Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

خطيئة الإنسان 58

مكان غامض

 

 

بعد استعدادهم للموت في مواجهة الجرثومة، لم يكن في حسبانهم أن يحدث هذا المشهد الذي وقع أمامهم. لم يستوعبوا الأمر؛ تركهم مندهشين، حائرين، وخائفين في الوقت نفسه.

 

الجرثومة التي تعاونوا عليها جميعاً لم يقدروا على ترك أثر واحد عليها، بينما شخص لم يروا حتى شكله، بضربة واحدة أخفاها من أمامهم.

 

في هذه اللحظة عرفوا هشاشة قوتهم، وأن هذا العالم ليس كما يتخيلون.

 

تبادل الثلاثة النظرات، ورغم أن عيون يوراي ويورينا لم تكن ظاهرة، لكن كان بإمكانهم الشعور بكل شيء. ما أفاقهم من دهشتهم هو صوت الخرساء الذي رن في آذانهم: يوسافير فقد الوعي.

 

التف الثلاثة في الوقت نفسه ليجدوا الخرساء غارقة في دموعها، عيناها العسليتان تحكيان كل شيء. يوسافير، رغم فقدانه الوعي، إلا أن الابتسامة الدموية لم تختفِ عن وجهه.

 

اقتربت يورينا منه وانحنت، وبعد ملاحظتها تلك الابتسامة، ابتسمت هي الأخرى والدموع تملأ العصابة التي تغطي عينيها.

 

التف الأربعة حول يوسافير وهو يبتسم. ومن بعيد توقف الجوكر وهو يحدق بهم، ثم نظر نحو الأعلى فإذا بالمطر قد توقف وظهرت الشمس من بين الغيوم. أشعة تنزل كخيوط من خلال الغيوم السوداء، وأحد هذه الخيوط نزل على الأربعة الملتفين حول يوسافير.

 

في هذه الأثناء سمع الأربعة وقع أقدام وراءهم. ارتفعت خيوط عنكبوت في الهواء، وخرجت “أناكوندا العظام” من ظهر يوراي بسرعة، وأدار ميمون جسمه فإذا بمنجله في يده، ثم لوح به ليقف على مقربة من عنق مازونيا التي رفعت يديها وهي تشاهد الأشياء الثلاثة تقف أمامها.

 

ثلاث رماح من الخيوط حادة للغاية قرب بطنها، وأناكوندا العظام فوق رأسها، والمنجل أمام عنقها.

 

اندهشت مازونيا وهي ترى آثار الغضب ظاهرة على وجوه الثلاثة، فقالت وهي رافعة يديها: لا تقلقوا، أنا معكم.

ثم نظرت إلى المكان الذي فيه يوسافير، ورأت تلك الابتسامة الملطخة بالدماء، فارتجف صوتها: هل… هل هو بخير؟

 

لم تكن لديهم كلمات كافية لترميم الصدع الذي حدث في أرواحهم. تراجعت هجماتهم ببطء، لكن التوتر لم يغادر أجسادهم المثقلة.

 

وقف يوراي مسنداً ثقله على “أناكوندا العظام” التي بدت باهتة، وكأنها استنزفت طاقة صاحبها، ثم أجاب بعد صمت بصوت مبحوح فيه مزيج من السخرية المرة والكسر: سيكون بخير، يوسافير لا يموت إلا إذا أراد هو ذلك.

 

أما ميمون فقد غرس طرف منجله في الأرض ليتكئ عليه، وأشاح بوجهه بعيداً كأنه يخجل من النظر إلى يوسافير الملقى أرضاً. كانت تقاسيم وجهه تعبر عن عجز لم يألفه من قبل، وهو يتذكر كلمات يوسافير قبل أن يهاجموا الجرثومة: “سنخاطر، عليك أن تصبر”.

قال ميمون بنبرة خافتة: نعم، يوسافير سيكون بخير، الابتسامة على وجهه تخبرنا بذلك.

 

في تلك اللحظة، انحنت يورينا نحوه، وبلل الدمع عصابتها حتى التصقت بجفنها، وقالت بصوت مرتعش: يوسافير لن يحدث له شيء، لقد أخبرنا بذلك.

 

بعد حديث يورينا ساد صمت ثقيل، لم يقطعه إلا صوت الرياح الخفيفة التي تلت العاصفة.

كانت خيوط الشمس التي اخترقت الغيوم تسقط عليهم وكأنها تسلط الضوء على هزيمتهم.

بدوا في تلك اللحظة تائهين في حقيقة أن القوة التي يمتلكونها ليست سوى هباء أمام القوة التي يمتلكها أقوياء هذا العالم.

 

ـــــ

 

بعد عدة ساعات، كان يوسافير في أحد المنازل مستلقياً على سرير ملفوفاً بضمادات بيضاء، والبقية حوله ينتظرون استيقاظه.

الابتسامة على وجهه اختفت، ورموشه السوداء كانت تتحرك، وكذلك ملامحه.

كان الجميع يضعون ضمادات في مختلف أنحاء أجسادهم، تبادلوا النظرات، ثم تحدث يوراي كاسراً جو الصمت: يبدو أنه كابوس جديد.

 

تأملت الخرساء ملامح وجهه ثم قالت: لكن لم يمضِ وقت طويل منذ كابوسه السابق.

 

أجاب يوراي: الكوابيس التي تأتيه ليس لها وقت محدد، في كل مرة تأتي بشكل مفاجئ.

 

أرادت يورينا التحدث لكن فجأة دخل العجوز وخلفه مازونيا، ليرى الكل ينظر نحوه.

سأل العجوز وهو يقترب: ألم يستفق بعد؟ فجأة لاحظ تغيرات ملامحه، فرفع العجوز حاجبيه: هل يستفيق؟

 

أجابت يورينا: لا، ليس بعد.

 

سأل العجوز مرة أخرى: إذن ما به؟

 

وقفت يورينا وهي تضع يديها بشكل متقاطع وقالت: لقد سألتك مرة عن أسباب الكوابيس التي تأتي بشكل متكرر.

 

أومأ العجوز برأسه، فأكملت: يوسافير هو ذلك الشخص الذي يعيش تلك الكوابيس.

 

نظر الرجل العجوز إلى يوسافير مطولاً، ثم بدأ يمس لحيته البيضاء، وسأل: كيف هي هذه الكوابيس التي يعيشها؟

 

استدار يوراي نحو الجميع فأومأ برأسه نحوهم، وبدأ يحكي عن الكوابيس التي طالت يوسافير طوال هذه السنوات، وصراخه المستمر، حتى قصة “دارف” حكاها يوراي.

 

ومع كل كلمة يقولها، كانت تتجعد ملامح العجوز ومازونيا؛ نظرات دهشة وصدمة ارتسمت على وجهيهما وهما يتأملان يوسافير.

 

فجأة تحدث ميمون بعد أن توقف يوراي عن الكلام: هل تستطيع مساعدته أو تعرف شخصاً يمكنه مساعدته على التحرر من هذه الكوابيس؟

 

فكر العجوز مطولاً ثم قال: لا، لا أقدر، فأنا لا أملك المعرفة الكافية.

 

دخلت هذه الكلمات آذان الجميع، فتدخل يوراي وقال: وهل إذا وجدنا من يملك المعرفة يستطيع مساعدته؟

 

أجاب الرجل بكل جدية: من يملك المعرفة يملك كل شيء، وليس هناك شيء لا يستطيع فعله.

 

سألت يورينا: إذن هل تعرف شخصاً بهذه المواصفات؟

 

رد العجوز وهو يتكئ على عصا خشبية عليها العديد من النقوش، وأبرزها نقش لخفاش: صراحة لا أعرف شخصاً بهذه المواصفات، لكن سمعت قصة منذ زمن عن شخص ليس هناك شيء لا يقدر على فعله، فمعرفته فاقت الحدود، يلقب بـ “سيد المعرفة” أو “سيد العلم”، ويقولون إن له أسماء أخرى لا أعرفها.

 

سألت يورينا: إذن هل تعرف أين هذا الشخص؟

 

أجاب العجوز: مع الأسف، ليس لدي أي فكرة عن مكانه، ولا أعرف إن كان حقيقة أو أسطورة اخترعوها للمتعة.

 

بعد صمت طويل وهم يفكرون في كلام العجوز، قال ميمون: حتى لو لم نجد شيئاً نساعده به، فالذي يمر به يوسافير لن يؤثر عليه أبداً، أنا متأكد من ذلك.

 

تدخل يوراي وقال: معك حق، فيوسافير مختلف عن الكل.

 

فتح العجوز ومازونيا أعينهما بدهشة بعد رؤية الابتسامة على وجوه المجموعة وهم ينظرون إلى يوسافير الفاقد للوعي على السرير.

 

ــــ

 

في هذه اللحظة كان يوسافير يتمشى بين دخان أحمر باهت.

تساءل وهو ينظر: ما هذا؟ لكنه لا يرى شيئاً سوى الدخان الأحمر. فجأة تغير لون الدخان ليصير أزرق، ثم أصفر، ثم أسود، ثم رمادياً، ثم أبيض، ثم برتقالياً.

 

في الحقيقة لم تختفِ الألوان، بل اختلطت مع بعضها لتصبح دخاناً بنفسجياً باهتة. داخل ذلك الدخان ارتفعت نجوم وخيوط بنفس ألوان الدخان الذي ظهر.

 

شاهد يوسافير هذه الأشياء لكنه لم يفهم شيئاً، فقط تمشى نحو الأمام.

 

فجأة تكونت صورة؛ مشهد معين لشخص ما جالس فوق صخرة كبيرة، وخلف ذلك الشخص حوافر كبيرة تشبه حوافر الحصان، لكن الصورة كانت مجرد ظلال غير واضحة.

 

فجأة اختفت تلك الصورة ليظهر مشهد آخر مكتمل. رفع يوسافير حاجبيه وهو يحدق في مشهد رآه من قبل؛ مشهد الأطفال الذين تركهم في جزيرة سيلان وهم يمثلون. شخص فوق عمود وفي يده كمان من صنع يده، وأمام ذلك الشخص فتيات فاقدات للوعي، وفوق رؤوسهم صبي يضحك يحمل لعبة على شكل حشرة في يده، وهو نفس المشهد الذي رآه مع يوراي في الجزيرة.

 

تغير المشهد ليرى يوسافير نفسه داخل بيت هيلمو؛ هناك كان هايم يتحدث عن أخت زوجته التي تأتي بابنتها دائماً، والفتاة التي لا تبتسم أبداً.

 

لم يفهم يوسافير شيئاً. فجأة تغير المشهد مرة أخرى ليظهر ميمون في مكان مظلم يضع يده أمام أنفه وهو يشاهد جمجمة تأكلها مجموعة من الجرذان.

 

تمتم يوسافير ببطء: ما الذي يحصل؟ تغير المشهد مرة أخرى ليظهر قمتان جبليتان وقف عليهما شخصان لم يكن من الممكن رؤية شكلهما بوضوح.

خلف هذين الاثنين كان هناك شيء ضخم يقف وراءهما؛ في الجانب الأيسر وحش ضخم بعيون زرقاء وقرون ملتوية، شكله غير واضح.

وفي الجانب الأيمن وحش آخر ضخم للغاية، وهو أيضاً لم يكن شكله واضحاً لكن بدا وكأن له أجنحة.

 

اندفع الاثنان نحو بعضهما، والمخلوقات خلفهما كذلك. وفور وقوع الاصطدام، تكسرت الصورة مرة أخرى.

 

ليجد يوسافير نفسه في الفضاء، حوله العديد من الدخان النجمي. في تلك اللحظة تغير كل شيء؛ رفع يوسافير رأسه إلى الأعلى ليجد السماء صارت صافية زرقاء، واختفى الدخان تماماً. انحنى رأسه إلى الأسفل ليجد تحت أقدامه ما يشبه المرآة. تقدم يوسافير فتموج الماء قليلاً تحت قدميه؛ وعلى مد البصر لم يرَ يوسافير شيئاً غير السماء الزرقاء وتحته مرآة زرقاء.

 

تمتم يوسافير ببطء: يبدو أنني في كابوس مرة أخرى.

 

ثم وكأنه تذكر شيئاً، التفت يميناً ويساراً: لقد تركتهم يواجهون تلك الجرثومة اللعينة، علي أن أستفيق فوراً.

 

وبينما هو يلتفت، لاحظ فجأة شجرة عملاقة خضراء في المكان، صُدم يوسافير من ضخامتها: ما الذي يحدث في هذا المكان؟ علي الخروج بسرعة.

 

قرب الشجرة العملاقة ارتفع تمثال يشبه يوسافير تماماً. لم يفهم يوسافير شيئاً: ما هذا المكان اللعين؟ قالها وهو يندفع نحو التمثال. ورغم أن يوسافير يحب الاستكشاف، إلا أنه كان في هذه اللحظة خائفاً على يوراي والبقية، لم يعرف كيف انتهت المعركة أو إن كانت لم تنتهِ بعد؛ كان يريد الخروج.

 

ما إن اقترب من التمثال حتى رأى كتابة بلغة غريبة عليه، فقرأها يوسافير فوراً: “ضع قطرة من دمك على صدر التمثال”. فكر يوسافير قليلاً: هل هذا سيساعدني على الخروج من هنا؟

 

التف يوسافير حول التمثال ثم قرر. خرجت سلسلة من يده وأراد جرح يده بها، لكن السلسلة كلما اقتربت من يده التفت حولها دون أن تجرحه. حاول مرة وأخرى دون جدوى، فالسلسلة تأبى إيذاءه.

 

تجهم وجه يوسافير، ثم رفع يده نحو فمه وعضها بقوة. خرجت قطرة دم بسرعة، فوضعها يوسافير على صدر التمثال. انتظر قليلاً، لكن لم يتغير شيء. تنهد بقوة: هل سأبقى هنا؟ تباً!

 

ثم استدار نحو الشجرة وبدأ يتقدم نحوها، هناك لمح تسع بلورات فوق الشجرة العملاقة، ما إن اقترب حتى ارتفع دخان نجمي تشكل على هيئة سلم طويل جداً، سلم له تسع درجات بنفسجي اللون.

 

كانت الفجوة بين درجة الاولى والثانية طويلة جدا، وقرب الدرجة الأولى كانت البلورة الأولى.

 

لوح بسلسلتين التفتا حول الدرجة الأولى من السلم، ثم ارتفع يوسافير بسرعة ووقف عليها.

 

اقترب من البلورة في الجهة اليمنى ولمسها، وداخل تلك البلورة رأى سلسلة سوداء رقيقة مليئة بعدة عيون سوداء.

 

تفاجأ يوسافير وهو يخرج سلسلته، فقد كانتا متطابقتين للغاية.

 

ابتسم وهو يرفع رأسه نحو الأعلى، نحو البلورة الثانية التي تشبه الأولى بلونها البنفسجي.

 

لوح بسلسلته نحو الدرجة الثانية ثم اندفع صاعداً، لكن ما إن اقترب وهو يحدق في البلورة حتى اختفى السلم.

 

هااااا… بول شييت! بدأ يوسافير بالسقوط: تباً لك! فجأة تغير المشهد وانكسر كل شيء.

 

فتح يوسافير عينيه ببطء ليجد نفسه على السرير، والكل ينظر إليه: يوراي، ميمون، الخرساء، ويورينا. عمت البهجة والسرور وجوههم ثم قالوا في الوقت نفسه: يوسافير… أهلاً بعودتك!

 

نهاية الفصل.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط