أبحرت السفينة قرب شواطئ الجزيرة التي ترتفع لثلاثة أمتار عن الماء.
علينا إيجاد مكان آمن لترك السفينة فيه. تحدث يوسافير.
وجه ميمون السفينة إلى الأمام بينما قال: ما بال هذا الشاطئ كله مرتفع؟
شششخخخ… شششخخخ… شششخخخ…
بعد أن لاحظ يوراي تدفق الماء من على الجزيرة سأل: هذا الماء من أين يأتي كله؟
دخلت كلمات الخرساء عقول الجميع: ستعرفون عندما تشاهدون، هذا شيء عجيب حقاً.
ما الشيء العجيب في ماء يتدفق؟ سأل يوراي.
ستعرفون عندما تدخلون الجزيرة.
كانت جميع جوانب الجزيرة يتدفق منها الماء بغزارة بين العديد من الأشجار الخضراء.
وبينما السفينة تبحث عن مكان لتركها فيه، ظهر قارب صغير مثل الذي انطلق به يوسافير ويوراي من جزيرة سيلان.
وكان على متنه رجل عجوز يرتدي الأبيض فقط وهو يحمل في يده صنارة صيد، يبدو وكأنه يصطاد السمك.
فور اقتراب السفينة أدار الرجل وجهه وبدأ يدقق فيها.
ضيق عينيه وهو ينظر إلى أعلى السفينة، هناك رأى راية حمراء تلعب بها الرياح.
هذا ما جعله يجعد حواجبه وظهرت ملامح غريبة على وجهه؛ هل هي ملامح خوف أو دهشة أو شيء آخر؟ هذا ما لا يعرفه إلا العجوز.
وقف الرجل بعد أن وضع صنارته التي جر خطافها من الماء.
وقف يوسافير في مقدمة السفينة وهو يشاهد العجوز ينظر إلى الراية أعلى السفينة.
بعد أن أوقف ميمون السفينة نادى يوسافير بصوت عالٍ: أيها الجد، هل هناك كهف نضع فيه سفينتنا؟
شششخخخ…
حول العجوز عينيه من الراية ثم تأمل في يوسافير وسأل بعد صمت دام للحظات: من أنتم؟
قال يوسافير وهو يفرك عنقه من الخلف: نحن ثوار كما ترى.
صمت العجوز وهو ينظر فقط، لم يتكلم حتى كادت الكلمات تخرج من فم يوسافير لكن العجوز قال: أنت شجاع أيها الفتى لتقول هذه الكلمات.
ابتسم يوسافير: ليس هناك ما يمكن أن أتستر عليه وهو على مرمى عينيك.
هيهي… ابتسم العجوز: ما الذي أتى بكم لهذه الجزيرة؟ يكفينا ما فيها من أشخاص، هل تريدون أنتم أيضاً المكوث فيها؟
رفع يوسافير حاجبه الأيسر بينما أدار وجهه نحو البقية الذين وجد على وجوههم الفضول.
لا، لا، نحن هنا فقط لملء مؤونتنا من الطعام والشراب، وبعدها سنغادر. لن نمكث هنا سوى ليلة أو ليلتين.
كحووو… كحووو…
سعل العجوز بخفة وراء يده ثم تحدث: هل أنت متأكد من ذلك يا فتى؟
تسللت أنظار العجوز وهو ينظر حتى حطت عيناه على الخرساء التي وجدها تبتسم، بينما ضيق عينيه: أنت… أنت… الفتاة من قبل… الفتاة التي لا تتحدث…
شششخخخ…
مرحباً أيها العجوز، لقد مر وقت طويل…
دخلت كلمات الخرساء سمع العجوز الذي ابتسم ونظر إلى يوسافير ويوراي وميمون: هل هؤلاء أصدقاؤك؟
هزت الخرساء رأسها وأجابت: نعم، إنهم أصدقائي. هل يورينا ما تزال هنا؟
بعد دخول كلمات الخرساء أذن العجوز اختفت الابتسامة من وجهه ثم أجاب بعد أن طأطأ رأسه للأسفل: نعم، إنها هنا.
شاهد الأربعة تغير تعابير الرجل.
تقدم يوراي ثم سأل: هل هي بخير؟
دقق فيه الرجل بدهشة: أنت… نعم، إنها بخير، لكن…
لكن ماذا؟ سأل يوراي.
إنها مسجونة في القرية.
صدمة ظهرت على ملامح الجميع: مسجونة؟؟؟؟؟؟؟؟
من سجنها؟ سأل يوسافير.
فلتدخلوا أولاً إلى الجزيرة وترتاحوا، سأخبركم بذلك عندما تصلون.
شششخخخ…
صمت العجوز ثم أكمل: فلتتبعوني، سآخذكم إلى كهف قريب.
أومأ يوسافير برأسه، تراجع ميمون إلى المقود خلفه وبدأ يقود السفينة.
ما هي إلا لحظات حتى توقف العجوز قرب كهف كبير جداً ثم أشار بيده للداخل: اتركوها هنا.
أرجع ميمون السفينة إلى الوراء ثم تقدم وبدأ يدخل ببطء.
باق… باق… باق…
بدا الكهف من الداخل كبيراً وواسعاً، ما إن دخلت لأمتار قليلة أصبح المكان مظلماً وبدأت تصطدم بأشياء غير ظاهرة.
باق… باق… باق…
ماذا الذي نصطدم به؟ سأل ميمون.
اقترب يوراي من جانب السفينة وبدأ يلمس الخيوط العريضة المتدلية من الأعلى.
باق… باق… باق…
ثم قال: يبدو أننا نصطدم بجذور ممتدة من السقف.
جذور؟ اقترب يوسافير منها وبدأ يلمس أيضاً: إنها طويلة حقاً… لمن تعود هذه الجذور؟
ألم ترَ الغابة على الشواطئ؟ لا بد أنها جذور الأشجار. قال ميمون.
إنها جذور عريضة، كيف تكون لتلك الأشجار؟
من يعلم؟ هل سبق وأن شاهدت جذور الأشجار تحت الأرض؟ سأل ميمون.
لم يجب يوسافير واكتفى بالصمت وهو يلمس هذه الجذور.
هذا يكفي. ارتفع صوت يوسافير داخل الكهف المظلم، وتوقفت السفينة في الحال ورست داخل الكهف.
حرك يوسافير رأسه للجانب بينما يبحث عن مكان للنزول فيه رغم الظلام الحالك، إلى أن ميمون دخل إلى الغرفة الصغيرة وأخرج منها شمعة بيضاء وبدأ يضيء المكان.
تفرق نور الشمعة الباهت ليظهر طريق صغير بجانب السفينة، نزل يوسافير قرب الجدار والبقية تبعوه واحداً تلو الآخر.
كان الطريق الذي يؤدي إلى الخارج ضيقاً جداً، لهذا التصقوا بالجدار وهم يخرجون منه ببطء شديد.
انزلقت قدم الخرساء التي كانت خلفهم جميعاً، وكادت أن تسقط، لكن يوراي أمامها تصرف بسرعة وأمسكها من يدها ورفعها.
احذري جيداً، فالطريق زلق.
هزت الخرساء رأسها وأجابت: حسناً.
خرجوا من الكهف ليجدوا العجوز قد اختفى من هناك.
شششخخخ…
أين العجوز؟ سأل ميمون وهو يلتفت يميناً وشمالاً.
لا بد أنه غادر بقاربه الصغير إلى مكان ما.
هيا، علينا الذهاب، قد يكون ينتظرنا في الأعلى.
نظر يوسافير إلى الأعلى، كان المكان مليئاً بصخور وقشور حجرية كظهر السلحفاة.
شششخخخ….
بدأ يوسافير يصعد وتبعه الآخرون، وما هي إلا ثوانٍ حتى صعد الجميع إلى فوق الجرف العالي.
شششش… شششش… شششش…
هناك كانت غابة مليئة بالأشجار، والماء يمشي عبرها مخلفاً وراءه مجرى ثعبانياً، ولم يكن واحداً فقط بل العديد من الطرق التي تلتقي في مكان واحد، وذلك ما يشكل شلالاً في كل مكان.
ــــــ
في الجزيرة ذاتها.
داخل كهف في نفس الجزيرة دخل شخص يلهث وانحنى إلى ركبته.
سيدي، هناك سفينة رست على الشاطئ.
حدق فيه الاخر مطولا هل هي سفينة تابعة لاتحاد الأمم؟ لا يزال هناك وقت لكي يصلوا، لماذا أتوا بهذه السرعة؟
كان الشخص الذي تكلم يجلس على كرسي حجري لكنه مملوء بفراء برتقالي، ارتدى ذلك الشخص ملابس جلدية سوداء، فراء حول عنقه يشبه الشيء الذي يجلس عليه، أرجل حافية مليئة بالشعر المجعد.
شعره بني مثل عينيه، حاجباه الاثنان مقسومان إلى نصفين، وفي يده العارية وشم لأفعى مخرجة لسانها.
وهو نفس الشيء الموجود في رايته البيضاء على صدره.
أما الشخص الراكع فارتدى بدلة جلدية سوداء، له نفس الراية.
سيدي، تلك السفينة ليست للجيش، إنها صغيرة والراية فوقها لا تنتمي إلى الاتحاد.
إذن لأي ثائر تعود تلك الراية؟ سأل الشخص الحالي.
رد الآخر: لم أرَ تلك الراية من قبل يا سيدي.
وضع الرجل الذي على الكرسي يده على وجهه وبدأ يلمس لحيته المجعدة ثم همس بصوت واضح: راقبوهم جيداً، إن لم يفعلوا شيئاً فدعوهم وشأنهم، لكن إن تدخلوا فيما لا يعنيهم فاحضروهم لي فوراً.
أوامرك أيها القائد، سنراقبهم جيداً.
ــــــ
بالرجوع إلى يوسافير والبقية، كانوا لا يزالون في الغابة التي تمتلئ بالأشجار والمياه التي تتدفق خلالها.
رغم مشيهم لفترة، إلا أن الغابة لم تنتهِ.
وهم يمشون تحدث ميمون فجأة: بالمناسبة يوسافير، لم نسألك من قبل، هل تعرف تلك الفتاة ذات العيون الخضراء؟ أظن اسمها دورانا إن لم أكن نسيت.
أجاب يوسافير: فكر يوسافير قليلا قبل أن يقول اه.. لا، لم أرها من قبل.
لكن سمعتها تقول إنك وهي عائلة.
وأنا أيضاً سمعتها. قال يوراي.
وأنا أيضاً. قالت الخرساء.
تجعدت جبهة يوسافير بينما عيناه تقوستا إلى الأعلى، أنفه أيضاً تجعد بينما فمه تقوس إلى الأسفل وسخر قائلاً: صغري كله كان في جزيرة سيلان، كيف تظن أني أعرفها؟ يا لك من غبي، لا بد أنها شبهتني بشخص ما.
شبهتك بشخص ما؟ قد تخطئ في الملامح، لكن اسمك… ضيقت الخرساء عينيها.
تعود الجميع على تلك الملامح التي يظهرها يوسافير، لذلك لم يلقوا لها بالاً.
هل تعرفون من تكون تلك الفتاة؟ سأل ميمون.
تسلل الاهتمام إلى ملامح الجميع ثم تمتم يوراي: من هي؟
وضع ميمون إصبعه على ذقنه وعيناه نحو السماء الزرقاء: تلك الفتاة سمعت بعض الأشخاص يتكلمون عنها، إنها ليست من هذه القارة، إنها من قارة بعيدة جداً.
وسمعت أن عائلتها لا يجرؤ أحد على استفزازها، إنهم أقوياء جداً. وزد على ذلك، ألم ترَ قوتها؟ كيف كانت تقاتل الملك وهي في ذلك السن الصغير؟ كان شيئاً مذهلاً.
تدخل يوراي وقال: نعم، إنها قوية جداً، لم أكن لأقف في وجهها أكثر من 10 ثوانٍ.
يبدو أننا سنصادف المزيد والمزيد مثل تلك الفتاة، أو حتى أقوى منها، لهذا علينا الإسراع والارتقاء بسرعة حتى نصبح أقوى. كانت هذه الكلمات التي دخلت عقل الجميع، تذكرهم بما يجب عليهم فعله وعدم التهاون.
معك حق أيتها الخرساء، هذا ما يجب علينا فعله.
هيهي، لنكتشف هذه الجزيرة أولاً، وبعد ذلك نقرر ما يجب علينا فعله. تمتم يوسافير.
وهم يتكلمون ظهرت نهاية الغابة أمام أعينهم، هناك وجدوا العجوز الذي كان بالقارب ينتظرهم.
لقد تأخرتم أيها الصغار، ما الذي أخركم؟
نحن لم نتأخر أيها العجوز، لقد أتينا بسرعة.
هيا، هيا بنا إلى المنزل، القرية لا تبعد كثيراً من هنا.
أومأ الجميع برؤوسهم وهم يمشون بجانب العجوز وأعينهم على جبل كبير أمامهم.
اقتربت المجموعة من القرية حين ظهرت صفوف المنازل الحجرية، وبين تلك المنازل العديد من الأشخاص الذين يمشون ذهاباً وإياباً.
أشجار وحدائق، أغنام، أبقار تتمشى أمامهم، يأكلون من العشب الأخضر، وخلفهم كلبان ينظران إلى المجموعة القادمة اتجاههم.
فجأة، أمام الجميع، وقف شخص تعرف عليه العجوز بسرعة.
بغض النظر عن بعض الناس الذين وقفوا ينظرون إلى الأشخاص بجانب العجوز، أكمل البقية ما كانوا يفعلونه.
تأمل نورمان في الراية على صدر يوسافير والآخرين ثم قال: أنتم الثوار، ماذا تفعلون هنا؟
نظر يوسافير أيضاً إلى الراية المطرزة على صدر نورمان، حرك شفتيه للجانب بينما أغمض عينه اليسرى قليلاً: أغرب عن وجهي، أنت تقف أمامي وتسألني؟ أنت ألست ثائراً؟ ماذا تفعل هنا؟
فتح نورمان عينيه بدهشة من ملامح يوسافير: ما الذي يحاول فعله هذا الغبي؟
فجأة، اقترب يوراي من يوسافير ووضع يده على كتفه ثم قال: إنها في هذا المكان… إنها قريبة.
تغيرت ملامح يوسافير إلى الجدية ثم قال: حسناً، قدنا إليها.
في مكان ما، وفي غرفة تشبه السجن، كان هناك شخص جالس داخلها، ومن الظل الأسود يظهر بأن الشخص الحالي هي فتاة.
ابتسمت تلك الفتاة: إنهم هنا إذًا… لقد خرجتم أخيراً إلى هذا العالم.
نهاية الفصل.
