Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

خطيئة الإنسان 40

رسالة من الماضي

الفصل الأربعون: رسالة من الماضي

“المهم، لنترك هذا الأمر جانباً.. أما الآن، فلنرى ما تكتنزه هذه الجمجمة.”

تدخل يوراي بنبرة مشوبة بالحذر: “تبدو هذه الجمجمة غامضة للغاية؛ ذاك الصوت الذي انبعث منها وجعل كل من يسمعه يركع أو يفقد وعيه، لا أظنها مجرد بقايا عادية.”

عقّب ميمون مؤيداً: “نعم، وتلك الكلمات التي خرجت منها زادت الأمور تعقيداً وغموضاً.”

“تشيرنوبيل!” تمتم يوسافير بذهول، “يا تُرى ما سر هذا الاسم الذي نطقَت به وجعل روحي تكاد تفارق جسدي؟”

أجابت الخرساء بتخمين هادئ: “من المحتمل أنه اسم شخصية ما عاصرت ذاك الزمن.”

بعد أن أمعن النظر في الجمجمة الذهبية، تساءل يوسافير: “الكتابة هي ذاتها التي وجدناها على الخرسانة.. هل تظنون أن الشخص نفسه هو من خطَّ كلماته على هذه الجمجمة أيضاً؟”

أجابه ميمون: “ليس مستبعداً، فكل الدلائل تشير إلى ذلك.”

“المهم، لنقرأ ما دُوّن عليها، فهي لا تحتوي سوى على بضع أسطر.”

أومأ الثلاثة برؤوسهم في ترقب. رفع يوسافير الجمجمة وتأمل ثناياها لثوانٍ، ثم بدأ يقرأ بصوت رزين:

“منذ أن أدركتُ الحقيقة وعرفتُ كل شيء، لم أعد أنا الشخص الذي كنتُه، ولم تعد نفسي هي نفسي، ولم يعد هذا العالم يبدو لي كما كان في السابق. لطالما سألتُ نفسي السؤال ذاته: من أنا؟

يا من تقرأ كلماتي، هل شعرتَ بمرارة معاناتي؟ كان حلم (دارف) أن يغير هذا العالم ويعيده إلى سابق عهده، لكن يبدو أنها كانت مجرد أضغاث أحلام.

رغم ذلك، لستُ نادماً، حتى وإن أصابني الجنون وتهتُ في أرجاء هذا العالم المسموم. البشر يقاتلون بعضهم البعض ولم يدركوا أن عدوهم اللدود يقطن بينهم، يسيرهم كما يسير الكلبُ قطعان الأغنام، يقودهم إلى الهاوية وهم يتبعونه مغمضي الأعين.. سحقاً لهم، فقريباً سينقرضون.”

صمت يوسافير بعد انتهاء الكلام، ولا تزال عيناه معلقتين بالجمجمة.

“هل انتهيت؟” سأل يوراي بفضول.

رد يوسافير: “نعم، هذا كل ما كُتب. الكلمات تبدو كرسالة استغاثة أو وداع، لا أعلم إن كان هو صاحب الورقة السابقة أم لا، لكن من الواضح أنه كان يعاني صراعاً مريرًا.”

تركت الكلمات أثراً عميقاً في نفوس الحاضرين. وبعد صمتٍ ثقيل، قالت الخرساء: “تلك السطور الأولى… يا تُرى ما الذي كشفه هذا الشخص حتى يكتب بهذا اليأس؟ ما الحقيقة التي رآها وجعلته يبدو تائهاً هكذا؟”

أومأ يوراي بعد أن عدّل جلسته: “كلماته تقطر عجزاً تاماً، وكأنه استسلم لقدرٍ أكبر منه.”

فكر يوسافير ملياً وهو يضع الجمجمة على الأرض: “لقد كان يطمح لتغيير العالم.”

ابتسم يوراي بمكر: “أليس هذا هو الهدف ذاته الذي تسعى إليه؟”

“لكنه فشل في تحقيقه،” علّق ميمون باختصار.

ابتسم يوسافير وهو ينظر إلى قبضة يده المشدودة، حيث برزت عروقها بتحدٍ: “سيكون أمراً مذهلاً أن أحقق ما عجز عنه من سبقوني.”

“تبدو متحفزاً بشكل مريب،” قال ميمون.

سخر يوسافير بنبرة حادة تفيض بالثقة: “ولمَ لا أتحفز؟ ذاك الشيء كان بالنسبة له (حلماً)، والأحلام غالباً ما تظل سراباً لا يُطال. أما بالنسبة لي، فهذا (هدف)، والهدف لا بد أن يُحقق.”

“وما الفرق الجوهري بينهما؟” سأل يوراي.

أجاب يوسافير بيقين: “الأحلام تبقى خيالات في العقول، أما الأهداف فهي واقع ننتزعه بأيدينا مهما كلف الثمن.”

“أحم، أحم.”

نظف ميمون حنجرته ليعيدهم للواقع: “المهم، لا تنسوا ما قاله؛ لقد تبدلت شخصيته تماماً بعد معرفته لذاك السر الغامض.”

“لا داعي للعجلة، سنكشف الستار عن كل شيء في النهاية،” أجاب يوسافير ببرود.

“وما رأيكم في قوله إن عدوهم اللدود بينهم، وإن البشر سينقرضون؟ ماذا كان يقصد؟” تساءل يوراي.

خيم الصمت مجدداً بينما كانت عقولهم تحاول تحليل هذه النبوءة السوداء، لترتسم علامات الحيرة على وجوههم.

قال ميمون بعد برهة: “غالباً كان يشير إلى فناء الجنس البشري، لكن الكيفية تظل لغزاً.”

“انقراض البشر! هذا احتمال مرعب حقاً.”

ظل الأربعة في حالة من التيه الفكري، كأن الكلمات قد قيدت خيالاتهم في دائرة مغلقة. تنهد يوسافير ثم وقف بجهد: “التفكير المفرط الآن لن يجدي نفعاً. نحن لا نزال في بداية طريقنا ولا نعرف عن خفايا هذا العالم إلا القليل. مهما حللنا هذه السطور، فلن نخرج بنتيجة ملموسة. سنؤجل هذا النقاش حتى نجتمع ببقية الرفاق.”

ما إن أتم يوسافير جملته حتى بدأ الشحوب يغزو وجهه، والنعاس يطغى على ملامحه قسراً: “تباً، ليس الآن..”

استشعر البقية خطباً ما ونهضوا مجتمعين حوله. “يوسافير، هل أنت بخير؟” سأل ميمون بقلق.

رؤية يوسافير وهو يمسك رأسه بألم جعلتهم في حالة ارتباك، لكن يوراي كان يدرك حقيقة ما يحدث. توجه يوسافير نحو غرفة صغيرة في السفينة، ورفع يده اليمنى بإشارة قاطعة: “لا تلحقوا بي.”

دفع الباب ودخل، ثم أوصده خلفه بقوة.

ساد صمت مطبق في أرجاء السفينة المحلقة في كبد السماء لعدة دقائق، قبل أن ينفجر الصمت بصرخة هزت الأركان:

“واااااااااه! واااااااااه! واااااااه!”

ارتفع صراخ حاد وممزق جعل الجميع يرتعدون، كان صوتاً لا يشبه صوت يوسافير المعتاد، كأن عظام جسده تتحطم داخله، أو كأن روحاً أخرى تحاول انتزاع مكانها. حتى الطيور التي حطت على حافة السفينة بدأت تميل رؤوسها بفضول وقلق من حدة الصوت.

التفت ميمون إلى يوراي بوجه شاحب: “هل لا يزال يعاني من تلك الكوابيس اللعينة؟”

رد يوراي بحزن، وعيناه المغمضتان مصوبتان نحو الباب المغلق: “نعم.. لقد كانت نظرة الاستسلام ذاتها ترتسم على وجهه.”

“متى كانت المرة الأخيرة؟” سأل ميمون مجدداً.

“قبل انطلاقنا من جزيرة سيلان بيوم واحد.”

“واااااااااه! وااااااه!”

وقف الاثنان عاجزين، يستمعان بمرارة لصرخات الألم المنبعثة من الغرفة. كان وجعاً لا يدرك كنهه إلا يوسافير وحده. كانت نظرات يوراي وميمون مزيجاً من الحزن والشفقة، أما الخرساء، فقد جثت على ركبتيها واضعة يديها على أذنيها لتسد صوت الألم، بينما انهمرت الدموع من عينيها العسليتين بغزارة وصمت، لآلئ تنساب على خدودها الحمراء وهي تحدق بكسرة في الباب.

ـــــ

في تلك الأثناء، داخل الغرفة الخالية إلا من السرير وبعض الأمتعة، سقط يوسافير على فراشه مغشياً عليه، لينزلق فوراً في دهاليز وعيه.

رأى نفسه.. صبياً في العاشرة من عمره، بشعر أشقر وعينين سوداوين مظلمتين كعيني يوسافير الآن.

كان الصبي في غرفة مظلمة، يغرق في نحيب مرير: “هه… هه… هه…”

فجأة، دلف رجل في الأربعينات من عمره إلى الغرفة. “هوي، لماذا تبكي مجدداً؟”

لم يرد الطفل، واكتفى بضم ركبتيه إلى صدره، بملابسه الصفراء وسرواله الأزرق، غارقاً في شهقاته. اقترب الرجل وانحنى بمواساته: “هل رفضوا اللعب معك ثانية؟ لا تحزن يا بني، فأنت رجل، والرجال لا يحتاجون للعب لكي يثبتوا وجودهم، أليس كذلك؟”

رفع الطفل رأسه واليأس يكسو نبرته: “إنهم… إنهم ينادونني بالوحش بسبب عيني. لماذا امتلك هاتين العينين؟ كل أصحاب الشعر الأشقر لديهم عيون زرقاء جميلة، لماذا أملك أنا املك هذه العيون؟”

كانت كلماته تقطر يأساً، كأنه يتهم نفسه بجرم لا يد له فيه. ابتسم الرجل وهو يجلس على الأرضية الخشبية ونزع قبعته الحمراء: “أتريد أن تعرف لماذا ينادونك بالوحش؟ لأنهم يغارون من فرادتك. انظر حولك، هل يملك أحد في قريتنا عيوناً تشبه عينيك؟ أنت الوحيد المميز بينهم، لذا عليك أن تفتخر لا أن تحزن.”

توقف الصبي عن البكاء قليلاً وسأل ببراءة: “هل هذا صحيح حقاً؟”

“وهل تظن أن أباك يكذب عليك؟ أنا شخصياً أتمنى لو كنت أملك عينين مثل عينيك.”

سكت الصبي لحظة، يتأمل وجه والده، ثم قال: “لكنهم لا يريدونني معهم.”

“لا بأس، اذهب إلى النهر واصطد لنا بعض السمك، ألا تحب الصيد؟” اقترح الرجل مشجعاً.

هز الصبي رأسه ومسح دموعه بعزم: “بلى.. حسناً يا أبي، لن أبكي مجدداً. سأذهب الآن لأصطاد عشاءنا.”

ابتسم الرجل وهو يراقب قامة ابنه الصغيرة وهي تختفي خلف الباب، قبل أن ينهض ويتبعه بهدوء.

خرج الصبي يحمل صنارته ودلواً مصنوعاً من القصب الأخضر. كانت القرية وادعة، منازل حجرية تتوسط غابة خضراء شاسعة. الشمس تشرق ملقية بظلالها على قطرات الندى فوق الأزهار الملونة، لتفوح منها رائحة زكية تمتزج مع زقزقة العصافير العذبة.

بينما كان يتمشى، رصده مجموعة من أطفال القرية. “انظروا! الوحش الباكي قد خرج!”

سخر آخر: “يبدو أنه بلل ملابسه بدموعه كالعادة.”

“إنه يحمل صنارة! يظن نفسه صياداً!”

“هاهاها! ذاك الجبان سيذهب للنهر وحده، أراهن أنه سيموت رعباً قبل أن يصل!”

تجاهل الصبي سخريهم وانطلق مسرعاً، مما زاد من وتيرة ضحكاتهم المستهزئة: “إنه يهرب! يا له من جبان!”

وصل الصبي إلى بوابات القرية، حيث كان الحارس “لوماس” مستلقياً على منصة عالية، يغط في نوم عميق بدلاً من المراقبة. حدق فيه الصبي ثم نادى: “أيها العم لوماس! أيها العم لوماس!”

لكن لوماس كان غارقاً في أحلامه ويتمتم بكلمات غير مفهومة. صعد الصبي إليه ببطء، واقترب من أذنه وصاح بأعلى صوته: “أيها العم لوماااااااااس!”

انتفض الرجل في رعب حتى سقط للخلف: “مـ… ما هذا؟!”

لكنه سرعان ما استعاد توازنه حين رأى الصبي ينظر إليه بفضول. “ما الذي تفعله هنا يا دارف؟” سأل لوماس وهو يلتقط أنفاسه.

“أردت إيقاظك لأخبرك أني ذاهب للصيد.”

“هل هذا كل شيء؟”

“نعم،” أومأ الصبي.

“حسناً، اذهب ولكن كن حذراً،” نادى عليه لوماس بينما كان الصبي يبتعد.

“لا تقلق،” رد دارف وهو يكمل طريقه نحو المجهول.

نهاية الفصل.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط