الفصل الواحد والأربعون: أكسر الأغلال
بعد رحلة مشي ليست بالقصيرة، وصل الصبي الصغير إلى ضفاف النهر، وكان الوقت حينها قد بلغ ذروته حين استوت الشمس فوق رأسه في كبد السماء، مرسلةً هجيرها الذي خففت من حدته الأشجار الخضراء الطويلة والسامقة؛ تلك الأشجار التي كانت تقف كحراسٍ للغابة، تمنع أشعة الشمس من الاختراق إلا ما تسرب خفيةً بين الأغصان المتشابكة أو عبر فواصل الأوراق الخضراء اليانعة.
كان النهر في تلك البقعة صافياً نقياً كأنه مرآة مصقولة، لدرجة أن قاع النهر كان يلوح للناظر بكل وضوح، حيث تُرى الحجارة الملساء، وتُشاهد أسماك السلمون ذات اللون الأحمر الزاهي وهي تندفع بكل قوتها وجبروتها ضد التيار الهادر، في صراعٍ أزلي من أجل البقاء.
كان المكان يضج بحياةٍ هادئة؛ أصوات الطيور التي تغرد بألحان متناغمة تشنف الآذان، وأصوات الحشرات الصغيرة التي تصدر طنيناً خافتاً يمتزج مع خرير المياه المتدفق، مما أضفى على المكان صبغة من السكينة والوقار التي تريح النفس.
ارتسمت على وجه الصبي ابتسامة عريضة ملؤها الرضا بعد أن وضع صنارة صيده البسيطة والدلو المصنوع بإتقان من القصب على الأرض. أمسك بخصره بيديه الصغيرتين، وتراجع بظهره إلى الوراء في حركة تمددٍ مريحة ورأسه مرفوع نحو هامة السماء، ثم استنشق الهواء النقي بقوة في شهيقٍ عميق: “هيييييييه”، ثم أتبعه بزفيرٍ طويل أخرج معه كل تعب الطريق.
براق.. براق..
رفع يديه الصغيرتين نحو السماء وفرقع أصابعه في الهواء، ثم خفض نظره ليركز على أدواته، وتحديداً الصنارة، وقال في نفسه: “لدي الآن الصنارة، لكنني ما زلت أحتاج لبعض الطعم المناسب.”
تأمل الصبي في الغابة التي تمتد خلفه، كانت غابة كثيفة الأشجار، غامضة وموحشة في بعض جوانبها. بدأ يمشي نحو الجانب، وعيناه تراقب الأرض وجذوع الأشجار بحثاً عن ضالته، حتى وجد شجرة عملاقة قديمة، يبدو أن نصف جذعها قد فارقته الحياة وأصبح ميتاً. تأمل فيها للحظة، ثم اتسعت ابتسامته.
“لقد وجدت الطعم المنشود.”
وقف أمام تلك الشجرة المهيبة ولمس خشبها الخشن بيده الصغيرة.
“إنها سميكة جداً.. أمممم، يبدو أنني سأحتاج إلى استخدام بعض الحجارة الحادة للوصول إلى ما أريد.”
تراجع دارف خطوات قليلة إلى الوراء، ثم بدأ يبحث بهمة عن حجارة تكون حادة بما يكفي لكي يتمكن من الحفر داخل خشب الشجرة الميتة والقاسي. وبعد بحثٍ دقيق استمر لفترة، تمكن من إيجاد حجرٍ أسود طويل قليلاً، ذي حافة حادة وقاطعة، وكان حجمه أكبر من كف يده بقليل، مما يجعله مثالياً للمهمة.
تراجع نحو الشجرة ووقف أمامها بوقفة ثابتة، ثم بدأ يبحث بعينيه السوداوين الثاقبتين عن أية حفر أو شقوق صغيرة قد تختبئ فيها الكائنات.
“ها هي ذا.. وجدتُ واحدة.”
ابتسم بظفر بعد أن رأى حفرة صغيرة جداً، لا تتسع إلا لإصبعه الصغير، ومن تلك النقطة بدأ يحفر ويقشر الخشب باستخدام حجره الحاد. وبعد إزالة بعض القشور القاسية لتلك الشجرة الميتة، لمح دارف جزءاً صغيراً من جسم دودة ذات لون أصفر باهت.
كانت هذه هي “دودة المنشار” التي يبحث عنها. وبعد أن استمر في نزع القشور بحذر، ظهر جسم الدودة كاملاً أمامه. أمسك بها برفق ثم وضعها أمام عينيه، وأخذ يتأمل في حركتها لبعض الوقت بنظرة طفولية شابتها مسحة من الحزن.
“آسف أيتها الدودة المسكينة، ستكونين طعماً للأسماك في هذا اليوم.. أعدكِ إن رأيتكِ مرة أخرى في الغابة فلن ألمسكِ أبداً.”
ثم قام بوضعها في جيبه بعناية وبدأ يبحث عن غيرها في الشقوق الأخرى. وهكذا، ومع مرور الوقت، تمكن من جمع كمية كبيرة ووفيرة من دودة المنشار.
بعد ذلك، توجه بطلنا الصغير إلى ضفة النهر مرة أخرى، وحمل صنارته بتركيزٍ عالٍ. مد يده نحو جيبه وأخرج دودة صغيرة، ثبتها بعناية في خطاف الصنارة، ثم قام بحركة دائرية وقذف بالخيط في الماء: “فيووووو… تبوب.”
وقعت الدودة وسط مياه النهر الصافية. وكان تركيز الصبي كله منصباً على تلك القطعة من الطعم التي كانت تسبح نحو الأعلى في محاولة بائسة للخروج من الماء، لكن دون جدوى. وكانت محاولات الدودة المستمرة للصعود كافية لإحداث اضطرابات وجذب انتباه العديد من أسماك السلمون التي استشعرت تلك التذبذبات.
ارتسمت على وجه الصبي علامات الحماس عندما شاهد لوناً أحمراً براقاً تحت سطح الماء يقترب ببطء وحذر من طعمه؛ لقد كان ذلك اللون الأحمر يعود لسمكة السلمون المشهورة بجودتها وصعوبة صيدها.
وبسرعة خاطفة، تم قضم الطعم، لكن ردة فعل دارف كانت مذهلة وسريعة أيضاً؛ فقد ظهرت لمحة من الجدية التامة على وجهه، بينما بدأت قطرات العرق الصغيرة تتكون على جبينه من شدة التركيز. رفع الصنارة عالياً وبقوة، لكن يده ارتفعت خاوية.. لقد ضاع الطعم ونجت السمكة.
“هذا صعب جداً، لكن هذا بالتحديد ما يجعل الصيد أمراً ممتعاً ومثيراً! لن يكون للأمر أي قيمة إن أمسكت بها منذ المحاولة الأولى.” تمتم دارف بذلك وهو يعيد تثبيت طعمٍ جديد.
رمى الصبي الصنارة مرة ثانية، وانتظر بصبرٍ نافد. وبعد برهة قصيرة رفعها بقوة، لكن النتيجة كانت ذاتها.. فشلٌ آخر. وهكذا، تصمر دارف في مكانه كأنه تمثال، مر الوقت وهو يحاول ويحاول، حتى رفع صنارته في مرةٍ أخرى وهو يخرج طرف لسانه من شدة التركيز والجهد. هذه المرة، شعر بأن الصنارة ثقيلة بشكلٍ مختلف، والشدُّ في الخيط كان قوياً.
ارتفعت سمكة حمراء كبيرة تتلوى بعنف يميناً ويساراً، تقاوم بكل ما أوتيت من قوة لتنجو بحياتها، لكن هيهات! فقد غُرس الخطاف عميقاً داخل فمها. أمسك دارف بالسمكة الحمراء القوية، وكانت ابتسامة النصر تعلو وجهه، ممتزجةً بقطرات العرق التي كانت تنزح من جبهته وتسيل على خديه.
“وأخيراً.. حصلتُ على السمكة الأولى!”
نزع دارف الخطاف برفق من فمها، ثم وضعها في دلوه الذي كان قد فرش قاعه ببعض الأعشاب الخضراء، ثم أخرج دودة أخرى وكرر العملية ببراعة. تكرر الأمر مراراً وتكراراً، والوقت يمر وهو غارق في عالم الصيد.
وبعد عشيةٍ حافلة بالصيد الوفير والناجح، قرر دارف أن الوقت قد حان للعودة إلى القرية. وضع الصبي آخر سمكة اصطادها في دلوه القصبي الذي بدا ممتلئاً تماماً بالسمك الأحمر الجميل.
“فوووو…” تنهد الصبي تنهيدة راحة عميقة، ثم نظر نحو أعشاب طويلة تنمو على جانبه الأيمن، فذهب نحوها وبدأ يقتلع أوراقها الخضراء الكبيرة فقط. وبعد اقتلاع كمية كافية، غمرها بالماء البارد من النهر، ثم وضعها فوق الأسماك بعناية فائقة لكي يحافظ عليها طرية وباردة حتى يصل للمنزل.
حمل دلوه الثقيل في يد، وصنارته في اليد الأخرى، وهمَّ بالعودة أدراجه نحو القرية. كان دارف يمشي بخطوات بدأت تصبح متثاقلة من التعب، ووجهه الصغير الطفولي يحمل ملامح الإرهاق المحبب، بينما كان شعره الأشقر يتطاير وتتلاعب به الرياح الخفيفة.
ومن مسافةٍ بعيدة، بدأت رائحة دخانٍ غريبة تتسلل إلى أنف دارف. توقف والتفت نحو اليمين واليسار باحثاً عن مصدرها، لكنه لم يرَ أي شيء يثير الريبة في محيطه المباشر.
“هناك شيء ما يحترق.. رائحة قوية، لكنني لا أرى شيئاً.. هذا أمرٌ غريب حقاً.” فكر في نفسه بقلق.
رفع دارف رأسه نحو السماء التي بدأت تكتسي بحمرة الغروب وتظلم شيئاً فشيئاً، وهناك لاحظ تصاعد دخانٍ رمادي كثيف من جهةٍ بعيدة.
“إنه قادم من اتجاه القرية.. هل يقومون بحرق شيء ما؟ ربما هي كومة من القش؟” هكذا حاول الصبي طمأنة نفسه.
بعد السير لبضع دقائق إضافية، وصل دارف أخيراً أمام مدخل القرية، وهناك توقف فجأة كأن صاعقة قد أصابته. سقطت الصنارة من يده، وتبعتها الدلو، ليتناثر السمك الأحمر على الأرض الترابية.
أمامه، كان هناك مشهدٌ كابوسي لم يكن ليتوقعه في أبشع خيالاته؛ كانت النيران تلتهم البيوت الخشبية ببطءٍ مرعب، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد من ركام المنازل التي استحالت رماداً.
أول ما خرج من فم الصبي بنبرة مرتعشة ومحطمة:
“أبي… أمي…”
بدأ الطفل يركض بجنون بين تلك المنازل التي تآكلها الحريق، والأشجار التي كانت تظلل الدروب أصبحت الآن مشاعلاً من نار. ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ لم يقطعه إلا أزيز النيران، مشحون بمشاعر الوحدة المطلقة والرعب الذي يجمد الدماء في العروق. أينما وجه بصره وهو يركض، لم يكن يرى سوى الخراب والدمار الشامل.
كانت الحيوانات تحترق في حظائرها، والناس الملقون في الطرقات لم يكونوا يختلفون في منظرهم المتفحم عن تلك الحيوانات. وبعد جريه لبعض الوقت، توقف فجأة وهو يلهث بحدة.
هناك، رأى الأطفال الذين كانوا يسخرون منه كل صباح ويضايقونه، ملقون الآن على الأرض جثثاً هامدة محترقة، أرواحهم قد غادرت أجسادهم الصغيرة منذ مدة طويلة. كانت الجثث متناثرة في كل زاوية من زوايا القرية؛ رأى الأطفال، والنساء، والعجائز الذين كان يعرفهم بالاسم، وحتى الحيوانات الأليفة.
فجأة، ارتفع صوت أنينٍ موجع بجانبه. التفت نحو مصدر الصوت، فإذا بحصانٍ أبيض قد استحال لونه للرمادي، يفتح فمه ويغلقه في نزع أخير، عيناه كانتا متسعتين بشكلٍ مرعب وغير طبيعي، ودموعٌ حقيقية كانت تنزل من عينيه حرقةً، يضيئها اللهب الذي كان يأكل لحمه الحي ببطءٍ شديد.
نزلت دموع الصبي في صمت. كان دارف مصدوماً لدرجةٍ تفوق الوصف؛ فالبكاء الذي خرج منه في الصباح لمجرد مضايقة بعض الفتيان، ها هو الآن يرفض أن يخرج رغم كل هذا الهول، بسبب شدة الصدمة التي تراءت لعينيه. كانت الدموع تنزل بغزارة على خديه، لكن أنينه كان محبوساً في صدره، لا يُسمع له أثر.
أكمل الصبي سيره المتخبط، والدموع تنهمر كالسيل، وفمه مغلق بإحكام وكأنه يخشى أن تخرج روحه إن فتحه. لقد كان يخشى من شيءٍ محدد.. كان قلبه يتألم بشدة، ألماً فيزيائياً حقيقياً وهو يركض نحو وجهته الأخيرة.
ما هي إلا دقائق معدودة، حتى وصل إلى منزله الذي غادره بابتسامة في هذا الصباح.
هناك، أمام ركام منزله المنهار، رأى المشهد الذي مزق قلبه وروحه إلى أشلاء لا يمكن جمعها: والداه.. مصلوبان ومعلقان على الشجرة الكبيرة التي طالما لعب تحت ظلها بجانب المنزل، مصلوبان جنباً إلى جنب ومحاطان بنيرانٍ تتصاعد من تحت أقدامهما، تأكل لحمهما ببطءٍ شديد.. ودماءٌ قانية تغمر جسديهما اللذين امتلآ بالجراح والطعنات العميقة.
تجمد دارف في مكانه تماماً، وعيناه السوداوان كادتا أن تنفجرا وتخرجا من محجريهما بسبب بشاعة المشهد الماثل أمامه. سقط الصبي على ركبتيه بضعف، وعيناه تعكسان بوضوح تلك النار اللعينة التي كانت تنهش جسد والديه. الدموع لم تتوقف، بل ازدادت حرارةً وحدة.
فجأة، انبعث منه صوتٌ مكسور بعد صمتٍ طويل وموحش ساد منذ دخوله القرية:
“لا.. لا لا لا لا.. هذا غير صحيح.. هذا لا يمكن أن يحدث أبداً.. توقفوا أرجوكم.. أنا لا أريد هذا!”
“أمي… أبي… توقفا عن هذا المزاح الثقيل.. هذا.. هذا مجرد تمثيل، أليس كذلك؟ أنتما تمزحان معي فقط لكي تروا ردة فعلي؟” كان صوت دارف يرتجف ويمتزج بمرارة دموعه البريئة والنقية.
“لماذا يحدث كل هذا لي؟ أنا.. أنا لم أفعل شيئاً يستحق هذا.. أنا لم أرتكب أي ذنبٍ خاطئ.. لماذا يحاربني هذا العالم بكل قسوته؟ لماذا العالم قاسمٍ معي إلى هذا الحد؟”
“هيييق… هيييق… هيييق… هيييق…”
بدأت شهقات البكاء تخرج ببطءٍ وصعوبة من فمه الذي كان مقبوضاً.
وفجأة، انفجر البركان الكامن في صدره:
“وععاااااااااااااااا… وععاااااااااااااااا… وععااااااااااااااااااا…”
أطلق الصبي صراخاً مروعاً يمزق نياط القلوب، صراخاً هز أركان القرية المحترقة. لقد كان يتألم من أعماق أعماقه.. وأي ألمٍ هذا الذي يفوق طاقة طفلٍ صغير؟
“وععاااااااااااا… وععااااااااااااا…”
ازدادت حدة بكاء الصغير وهو يرى النار تزداد اشتعالاً حول والديه، وفمه كان مفتوحاً عن آخره من قوة صراخه الجهوري، حتى بدأت قطرات من الدماء تخرج من أذنه ومن أنفه بسبب الضغط الشديد والانهيار العصبي الذي أصابه.
تك.. تك.. تك.. تك..
وفجأة، ومن بين ظلال البيوت المتهدمة والمنهارة، ظهر شكلٌ أسود مخيف، كيانٌ كأنه قطعة من الظلام المحض. تقدم هذا الشكل بخطواتٍ وئيدة وهادئة من خلف الصبي المنهار. وعلى الرغم من صوت وقع الخطوات، إلا أن دارف لم ينتبه لوجود أحد، ولم يسمع شيئاً بسبب دوي صراخه الذي كان يملأ مسمعه.
تقدم الشكل أكثر فأكثر حتى وقف أمام الصبي مباشرة، حائلاً بينه وبين مشهد والديه. كان فم الصبي لا يزال مفتوحاً وعيناه مغمضتين من فرط الألم، لكن ظل ذلك الشكل الغامض سقط فوق دارف، مغطياً جسده الصغير بالكامل.
ذلك الظل البارد الذي غطى الطفل جعله يفتح عينيه ببطء، لكن صراخه لم يتوقف، بل استمر في نحيبه. لم يستطع دارف تمييز ملامح هذا الكيان، فقد كان عبارة عن ظلامٍ دامس لا ملامح له، كأنه ثقبٌ أسود في وسط الحريق.
وفجأة، تسلل صوتٌ خشن، بارد، ومزعج إلى مسامع الصبي رغم ضجيج الصراخ والنيران. كان صوتاً يثير القشعريرة، كلمات واضحة للطفل لكن هوية صاحبها كانت لغزاً، صوتاً يبدو وكأنه احتكاك معدنٍ صدئ ببعضه.
“أيها (العين).. وجدتك أخيراً.. الآن ستتذوق طعم موتٍ أبشع بكثير ممن سبقوك من هؤلاء الضعفاء.”
ارتجف جسد الطفل بالكامل وتوقف عن الصراخ فجأة، وكأن صوته قد بُحَّ من الصدمة.
“مـ… مَن أنت؟ هل.. هل أنت من فعل هذا بوالدي؟” سأل دارف، والمفارقة هي أنه لم يشعر بالخوف في تلك اللحظة، بل بشيءٍ آخر أعمق وأشد.
“عائلتك.. وجميع أهل هذه القرية.. قتلتهم جميعاً بيدي هاتين.”
خرج الصوت المزعج مرة أخرى، مؤكداً وقوع الجريمة بدمٍ بارد.
في تلك اللحظة، اشتعلت نيرانٌ أخرى داخل قلب دارف، نيرانٌ أشد حرارة من التي كانت تلتهم منزله. شدَّ على قبضتيه الصغيرتين بكل قوته، ووقف ببطءٍ وثبات مريبين، بينما عيناه السوداوان برقتا ببريقٍ حادٍ ومفترس.
“كيف… كيف تجرؤ على فعل ذلك أيها الوااااااااغد!!”
صرخ دارف بكل ما تبقى له من قوة وهو يوجه قبضة صغيرة نحو ذلك الشكل الأسود الضخم.
“تباااااااا لك!” بوم!
لكن، وكأن ريشة قد سقطت على الأرض، حطت قبضة الصبي على جسم ذلك الكيان دون أن تحرك منه شعرة. استمر دارف في ضربه بيأس: “تباً لك!”.. ضربة أخرى.. “تباً لك!”.. وأخرى.. وأخرى..
لكن كل محاولاته ذهبت سدى دون أدنى جدوى. مدَّ الشكل الأسود يده الطويلة والمظلمة، وأمسك بالصبي من رقبته بيسر. ثم سخر منه بنفس ذلك الصوت المنفر:
“هيهيهي.. أيها الصعلوك الصغير.. لا تحلم أبداً بأن تنال مني.”
رفع الصبي عالياً في الهواء، وحاول دارف بكل قوته أن ينظر في عيني هذا الكيان، لكن مهما حاول ومهما ركز، لم يستطع كشف أي ملمحٍ بشري أو مظهرٍ واضح للآخر.
فجأة، شعر دارف بجسده يطفو في الهواء لوحده بفعل قوةٍ خفية، ثم بسرعة وبقوةٍ هائلة اندفع إلى الوراء كالقذيفة حتى ارتطم بجذع الشجرة الصلب.
بومممممم!
“أععععع!” قذف دارف كمية كبيرة من الدماء القانية من فمه جراء قوة الارتطام بالشجرة. كانت هي ذات الشجرة التي عُلِّق عليها والداه. التفت الطفل يميناً برأسٍ مثقل فرأى جثة أبيه، ثم يساراً فرأى جثة أمه..
ثم تجمد في مكانه، يداه كانتا ممتدتين على جانبيه بفعل قوى الكيان.. وفجأة:
براق..
مسمارٌ ضخم انطلق من العدم، ضُغط بقوةٍ هائلة واخترق كف يده اليمنى مثبتاً إياها في جذع الشجرة بعنف.
“وععاااااا!”
خرجت صرخة تمزق نياط القلب من فمه، مختلطةً برذاذ الدم.
براق.. تكرر الأمر مرة أخرى مع اليد اليسرى.
“وععاااااا!”
وصراخٌ يتبعه صراخ. لكن المسامير لم تتوقف عند هذا الحد؛ ففي نفس اليد اليمنى، غُرس مسمارٌ ثانٍ.. وثالث.. ورابع..
“وععااااااااااااااا…”
مع كل مسمار يخترق لحمه وعظمه، كان دارف يصرخ بأعلى طبقات صوته، صراخاً كان يخرج من حنجرته قطرات من الدماء المتطايرة. لكن ما زاد من جحيم ألمه هو النار التي كانت تتوقد وتتصاعد حرارتها تحت قدميه الصغيرتين. امتدت المسامير على طول ذراعيه لتصل إلى كتفيه، ونفس الحال تكرر مع اليد الأخرى. صراخ دارف لم ينقطع، بل أصبح عويلاً لا بشرياً.
ارتفع مسمارٌ أخير بجانب الشكل الأسود، مسمارٌ كان يشع ببريقٍ أحمر ناري، وكأنه مصنوع من اللهب الذي يحرق كل شيء يلمسه. في تلك اللحظة، فقد الصبي وعيه تماماً من شدة الألم الذي فاق قدرة التحمل البشرية.
ثم قال الشكل الغامض بصوته المزعج والمستهزئ:
“يا لك من كائنٍ مسكين.. نهايتك ستكون عبرة.”
لكن فجأة، وبنبرةٍ واثقة جاء الرد: “المسكين الحقيقي.. هو أنت.”
بين ظلال البيوت المحترقة، ظهر شخصٌ ما فجأة.. شخصٌ يحمل حضوراً طاغياً. وما إن خرجت تلك الكلمات القوية من فمه، حتى انطلق كالسهم نحو الشكل الأسود.
بومممممم!
ركلةٌ قوية وجبارة أرسلت ذلك الشكل الأسود طائراً لمسافةٍ بعيدة جداً، محطماً في طريقه عدة منازل وأشجار كانت لا تزال واقفة وسط الخراب.
بسرعةٍ البرق انطلق الشخص المنقذ نحو الطفل المعلق، وبتلويحةٍ واحدة من يده نزع كل تلك المسامير من يديه الصغيرتين. مرر يده برفقٍ على جسد الصبي؛ كان جسد دارف ساخناً جداً كالجمر، ورائحة احتراق اللحم بدأت تصعد من جسده الذي بدا شديد الاحمرار والحروق.
رفع الشخص الصبي ووضعه على كتفه بحرص، ثم كما ظهر من العدم، اختفى بسرعةٍ فائقة بين الأشجار المتفحمة والظلال.
دارف، الذي فقد وعيه للحظاتٍ طويلة، بدأ يفتح عينيه ببطءٍ شديد وبصعوبة. توقفت عيناه في تلك اللحظة على وجه الشخص بعيد في ظلام.. شخصٌ يمتلك ذات عينيه السوداوين تماماً، يحدق به بنظرةٍ مليئة بالأسى والحرقة في آنٍ واحد.
نعم.. لقد كان يوسافير! كان يوسافير واقفاً هناك، دون أن يدرك تماماً كيف وصل إلى تلك اللحظة من الماضي، أو كيف تجسد في ذلك المكان. قبل قليل، كان هو نفسه في جسد ذلك الصبي الصغير يصرخ من الألم، أما الآن، فها هو يرى دارف أمامه، جثةً حيةً مليئة بالجراح والندوب.
وفجأة، رأى يوسافير بعينيه شفتي الطفل الصغير تتحركان بضعفٍ شديد، وبالكاد استطاع سماع تلك الكلمات الهامسة التي خرجت من بين شفتيه المحترقتين.
تلك الكلمات التي لم تكن مجرد حروف، بل كانت ميثاقاً حُفر في أعماق كيان يوسافير:
“أكسر.. الأغلال.”
نهاية الفصل
