الفصل 338. الموسم 2: عصي على العبور (2)
شبهت المدرسة بالبيضة، والطلاب بفراخ لم تفقس بعد؛ وبالنسبة لتلك الفراخ، كانت قشرة البيضة تمثل العالم بأسره. غير أن على الجميع كسر تلك القشرة في النهاية؛ وسواء رغبوا في ذلك أم أبوا، فستتصدع البيضة من تلقاء نفسها حين يحين الأوان، معلنة انهيار كل ما ألفوه.
في بعض الأحيان، يضطر الصغار الذين ولدوا في أزمنة قاسية لكسر القشرة بأنفسهم؛ وتلك هي الأزمنة العصيبة التي هلك فيها أغلب الأحياء، وتحول من رفض الموت إلى أطياف هائمة.
توجب على الفراخ تحطيم العالم الذي عرفوه، وهم يقفون فوق تلال من الجثث التي لم تقتصر على الزومبي؛ ولعل هؤلاء الفتية باتوا أكثر نضجًا من البالغين أنفسهم.
قرروا كسر القشرة بإرادتهم والولوج إلى عالم مغاير؛ فكانت تجربة مفعمة بالرهبة، وممزوجة بإثارة غامضة.
“لا بد من وجود ناجين آخرين بالخارج،” تردد صوت مشحون بهذين الشعورين معًا.
كان ذلك جي دوهون الذي قاد المسار في المقدمة.
“لا يمكن أن نكون الوحيدين في هذا العالم الفسيح،” ارتجف صوته بمزيج من التوتر والحماس، ممتلئًا بالأمل والخوف في آن واحد.
“أجل.”
أومأ الطلاب الذين يتبعونه برؤوسهم موافقين.
“بالتأكيد؛ لا بد من وجود آخرين،” أيدهم آلموند بنبرة هادئة.
صمدوا طوال تلك المدة داخل أسوار المدرسة؛ ولولا صراعاتهم الداخلية، لربما نجا عدد أكبر بكثير. والعالم الخارجي أوسع بمراحل من الحرم المدرسي، فلا بد من وجود بشر أحياء.
‘لكن هل يمكن الوثوق بهم؟’
يمثل لقاء الغرباء في كارثة الزومبي نعمة كبرى وأعظم خطر يهدد البقاء في آن واحد. هؤلاء الطلاب الذين يرافقونه صفقوا وهتفوا بحرارة حين صرع المتنمرين، ويشاطرونه التوجس ذاته على الأرجح.
“هل تذكرون القاعدة الأولى؟”
“أجل، يُحظر جلب أي شخص غريب للمدرسة تحت أي ظرف.”
استحضروا أهم قاعدة أمان، وواصلوا تقدمهم الحذر للأمام.
←↓↑→
باتوا الآن خارج أسوار المدرسة.
حفيف ريح.
هبت نسمات هواء منعشة، غير أن المشهد المحيط اتسم بالوحشة والخراب؛ فقد خلت طريق المدرسة التي اعتادت الصخب من أي مظهر للحياة. انهارت خيام السوق الشعبي الواقع خلف المدرسة وتناثرت حطامًا؛ وتحطم زجاج متجر الأدوات المدرسية بالكامل واسودت جدرانه الداخلية، فهل أشعل أحدهم نارًا هناك؟
ابتلاع ريق.
تجرع دوهون ريقه بصعوبة في المقدمة، حتى أن آلموند التقط صوت بلعه بوضوح.
— لا يوجد أحد في الأرجاء…
— مشهد كئيب للغاية…
— خراب يبعث على الحزن؛
تفاجأ المشاهدون بدورهم من كآبة المنظر المهجور، وتوالت تعليقاتهم المتأثرة.
“يا رفاق، هناك أمر مريب حقًّا…”
توقف مفاجئ.
توقفت سو يوجونغ، الفتاة الوحيدة في فرقة الاستكشاف، عن السير فجأة؛ وكان موقعها في قلب التشكيل، مما منحها زاوية الرؤية الأوسع بين الجميع.
“… لا أثر لأي زومبي في الطريق أيضًا.”
التزمت بمهمتها الاستطلاعية بدقة، فرصدت مصدر الريبة الذي غفل عنه البقية.
“!”
جفل كافة الطلاب فور إدراكهم لصحة ملاحظتها؛ وكانت يوجونغ الأكثر ذعرًا بينهم.
“غـ… غياب البشر أمر وارد، لكن لماذا تخلو الشوارع من كائنات الزومبي بالكامل…؟”
ارتجفت ساقاها الشاحبتان قليلًا من التوجس.
[قلق]
“تفسيري في الغالب هو الصواب،” علق لي غيلسو الذي تولى تأمين المؤخرة؛ تمتع ببنية رشيقة ونحيفة جعلته مثاليًّا لمهمة الحراسة الخلفية. “قضينا على كافة كائنات الزومبي التي تجمعت في كل مرة أحدثنا فيها ضجيجًا بورشة البناء.”
“أتعتقد ذلك حقًّا…؟”
بدا تفسيره منطقيًّا ومحتملًا؛ وربما أصاب كبد الحقيقة بنسبة سبعين بالمئة، غير أن أحدًا لم يملك إجابة حاسمة ومؤكدة.
طمأن آلموند يوجونغ بهدوء: “لا خيار أمامنا سوى المضي قدمًا لنتحقق بأنفسنا.”
“… جوهيوك، ألست خائفًا على الإطلاق؟” التصقت يوجونغ به وتطلعت إليه بعينين ترتعدان في رجاء.
— هاه؟
— هل تميز الشخصيات المستقلة ملامح الوجه الوسيم أيضًا؟ الأجواء مريبة ومضحكة!
— تخاف الفتاة وهي برفقة صائد الزعماء بمضرب الغولف؟
— بدأ مسح الوجه (Face ID) مجددًا، ههههه!
— تفعيل بصمة الوجه الفورية!
أبعد آلموند نفسه ببرود حازم عن يوجونغ التي حاولت الاستناد عليه؛ فالقائد الحقيقي لا يُظهر محاباة لفرد دون بقية فريقه.
“أنا خائف؛ خائف من البقاء محاصرين حتى نتضور جوعًا داخل المدرسة.”
“!”
— هههههه!
— خبير رسم الحدود الصارمة بلا منازع!
— تلك النظرة الحازمة مذهلة!
“علينا التقدم للأمام،” كرر آلموند عبارته مشددًا على كل كلمة بنبرة واضحة وحاسمة.
أومأ الطلاب برؤوسهم واستداروا للأمام مستأنفين المسير.
كلما توغلوا أكثر، لاحظوا أن المتاجر لم تدمر أو تحترق بأسرها؛ وعلى الأقل، خلت واجهاتها الخارجية من علامات النهب أو الاقتحام الهمجي.
ابتعدت فرقة الاستكشاف لمسافة تعادل محطة حافلات واحدة عن المدرسة، حين أثارت يوجونغ نقطة لافتة أخرى.
“… أوه، متجر وجبات خفيفة؟ يبدو سليمًا تمامًا.”
أشارت نحو مطعم دوكبوكي بدا دون أضرار تذكر.
“ألا يجدر بنا جمع بعض الأطعمة من هناك؟”
مثل جمع المؤن أحد الأهداف الجوهرية للفرقة؛ فرسم مسار نحو الملجأ أمر عظيم، لكن توفير الغذاء يظل الأولوية القصوى.
اعترض غيلسو على الفور: “وهل يعد ذلك طعامًا جاهزًا؟ إنه يحتاج إلى طهي؛ متجر الشطائر سيكون أفضل بكثير.”
“وهل تعتقد أن مكونات الشطائر ظلت طازجة حتى الآن؟ بينما كعك الأرز مجمد وممزوج بالصلصة، وحتى السجق وفطائر السمك مجمدة وتدوم طويلًا.”
“وكيف ستطهين ذلك هنا في الشارع؟ هل سنفتتح كشك وجبات خفيفة…؟”
“مهلًا، يا رفاق؛ علينا الالتزام بخطة الاستكشاف الموضوعة، فلمَ الجدال؟” قاطعهم كيونغهو، أضخم الطلاب جثة بحضوره الشبيه بالدبابة ودروعه الثقيلة.
“صحيح، قائد الفرقة هو من يحسم القرار.”
“أجل، القرار للقائد.”
في النهاية، شخصت أبصار الجميع صوب آلموند طلبًا للحسم؛ فالقرار النهائي منوط به كقائد للمجموعة. أخذ آلموند يفكر ويوازن الأمور بعناية.
‘اندلعت الكارثة مباشرة بعد فترة الغداء.’
وقع الهجوم الأولي للزومبي في المدرسة عقب وجبة الغداء أثناء حصة التربية البدنية.
‘إذن فالمكونات ستكون مجهزة سلفًا…’
في ذلك الوقت، كان متجر كعك الأرز يستعد غالبًا للفترة المسائية التي تشهد إقبالًا أكثف من الغداء؛ فماذا حدث لمالكه؟ هل تحول إلى زومبي؟ وهل لا تزال الثلاجة تعمل؟
سأل غيلسو عن الطهي، غير أن منطق يوجونغ حمل وجاهة معتبرة؛ فمكونات كعك الأرز مجمدة وتدوم طويلًا ويسهل إعدادها إن توفر الغاز، كما أن فطائر السمك شبه جاهزة للأكل، ولكن…
“سنتفقد المتجر في طريق عودتنا؛ فلسنا مضطرين لحسم الأمر الآن.”
فضل آلموند تأجيل القرار في الوقت الحالي.
“حسنًا، هذا معقول.”
فالموقع قريب من الحرم المدرسي، ويمكن للطلاب الباقين الخروج لجلبه إن اقتضت الحاجة.
“رغم ذلك، فلنسجل ملاحظة بالمحادثة: متجر كعك أرز يمثل مصدرًا غذائيًّا محتملًا.”
“مفهوم.”
أومأ غيلسو راضيًا، بينما زمّت يوجونغ شفتيها خيبة؛ فلم يكن هناك بديل عن تقديم أولوية الاستكشاف الأبعد في اليوم الأول. واصلوا السير متجاوزين محطة الحافلات المعتادة، ثم أقرب محطة قطار أنفاق.
قطعوا مسافة تعادل ثلاث محطات حافلات تقريبًا دون أن يصادفوا زومبي واحدًا في مسارهم؛ وغادروا المنطقة التجارية دالفين إلى منطقة سكنية تعج بالمجمعات السكنية الشاهقة.
“…”
شرد ذهن آلموند وهو يرمق تلك المباني الشاهقة المتراصة.
‘أيعقل ألا يوجد ناجٍ واحد بين كل هذه البيوت والشقق؟’
ظهرت مئات الشقق السكنية، ومع ذلك لم يشتعل مصباح واحد بنافذة؛ وربما لم يبرمج المطورون داخل تلك الشقق أصلًا لكونها لعبة تجريبية.
“أوف…”
ارتجفت يد دوهون وهو يتقدم الصفوف؛ فالقيادة في المقدمة تثير التوتر والقلق.
وقفوا عند ممر مشاة فسيح، وعبروه تاركين المسار المدرسي المألوف نحو المجهول.
“…”
“لا يوجد أحد.”
“فلنعبر.”
اقترح دوهون انتظار الإشارة الخضراء، غير أن أحدًا لم يلتفت لملاحظته الساذجة؛ وشرعوا جميعًا بقطع الطريق الفارغ بحذر.
“لا توجد سيارة واحدة مارة.”
“باستثناء السيارات المصطفة على الجانبين… لا شيء يتحرك.”
في المعتاد، يتوقع المرء رؤية سيارات مهجورة ومصطدمة بالشارع في عوالم الكوارث، غير أن الطريق خلت تمامًا. وحين قطعوا ثلثي ممر المشاة…
هدير محرك!
تردد صوت محرك ديزل خشن ومزمجر من مسافة بعيدة.
“!؟”
تجمد الطلاب واتسعت أعينهم دهشة وفزعًا.
“مـ… ما هذا الصوت؟”
“سيارة قادمة؟”
راودتهم رغبة فطرية في الاستغاثة بركاب السيارة، لكن ماذا لو كانوا قطاع طرق؟ هل يهربون؟ وهل يملكون وقتًا كافيًا للفرار؟ شلت المفاجأة تفكيرهم.
“اركضوا واختبئوا فورًا!” صاح غيلسو من الخلف، مرجحًا الالتزام بقواعد النجاة الصارمة.
وافق الجميع دون تردد؛ ودون أدنى كلمة إضافية، اندفعوا جميعًا واختبأوا تحت الشجيرات الكثيفة المحاذية لصف الأشجار عبر الشارع. خدشت مرافئهم وتمزقت ركب سراويلهم فوق الحصى، غير أنهم لم يبالوا؛ فالخوف من صوت المحرك المقترب طغى على أي ألم جسدي.
“هااه… هااه…”
بانت وجوههم المشدودة من بين ثنايا الشجيرات وهم يلتقطون أنفاسهم اللاهثة في صمت خانق.
‘إنها تقترب.’
قرقرة محرك ثقيل.
تباطأت سرعة المحرك مع اقترابه من المفترق؛ وانعطفت شاحنة بيك آب ضخمة من خلف المنعطف. تعد هذه المركبة شائعة للغاية في الضواحي ومثالية للبقاء في تلك الأزمنة القاسية؛ وتمركز في حوضها الخلفي المفتوح عدة رجال مفتولي العضلات لا توحي ملامحهم القاسية بأي ود أو أمان.
صوت فرامل خافت.
توقفت الشاحنة تمامًا عند ممر المشاة؛ فهل توقفت احترامًا للإشارة الحمراء؟
حفيف ريح.
حملت نسمات الهواء كلماتهم بوضوح إلى مخبأ الطلاب.
“لماذا توقفت فجأة؟”
“ظننتُ أنني سمعتُ جلبة بالقرب من هنا.”
“؟”
تجاذب الرجال في الشاحنة أطراف الحديث.
“هل سمعتَ شيئًا حقًّا؟”
“ربما كانت مجرد ريح تعصف بين الشجر؟”
“كلا، ليس الأمر كذلك تمامًا…”
أشار رجل جالس في الحوض الخلفي بيده نافيًا توجس السائق:
“لعل صوت المحرك العالي خدع سمعك لا أكثر.”
“لكن الصوت بدا شبيهًا بحركة أناس يركضون…”
“مجرد طيور فزعة غالبًا؛ وحتى لو كانوا بشرًا، فماذا عسانا نفعل لهم؟ أمامنا مسافة طويلة وطريق شاق لنقطعه.”
أخذ آلموند يفكر بعمق في تلك اللحظة الحرجة.
‘هل يجدر بنا الاستيلاء على شاحنتهم؟ سيسهل ذلك مهمتنا كثيرًا.’
بوسعه مباغتتهم وإسقاط السائق ومن بالحوض الخلفي بسهولة؛ فالقوس سلاح صامت وفتاك، لا سيما مع هذا القوس المركب المتطور. يستطيع تصفيتهم في لمح البصر؛ والرجال يجهلون موقعهم تمامًا ولا يبدو أنهم يحملون أسلحة بعيدة المدى.
‘كلا، هذا تصرف غير صائب.’
قد يكون الهجوم وسرقة الشاحنة أمرًا طبيعيًّا في ألعاب العالم المفتوح المعتادة، غير أن شخصيات اللعبة المستقلة (NPCs) لن تتعاون معه في الاعتداء على أناس محايدين لم يبادروا بالعداء.
كأنما جاء القرار إشارة حاسمة، تحركت الشاحنة مجددًا ومضت في سبيلها مبتعدة.
“هااه… هااه…! كدتُ أختنق من شدة حبس أنفاسي.”
“نجونا بأعجوبة كبرى.”
أطلق الطلاب زفرات ارتياح واستلقوا فوق العشب لبرهة مهدئين عضلاتهم المشدودة؛ وهبت عاصفة ريح حركت أوراق الشجر الخضراء كجوقة تعزف في سكون المكان.
فجأة، التقطت حواس آلموند المرهفة صوت تمزق خافت للغاية وسط حفيف الشجر؛ فاستدار بسرعة فائقة، ثم تسمر في مكانه مذهولًا.
“… أين يوجونغ؟”
اختفت الفتاة تمامًا دون أثر! بهت الطلاب وراحوا يتلفتون حولهم في رعب وتخبط.
تمتم غيلسو بريبة: “هل عادت لمطعم الوجبات الخفيفة؟”
“كلا، لا بد أنها تختبئ في مكان قريب.”
في تلك اللحظة الخاطفة، انفتحت فجوة نافذة في صدر غيلسو ممزقة جسده! تطلع نحو جسده المثقوب بذهول شاحب.
“أوه…؟”
تسلل شيء أسود لزج خارجًا عبر الفجوة المتفجرة؛ وتلوى بمرونة مطلقة صادرًا نبرة صفير حادة، فأخذ جسد غيلسو ينكمش ويهوي كبالون ضخم يفرغ منه الهواء بسرعة مروعة.
“أوووغ… كـ… كح…!”
شحب وجهه كرماد الموتى؛ وفي الحقيقة، شحبت وجوه الجميع رعبًا وهلعًا.
“مـ… ما هذا بحق السماء؟!”
“غيلسو! غيلسو؟! ما هذا الشيء اللعين؟!”
تقلصت أحداق عيونهم رعبًا وهي تتبع ذلك الخرطوم الأسود الطويل المغروس في غيلسو، والممتد صعودًا نحو قمة شجرة باسقة عملاقة؛ وهناك، رأوا الكائن الذي يملك ذلك الخرطوم… أو بالأحرى، ذلك اللسان المميت.
“!”
اجتاح الذعر الشامل الجميع.
‘يهاجم دون أن يصدر أدنى صوت مسموع؟!’
لم يكن آلموند استثناءً من تلك الصدمة.
[ذعر]
[تنخفض كافة السمات والقدرات بنسبة 90%. ستفقد الوعي إن استمرت هذه الحالة لأكثر من 30 ثانية.]
‘هذا خطر داهم.’
غير أن الموقف سرعان ما انقلب لصالحه…
[المسؤولية ← روح القتال]
[أُزيلت كافة الحالات السلبية بالكامل. سترتفع كافة سماتك بنسبة 20% لمدة 30 ثانية.]
كان موقعه كزعيم يختلف تمامًا عن بقية فريقه!
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.