الفصل السابع والثلاثون : محادثة بين الجبال
بعد ساعتين في عاصمة راندور، وبالرجوع إلى القتال الذي حصل بين الملك ودورانا، فقد انتهى بكسر يد الملك.
كان المكان لا يزال يحمل رائحة العراك، والغبار لم يهدأ فوق الساحة التي شهدت حدثاً سيظل محفوراً في ذاكرة المملكة.
أما بالنسبة لرايفن وأتباعه، فقد هربوا من الساحة عندما عمّ الغاز البنفسجي المكان، وبحثوا عن يوسافير والبقية، لكن لم يجدوا شيئاً. بعد ذلك غادروا المملكة.
كانت خطواتهم سريعة ومضطربة، وعلامات الغضب ظاهرة على وجوههم؛ كانت هذه الرحلة خاسرة بالنسبة لهم رغم نسخهم للخرسانة لكن الجمجمة افلتت من أيديهم.
أما لورين، فكان في هذه اللحظة أمام شجرة بعيداً عن المملكة، وجهه أحمر وعروقه ظاهرة، بينما يده ترتعد وتقطر دماً من شدة ضرب الشجرة.
كانت عيناه أشبه ببركان يغلي، والغضب يتصاعد منه وكأنه سيفتك بالعالم كله.
“ميمون… ميمون… ميمون… أقسم، عندما أراك المرة القادمة سأقطعك. لن أسامحك… لن أسامحك.”
كان صوته مبحوحاً من شدة الغيظ، وكأن الكلمات تخرج من صدر محترق.
أما بالنسبة إلى لبران، فقد غادر العاصمة منذ مدة، اختفى بهدوء تام، كما لو أنه لم يكن حاضراً من الأساس.
بعد انتهاء مهمتهم، تراجع الأشخاص ذوو الملابس السوداء بسرعة.
أما دريكو، الأمير الرابع الذي قام باستئجارهم، فهو الآخر كان بعيداً عن المدينة. لقد تخلى عن كل شيء من أجل أهدافه، العزلة كانت تحيط به كوحش صامت.
في هذه اللحظة كان يركض هو وشخص بالملابس السوداء، ملامحه غير ظاهرة، لكن راية كانت ظاهرة على صدورهم؛ راية زرقاء وسطها ميزان ذهبي متوازن، الجهة اليمنى مكتوب عليها العدل، والجهة اليسرى المساواة.
ـــ بعيداً عن المدينة، وفي جبال شاهقة، كان هناك شخصان يمشيان في ممر صغير بين هذه الجبال الباردة؛ حيث كان صبي يرتعد من البرد وهو يتمشى ممسكاً بكتفيه، أما الآخر فكان رجلاً كبير السن.
كانت الرياح تعصف بقوة، تحمل معها برداً يخترق العظام.
كان الرجل هو ليلار، والآخر هو الصبي الذي أفقده الوعي.
“ما بالُ هذا المكان المظلم والبارد؟ أين يأخذني هذا الوغد العجوز؟”
“أيها العجوز الغبي، ما هذا المكان البارد وأين تأخذني؟”
بعد أن أفقده ليلار الوعي في الساحة، ها هو الآن مُتجهِّم الوجه وهو يتكلم.
“هاهاهاهاها.”
أطلق ليلار ضحكة خفيفة، ثم قال: “أطفال هذا الجيل لا يحترمون الكبار… لا بدّ من إعادة تربيتهم.”
كانت عيناه تلمعان بنبرة مزاح تخفي خلفها شيئاً غريباً.
“لماذا تلف وتدور أيها العجوز؟ أجبني، أين نحن ذاهبون؟” قال الشاب وهو يرتعد: “بررررر…”
“نحن ذاهبون إلى المقر.” أجاب ليلار بهدوء.
رفع الصبي حاجبه بينما لا تزال أطراف فمه ترتعد، ثم سأل بارتباك: “أي… مقر ت..ت.تحدث عنه؟”
ردّ ليلار بابتسامة: “بيتك الجديد. من الآن فصاعداً ستعيش حياة جديدة.”
“حياة جديدة؟! لا… لا أريد! أريد فقط العيش كما كنت!”
توقّف ليلار فجأة والتفت خلفه حتى اصطدم به الصبي، ثم سأل بجدية:
“هل لديك عائلة؟”
مع تغيّر نبرة ليلار، لاحظ الشاب ذلك وأجاب فوراً:
“لا… ليس لدي أي عائلة… لقد ماتوا جميعاً.”
سأل ليلار مرة أخرى: “كيف ماتوا؟”
بينما يمسح الصبي ذراعيه ويضمّهما إليه بسبب البرد، أجاب:
“لقد قُتلوا جميعاً من قبل وحش ظهر فجأة في القرية التي كنا نقطن فيها… ليس عائلتي فقط، بل جميع السكان قُتلوا، إلا نسبة صغيرة هربت قبل أن يتدخل بعض الأشخاص… قيل إنهم من الجيش، ثم قضوا على الوحش.”
“وكيف نجوت أنت؟”
“لم أكن في القرية حينها… كنت مع جدي في الجبال نصطاد. كان عمري أربع سنوات… وعندما عدنا وجدنا القرية مدمرة. وبعد خمس سنوات مات جدي بسبب المرض… وهكذا صرتُ وحيداً.”
ظهر الحزن في عينيه بوضوح، لكنه حاول إخفاءه بسرعة حتى لا يبدو ضعيفاً.
قال ليلار:
“حظك جيّد أيها الصبي. ولكن… ليس لديك مكان تذهب إليه. بالمناسبة، ما اسمك؟”
“ن… ي… ب… و… ن… ررررر…” أجاب الشاب مرتجفاً.
“عاتشوووو…”
“نيبون، ما رأيك؟ هل تودّ أن تصبح قوياً؟ هذا العجوز مستعد لتولي تدريبك.”
“قوي؟ وهل.. أنت… قوي يا.. عجوز؟”
“نوعاً ما.” ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، تحمل شيئاً من الغرور.
ركض خلفه نيبون:
“نوعاً ما؟ أيها العجوز، أنت… تبدو ضعيفاً… بالنسبة لي!”
“ها…” صمت نيبون فجأة وكأنه استوعب شيئاً:
“كيف… كيف وصلنا من… الساحة إلى هذه الجبال؟”
“عاتشوووو.”
ارتفع ضحك ليلار بين الجبال الصخرية، بينما الأشجار الصغيرة تخرج من بين الصخور. كان صدى ضحكته يرتد بين الجدران الحجرية كأنه ضحك كائن غامض.
“لتوّك استوعبت؟ يا لك من غبي.”
ثم بدأ ليلار يحكي له ما جرى في المدينة منذ فقدانه الوعي.
بعد ذلك بدا نيبون مصدوماً:
“إذاً هذا ما حدث؟!”
“نعم، ولقد خرجنا بسرعة… هذه الأحداث لا يمكن التستر عليها كثيراً. الأخبار ستجذب الكثير من الانتباه إلى هذه المملكة الصغيرة. ولا بد أن يرسل الجيش أحد أعضائه للتحقيق في الحادث. لذا سنرجع أولاً إلى المقر.”
نظر نيبون نحوه بغضب:
“ومن قال لك إنني أريد مرافقتك؟”
“بررررررفيووووو….”
سخر ليلار:
“هل تظن نفسك قادراً على العيش بسلام بعد هذا؟ ليكن في علمك، كل من كان في الساحة تم التعرف عليه… صورتك ستعلق قريباً ضمن المطلوبين. أينما ذهبت، ستجد من يطاردونك من أجل مكافأتك. ولا تنسَ… نقابة الصيادين؛ عيون وآذان الجيش المنتشرة في كل مكان.”
بدأ الخوف يتسلل إلى نيبون، لكنه حاول إخفاءه.
“أنت ضعيف للغاية. الإمساك بك سهل مثل شرب الماء. أنا لن أجبرك على الذهاب معي… أما إخراجك من الساحة فكان مساعدة مني فقط.”
“لكن… أي مقر تتحدث عنه؟” قال نيبون وهو يمشي بسرعة للحاق به.
“لقد أخبرتك… بيتك الجديد. عندما نصل ستعرف كل شيء.”
صمت ليلار قليلاً ثم أكمل:
“هل قررت الذهاب أم لا؟”
بدأ نيبون يقفز بينما يمشي ليخفف البرد، وبعد قليل من التفكير قال:
“وهل ستجعلني قوياً؟”
“هذا يعتمد عليك… إن كنت ستنفذ كل ما أقوله دون تذمّر.”
تشجع نيبون، وأخرج نفساً قوياً ساخناً:
“حسناً… لقد قررت. سأنضم إليك. لكن لم تخبرني باسم العصبة التي سأنضم إليها.”
ردّ ليلار:
“عصبة القيصر النائم.”
“ماذا؟!”
توقّف نيبون وشحب وجهه، ثم بدأ يتراجع.
ابتسم ليلار… كان يتوقع ردة الفعل هذه:
“ما بك؟” سأل ليلار.
“هل… هل أنت من تلك المنظمة سيئة السمعة؟”
“هيهيهي… يا لك من وقح. ماذا سمعت أيضاً عنها؟ هيا، أخبرني.”
تردد نيبون قليلا ثم قال:
“سمعت أنهم شياطين… ويعتبرون عدوّاً لدوداً لكنيسة اتحاد الأمم.”
“ماذا أيضاً؟”
“سمعت أنهم يقتلون ويدمرون لأجل المتعة… وإن غضب أحدهم تقوم القيامة في المكان الذي يكون فيه… وأيضاً سمعت عن المملكة التي اختفت قبل سبعة عشر عاماً… قيل إنهم سببها.”
بدأ ليلار يضحك:
“هل أبدو لك شيطاناً؟”
لم يجب نيبون، واكتفى بالتحديق فيه.
أكمل ليلار:
“وإن قلت لك إنك فتاة… هل ستصدقني؟ أم تكذبني؟”
احمرّ وجه نيبون:
“كيف تجرؤ أيها العجوز…!”
ثم صمت فوراً بعد أن تذكر أنه يتحدث مع أحد أفراد عصبة القيصر النائم.
“أيها الصبي… ليس كل ما تسمعه حقيقة. هذا غباء لدى كثير من الناس.”
“أعرف… لكن لا داعي لذلك المثال قبل قليل.”
ضحك ليلار بصوت مرتفع حتى سُمع صداه بعيداً:
“لم يعجبك كلامي؟ لا تقلق، كنت أمزح.”
“هل سترجع عن قرارك؟ فقط لأنك سمعت اسم عصبتي؟”
وقف نيبون في مكانه يفكر…
لم يكن لديه مكان يذهب إليه… كما أنه سيصبح مطارداً.
وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره فقط… وحيد في هذا العالم، مَن يستطيع الصمود وحده؟
كانت وحدته أثقل من الجبال المحيطة به.
بعد مدة قصيرة قال:
“حسناً أيها العجوز… سأكون في رعايتك من الآن فصاعداً. أرجو أن تعتني بي جيداً.”
ابتسم ليلار:
“ستعرف يوماً ما أن هذا الخيار هو أفضل قرار اتخذته في حياتك.”
“أتمنى ذلك…” ثم انحنى الفتى قليلاً.
“هيهي… لقد بدأت تعجبني يا فتى.”
“ماذا قلت أيها العجوز الوقح؟!”
ظهر الاحمرار سريعاً على وجهه.
تغير تعبير ليلار”يا لك من غبي… يبدو أن علينا تدريب عقلك أولاً قبل جسمك أيها الغر.”
بعد مرور بعض الوقت سأل نيبون:
“أيها العجوز… كم من الوقت سنستغرق للوصول إلى المقر؟”
أجاب ليلار:
“ليس كثيراً… فقط ستة أشهر إن بقينا نتمشى هكذا.”
“مممم… ماذا؟! ستة أشهر؟! هل تمزح معي؟!” صرخ نيبون بينما تجول صوته بين الجبال الشاهقة.
نظر إليه ليلار:
“هل صُدمت؟ يبدو أن علينا الإسراع قليلاً… لأن المقر ليس موجوداً على هذه القارة.”
لم يخرج نيبون من صدمته حتى رماه ليلار بأخرى.
اتسعت عينا نيبون:
“ماذا؟! وكيف سنعبر القارة؟! وأي قارة يوجد فيها المقر؟!”
لم يجب ليلار، بل قال:
“تعال تعال… سأريك شيئاً.”
أسرع الاثنان حتى خرجا من الدرب الضيق بين الجبال… وما ظهر أمامهما صدم نيبون.
كانت هناك سفينة صغيرة، طولها ستة أمتار وعرضها أربعة، معلقة في الهواء، ومن تحتها غيوم بيضاء، ويتدلّى منها سلم خشبي.
“هذه هي السفينة التي سنعبر بها القارات.”
قالها ليلار فأخرج نيبون من صدمته.
برقت عينا نيبون واتسعتا:
“إنها… رائعة…” قالها دون أن يشعر.
ـــــ
بالرجوع إلى يوسافير والبقية… كانوا الآن بعيدين جداً عن المدينة في غابة خلف الجبال، كانت الأشجار طويلة كأنها حراس الليل، والرياح تحمل رائحة الرحيل.
الجميع كان رأسه مرفوعاً نحو السماء، يحدّق في سفينة صغيرة كانت تشبه تماماً سفينة ليلار.
“إذن… هذه هي سفينتنا من الآن فصاعداً.”
أجاب ميمون:
“نعم… رغم أنها صغيرة، لكنها تفي بالغرض. يمكنها السفر لمسافات طويلة إن لم تكن هناك رياح.”
تكلّم يوراي فجأة:
“علينا أن نسرع… ونخرج من هنا. لا نعلم المشاكل التي سنقع فيها إن بقينا هنا.”
ردّ ميمون:
“معك حق… هيا بنا.”
بدأ يوسافير يصعد السلم المتدلي من السفينة، وتبعه ميمون، ثم يوراي، والخرساء في النهاية.
تقدم ميمون ووقف في الأمام، ووضع يده على مقبض التحكم، بينما جرّ يوراي السلم.
“هيا بنا،” قال ميمون.
بدأت السفينة تصعد ببطء:
ثلاثة أمتار… أربعة… خمسة… ستة… سبعة…
عندما وصلت لمستوى مرتفع، توقفت عن الصعود. فتح يوسافير ويوراي الأشرعة، وبدأت السفينة تتحرك للأمام بقوة الرياح.
بعد ذلك انطلقت السفينة بسرعة نحو الغرب.
رحلتنا القصيرة في راندور انتهت…
لكن رحلة أصدقائنا لتوّها بدأت.
فما هو المصير الذي ينتظر يوسافير والبقية بعد هذه الأحداث؟
نهاية الفصل.
