ويززش! جاءت هيئة تندفع عبر الهواء. لم تكن سوى الوحش العجوز فنغ، الذي أحسّ بالاضطراب.
كانت سرعته مذهلة وهو يقترب بسرعة.
وقد تغيّر مظهره تغيرًا جذريًّا. فلم يعد يبدو إنسانًا. نبتت من ظهره أجنحة نسر، وغطّت جسده حراشف ثعبان، وارتفعت من رأسه قرون أيّل، وانتفض خلفه ذيل فهد. ومع أن ملامح وجهه بقيت، فقد التوت إلى شيء مشوّه مرعب.
وعند رؤية هيئة الوحش العجوز فنغ البشعة، شحب كثير من المزارعين صدمةً، مذعورين وعاجزين عن التمييز بين كونه إنسانًا أو شيطانًا.
وما لم يعرفوه أن هذه كانت إحدى تقنيات الوحش العجوز فنغ السرية في الخياطة. فمنذ بداية زراعته، دمج أجزاء من شياطين في جسده، وصاغ نفسه إلى جسد شيطاني.
ومع تقدم زراعته وبلوغه عالم الرضيع الروحي، تحوّلت الأجزاء الشيطانية المدمجة فيه هي الأخرى، مما جعل ذلك الجسد الشيطاني أقوى.
كان اسمه الحقيقي فنغ شيوغان، ولهذه التقنية السرية تحديدًا نال لقب الوحش العجوز.
وبعد التحول إلى جسده الشيطاني، بدا الوحش العجوز فنغ كأنه اكتسب طبقة إضافية من الوحشية. وصارت عيناه شرستين، وانسكبت منه نية قتل طاغية وهو يحدّق بثبات في تشيو هوان.
“إن جسد الوحش العجوز فنغ الشيطاني يزداد غرابة. وقوته هائلة، لكنه على الأرجح دمج الكثير من النفايات في لحمه، ولهذا عجزت زراعته عن التقدم كل هذه السنين. ولا عجب أنه ابتلع كل هذا العدد من حبوب الأصل الذابل. ولسوء الحظ، سيتعين عليه الآن سداد كل ثمنها.” راقب تشيو هوان الوحش العجوز فنغ وهو يندفع أقرب وأطلق ضحكة خافتة، ونبرته مليئة بالسخرية.
وحتى وهو على وشك أن يحاصره مزارعان من الرضيع الروحي، لم يُظهر أي خوف، وبدا واثقًا تمامًا.
ومضت في عيني الداوي تشي لمحة شك. فحدّق في تشيو هوان لحظة، ثم صاح في سرّه فزعًا. ورفع يده فجأة وأطلق ظل مخلب.
انقضّ ظل المخلب مباشرة على تشيو هوان دون تردد. وحيثما مرّ، التوى الهواء بعنف. وكان يشع حرارة لافحة، متوهجًا بحمرة نارية في كل جزء منه، كأن حممًا منصهرة تجري في داخله.
اجتاحت الأمام ريح محرقة. ولم يجرؤ تشيو هوان على مواجهة المخلب وجهًا لوجه فتراجع بسرعة.
واختفى الوحش العجوز فنغ، الذي كان يقترب بسرعة، في الهواء. وفي اللحظة التالية، ظهر فجأة خلف تشيو هوان، ورفع مخالبه المدموجة بوحوش شيطانية مجهولة، وغرزها بوحشية في جسد تشيو هوان!
مزّق! انتزعت مخالبه الحادة عمودًا فقريًّا بعنف.
فقدت عينا تشيو هوان بريقهما في الحال. وتصلّب جسده، ثم مزّقه الوحش العجوز فنغ إربًا في مكانه.
وللحظة، تطايرت قطع اللحم والعظام المحطمة في كل مكان.
وبكل المظاهر، كان تشيو هوان ميتًا لا أمل في إنقاذه. ومع ذلك لم يبدُ الفرح على الوحش العجوز فنغ ولا على الداوي تشي. بل ارتفع الغضب في كليهما.
“همف!” فتح الوحش العجوز فنغ فمه وبصق كتلة من الضوء الأسود، اجتاحت أشلاء جثة تشيو هوان، ومعها سمّ اللاشكلي العالق في الفراغ. ثم قفز جسده الشيطاني قفزة خفيفة، سريعًا رشيقًا كفهد صائد، وهبط فوق سور المدينة وهو يحدّق بثبات في مصفوفة اللوتس.
وفي تلك اللحظة، هبطت هيئة بعد هيئة من السماء، تستقر بجانبهم. كانوا مزارعي الرضيع الروحي الآخرين الذين عادوا.
لقد فقدوا أثر الشيطان العجوز يي. وكان تسانغهونغ والجنية تشيوتشي لا يزالان يملكان القوة لمواصلة مطاردته، أما الآخرون فلم يكن بوسعهم سوى العودة.
ومثل الوحش العجوز فنغ، عادوا خالي الوفاض وأخفقوا في اعتراض الجسد الحقيقي لتشيو هوان.
“والكارثة تلوح فوق رؤوسكم، ومع ذلك ما زلتم تتآمرون وتتقاتلون فيما بينكم. جماعة من الحمقى عميان لا يرون الموت قادمًا!” دوّى ضحك تشيو هوان المتعجرف من خارج المدينة.
وتبيّن أن تشيو هوان كان قد أعدّ طريق تراجع قبل أن يتحرك. وحين أخفق هجومه الخاطف على الداوي تشي، أحسّ فورًا بأن ثمة خطبًا وفرّ بحسم من مدينة يو.
ولحسن حظه أنه تصرف بسرعة كافية. فلو كان أبطأ لحظة واحدة، لحاصره مزارعو الرضيع الروحي. ومهما بلغت قدرته، كان الهرب سيصبح مستحيلًا.
صاح تشيو هوان بجنون ظافرًا.
“اقتلوه!” استشاط الجميع غضبًا. وطارد عدة منهم خارج المدينة على الفور، ومنهم الوحش العجوز فنغ.
كان تشيو هوان يعرف الكثير من أسرار هاوية الخطيئة. وإن علم تحالف النطاقين كل التفاصيل الداخلية منه، فستوضع هاوية الخطيئة في موقف سلبي للغاية.
وكان الداوي تشي أشد شعورًا بالإهانة والغضب.
فقد قلبت خيانة الشيطان العجوز يي وحملته الدموية الوضع رأسًا على عقب، وجلبت هاوية الخطيئة إلى أحرج لحظاتها. وفي ظروف كهذه، لا يمكن التسامح مع الخونة بأي حال.
لقد نصبوا فخًّا صغيرًا فحسب، فاستدرجوا على غير المتوقع خلدًا رفيع الرتبة، ثم تركوه يهرب.
“لقد أخفى الرجل الذي يحمل لقب تشيو نفسه طويلًا وارتقى عاليًا. وهذا وحده دليل على مدى دهائه. ولم يكن إبقاؤه هنا سهلًا قط. وكشف الخائن نجاح في حد ذاته. أيها الداوي تشي، لا تقلّل من شأن نفسك. رتّب دفاعات المدينة بسرعة وثبّت المعنويات. وإن وقفنا متحدين، استطعنا تجاوز هذه الأزمة!” تقدمت مزارعة جميلة وواست الداوي تشي بصوت لطيف.
أومأ، وهدأ تعبيره، ثم سأل بدوره: “ألم يعد الداوي تسانغهونغ والجنية تشيوتشي؟ أما زلتم قد أخفقتم في القبض على الشيطان العجوز يي؟”
أظلم تعبير المرأة وتنهّدت. “حتى وهو مصاب إصابة بالغة، كانت سرعة هرب الشيطان العجوز يي تفوق سرعتنا بكثير. وسرعان ما تُركنا خلفه. وفوق ذلك، عانى عدة رفاق داويين من ارتداد متفاقم لم يعودوا قادرين على كبحه. وخشية أن يستغل الشيطان العجوز يي تلك الثغرة، أمرنا الداوي تسانغهونغ بالعودة بينما يواصلان المطاردة.”
وبينما كانت تتكلم، انتقلت نظرتها نحو عدة مزارعي رضيع روحي يجلسون قريبًا في تأمل. وبرز بينهم شاب وسيم أكثر من غيره.
كان شعره ولحيته السوداوان تبيضّان على نحو ملحوظ، بينما تنتشر التجاعيد تدريجيًّا على وجهه. وفقدت بشرته بريقها، وفي هذا الوقت القصير، بدا كأنه شاخ عقودًا.
وخلال العملية، تذبذبت هالته بعنف، بينما كانت طاقته وجوهره وروحه كلها تضعف باطراد.
وكانت حالاتهم تشبه الارتداد الذي أصاب الوحش العجوز فنغ سابقًا، وإن اختلفت الشدة من شخص لآخر.
ومع أنه شهد من قبل الوحش العجوز فنغ وهو يعاني الارتداد، فإن رؤية مشهد كهذا مرة أخرى جعلت شعر الداوي تشي يقف. وشكر الحظ في سرّه لأنه لم يتناول قط حبة الأصل الذابل.
“إلى أين يحاول الشيطان العجوز يي الفرار بالضبط؟” ثبّت الداوي تشي نفسه وواصل الضغط.
“قبل أن نعود، رأينا الشيطان العجوز يي يطير إلى ندبة السماء. وإن لم يحدث شيء غير متوقع، فوجهته ينبغي أن تكون أطلال الهاوية،” قالت المرأة بجدية.
“أيمكن أن…” ومضت في ذهن الداوي تشي لمحة إدراك، وامتلأ وجهه بالصدمة. “هل يستطيع فتح قصر إله الخطيئة؟”
فمنذ اكتشاف قصر إله الخطيئة، ظل متزامنًا دائمًا مع قصر زيوي.
ومن المؤكد أن هذا ليس وقت ظهور قصر زيوي، إلا إن كان الشيطان العجوز يي ينوي فتح قصر إله الخطيئة بالقوة.
“جذر كل هذا بدأ مع ذلك الوحش الشيطاني الذي قتله الشيطان العجوز يي والداوي تسانغهونغ معًا داخل قصر إله الخطيئة. ومع أنني لا أستطيع فهم كيف أنجز الشيطان العجوز يي كل هذا، ولا ما ينوي فعله، فإن كل ما فعله مرتبط بلا شك بقصر إله الخطيئة. وفهمه له يفوق فهم الجميع.” بدا أن المرأة تذكّرت شيئًا، ومضت على وجهها لمحة أسف.
“الشيطان العجوز يي مصاب إصابة بالغة. وبعد ارتكاب أفعال وحشية كهذه، فإن الفرار إلى قصر إله الخطيئة هو وحده ما يمكن أن ينجّيه. وبما أنه تجرأ على فعل هذا، فلا بد أنه كان يخطط لذلك منذ زمن بعيد جدًّا وكان واثقًا من هروبه. ويا للأسف أننا جميعًا كنا مغشيّين. فعلى مدى سنين كثيرة، لم نلاحظ شيئًا على الإطلاق.”
وبين السطور، كان واضحًا أنها لا تعتقد أن تسانغهونغ قادر على إيقاف الشيطان العجوز يي.
وإذ أحسّ الداوي تشي بقلقها، طمأنها: “هذه لا تزال تخميناتنا فحسب. فقد لا يملك الشيطان العجوز يي وسائل متحدية للسماء كهذه. وسيرسل الداوي تسانغهونغ خبرًا قريبًا. وفي الوقت الحالي، يبقى الإبقاء على مدينة يو هو الأهم.”
***
وفي هذه الأثناء، كان تشين سانغ والآخرون يشقون طريقهم عبر المصفوفة.
وفي داخل المصفوفة، شكّلت كل بتلة من بتلات اللوتس طبقة من الحاجز. ولدخول مدينة يو، كان عليهم اختراق طبقة تلو طبقة من الحواجز.
وبحلول ذلك الوقت، كانوا قد أدركوا مدى فراغ مدينة يو. وكانت هذه فرصة تأتي مرة كل ألف عام. فلم يتحفظ أحد بعد الآن. وأطلق كلٌّ منهم أعظم قدراته، وفي وقت قصير جدًّا، كانوا قد اخترقوا بالفعل نصف الحواجز.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.