الفصل 339 الصراحة
نظر شانغ جيانياو في عيني تشاو شورن، ومسح ذقنه وسأل: «ربما ليسوا غرباء. من جاء من خارج الضيعة في الأشهر الماضية؟»
هز تشاو شورن رأسه مجددًا. «لا أحد. باستثناء بضعة تجار يبيعون الحاجات اليومية ويأتون بانتظام، لم يأتِ أحد من الخارج.» توقف لحظة وسأل بحيرة: «لماذا تسأل؟»
أجاب شانغ جيانياو بإخلاص: «حب القيل والقال جزء من طبيعة البشر.»
«ماذا؟ القيل والقال؟» من الواضح أن تشاو شورن لم يعرف المقصود بهذه العبارة.
ولأن مظهر شانغ جيانياو من أهل أراضي الرماد، استخدما بطبيعة الحال لغة أراضي الرماد في حديثهما.
كان شانغ جيانياو يوشك أن يشرح بجدية معنى القيل والقال ويوضح المقصود، حين لوّح تشاو شورن بيده وقال: «لنتوقف عن الدردشة. نتحدث في الخارج، فهذا المكان لا يناسب الكلام.»
في غرفة صغيرة كهذه، جعل البخار التنفس صعبًا. وضغطت الحرارة العالية على كل جزء من الجسم، فأدارت الرأس وأثقلت الصدر. لم يكن المكان مناسبًا للدردشة فعلًا.
أغلق شانغ جيانياو فمه بأدب، وكان يغرف الماء أحيانًا ليصبه على الحجر المحمر من الحرارة.
استمع الاثنان بصمت إلى الفحيح، كأنهما يتنافسان على من يبقى أطول في هذه البيئة.
بعد فترة، مسح تشاو شورن جبينه ونهض مترنحًا. «لم أعد أحتمل. سأُغمى عليّ إن بقيت أكثر.»
ابتسم شانغ جيانياو. «لنخرج إذن.»
فتح تشاو شورن باب غرفة البخار، وسار إلى حوض ساخن غير بعيد.
تبعه شانغ جيانياو عن قرب وقلده. فك المنشفة عن خصره، وانزلق إلى الماء ليغسل مختلف الأحاسيس التي تركها «التبخير».
بعد دقيقة أو دقيقتين فقط، نهض تشاو شورن وانتقل إلى الحوض البارد بجوارهما.
أطلق فحيحًا، والتوى وجهه بشدة. لكن مع اعتياده حرارة الماء، استرخت عضلات وجهه تدريجيًا، وبدا أنه استعاد نشاطه.
أخذ تشاو شورن منشفة ومسح جبينه، وتنهد قائلًا: «يا أخي، لا غد في أراضي الرماد. استمتع متى استطعت.»
غمر شانغ جيانياو نفسه في الحوض البارد أيضًا. ونظر حوله كأن كل شيء جديد بالنسبة إليه.
سأل: «هل عليك العودة إلى الضيعة بعد الظهر؟»
أومأ تشاو شورن. «ما زال الوقت كافيًا. سآخذ قيلولة، ثم أطلب من أحد خدمتي حين أستيقظ. وبعدها أغتسل وأتناول الغداء وأخرج للتسوق.»
تصفيق! تصفيق! تصفيق!
صفق شانغ جيانياو لهذه الترتيبات. وفي الوقت نفسه، ألقى نظرة تحت سطح الماء.
سعل تشاو شورن مرتين وعاد إلى الحوض الساخن. هذه المرة، لم ينقع نفسه إلا بضع دقائق، ثم نهض سريعًا ولف المنشفة الكبيرة حوله.
بعد غسل جسده وارتداء رداء الحمّام، رأى شانغ جيانياو وكيل عائلة تشاو بوضوح.
يُرجح أنه في الأربعينيات. نحيل الجسم، خفيف الشعر، مع انتفاخ واضح حول عينيه.
بعد مغادرة حمّام الرجال، دخل الاثنان استراحة. شغل كل منهما كرسيًا مائلًا، وغطى نفسه ببطانية خفيفة.
وبينما يتحادثان، أغمض تشاو شورن عينيه وبدأ يشخر.
أدار شانغ جيانياو رأسه ونظر إليه، وابتسم وهو يخرج غرضًا من جيب ردائه: لؤلؤة ليلية ينبعث منها ضوء أخضر بصمت.
أمسك شانغ جيانياو اللؤلؤة الليلية، وأخذت عيناه تظلمان تدريجيًا.
الصلة القدرية!
الصلة القدرية الآتية من دي ماركو!
في بحر الأصول لدى تشاو شورن، ظهرت هيئة شانغ جيانياو مرتديًا رداء حمّام أبيض.
فوق البحر المتلألئ، ملأ الجو ضباب خفيف، وظهرت جزر بصورة مبهمة، لكن وعي تشاو شورن لم يتجسد.
كان هذا شكل العالم العقلي لشخص عادي، لم يدخل قاعة التجمع النجمي ويفتح الباب المقابل بعد.
ثم انقسم شانغ جيانياو إلى تسعة، وجلسوا متربعين في الهواء.
بعد ذلك مباشرة، ارتفعت أمواج لا تُحصى في بحر الأصول المتأثر بالصلة القدرية، وتوسعت مشاهد شتى واحدًا بعد الآخر.
بدأ أفراد شانغ جيانياو التسعة يفحصون جميع ذكريات تشاو شورن في الأشهر الماضية. وتولى كل منهم مقطعًا معينًا.
بعد بضع دقائق، قال شانغ جيانياو الذي يحمل مكبر صوت صغيرًا على كتفه بدهشة: «عثرت على شيء!»
كبر المشهد سريعًا.
في غرفة تضم رفوف كتب وطاولات، كان تشاو شورن يقدم تقريرًا إلى شاب يشبه تشاو يي ده قليلًا، لكنه غير بدين إطلاقًا.
على كرسي خلف الشاب، جلس شخص عادي الملامح بمعطف أسود طويل. ومع وقوف الحراس الآخرين حوله، بدا مميزًا نوعًا ما.
«لماذا تظن أن فيه مشكلة؟»
«كيف حددت أن هناك دليلًا يمكن العثور عليه؟»
«ألا يجوز له إنفاق مبلغ كبير لاستئجار مستيقظين؟»
طرح ثلاثة من أفراد شانغ جيانياو الآخرين أسئلتهم.
ابتسم شانغ جيانياو حامل مكبر الصوت الصغير. «هذا جزء من طريقة تفكير جيانغ بايميان: افترض بجرأة، وتحقق بحذر. بما أن هذا الشخص يبدو مميزًا نسبيًا، فلنركز على فحص كل المشاهد التي يظهر فيها ضمن ذكريات تشاو شورن.»
وافق أفراد شانغ جيانياو الثمانية الآخرون.
بجهودهم المشتركة، سرعان ما وجدوا الذكريات المتعلقة بالرجل ذي المعطف الأسود.
كان خادمًا من الجيل الثاني، وُلد ونشأ في الضيعة. ونال حظوة تشاو يي شيويه، الابن الثاني لتشاو تشنغتشي، وأصبح مرافقه الشخصي.
لكن شانغ جيانياو لاحظ بدقة أن الرجل ذا المعطف الأسود لا يشبه والديه في شيء. كما أن هذا لا يفسر سبب معاملته الخاصة.
راقب شانغ جيانياو والآخرون الرجل ذا المعطف الأسود بعناية فترة، ووجدوا أن حاله ليست جيدة. بدا منهكًا جدًا.
ذكّرهم هذا بشخص: الأب المزيف.
…
لم يكن الحصول على سيارة في المدينة الأولى صعبًا جدًا. ما دام المرء لا يطلب سيارة صُنعت في السنوات الأخيرة، أو يمكن استخدامها طويلًا، فهناك سيارات كثيرة من شتى الأنواع للاختيار.
لكن الأمر يصبح أصعب إذا أضيفت شروط قلة المال، وعدم ارتكاب جرائم بالسيارة، والحاجة إليها في وقت قصير. على الأقل، لم يعرف لونغ يوهونغ وغينافا من أين يبدآن.
لحسن الحظ، كانت معهم باي تشين التي تعرف المدينة الأولى جيدًا.
بعد العاشرة صباحًا، قادتهم باي تشين خارج فندق أوغو إلى مكان قرب النهر الأحمر في منطقة الزيتون الأخضر.
لم يبعد كثيرًا عن الفندق، وكان الوصول إليه يستغرق عشرين دقيقة سيرًا. لكن المنازل أصبحت أشد تهالكًا، والطرق أضيق.
أحيانًا، حين سار لونغ يوهونغ والآخرون في الشوارع، استطاعوا لمس الجدران الخارجية للمنازل على الجانبين إذا مدوا أذرعهم. وفوقهم، قسمت الأسلاك الكهربائية الكثيفة السماء بعشوائية.
كان أكثر من صادفوهم في الطريق أطفالًا متسخين. أما البالغون، فإما ذهبوا إلى منطقة المصانع، أو انشغلوا بأمور أخرى. ولم يبقَ في المنطقة إلا قليلون.
جال لونغ يوهونغ بنظره في المساحة التي انفتحت أمامه فجأة، وفي أعداد السيارات المتهالكة المتوقفة فيها، وسأل بفضول: «هل تباع السيارات هنا؟»
بعد أن يجر صيادو الأنقاض بعض المركبات المكتشفة في المدن المهدمة إلى المدينة الأولى، غالبًا لا يجدون وقتًا للبحث عن مشترٍ نهائي. فيبيعونها مباشرة إلى تجار السيارات المستعملة.
مع أنهم يخسرون كثيرًا في السعر بالتأكيد، فإن هذا يوفر الوقت على الأقل. كثير من صيادي الأنقاض سيجوعون غدًا إن لم يبيعوا حصيلة يومهم.
أومأت باي تشين وأجابت: «نعم.»
ذكرها لونغ يوهونغ بحذر: «لكن لم يبقَ معنا مال كثير…»
نظرت باي تشين إلى غينافا الذي يحمل كيسًا، وقالت بهدوء: «يؤجرون السيارات أيضًا.»
تفاجأ لونغ يوهونغ قليلًا. «يؤجرونها؟»
ليست هذه منازل لا يمكن نقلها. وفي العادة، يفتقر التجار إلى مختلف الوسائل التقنية من العالم القديم. ألا يخشون عدم استعادة المركبة بعد تأجيرها؟
وبينما يتحدثون، دخل الثلاثة مبنى متهالكًا من طابق واحد بجوار الموقف، ورأوا بضعة من أهل الساحل الأحمر بشعر بني داكن، يدردشون خلف منصة خشبية.
قالت باي تشين من دون انتظار سؤالهم عن سبب الزيارة: «جئنا لاستئجار سيارة.»
أجاب أطول أهل الساحل الأحمر، الذي ظل أقصر من لونغ يوهونغ: «لا نحدد السعر إلا بعد اختيار السيارة.» ثم شدد: «ونحتاج إلى ضمان أيضًا. وإلا سنخسر إن خرجتم بها من المدينة ولم تعودوا.»
لم تقل باي تشين شيئًا، وأشارت إلى غينافا.
آه، سنرهن غي العجوز هنا؟ خطرت الفكرة بذهن لونغ يوهونغ.
في اللحظة التالية، وضع غينافا الكيس الذي يحمله على ظهره أمامه، وأخرج قاذف الصواريخ الموت.
سألت باي تشين: «هل يصلح هذا؟»
بعد تبادل النظرات مع رفاقه، أومأ الرجل المسؤول عن استقبالهم. «بالتأكيد.»
كان سلاح ثقيل كهذا يكفي لمبادلته بسيارة من العالم القديم.
حذرت باي تشين بهدوء: «لا تضيعوه. ما زالت لدينا أسلحة مشابهة. وسنستبدله قريبًا بضمان آخر.»
أومأ الرجل على عجل. «حسنًا.»
سرعان ما اختار الفريق المركبة المناسبة. كانت سيارة دفع رباعي رمادية مربعة الشكل، وتظهر في بعض أجزائها آثار إصلاحات سابقة.
بعد توقيع عقد بسعر أورايين في اليوم، قادت باي تشين عائدة إلى فندق أوغو.
ولأن بعض الطرق ضيقة حتى سيرًا، ولا تستطيع السيارات عبورها مباشرة، اضطرت إلى الالتفاف.
مروا بسبب ذلك بميناء المدينة الأولى الغربي.
رست هناك السفن التي تسير صعودًا ونزولًا في النهر الأحمر، لتحميل الإمدادات أو تفريغها.
في هذه اللحظة، سمع لونغ يوهونغ بضعة عواءات طويلة تشبه عواء الذئاب، من الشوارع القريبة من الميناء. «آووو!»
لم تكن حادة أو شرسة، ولم تشبه ذئابًا حقيقية. بدت حزينة، تحمل شعورًا يصعب وصفه.
التفت لونغ يوهونغ إلى باي تشين. «ما هذا؟» أزعجه سماعها.
نظرت باي تشين إلى الأمام وقالت: «بغايا من أهل أراضي الرماد.»
«ماذا؟» لم يفهم لونغ يوهونغ وغينافا علاقة ذلك بالعواء.
ظلت عينا باي تشين مثبتتين على نهاية الطريق، وقالت بنبرة لا تتغير: «أُسرن وبيعن عبدات، واختارتهن بيوت الدعارة. لا يعلمهن أحد لغة النهر الأحمر، فلا يجدن إلا تقليد عواء أنثى الذئب لجذب الزبائن المارين وبحارة الميناء. في المدينة الأولى، يسمونهن الذئبات.»
فتح لونغ يوهونغ فمه، لكنه لم يقل شيئًا.
ترجمة: NO_NAME_J7
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.