الفصل السادس و التسعون: خيوط المؤامرة
في الأيام الأخيرة، أخذ صوت الرعد يتردد من دار عائلة فانغ.
«لعل الجنرال فانغ يتدرب على كفّ البرق الأرجواني».
«آه، سمعت أن دار عائلة فانغ ستجري هذه المرة تدريبًا عسكريًا مع مملكة هانشوي. تُرى، كيف ستنتهي الأمور؟»
«وأي نتيجة تتوقعونها؟ التدريب العسكري ليس إلا تسمية مهذبة؛ أما في الحقيقة، فذلك الشخص من مملكة هانشوي يريد الانتقام للفيكونت تشو شيو، وقد اتخذ التدريب ذريعةً للتضييق على الجنرال فانغ.»
خلال الأيام الأخيرة، كان سكان العاصمة يتناجون ويتبادلون التعليقات كلما مرّوا بدار عائلة فانغ، من دون أن يعلموا شيئًا مما حدث في البلاط.
أما أصحاب النفوذ في مختلف الأطراف، فقد أخذوا يحرّكون عملاءهم السريين، على أمل الحصول على معلومات مفيدة من دار عائلة فانغ.
في أحد القصور المؤقتة، وقف جي لينغيوي بهدوء أمام الفناء، فيما كان فرسان الكابوس الذين اصطحبهم يتدربون ويتصببون عرقًا. ورغم أن خصمهم هذه المرة إمبراطورية شيا العظمى، المصنفة في الرتبة التاسعة، فإنهم لم يجرؤوا على التهاون.
لكن وراء العدو تلوح، على نحو غامض، مملكة اللهب المشتعل ذات الرتبة السادسة، وهو ما ألقى بظلال القلق على الجميع وأثار في نفوسهم شيئًا من الاضطراب.
اقترب أحد فرسان الكابوس من جي لينغيوي ومدّ إليه كتيبًا.
«سيدي، هذا سجلّ بما فعله فانغ تشين في العاصمة خلال الفترة الماضية».
تسلّم جي لينغيوي الكتيب وراح يتصفحه، وقد انعقد حاجباه قليلًا.
«قتل ممارس تشي من جيش الذئاب التابع لمملكة تشينج سونغ داخل القصر الإمبراطوري منذ ذلك اليوم، عاد فانغ تشين، الذي ظل خامدًا خمس سنوات، إلى إظهار أنيابه».
ثم قتل الفيكونت تشو شيو، وبعده الماركيز شيانيو من لونغدو. وعندما تصدت شيا العظمى لفرسان لونغدو الذين هاجموا المدينة، تدخل خبير غامض وساعدها على دحرهم بسهولة.
كان لفانغ تشين صلة بكل واحدة من هذه الوقائع.
قال جي لينغيوي ببطء: «قد يبدو أن فانغ تشين هو من فعل كل ذلك، لكن الذي يقف وراءه في الحقيقة، على الأرجح، هو الداوي لي. فلا أحد غيره يملك هذه القدرة؛ فهو مزارع من مملكة اللهب المشتعل، المصنفة في الرتبة السادسة».
قال فارس الكابوس بصوت خافت: «سيدي، لطالما نظر المزارعون إلى الفانين كأنهم حشرات، وحتى المقاتلين لا يمنحونهم الاحترام الذي يستحقونه. فما الذي يجعله يقبل البقاء في دار فانغ؟ تبدو أفعاله كلها وكأنها تصبّ في مصلحة فانغ تشين وتزيد من نفوذه».
هزّ جي لينغيوي رأسه قليلًا.
«لا نعرف بعد ما الذي يدفعه إلى ذلك. ظننت أنني سأتمكن هذه المرة من الانتقام للفيكونت تشو شيو بسهولة، وأن أضغط على شيا العظمى في الوقت نفسه، لكنني لم أتوقع أن يصل مزارع إلى أراضيها.
«لكن لا بأس. لقد أرسل رجالنا الرسالة بالفعل. صحيح أن مملكة هانشوي لا تضم مزارعًا، لكن عائلة جي تستعين بمزارع وتقدّم له ما يحتاج إليه. وما إن تصل الأخبار إلى الجد الأكبر حتى يستدعيه حتمًا ويطلب منه القدوم إلى شيا العظمى. لكن المؤسف أن استدعاء مزارع إلى هنا يكلّف ثمنًا باهظًا».
لمعت عينا فارس الكابوس في الحال. فهو من قدماء رجال عائلة جي، ويعرف بوجود ذلك المزارع، بل سبق له أن رآه برفقة الجد الأكبر.
إن قدرات ذلك المزارع لا يمكن سبر غورها حقًا. ولو وافق على مغادرة عزلته والقدوم إلى شيا العظمى، لما عاد هناك ما يدعو إلى الخوف من مزارع مملكة اللهب المشتعل ذي الرتبة السادسة.
في الخفاء، أصغت الروح السماوية لفانغ تشين بهدوء إلى حديث الرجلين. وحين علم أن عائلة جي تستعين بمزارع، بدأت أسئلته الكثيرة تجد أجوبتها واحدًا تلو الآخر.
«لا عجب إذن أن عائلة جي استطاعت الحصول على خيول الكابوس، ولا عجب أن نفوذها بلغ أوجه في السنوات الأخيرة، حتى إنها لم تعد تخشى الأسرة الحاكمة في مملكة هانشوي، بل باتت تنافسها على السلطة وتسيطر على نصف المملكة».
ارتسمت في عيني فانغ تشين ابتسامة خفيفة.
يبدو إذن أن الأمر لا يقتصر على مملكة هانشوي؛ فالإمبراطوريات الأخرى من الرتبتين الثامنة والسابعة قد تستعين هي أيضًا ببعض المزارعين، بدرجات متفاوتة.
لكن من المرجح أن قدرات هؤلاء المزارعين وخلفياتهم لا تتجاوز أدنى مراتب عالم الزراعة.
فالمزارعون يحتاجون إلى الاستحواذ على الموارد؛ إذ لا يستطيعون التقدم والازدهار من دون موارد الزراعة.
ويرتبط بقاء الإمبراطوريات من الرتب التاسعة والثامنة والسابعة في مراتبها الحالية إلى حد كبير بافتقار الأراضي التي تسيطر عليها إلى موارد الزراعة.
خذ شيا العظمى مثالًا: فباستثناء ذلك النبع الروحي، لم تظهر فيها خلال السنوات الماضية موارد يحتاج إليها المزارعون، ولم يعثر أحد حتى على حجر روح واحد.
وفي ظل هذه الظروف، لن تستطيع شيا العظمى استبقاء مزارع في خدمتها؛ فهي لا تجمع خلال عام سوى بضعة أحجار روح منخفضة الدرجة. فأي مزارع سيرضى بمقابل زهيد كهذا؟
ربما كانت أوضاع مملكة هانشوي أفضل قليلًا، ولذلك استطاعت عائلة جي استبقاء مزارع في خدمتها. ومع ذلك، يتضح من كلام جي لينغيوي أن ما تنفقه العائلة عليه يكلّفها كثيرًا ويثقل عليها.
فالمزارع المتجول الذي يملك قدرًا من القوة أو سندًا في عالم الزراعة لن يرضى بالبقاء في مكان كهذا مقابل أن تتكفل به عائلة. أما من يقبل، فقد يكون من أولئك الذين ضاقت بهم السبل حتى لم يعودوا قادرين على البقاء في عالم الزراعة.
لكن لا يمكن استبعاد أن يكون ذلك المزارع تابعًا لطائفة الروح الدموية. ومن المحتمل أيضًا أن يكون الشخص الذي يقف وراء الراهب تشو يي، والبالغ مرحلة تأسيس الأساس، مختبئًا في مملكة هانشوي.
الاحتمال ضعيف، لكنه ليس مستبعدًا تمامًا؛ لذلك قرر فانغ تشين أن يستغل هذه الفرصة لاختبار الأمر.
ألقى فانغ تشين نظرة عابرة على جي لينغيوي، ثم انطلقت روحه السماوية واخترقت الفضاء، لتصل في لحظة إلى قصر ولي العهد.
كان قصر ولي العهد يعج بالحركة في ذلك اليوم.
حضر مشاهير الشعر والأدب في العاصمة، يتذوقون النبيذ والطعام الفاخر، ويتبارون في نظم الشعر، ويتبادلون أحيانًا الحديث عن الأوضاع السياسية الراهنة.
كان تاو يو ويي تشينغهي وآخرون حاضرين، ولاحظ فانغ تشين أيضًا لي هوافنغ، ابن رئيس الوزراء ونائب مسؤول معقل داهوا، الذي بدا في أوج رضاه عن نفسه.
كان التشي الداخلي يتدفق في جسده؛ ومن الواضح أنه بلغ عالم التشي الإمبراطوري.
تحركت نظرة فانغ تشين قليلًا. فقد علم من المدير تشاو، حين عاد إلى العاصمة، أن لي هوافنغ قد ارتقى إلى عالم التشي الإمبراطوري.
فانغ تشين هو من ألحق بلي هوافنغ إصابته بنفسه، وكان يعرف تمامًا ما إذا كانت حالته تسمح له بالترقي إلى عالم التشي الإمبراطوري أم لا.
لكن خلال غيابه عن العاصمة، شُفيت إصابة لي هوافنغ الداخلية، وارتقى مستواه القتالي إلى عالم التشي الإمبراطوري. ثمة أمر مريب في ذلك.
قال لي هوافنغ وهو يرتشف قليلًا من النبيذ، ملتفتًا إلى شيا يو بابتسامة: «لماذا تبدو مهمومًا يا صاحب السمو؟ عندما يأتي وفد مملكة هانشوي لمحاسبة المسؤولين، فلن يستطيع فانغ تشين الإفلات هذه المرة».
وأضاف أحد الحاضرين: «صحيح، فانغ تشين متعجرف ولا يقيم وزنًا لأحد، وتصرفاته الطائشة هي التي جلبت المساءلة من مملكة هانشوي على شيا العظمى. لحسن الحظ، يبدو أن مملكة هانشوي لا تنوي معاقبة سوى المتسبب الرئيسي».
وقال آخر: «سيكون غياب فانغ تشين عن العاصمة خيرًا لها».
ألقى شيا يو نظرة على الحاضرين وتنهد في سرّه. فما زال هؤلاء يجهلون ما حدث قبل أيام في قاعة تايهي، ولا يعرفون أن دار عائلة فانغ تخفي مزارعًا من مملكة اللهب المشتعل، المصنفة في الرتبة السادسة.
كان الإمبراطور قد فرض حظرًا على تداول هذا الخبر، حتى إن تاو مينغشنغ ومن معه لم يجرؤوا على إطلاع أبنائهم وأبناء إخوتهم عليه بعد عودتهم.
كان من المفترض أن يحضر لي هوافنغ، بصفته نائب مسؤول معقل داهوا، اجتماع قاعة تايهي في ذلك اليوم. لكنه، بعد أن ارتقى مؤخرًا إلى عالم التشي الإمبراطوري، انغمس في التدريب القتالي، وحصل على إجازة من عمله، فلم يحضر جلسات البلاط طوال تلك الفترة.
لذلك لم يكن يعلم هو الآخر بما حدث.
قال شيا يو: «هناك أمور لا تفهمونها».
ثم رفع كأسه وارتشف منه، قبل أن يسأل: «برأيكم، ما احتمال فوز فانغ تشين في التدريب العسكري مع مملكة هانشوي هذه المرة؟»
قال أحدهم: «إنه ليس حاكمًا. إذا واجه حرس دار فانغ فرسان الكابوس، فلن تكون لهم فرصة للفوز، ولو بلغت واحدًا من عشرة».
وأردف يي تشينغهي باستخفاف: «حتى لو خاض المواجهة بنفسه، فلن يفيده ذلك. سمعت أن ذلك الرجل من مملكة هانشوي مقاتل في عالم الغموض الأرضي، وأن تشي الدان لا يصمد أمامه».
أومأ الحاضرون موافقين، وظهرت في عيونهم لمحة من الحسد؛ فقد حسدوا جي لينغيوي على مكانته وقوته.
فحتى شيا يو، ولي عهد شيا العظمى، لا تضاهي مكانته مكانة جي لينغيوي.
عقد شيا يو حاجبيه وفكر قليلًا.
«لو لم يكن يملك فرصة للفوز، فهل كان سيتحدى خصمه بهذه السهولة؟»
قال لي هوافنغ فجأة بصوت خافت: «يا صاحب السمو، هل بقي لديك شيء من تلك الحبوب العجيبة؟ لقد شعرت بعد تناولها بأن التشي والدم في جسدي ازدادا أضعافًا. لو استطعت يومًا بلوغ عالم تشي الدان، فلن أضطر إلى وضع أمثال فانغ تشين في الحسبان».
حبوب دواء! أعطاها ولي العهد!
سمع فانغ تشين كلامه من الجانب، فبرقت في عينيه لمعة باردة، والتفت ينظر إلى شيا يو.
ولسبب لم يفهمه، انتفض شيا يو من قشعريرة باردة. ثم هز رأسه وقال: «ليس من السهل الحصول على تلك الحبوب. فصانع الحبوب ليس في العاصمة الآن؛ فلننتظر عودته ثم نرى».
أيعقل أن يكون شيا يو هو المتواطئ مع طائفة الروح الدموية؟
غرق فانغ تشين في التفكير، لكنه لم يُبدِ دهشة.
منذ أن عرف فانغ تشين بوجود طائفة الروح الدموية، وضع عدة أشخاص في دائرة الشك، وكان شيا يو أحدهم.
الحبة التي أعطاها شيا يو للي هوافنغ هي التي شفت إصابته فجأة ومكّنته من الترقي إلى عالم التشي الإمبراطوري.
فمن أين حصل شيا يو على هذه الحبة العجيبة؟
لم يكن من الممكن أن تحقق حبة عادية هذا الأثر في إصابة لي هوافنغ؛ فلا بد أن تكون من الحبوب التي يصنعها المزارعون.
باتت الإجابة شبه واضحة.
المرافق تشين من رجال شيا يو. وكذلك المفوّض ليو، المسؤول عن تهدئة الاضطرابات.
قد لا يعرف شيا يو كل ما تفعله طائفة الروح الدموية في شيا العظمى، لكنه على الأرجح يعلم أن بعض مزارعيها يمتصون جوهر دم الأحياء في تدريبهم.
إن كان يتسامح مع ذلك، فربما لأنه مفتون بقدرات المزارعين. حتى عائلة جي في مملكة هانشوي تستبقي مزارعًا في خدمتها؛ فكيف يقاوم شيا يو إغراءً كهذا؟
بعد أن فرغ الجميع من الطعام والشراب، انفضّ مجلس قصر ولي العهد. وغادر الحاضرون تباعًا، ولم يبقَ سوى تاو يو ويي تشينغهي ولي هوافنغ.
سألهم شيا يو بصوت خافت: «هل تعرفون أنتم الثلاثة سبب الهم الذي يشغلني؟»
تبادل الثلاثة النظرات، ثم هزوا رؤوسهم معلنين أنهم لا يعرفون.
قال شيا يو: «لا بد أنكم سمعتم من قبل بوجود أناس في هذا العالم يعلون مرتبةً على المقاتلين، ويملكون قدرات تهزّ الدنيا».
فكر تاو يو قليلًا، ثم قال: «أتعني يا صاحب السمو أهل الزراعة الخالدة؟ تقول الشائعات إن هؤلاء يعيشون في أماكن بعيدة عصيّة على الإدراك، وقد يُرَون في الدول القوية. وحتى إن مرّوا أحيانًا بأراضي شيا العظمى، فإنهم لا يكشفون عن أنفسهم، ولهذا لا يعرف عامة الناس عنهم إلا القليل».
ضحك لي هوافنغ بخفة.
«أهل الزراعة الخالدة. همم، إن هذا الحديث غامض إلى حد بعيد. لعل الدول القوية اختلقت هذه الأكذوبة لتبث الرهبة في نفوس الدول التابعة لها».
ظل يي تشينغهي صامتًا، منتظرًا بقية حديث شيا يو.
قال ولي العهد: «أهل الزراعة الخالدة ليسوا مجرد أسطورة. فبحسب ما أعلم، تستعين عائلة جي في مملكة هانشوي بمزارع، وفوق ذلك، تضم كل إمبراطورية من الرتبة السادسة مزارعًا يتولى حمايتها. ووجود هؤلاء هو ما يمنح تلك الإمبراطوريات القدرة على التفوق على إمبراطوريات الرتبة السابعة. قبل أيام، أراد جي لينغيوي أن يقبض على فانغ تشين فورًا في قاعة تايهي، لكنه لم يتوقع أن تضم دار عائلة فانغ مزارعًا من مملكة اللهب المشتعل، المصنفة في الرتبة السادسة، ولهذا لم يجرؤ جي لينغيوي على اتخاذ خطوة متهورة. ثم بادر فانغ تشين إلى اقتراح التدريب العسكري، طالبًا أن يواجه حرس دار عائلة فانغ فرسان الكابوس الذين يعملون تحت إمرة جي لينغيوي».
اتسعت عيون الثلاثة دهشةً، وتبادلوا النظرات.
تردد لي هوافنغ: «يا صاحب السمو، أما أمر أهل الزراعة الخالدة هذا…»
قاطعه شيا يو ببرود: «برأيك، أي نوع من الحبوب يمكنه شفاء إصابتك الداخلية؟»
انتفض لي هوافنغ، وبدأ الذهول يتسلل إلى عينيه.
قال شيا يو: «لن أخفي عنكم: لقد التقيت قبل سنوات بعدد من المزارعين، ودار بيننا حديث ودي، فاستبقيتهم إلى جانبي وأخذت أقدّم لهم ما يحتاجون إليه، وهم من أخبروني بأنفسهم أن في مملكة هانشوي مزارعًا آخر، تبجّله عائلة جي وتعامله معاملة الحكام».
ابتسم شيا يو وقال: «الطائر الحكيم يختار الشجرة التي يحط عليها؛ والأمر نفسه ينطبق هنا. فليس من السهل أن يختار المزارع شخصًا بعينه، ويقبل البقاء في خدمته مقابل ما يقدمه له، لقد حظيت عائلة جي باهتمام أحد المزارعين، وأنا أيضًا أحظى باهتمام المزارعين».
قال تاو يو وقد بدأ يفهم سبب قلق ولي العهد: «إذن، ما يقلق صاحب السمو الآن هو أن دار عائلة فانغ قد حظيت هي الأخرى باهتمام مزارع؟»
«صحيح».
أومأ شيا يو برأسه.
«لم أكن أُظهر قدراتي خلال السنوات الماضية، ولذلك ظن الآخرون أنني لا أضاهي فانغ تشين. لكن الحقيقة أنني كنت أتعمد التزام الهدوء والعمل بعيدًا عن الأضواء، فبقدرات أولئك المزارعين، سيكون التخلص من فانغ تشين أمرًا يسيرًا؛ إذ لا يراهم المحاربون من أمثال مقاتلي عالم تشي الدان إلا كالحشرات، ولا يصمدون أمامهم، لكن…»
تغيرت ملامح شيا يو، واكتسى وجهه بالجدية.
«ظهور مزارع في دار عائلة فانغ أمر لم أتوقعه. أنا ولي العهد، ومن الطبيعي أن أحظى باهتمام المزارعين. أما فانغ تشين، فمن يكون أصلًا؟ وبأي حق يحظى باهتمامهم؟»
ما إن رأى فانغ تشين ذلك حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
قال يي تشينغهي وقد شهق من الدهشة: «ألا يمكن أن يكون ذلك المزارع عازمًا على مساعدة فانغ تشين في التمرد؟»
وسأل لي هوافنغ فجأة: «يا صاحب السمو، هل المزارعون الذين تستعين بهم موجودون هنا الآن؟»
هز شيا يو رأسه.
«لديهم شؤون أبعدتهم عن العاصمة، ولا أعرف أين هم الآن. أمثال هؤلاء لا يظهرون إلا نادرًا، ولا يمكن التنبؤ بموعد ظهورهم أو اختفائهم. كل ما أستطيع فعله هو إعالتهم؛ أما إخضاعهم لإرادتي حقًا، فلا أقدر عليه».
قال لي هوافنغ وعيناه تلمعان: «بما أنك تقول يا صاحب السمو إن قوة إمبراطوريات الرتبة السادسة ترجع إلى وجود المزارعين فيها، فلو استطعت الحصول منهم على منهج للزراعة، لربما تمكنت شيا العظمى…»
ضحك شيا يو ضحكة خفيفة، وفيها مسحة من الأسف.
«لقد طرحت عليهم هذا الأمر من قبل، وعرضت أن أدفع ثمنًا باهظًا مقابل منهج للزراعة. لكنهم أخبروني أن منحهم شيا العظمى بأكملها لن يكون كافيًا لمعادلة قيمة منهج واحد للزراعة».
عقد لي هوافنغ حاجبيه.
«يا له من ادعاء هائل!»
قال شيا يو: «لم ترَ بنفسك قدرات المزارعين؛ فما قالوه ليس مبالغة. لذلك لا أجرؤ على التعلق بأمل الحصول على منهج للزراعة، وأترك الأمر للفرصة المناسبة. كل ما أرجوه هو أن أستعين بأولئك السادة المزارعين لتقوية شيا العظمى، حتى لا تظل عرضةً للإذلال على يد ممالك مثل تشينج سونغ، ولعلها تتمكن يومًا من الوقوف على قدم المساواة مع مملكة هانشوي!»
أذهل طموح شيا يو الرجال الثلاثة. أن تقف شيا العظمى على قدم المساواة مع مملكة هانشوي؟ لو تحقق ذلك يومًا، لكان شيا يو إمبراطورًا لا مثيل له في تاريخ شيا العظمى!
تابع ولي العهد: «بحسب خطتي، كان بوسعنا أن نواصل تنمية شيا العظمى في هدوء، وربما تحقق ذلك الحلم فعلًا. لكن الآن ظهور ذلك المزارع في دار عائلة فانغ بدأ يربك خطتي، فقد يصبح عقبةً في طريقي، فما الذي ترون أن عليّ فعله؟»
لو أن مزارعًا اهتم بأي شخص آخر في شيا العظمى، لما فقد شيا يو اتزانه، أيًّا كان ذلك الشخص. لكن أن يكون المزارع إلى جانب فانغ تشين تحديدًا، فهذا أمر لا يسمح به مطلقًا!
فانغ تشين هو شيطانه الداخلي. ولن يستطيع التفرغ لدوره بوصفه ولي العهد المستقبلي لشيا العظمى، والتخطيط لمستقبلها، إلا بعد التخلص من فانغ تشين ومن أخيه الثالث.
عندما بلغ فانغ تشين هذا الجزء من الحديث، هز رأسه في سرّه، ولم يواصل الاستماع. ثم غادرت روحه السماوية قصر ولي العهد وعادت إلى جسده.
لم يعد هناك ما يستحق الاستماع إليه. فما زال شيا يو يجهل أن الراهب تشو يي ورفاقه قد لقوا حتفهم جميعًا. وقد سمع فانغ تشين بوضوح خطته لقتل الداوي لي وتلفيق التهمة لمملكة هانشوي، ولن تتاح له فرصة تنفيذها.
وما إن عادت روحه السماوية إلى جسده حتى سمع صوت فانغ كانغيو من خلف الباب:
«يا تشين إير، الجد يطلب منك الحضور إليه».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.