الفصل السابع و التسعون: لقاء عند ممر هومن
«يا جدي، هل واجهتَ عقبةً في الزراعة؟»
وصل فانغ تشين إلى الفناء الصغير الذي يقيم فيه فانغ زيتيان، فرآه عابسًا، فحيّاه بقبضة يده وهو يبتسم.
قال فانغ زيتيان عاقدًا حاجبيه:
«أخبرني الداوي لي أن الزراعة تحتاج إلى موارد هائلة، ومن بينها شيء يُسمّى أحجار الروح. لكن يبدو أن هذه الأحجار غير موجودة في شيا العظمى، بل لم أسمع بظهورها في غوهي أو لونغدو أو غيرهما من الممالك أيضًا. هل لديك حلّ لهذه المشكلة؟»
كان فانغ زيتيان رجلًا إذا اختار طريقًا مضى فيه حتى النهاية. وما دام قد خطا بالفعل في طريق الخلود، فمن الطبيعي أن يكرّس نفسه للزراعة، ويكتسب من القوة ما يكفي لحماية شيا العظمى ومواجهة طائفة الروح الدموية.
لكن ماذا لو استعان مزارعو طائفة الروح الدموية بأحجار الروح في زراعتهم، بينما لم تجد دار عائلة فانغ شيئًا منها؟ ألن يتأخر هو عنهم، ثم يتأخر أفراد عائلته مستقبلًا إذا دخلت فانغ تشيشيو وآخرون منهم طريق الزراعة؟
وفوق ذلك، إذا أنجبت عائلة فانغ عددًا آخر من المزارعين، فستصبح عائلة زراعية بالمعنى الحقيقي. وكان الداوي لي قد أخبره من قبل أن عالم الزراعة تحكمه قاعدة افتراس القوي للضعيف، وفيه يتجلّى قانون الغاب بأوضح صوره.
ما دام أمر العائلة لم ينكشف، فلا بأس؛ أما إذا اكتُشف أنها أصبحت عائلة زراعية، فقد تجلب على نفسها المتاعب. ولهذا بدأ فانغ زيتيان يفكر جديًّا في مستقبل دار عائلة فانغ إذا تحولت إلى عائلة زراعية.
«كدت أنسى هذه المسألة!»
ضرب فانغ تشين جبهته بخفة. كان لا يزال يملك في خاتم التخزين ما يزيد على أربعمئة حجر روح منخفض الدرجة، فأخرج مئة حجر منها وقدّمها إلى فانغ زيتيان.
«يا جدي، هذه أحجار روح منخفضة الدرجة. خذ هذه المئة واستخدمها في الوقت الحالي، وإذا احتجت إلى المزيد فأخبرني.»
لم يكن فانغ تشين بحاجة إلى أحجار الروح في زراعته، ولذلك نسي أمرها دون أن ينتبه. أما وقد دخل فانغ زيتيان طريق الزراعة، فإن الاستعانة بهذه الأحجار ستضاعف سرعة تقدّمه وتجعله يحقق نتائج أفضل في وقت أقصر.
«مئة حجر!»
بدت الدهشة على وجه فانغ زيتيان، ثم قال مستاءً:
«ذلك الداوي لي لا يتحدث بصراحة! لقد أخبرني أن الطائفة العادية لا تمنح تلاميذها سوى حجر روح منخفض الدرجة واحد كل شهر، فظننت أن هذه الأحجار نادرة إلى حدّ لا يُصدّق.»
«لقد أسأت فهمه يا جدي.»
ابتسم فانغ تشين، ثم أخبره بالتفصيل كيف حصل على أحجار الروح التي يملكها.
«إذًا، هكذا كان الأمر!»
انطلق فانغ زيتيان في ضحكة مدوّية، وربت على كتف فانغ تشين قائلًا:
«أنت حقًّا حفيدي الصالح! ما إن خطوت في طريق الخلود حتى أزلت عن عائلتنا همًّا كبيرًا. وبوجود هذه الأحجار التي تزيد على أربعمئة، لن نقلق بشأن نفقات الزراعة خلال السنوات المقبلة.»
لم يكن الداوي لي مخطئًا. فحتى طائفة الرموز الثمانية لا تمنح تلاميذها سوى حجر روح منخفض الدرجة واحد كل شهر، والداوي لي نفسه ليس استثناءً من ذلك.
أما إذا أراد المرء المزيد، فعليه أن يجد وسيلته الخاصة لكسبه أو انتزاعه من الآخرين.
فالموارد في عالم الزراعة شحيحة إلى هذا الحد. وإذا لم يمتلك المرء القوة الكافية، فلن يسعه إلا أن يشاهد الآخرين يستأثرون بأفضل ما في المائدة، بينما لا ينال هو سوى الفتات. ولهذا يضع معظم المزارعين مصالحهم فوق كل شيء، بل قد يصبح بعضهم أشد حرصًا على المكاسب من عامة الناس، فيدخلون في مساومات لا تنتهي من أجل حجر روح واحد منخفض الدرجة.
«يا جدي، خذ هذه القلادة أيضًا، ونقِّها بالقوة الروحية عندما تتاح لك الفرصة.»
ناول فانغ تشين قلادة اليشم التي كان يحملها معه، بعدما محا منها بالفعل بصمة روحه.
«أهذه هي الكنوز السحرية التي تحدثت عنها؟»
أخذ فانغ زيتيان يقلّب قلادة اليشم بين يديه. كان يشعر بما ينبعث منها من قوة روحية كثيفة، بل استطاع أن يلمح بصعوبة عدة أختام روحية تومض عليها.
أما المقاتل العادي، فحتى لو حطّم القلادة، لما استطاع أن يلحظ ما فيها من خصائص استثنائية.
«أجل، إنها كنز سحري دفاعي.»
أومأ فانغ تشين مبتسمًا، ثم أخرج السيف الذي انتزعه من الراهب تشو يي.
«وهذا السيف أيضًا انتزعته من أحد مزارعي طائفة الروح الدموية. يحمل ثمانية أختام روحية، وقوته ليست بالهيّنة. خذه أنت أيضًا ونقِّه.»
«حسنًا، حسنًا!»
أومأ فانغ زيتيان مبتسمًا، وتناول السيف الطويل، ثم أخذ يتأمله بإعجاب واضح، وكأنه لا يريد أن يفلت من يده.
في تلك اللحظة، أقبل شو جي مسرعًا.
«أيها السيد الشاب، وردنا خبر عاجل.»
رأى فانغ زيتيان ذلك، فابتسم وقال:
«اذهب وانشغل بأمورك. سأواصل أنا الزراعة.»
غادر فانغ تشين الفناء الصغير، فانحنى شو جي نحوه وهمس في أذنه ببضع كلمات، وقد بدت عليه علامات الحماس.
«أَخَرج شيا جي من تشينج سونغ؟»
ارتفع طرف فم فانغ تشين بابتسامة خفيفة.
«هيا، لنذهب لاستقباله.»
خلال هذه الفترة، التزمت الآنسة شياو الهدوء الشديد في دار عائلة فانغ، حتى إن عددًا قليلًا من الأشخاص وحدهم كانوا يعرفون هويتها الحقيقية.
وكلما تذكرت ما حدث في البلاط الإمبراطوري في ذلك اليوم، شعرت بتضارب شديد في مشاعرها.
«بمَ تفكرين يا آنسة شياو؟»
أقبل فانغ تشين بخطوات هادئة، وعلى وجهه ابتسامة تنطوي على شيء من السخرية.
«السيد فانغ.»
ارتسمت على وجه الآنسة شياو ابتسامة متكلّفة.
كانت تدرك أن شيا العظمى لم تعد المملكة التي اعتادت تشينج سونغ إخضاعها والضغط عليها كما تشاء. فالداوي لي، الموجود في دار عائلة فانغ، ينحدر من مملكة اللهب المشتعل ذات الرتبة السادسة، وهو مزارع أيضًا.
وكان وجوده وحده كافيًا لردع تشينج سونغ ومنعها من الإقدام على أي تحرك متهور.
«لقد غادر الأمير الثالث تشينج سونغ. وأنتِ أيضًا أمضيتِ أيامًا كثيرة في دار عائلة فانغ، لذا سأعيدك هذه المرة إلى وطنك.»
ابتسم فانغ تشين.
«لا أريد العودة.»
قالت الآنسة شياو ذلك على نحو عفوي، قبل أن تدرك ما تفوّهت به.
«أنتِ ابنة الجنرال شياو. وإذا ظللتِ غائبةً ولم تظهري، فقد يظن والدك أنني قتلتك، وهذا ما لا أريده.»
ابتسم فانغ تشين.
«يمكنني أن أرسل إليه رسالة.»
قالت الآنسة شياو على عجل:
«سأشرح له فيها حقيقة ما حدث، ثم…»
«ثم تواصلين البقاء في دار عائلة فانغ، على أمل أن تجدي فرصةً لدخول طريق الزراعة؟»
قاطعها فانغ تشين مبتسمًا.
احمرّ وجه الآنسة شياو قليلًا بعدما اكتشف ما تخفيه في نفسها. كانت تعرف أن الفرصة التي تتطلع إليها نادرة، وقد لا تتكرر طوال حياتها، ولذلك لم تكن تريد التفريط فيها.
لكن فانغ تشين قال بلهجة حازمة:
«أولًا، الفرصة لدخول طريق الزراعة نادرة. وثانيًا، أنتِ من تشينج سونغ، وحتى لو كنتِ تملكين موهبةً في الزراعة، فلن أسمح لكِ بسلوك هذا الطريق.
أظن أنكِ تفهمين ذلك. لن يفيدك البقاء في دار عائلة فانغ بشيء. عودي إلى تشينج سونغ وتحدثي مع أبيك جيدًا. لا أريد أن تكون لي أي صلة بمملكتكم خلال السنوات المقبلة، لأن لدي أمورًا أهم تشغلني.»
«لكن…»
«لا داعي إلى الاعتراض. هيا بنا.»
لم يمنح فانغ تشين الآنسة شياو فرصةً لمواصلة الحديث، بل طلب من شو جي اصطحابها والانطلاق.
وبسبب كثرة العيون التي تراقب تحركاتهم في الأيام الأخيرة، فضلًا عن وجود جي لينغيوي في العاصمة، لم يرد فانغ تشين أن يعرف أحد أنه غادرها. لذلك تنكّر قبل الرحيل، وبمساعدة الحرس الخفي لشيا العظمى، غادرت المجموعة العاصمة ليلًا دون أن يشعر بها أحد.
وبعد عدة أيام، خارج ممر هومِن.
كان شاب وسيم يرتدي ثيابًا بيضاء، ويحمل سيفًا طويلًا، يمتطي جوادًا وينطلق به مسرعًا. وخلفه، ارتفعت سحب الغبار الكثيفة، بينما كان يطارده مئات من نخبة جيش الذئاب.
ولو كان بين الحاضرين أحد قدامى جنود شيا العظمى، لأصابه الذهول حين يرى قائد جيش الذئاب المتقدم في المطاردة.
كان الرجل في نحو الأربعين من عمره، تبدو على وجهه أمارات السنين، وله حاجبان كثيفان وعينان واسعتان، فيما تومض في عينيه بين الحين والآخر نظرة حادة كالصاعقة. وكانت ملامحه تنضح بالصلابة والعزم.
إنه الجنرال شياو نفسه، الذي سبق له أن هزم فانغ تشين في جبل الممالك الثلاث، وأبرز قادة الذئاب في مملكة تشينج سونغ!
انفجر الشاب ذو الثياب البيضاء ضاحكًا وهو يواصل الفرار:
«هاهاها! يا جنرال شياو، لِمَ كل هذا الإصرار على مطاردة عمّكم الثالث؟ إن أراد عمّكم الثالث الرحيل، رحل، وإن أراد البقاء، بقي! لن تستطيع منعي!»
اشتعل الغضب في وجوه جنود جيش الذئاب حين سمعوا سخريته، لكن الجنرال شياو ظل عابسًا، ثم أطلق شخيرًا ساخرًا وقال:
«أيها الأمير الثالث، لم أتوقع أن تمتلك قدرات مقاتل من مستوى تشي العظيم؛ لقد فاجأتني حقًّا. لكن حصانك لم يسترح منذ يوم وليلة، وأوشك أن يعجز عن مواصلة الركض. لن يكون القبض عليك أمرًا صعبًا.»
وكأن الحصان أراد أن يؤكد كلامه، أطلق صهيلًا حزينًا وسقط أرضًا، فقذف براكبه بعيدًا.
لكن الشاب كان بارعًا في الحركة، فهبط على الأرض بخفة دون أن يصاب بأذى.
بصق الشاب باستياء، ثم قال:
«تبًّا لك، يا نذير الشؤم! أكنتَ تعتمد على هذا اللسان حين هزمت فانغ دا في الماضي؟!»
كان يعرف أن قدرته على الركض لا تضاهي قدرة الحصان، لكنه لم يعد راغبًا في مواصلة الفرار. استدار وواجه الجنرال شياو، وبصق في اتجاهه باحتقار.
وفي لمح البصر، أحاط به الجنرال شياو وجنوده من كل جانب. حدّق فيه الجنرال ببرود وقال:
«لقد أبقى فانغ تشين ابنتي في شيا العظمى، واليوم سأبقيك أنا هنا أيضًا.»
«أتريد إبقائي هنا؟ هاهاها! يا له من كلام عظيم! ألا تخشى أن تؤذي لسانك من فرط التبجح؟»
نظر الشاب ذو الثياب البيضاء إليه باستخفاف، ثم تابع:
«لو كنت قادرًا فعلًا على احتجازي، لما سمحت لي بالفرار من تشينج سونغ حتى وصلت إلى هنا. أتظن حقًّا أنك، أنت وهؤلاء الجنود من جيش الذئاب، قادرون على هزيمة عمّكم الثالث؟ لم ترَ بعد قدراتي الحقيقية!»
ابتسم الجنرال شياو ابتسامة خفيفة وقال فجأة:
«أنت تحاول كسب الوقت، أليس كذلك؟ هل وصل الخبر إلى فانغ تشين، وهو في طريقه إلى هنا الآن؟»
ابتسم الشاب بدوره وقال:
«وما المشكلة؟ أنت تعلم أن فانغ تشين قادم، ومع ذلك لا تفكر في الفرار؟ لقد سمعت أن مستوى زراعته قد استعاد عافيته. فإذا اتحدنا أنا وهو، فهل تظن أنك تستطيع مواجهتنا؟»
أجاب الجنرال شياو:
«لقد تحطّم بحر التشي لديه، ومن المستحيل أن يستعيد مستوى زراعته. لا أفهم ما الذي يحاول إمبراطور شيا العظمى تحقيقه. يقتل مقاتلي تشينج سونغ، ويقتل ابنتي، وكأنه يريد استفزازي ودفعني إلى إرسال جيشي لمهاجمة شيا العظمى. لكن لماذا؟»
تنهد الشاب ذو الثياب البيضاء وقال:
«آه، لأكون صريحًا معك، لا أعرف أنا أيضًا لماذا يفعل فانغ دا ذلك. ألا يفكر في أنني لن أستطيع العيش مرتاحًا في تشينج سونغ إذا استمر في إثارة هذه المتاعب؟»
ثم أضاف وهو يهز رأسه:
«ما رأيك أن أعود وأسأله بنفسي، ثم أكتب إليك رسالة أخبرك فيها بما أكتشفه؟»
«همم.»
ابتسم الجنرال شياو بسخرية.
«أتظنني أحمق؟»
«حاشا لله! فأنت الجنرال الأول للذئاب في تشينج سونغ.»
ضحك الشاب ذو الثياب البيضاء، ثم تابع:
«قد أعدّ أي شخص آخر أحمق، لكنني لا أجرؤ على عدّك كذلك. فأنت تعلم أنني أُماطل لكسب الوقت، ومع ذلك تجاريني. تُرى، ما الذي تريده حقًّا؟»
«هو لم يكن ينوي إبقاءك في تشينج سونغ أصلًا.»
جاء صوت ضحكة من جهة ممر هومِن، وسرعان ما ظهرت عدة ظلال تقترب مسرعة.
«فانغ دا!»
أطلق الشاب ذو الثياب البيضاء ضحكة عالية، ثم قفز في الهواء متجهًا إليهم.
وبدا أن بعض جنود جيش الذئاب أرادوا التحرك، لكن الجنرال شياو أشار إليهم بيده فمنعهم. ظل واقفًا يراقب ذلك الوجه المألوف الذي صار غريبًا عنه في الوقت نفسه.
عانق فانغ تشين والشاب ذو الثياب البيضاء بعضهما بقوة، بينما وقف شو جي إلى جوارهما يبتسم ابتسامة عريضة.
أما الآنسة شياو، فنظرت إلى الجنرال شياو بمشاعر معقدة، في حين اكتشف جنود جيش الذئاب أن الآنسة شياو لا تزال على قيد الحياة، وأنها جاءت برفقة فانغ تشين نفسه. فبدت الحيرة والشك على وجوههم، ولم يعودوا يعرفون ماذا ينبغي أن يظنوا.
نظر فانغ تشين إلى شيا جي وقال:
«كيف كانت حياتك في تشينج سونغ خلال هذه السنوات؟»
لمعت في عينيه الرماديتين الشاحبتين نظرة غريبة.
أجاب شيا جي، دون أن يلاحظ شيئًا:
«كانت جيدة جدًا! لديّ الطعام والشراب والنساء، ولا ينقصني شيء.»
ثم ظهرت على وجهه مسحة من الحنين، وأضاف:
«لكنني اكتشفت قبل فترة أن الجنرال شياو يريد قتلي، فلم يكن أمامي سوى الفرار.»
«تعال، لنتحدث على انفراد.»
وجّه فانغ تشين نظره نحو الجنرال شياو.
تأمل الجنرال شياو حدقتي فانغ تشين الرماديتين الشاحبتين، ثم أومأ برأسه قليلًا.
«أيها الجنرال!»
بدا أحد قادة جيش الذئاب مذهولًا.
«أيها الجنرال، احذر! قد يكونون قد نصبوا لنا كمينًا!»
هز الجنرال شياو رأسه بهدوء وقال:
«لا بأس.»
ثم حرّك جواده وتقدّم نحو فانغ تشين ورفاقه، وابتعد معهم عن بقية الجنود.
ما إن ابتعدوا حتى عقد شيا جي حاجبيه، ونظر إلى مئات الجنود الذين ظلوا يراقبونهم بيقظة، ثم إلى الجنرال شياو الذي يقف أمامه.
«ما الذي يحدث هنا؟»
أجاب الجنرال شياو وهو ينظر إلى فانغ تشين:
«قبل فترة، حاول أحدهم في العاصمة اغتياله، ويبدو أنهم أرادوا إلصاق التهمة بمملكة تشينج سونغ. أظن أن المدبّرين من شيا العظمى. لذلك أخرجته من تشينج سونغ بنفسي. أنت مدين لي بمعروف.»
أشار فانغ تشين إلى الآنسة شياو وقال بابتسامة:
«أي معروف هذا؟ لقد أنقذتُ حياة ابنتك، ألا يُفترض أن يُسقط ذلك هذا الدين؟»
قال الجنرال شياو ببرود:
«كان عليك إنقاذها؛ فأنا الذي أبقيتُك حيًّا يومها.»
«أنتما…»
اتسعت عينا شيا جي دهشةً، ثم نظر إلى فانغ تشين والجنرال شياو بالتناوب.
«فانغ دا، هل عقدت تحالفًا مع الجنرال شياو؟ هل كان هو من دبّر خروجي من تشينج سونغ هذه المرة؟!»
بدت الدهشة على وجه الآنسة شياو هي الأخرى. لم تستطع فهم ما يجري بينهما.
لكن الجنرال شياو لم يلتفت إلى شيا جي، بل انتقل فجأة إلى موضوع آخر، وقد بدا على وجهه قدر كبير من الجدية:
«هل الخبر الذي أرسلتَ إليّ بشأنه صحيح؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«هي تعرف الأمر. يمكنك أن تعود مع ابنتك وتتحدثا فيه على مهل. أما هذا الخبر، فليكن مقابلًا لمعروف آخر منك. وهكذا لا يبقى لأحدنا دين للآخر.»
ثم أضاف وهو يبتسم:
«أصبحنا متعادلين الآن.»
قال الجنرال شياو وهو يشير إلى شيا جي:
«وماذا عن أنني سمحت له بمغادرة تشينج سونغ؟ ألا يُحسب ذلك معروفًا أيضًا؟»
أجاب فانغ تشين بابتسامة خفيفة:
«حتى لو لم تمنحه فرصة المغادرة، لتمكّن من الفرار. كل ما فعلته أنك أرسلت إليّ من يخبرني بما حدث.»
ثم أردف:
«ولا أرى أن هذا يُحسب معروفًا مستقلًا، لأنه أرسل إليّ رسولًا من جانبه أيضًا.»
«ما هذه الألغاز التي تتحدثون بها؟!»
بدأ شيا جي يفقد صبره، وارتفع صوته غضبًا.
ابتسم فانغ تشين وقال:
«سنخبرك عندما نعود.»
«نعود؟»
تغيّر تعبير شيا جي قليلًا، ثم ظهرت على وجهه ملامح غريبة وهو يقول:
«فانغ دا، لم أكن أنوي العودة إلى شيا العظمى هذه المرة.»
عقد فانغ تشين حاجبيه.
«لن تعود! أتريد أن تترك أخاك الأكبر جالسًا على عرش ولي العهد إلى الأبد؟»
لكن شيا جي أظهر مسحة من التردد، وقال:
«إنه الابن الأكبر الشرعي، ومن الطبيعي أن يتولى ولاية العهد. أما أنا فلديّ خططي الخاصة.»
ثم نظر إلى فانغ تشين بشيء من الأسى، وأضاف:
«سيأتي شخص ليأخذني بعد قليل. وبعد رحيلي هذه المرة، لا أعرف كم سنة ستمر قبل أن أعود. لذا أردت أن أودّعك يا فانغ دا.»
ساد الصمت.
عقد الجنرال شياو حاجبيه قليلًا. كان واضحًا له أن شيا جي لم يكن ليصل إلى هنا لولا تدخّله، وأن فانغ تشين تمكّن من الوصول في الوقت المناسب لأنه تلقّى رسالة منه.
لكن لماذا بدا كلام شيا جي وكأن فانغ تشين هو الذي رتّب كل شيء عمدًا؟
في تلك اللحظة، انطلق صوت من داخل شجرة كثيفة على مسافة غير بعيدة:
«أيها الأخ الأصغر شيا، ألن تنتهي قريبًا؟ لقد انتظرك المعلم خمس سنوات، وحان الوقت لتسوية أمورك الدنيوية والعودة إليه.»
تبادل فانغ تشين والجنرال شياو نظرةً خاطفة، بينما ظهرت علامات الحذر على وجوه جنود جيش الذئاب. همّوا بتطويق الشجرة، لكن الجنرال شياو أشار إليهم بالتوقف.
كان الرجل مختبئًا فوق الشجرة طوال الوقت، ومع ذلك لم يكتشفه الجنرال شياو، وهو خبير في عالم تشي الدان؛ وهذا يدل على أن مستوى زراعة الرجل ليس منخفضًا. كما أن مناداته شيا جي بالأخ الأصغر تعزز هذا الاستنتاج.
لقد بدا شيا جي في أعين الجميع شخصًا عاديًا، لكنه امتلك قدرات تضاهي قدرات خبراء عالم تشي الدان. ولعل مصدر هذه القدرات هو الرجل الذي يختبئ في الشجرة.
قال شيا جي بشيء من خيبة الأمل:
«أهذا أنت يا أخي الأكبر ليو؟ ألم يرسل المعلم الآنسة وو لتأتي وتأخذني؟»
جاءه الرد من الشجرة بامتعاض:
«أنا الذي جئت لأخذك، وهذا وحده كافٍ. أتريد الآنسة وو أيضًا؟»
قفز الرجل من الشجرة، ثم قطع المسافة إلى حيث يقفون في بضع خطوات، كأنما يطوي الأرض تحت قدميه.
كان يحمل في يده اليمنى قرعة كبيرة، وما إن وصل حتى فتحها ورفعها إلى فمه، وأخذ يجرع منها الشراب بلا انقطاع. وسرعان ما انتشرت في المكان رائحة نبيذ آسرة، جعلت من يشمها يشعر بالانتعاش.
بعد أن فرغ من الشرب، أطلق تجشؤًا راضيًا، ثم نظر إلى شيا جي وحده، دون أن يلتفت إلى بقية الحاضرين، وقال بنفاد صبر:
«أنهِ ما تريد قوله بسرعة، ثم نرحل. إذا تأخرنا أكثر فلن نلحق بالسفينة.»
«حسنًا، حسنًا.»
أومأ شيا جي بلا حيلة، ثم عانق فانغ تشين عناقًا قويًا وقال:
«فانغ دا، يا أخي وصديقي! سأذهب الآن إلى مكان بعيد، بعيد جدًا. شيا العظمى تعتمد عليك، فاصمد أمام الضغوط. وعندما أتمّ تعلّمي وأعود، سأكتسح الجهات الأربع!»
عقد فانغ تشين حاجبيه.
«إلى أين ستذهب بالضبط؟»
ضحك الأخ الأكبر ليو بسخرية، ثم نظر إلى فانغ تشين وقال:
«لا تتعب نفسك بالسؤال عن وجهته. لن يكون في المستقبل من مستواكم أصلًا. ولولاك، لما تأخر في الرحيل كل هذه السنوات.»
ثم تقدّم وأمسك شيا جي، وما هي إلا لحظات حتى اختفى الاثنان عن الأنظار بعد بضع قفزات سريعة.
«يا لها من حركة خارقة!»
عقد الجنرال شياو حاجبيه حتى بدت بينهما ثنية واضحة. لم يرَ في حياته حركةً بهذه السرعة المذهلة؛ حتى خبراء الإمبراطوريات من الرتبة الثامنة لا يضاهون صاحبها.
أما فانغ تشين، فابتسم ابتسامة ساخرة من نفسه وقال:
«إذًا، لقد حصل هذا الفتى على فرصة قدرية منذ خمس سنوات. وعندما علم أن مستوى زراعتي قد استعاد عافيته، قرر الرحيل أخيرًا. لقد انتظرني طوال هذه السنوات الخمس.»
لم يستطع فانغ تشين أن يعرف حقيقة الأخ الأكبر ليو أو يحدّد مستوى زراعته، لكن عندما عانق شيا جي، شعر بتموّج في القوة الروحية المنبعثة منه.
يبدو أن شيا جي قد التحق بإحدى طوائف المزارعين.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.