شدّت الفتاة التي تأكل فوق السطح انتباه الجميع.
بملابسها الغريبة، نُسج نصفها الأيسر بخيوط بيضاء حريرية ترفرف مع الريح، بينما نُسج نصفها الأيمن بخيوط سوداء.
وعصابة رأس سوداء غطّت عينيها، تخفي نظراتها الغامضة.
أما شعرها فكان شديد البياض مثل جلدها، ينساب ملتوياً نحو الأسفل، وضفيرة تمر أفقياً حول رأسها، فيما الهواء يجعل الخيوط البيضاء والسوداء تتمايل وكأنها تتنفس.
وسروالها لم يكن استثناءً، فقد كان فضفاضاً للغاية.
ونزلت أقراط ذهبية على شكل شمس من أذنيها.
ويدها التي تحمل الطعام مملوءة بالخواتم الذهبية في كل إصبع، وسلسلة ذهبية مرصعة بالجواهر مختلف ألوانها، ملتوية على ظهر يديها.
“إنها يورينا”، قال أحد سكان الجزيرة متفاجئاً.
ابتسم آخر: “نعم، إنها هي، اليوم هو موعد خروجها”.
يوسافير، رغم التفاته نحو الفتاة، إلا أنه سرعان ما نظر إلى الملازم المذهول.
كان الملازم ينظر إلى يورينا التي تأكل وكأنها غير مبالية بما حولها؛ لأن أسبوعاً كاملاً مر عليها لم تأكل فيه شيئاً.
تمتم ببطء: “ممسوس آخر.. ما بال هذا المكان؟”
يورينا، العضو الخامس في الطاقم، لقد انفصلت عنهم منذ خمس سنوات هي والخرساء.
صليل… صليل…
التفت السلسلة على يد يوسافير، ثم اندفعت نحو الملازم.
الملازم، فور سماعه صوت السلسلة، التف نحو يوسافير ليجد لكمة قد اقتربت من وجهه.
بوم… بوم…
بسرعة صد الملازم قبضة يوسافير واضعاً يده أمامه.
صرّ الملازم على أسنانه، ثم صرخ بصوت عالٍ: “أيها الغر الصغير! لقد لعبت بالنار ولن تعرف كيف تطفئها. هل تظن أن معاداة الجيش ستعود عليك بالنفع؟ أنت هالك لا محالة!”
“هيهيهي”، تبسم يوسافير ضاحكاً ولسانه خارج من فمه: “هل تراني خائفاً من مواجهة الجيش؟ هل ترى شيئاً من التردد في وجهي؟ هل ترى ملامحي تعبر عن ذعر؟ لو كنت على بعد شعرة من الموت، لن تروا في هاتين العينين سوى الفخر”.
ما إن قال هذه الكلمات حتى أطلق لكمة أخرى، بوم…
اصطدمت بالملازم الذي تراجع قليلاً للوراء، ثم ابتسم: “ستندم على ذلك أيها الشقي”.
بعد رؤية الابتسامة على وجه الملازم، تمتم يوسافير: “أعشق تحطيم هذه الملامح”، ثم خرجت سلسلة من يده.
“هيا تقدم!” همس الملازم.
الجوكر في هذه الأثناء كان لا يزال جالساً على الكرسي، ينظر إلى معركة الاثنين.
والجميع لم يكن استثناءً؛ لقد تحولت أنظارهم من يورينا إليهم بعد بداية القتال.
قفز الملازم عالياً: “لا تغتر بنفسك أيها الغر، جرثومة الرفس…!”
رفسة النهاية.
كقذيفة خرجت من مدفع، هوى الملازم باتجاه يوسافير.
بوووم… غبار وحجارة ارتفعت في الهواء وتطايرت باتجاه الجميع.
“انبطحوا!” صرخ العجوز.
بعد سماع صوته ذعر الجميع وانبطحوا دون وعي، تقدمت مازونيا أمام الرجل ووقفت.
نورمان استل سيفه، وأي حصى اتجهت نحوهم قام بقطعها.
ميمون، وبجانبه الخرساء، تخلص بمنجله من شظايا الحجارة.
أما يورينا على سطح المنزل، فكانت لا تزال تأكل، وشبكة عنكبوت التقطت العديد من الحصى بجانبها.
خرج يوسافير من الغبار المتصاعد بسرعة بعد أن تفادى الهجوم، ثم لوح بيده: جرثومة السلسلة: السوط.
انطلقت السلسلة بشكل أفقي نحو الغبار المتصاعد فقسمته نصفين، لكن الملازم لم يكن هناك.
التف يوسافير يميناً ويساراً، ولم يبصر الملازم.
ابتسم يوسافير، ثم هدأ، وتراجعت السلسلة ببطء نحو أكمامه. فجأة، وبسرعة كبيرة، ابتعد خطوتين فقط، وأمام عينيه نزل الملازم كقذيفة نحو الأرض.
ملامح الملازم تغيرت وهو ينزل؛ لقد شهد ابتهاج يوسافير، ففتح عينيه بدهشة: لقد كاد أن يقتل خصمه، لكن الأخير تراجع خطوتين للوراء، مما أدى إلى تفادي هجمته.
بومممممم…
نزلت قدم الملازم على الأرض مرة أخرى، فتطايرة الحجارة والغبار في الهواء.
بين الغبار والحجارة المتصاعدة، لمح الملازم شيئاً يتجه نحوه.
بومممم! قبضة ملفوفة بسلسلة سوداء تلمع بسوادها حطت على وجهه.
الكل يشاهد الغبار المتصاعد، وفجأة لمحوا شيئاً يخرج من هناك متجهاً بسرعة كبيرة، ثم…
كراااش… كراااش…
اصطدم الملازم بالمنزل، مما أدى إلى سقوطه.
في الجهة الأخرى، كان يوراي وكارنو في مواجهة محتدمة؛ يوراي بملابسه البيضاء، رداء أبيض مزين بتطريزات وزخارف كثيفة باللون الفضي اللامع، تتركز بشكل خاص على الأطراف وعلى الأكتاف، وكارنو بملابسه الهمجية المكونة من جلود الحيوانات.
بعد ابتعادهم عن المكان الذي فيه البقية، ها هم في ممر صخري مليء بالصخور والأشجار الصغيرة.
كان المكان صامتاً، فقط خطوات ناعمة على الحجر جعلت من الصعب سماع حركته، وكأن شبحاً يمر فوق هذه الصخور؛ لقد كان يوراي.
انطلق كارنو بسرعة باتجاه يوراي: جرثومة الليونة.. ليونة العظام.
فييييو… انطلقت يد كارنو مثل سوط نحو رأس يوراي مع صوت صفير حاد.
انحنى يوراي بسرعة، فمرت اليد فوق رأسه، بوم… لتصطدم بصخرة فتتفتت إلى قطع صغيرة.
جرثومة العظام: عظام تتشابك.
كرتش… كرتش… كرتش…
عمود واحد خرج من تحت أكمام يوراي الواسعة، ذلك العمود انبثق منه عدة عظام لتتشابك مع بعضها مطلقة صوت تكسير.
كرتش… كرتش… اتجهت العظام بسرعة نحو كارنو وهي لا تزال تتشابك.
وضع كارنو يده أمامه حيث اصطدمت العظام بها، في تلك اللحظة خرجت كلمة من فم كارنو؛ كلمة جعلت عظام يوراي وكأنها زبدة.
“ليونة…”
يوراي، بعد رؤية عظامه تذوب في يد كارنو، ارتفعت حواجبه قليلاً، ثم تراجع إلى الخلف بسرعة.
هاهاها.. وهو يتراجع، سمع كارنو يضحك.
“فتى العظام! يا لها من قدرة عظيمة، لكنها لن تنفعك ضدي”.
ابتسم يوراي: “سنرى إن كانت ستجدي نفعاً أم لا”.
في المكان الذي كان فيه سكان الجزيرة، وجّه الجنود وأتباع الثائر كارنو أعينهم نحوهم.
تحدث أحدهم بصوت عالٍ: “أيها الأوغاد! تريدون المعركة؟ فلتتحملوا عواقب أفعالكم، يا جنود، هيا بنا!”
ميمون، الذي كان واقفاً يشاهد معركة يوسافير والملازم، استدار نحو الجنود، وبسرعة وقف أمام أهالي الجزيرة، مما أدى إلى توقف الأشخاص الذين كانوا يتقدمون.
بحركة خفيفة كان المنجل في يده، ودون إظهار أي مشاعر، بدأ يتقدم نحوهم بخطوات بطيئة، لكن في نظر أعدائه كانت تلك الخطوات كأنها حِمل يثقل كاهلهم.
كان عدد الأعداء بين أتباع الثائر كارنو والملازم سبعة وعشرين: خمسة عشر تابعاً لكارنو، واثنا عشر تابعاً للملازم.
شعر بعضهم بالخوف وهم ينظرون إلى المنجل في يده: “أليس هذا هو حاصد الأرواح من مملكة راندور، أحد فرسانهم؟”
التفت آخر نحو الجندي الذي تحدث: “هل تقصد ذلك الفارس الذي ذاع صيته منذ سنتين أو أكثر؟”
“لا تقل لي إنه هو!” تمتم آخر بخوف وهو يتراجع.
“إنه هو، بلا شك”.
استجمع أحد الجنود شجاعته وقال: “وإن كان هو، فهذا لا يهم؛ لأن علينا قتله، فهو أيضاً أحد المشاركين في سرقة إرث راندور. استعدوا أيها الجبناء”.
ميمون، بردائه الأسود الطويل وسترته الزرقاء الداكنة، وسلسلة ذهبية تمر من كتفه إلى بنطاله الجلدي الأسود، وقفازات سوداء تظهر أصابعه التي تمسك بالمنجل، الذي تنبعث البرودة من أطرافه.
اشتعلت عيناه الزرقاوان ببريق متوهج زاهٍ، وكأن صقراً رأى فريسته، ثم اندفع بأقصى سرعة.
الجنود أيضاً بدأوا يركضون نحوه، لكن أولهم توقف عندما شعر ببرودة غير مسبوقة تصمّره في مكانه، سامحاً للجميع بتجاوزه؛ لقد شعر بالذعر.
كان الجميع يحملون سيوفاً ومطارق في أيديهم، وخمسة أفراد من الجيش يحملون مسدسات صغيرة سوداء موجهة نحو ميمون.
باق… باق… باق…
ثلاث طلقات متوجهة نحو ميمون، الذي أمال منجله الطويل بسرعة كبيرة، وصلت الرصاصات إليه، فالتوى ميمون ومعه التوى منجله حاملاً الرصاصات وكأنها تجمدت فوق سطح المنجل.
مع استدارته، أعاد الرصاصات إلى أصحابها.
باق… باق… باق…
في منتصف الجبهة، سقط الجنود الثلاثة برصاصاتهم.
توقف الأشخاص في المقدمة وهم ينظرون وراءهم، ثم استداروا مرة أخرى إلى ميمون الذي لا يزال يتقدم.
باق…
فجأة، ميمون توقف.
“ما الذي تفعله أيها الوغد؟” صاح أحد أتباع الثائر كارنو مخاطباً جندياً من الجيش.
سقط أحد أتباع الثائر كارنو ميتاً، والدم يخرج من عنقه.
“ما الذي يحدث؟” صرخ أحدهم.
أشار ذلك الوغد إلى أحد أفراد الجيش: “لقد قتله!”
“أيها الأوغاد! هل تخونوننا في منتصف المعركة؟”
عندما رأى أتباع كارنو أحدهم قد مات وسطهم والدماء تنسكب من عنقه، ابتعد الثوار عن الجنود: “أيها الخونة، الأوغاد، هل أنتم أيضاً مشاركون في هذا الهجوم؟”
أجاب أحد الجنود: “ما الذي تقولونه؟ لا… كيف لنا فعل ذلك!”
ثم اقترب ثائر بسيفه، فيووو…. نُزع رأس الجندي من على كتفيه، والدماء تتدفق في الهواء أمامه.
انسكبت الدماء على جميع الجنود الأربعة المقربين منه.
كان الفاعل أحد الثوار.
“أيها الوغد، ماذا تفعل؟”
فتح ميمون عينيه وهو يراقب ما يحدث أمامه.
“ما الذي يفعلونه؟ أليسوا على وفاق؟” قال أحد سكان القرية.
صرخ الثائر الذي قتل الجندي: “لم أفعل ذلك، يدي تحركت لوحدها!”
صرخ الجندي الآخر: “ويدي أيضاً قبل لحظات تحركت لوحدها!”
ما إن أكمل ذلك الجندي كلامه، حتى رفع مسدسه ووجهه نحو الثائر الذي قتل زميله.
باق…
في منتصف رأسه سقط ثائر آخر ميتاً.
“أيها الخونة!” صرخ الثوار مجتمعين.
مع الصراخ العالي للثوار، صرخ الجندي أيضاً: “يدي! أيها الأوغاد، تحركت مرة أخرى لوحدها!”
“هل تظننا أغبياء؟ تباً لك!”
رفع ثائر آخر صوته: “أنا أيضاً أتحرك دون وعي، هيا امنعني إن استطعت!”
في هذا الوقت انشق الثوار عن الجنود، وبدا المكان في فوضى عارمة، وبدأوا في القتال فيما بينهم.
براق… براق… براق… براق…
التفت ميمون نحو الخرساء، التي وجدها مركزة عينيها على القتال الذي بدأ لتوّه.
“إنها هي وراء هذا”. تمتم ببطء.
فجأة تقدمت بسرعة وتجاوزت ميمون، الذي اكتفى بتنهيدة: “يا للخيبة”، ثم أعاد منجله إلى ظهره.
انتبه سكان الجزيرة إلى الخرساء.
“ما الذي تحاول فعله هذه الفتاة؟”
“ربما هي أيضاً ممسوسة”، قال آخر.
“ممسوسة؟ لقد كنا نسمع عنهم فقط، والآن هناك أكثر من ثلاثة في مكان واحد، ما الذي يحصل هنا؟”
“أيها الأغبياء، قاتلوا بعضكم، لا تتركوا أحداً على قيد الحياة!” رنّ صوت في آذان الجميع.
“ماذا؟” التفت الجميع بعد توقفهم عن القتال يميناً ويساراً، لم يجدوا شيئاً.
“هل تبحثون عني؟” رن الصوت مرة أخرى.
“انظروا إلى الأعلى!”
التفت الجميع إلى أحد المنازل ليجدوا الخرساء واقفة تنظر إليهم.
“من أنتِ؟” صرخ جندي وثائر في نفس الوقت.
“أنا التي جعلتكم تقاتلون بعضكم”.
“ماذا؟” خرج الصوت من الجميع في نفس الوقت.
“نعم، ألم تسمعوا صديقكم يقول: تحركت يده دون شعور؟ أنا من قمت بذلك”.
“أيتها العينينة، هل هذا صحيح؟”
“هل تظنون أنني أمزح؟ انظروا..” وهي تشير إلى الجندي في أقصى اليمين.
توجهت أنظار الجنود والثوار في نفس الوقت للجندي الذي يحمل مسدساً في يده.
رفع الجندي يده ببطء.
“ماذا؟” تمتم الجندي برعب، “ما الذي تفعلينه؟”
يد الجندي لم تتوقف، بل أكملت ارتفاعها.
اندهش الجنود والثوار معاً.
“أيتها الحقيرة، توقفي!” لهث الجندي وهو يتمتم بصوت فارغ، ومع ذلك كانت يده تتحرك كما لو لم تكن يده.
المسدس توقف، مشيراً بين حاجبي الجندي.
كان الجنود والثوار غير قادرين على فهم ما يحدث، لكنهم عرفوا أن الفتاة في الأعلى ليست شخصاً عادياً.
“إنها ممسوسة…” هذا ما تفوه به أحدهم.
“أيتها…” الجندي يتأمل في الخرساء، وعيناه تحملان الكراهية لها.
فجأة… باق… أطلق الجندي على نفسه وسقط للخلف ميتاً.
وجهت الفتاة عينيها العسليتين إلى الأشخاص الآخرين.
“هل فهمتم الآن ما حصل منذ البداية؟”
“أيتها القذرة، أنتِ من جعلتنا نشك في بعضنا ونواجه بعضنا البعض! سحقاً لكِ!”
“نعم، هكذا.. اكرهوني أكثر”، همست الخرساء في داخلها.
داخل أحد أوردة الخرساء بدأت الكويرات الحمراء تختفي ببطء.
في هذه اللحظة شعرت الخرساء بالاسترخاء وسعادة في نفس الوقت.
“يا له من شعور منعش”.
نهاية الفصل
