاهلها. لقد شاهدت الكثير من الأصدقاء يموتون ولن أترك راغنار يرحل. أنا من قدته لقتال آجا. أنا من أقنعه بالعودة إلى وطنه. لن أدعه ينزلق مني؛ فأنا مدين له بهذا القدر. وإن كان هذا آخر عمل أقوم به، فسأدافع عنه. سأجد طريقة لعلاجه، سأوصله إلى طبيب من الصفر، حتى لو جاء آكلو لحوم البشر، وحتى لو كلفني ذلك حياتي، فلن أتركه. لكن التفكير لا يجعل الأمر حقيقة، ولا يمنحني قوى سحرية. فمهما كانت الخطط التي أضعها، يبدو أن العالم عازم على إفسادها.
بدا العالم بعيداً. استمرت دماؤه في الخروج، لكن الحزن فارق صديقي؛ لقد طردته سيفي. “ليس الموت أمراً عظيماً”، يقول لي. “ليس لمن عاش حقاً”، يضيف. يبتسم محاولاً مواساتي، لكن وجهه يحمل ظلم حياته. “أنا مدين لك بذلك. ولكن هناك الكثير مما لم يكتمل. سيفي”، يقول. يبتلع ريقه بصعوبة. “هل وجدكِ رجالي؟”، يسأل. أومأت سيفي برأسها وشعرها الأبيض يتطاير. ينظر إليّ ويقول بلغة الذهبيين: “دارو، أعلم أنك تعتقد أن الكلمات ستكفي، لكنها لن تفعل. ليس مع أمي”. كان هذا هو الرعب الذي يحمله؛ لقد عاد ليقتل أمه، والآن يمنحني الإذن بذلك. نظرت إلى موستانغ؛ لقد سمعت ذلك أيضاً وبدا الحزن على وجهها. يرتجف من الألم، فتسحب سيفي سكيناً من حذائها لتنهي معاناته. يهز راغنار رأسه لها ويومئ إليّ؛ يريدني أنا أن أفعل ذلك. أهز رأسي رافضاً الكابوس، فتنظر إليّ سيفي بحدة لتنفيذ رغبته.
يخلع الراكبون الآخرون خوذاتهم ويترجلون بسرعة حين يرون لون شعرنا وأعيننا. لم يكن بينهم رجل واحد. وجوه النساء مرسومة ببصمات يد زرقاء، وفي وسط كل منها عين صغيرة. شعرهن الأبيض ينسدل في ضفائر طويلة، وأعينهن السوداء تطل من تحت أجفان غائرة. ثقوب من الحديد والعظم تزيّن أنوفهن وآذانهن. وحدها القائدة لم تخلع خوذتها أو تركع، بل تقدمت نحونا كأنها في غيبوبة.
“سأموت مع أصدقائي”، يقول راغنار. أترك نصلي ينزلق في يدي ببلادة، وأضعه فوق صدره. يستقر السلام في عيني راغنار. “سأبلغ ‘إيو’ حبك. سأبني لك منزلاً في الوادي، بجانب منزلي. انضم إليّ هناك حين تموت”، يقول. يبتسم قائلاً: “لكني لستُ بناءً، لذا خذ وقتك. سننتظر”.
رحلت آجا. الهوة عميقة، وجوانبها تضيق مبتعدة في الظلام. أهرعُ عائداً إلى راغنار بينما تنظر موستانغ إلى سفوح التلال والغيوم، وقوسها في وضع الاستعداد. لم يتبقَّ معها سوى ثلاث سهام. “لا أرى شيئاً”، تقول.
أومئ برأسي كأنني أصدق وجود الوادي. “شعبك سيكون حراً”، أقول. “أعدك بهذا بحياتي. وسأراك قريباً”، أضيف. يبتسم وهو ينظر للسماء. تضع سيفي فأسها في يده ليموت كمحارب وسلاحه معه.
أرقد بسلام أيها البطل.
“لا يا سيفي”، يقول وهو يسقط الفأس ويقبض على الثلج بيد وعلى يدها بالأخرى. “عيشي لأجل ما هو أكثر”، يتابع. ثم يومئ لي.
“الحاصد…”، يتمكن راغنار من القول ثانية. “وفر قوتك يا صديقي. سنحتاجها كلها لإخراجك من هنا”، أقول. “كانت سريعة. سريعة جداً”، يقول. “لقد رحلت الآن”، أقول، رغم أنني لا أستطيع التأكد. “لطالما حلمت بميتة صالحة”، يقول وهو يرتجف لإدراكه أنه يحتضر. “هاته لا تبدو كذلك”، يضيف.
الرياح تعصف، والثلج يتساقط.
لم تنظر إليّ سيفي. “لقد فات الأوان”، يقول راغنار والثلج يتجمع على لحيته. “دعوني أموت هنا. فوق الجليد. تحت السماء البرية”، يتابع.
يراقب راغنار السماء، بينما أغرز المعدن في قلبه. يأتي الموت كحلول الليل، ولا أعرف متى يفارقه الضوء ويتوقف قلبه عن النبض. لكني أعلم أنه قد رحل. أشعر بذلك في البرودة التي تغطيني، وفي صوت الريح، وفي السكون الذي يتخلل عيني سيفي الصامتة.
كلماته تسبب غصة في حلقي. “لا بأس”، أقول بصوت مختنق. “سيكون كل شيء بخير بمجرد تضميد جراحك. ميكي سيعالجك بشكل صحيح. سنوصلك إلى الأبراج ونطلب الإخلاء”، أتابع.
لقد غادر صديقي وحامِيّ، راغنار فولاروس، هذا العالم.
أرقد بسلام أيها البطل.
……
رحلت آجا. الهوة عميقة، وجوانبها تضيق مبتعدة في الظلام. أهرعُ عائداً إلى راغنار بينما تنظر موستانغ إلى سفوح التلال والغيوم، وقوسها في وضع الاستعداد. لم يتبقَّ معها سوى ثلاث سهام. “لا أرى شيئاً”، تقول.
أرقد بسلام أيها البطل.
الرياح تعصف، والثلج يتساقط.
“دارو…”، تقول موستانغ. يرمش راغنار بشدة وهو ينظر إليّ محاولاً تركيز بصره. يمد يده نحو السماء. “سيفي…”، يقول. “لا، هذا أنا يا راغنار. إنه دارو”، أقول. “دارو…”، تنادي موستانغ بحدة. “ماذا؟”، أصرخ بها.

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!