بعد أن خفتت أصوات الطبول وهدأت ضوضاء الوليمة، بدأ السكون يزحف إلى أرجاء القرية.
انسحب يوسافير ورفاقه إلى زاوية هادئة بعيداً عن أعين القرويين، حيث جلست المجموعة حول نار صغيرة بدأت تخبو.
كسر ميمون الصمت وهو ينظف نصل منجله بقطعة قماش:
“يوسافير، هناك الكثير من الأشياء التي يجب علينا مناقشتها.”
حدق يوسافير في النار التي ترقص وسطهم، وهو يتكئ للخلف على جذع شجرة مقطوع، ثم قال:
“نعم، أعرف، وهناك أيضاً بعض الأشياء التي يجب أن أقولها لكم.”
“هل ستخبرنا بما رأيته في كابوسك الأخير؟” سألت يورينا.
يوراي، وكأنه تذكر شيئاً لم يلاحظه من قبل، قال:
“لكن بالمناسبة يا يوسافير، هل فعلاً كان كابوساً؟ لم تصرخ هذه المرة.”
ابتسم يوسافير:
“في الحقيقة، أنا لا أعرف، هل كان كابوساً أم شيئاً آخر.”
“لماذا؟” سأل ميمون.
فتح يوسافير فمه ليتكلم، لكن فجأة سمعوا وقع أقدام خلفهم. التفت الجميع، فإذا بصبي يأتي نحوهم.
الخرساء، بعد أن رأت الصبي يتقدم وهو مستحٍ، ابتسمت وقالت:
“تعالَ إلى هنا.”
كان الصبي في البداية مشاكساً للغاية، لكن بعد أن سمع أهل القرية يتحدثون عما فعلته المجموعة، تغير سلوكه تجاههم.
تقدم الصبي وجلس بينهم.
“ما بك؟” سألت يورينا.
التفت الصبي بعينيه نحوها، ثم قال:
“أنتم ثوار، أليس كذلك؟”
هزت يورينا رأسها:
“نعم.”
“متى ستغادرون هذا المكان؟” سأل الصبي مرة أخرى.
تعجبت المجموعة من أسئلة الصبي.
لم تُجب يورينا، بينما قال يوسافير:
“سنغادر قريباً، لماذا تسأل؟”
تمتم الصبي بعفوية:
“هل… هل إذا التقيتم بأبي، هل تخبرونه بأن يرجع إلينا؟ أخبروه بأن بيلول وأمه ينتظران الأب.”
شعرت الخرساء ويورينا ببعض الحزن بعد سماع كلمات الصبي، بينما التفت يوسافير وميمون ويوراي إلى بعضهم البعض.
قربت الخرساء بيلول نحوها، ثم قالت:
“حسنًا، عندما نلتقي بأبيك سنخبره بذلك.”
ابتسم الصبي:
“هل حقاً ستخبرونه؟”
“نعم، أعدك بذلك. أخبرني أولاً، ما اسم أبيك؟”
“أبي اسمه روك أورين.”
أومأ يوسافير برأسه:
“حسناً، سأتذكره. عندما نلتقي به يوماً ما، سنخبره بذلك.”
رغم أنه يعلم في قرارة نفسه أن فرصة العثور على شخص واحد في هذا العالم ضئيلة، لكنه لم يشأ كسر قلب الصغير.
مسحت يورينا على كتف بيلول وقالت بهدوء:
“لا تقلق يا بيلول، إن وجدناه في طريقنا سنخبره برسالتك.”
أومأ بيلول برأسه:
“شكراً لكم.”
غادر الصبي بعد أن جلس قليلاً معهم، وبعد مغادرته بلحظة جاء العجوز نحو المجموعة.
ما إن وصل حتى فتح فمه قائلاً:
“أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بالوليمة.”
أجاب يوراي وهو مبتسم:
“الطعام جيد جداً، وكذلك المشروبات.”
ثم قال ميمون أيضاً:
“نعم، نعم، فكل شيء كان رائعاً، شكراً لكم على تلك الوليمة.”
حرك العجوز يديه:
“لا، لا، الشكر لكم أنتم على مساعدتنا في حل هذه الأزمة التي كانت ستودي بحياة الكثير من القرويين.”
“لا داعي لأن تقول ذلك يا كبير السن، المهم أن الجميع بخير”، قالها يوسافير وهو يحدق في العجوز.
تأمل العجوز يوسافير ثم سأل:
“كيف حال إصابتك؟”
وضع يوسافير يده أمام صدره من الجهة اليمنى:
“إنها بخير، لن يمضي وقت طويل حتى تصبح بخير.”
أومأ العجوز برأسه واكتفى بالابتسام وهو يجلس معهم.
بعد حفل دام ثلاثة أيام، وبعد أن استقرت المجموعة في أحد منازل السكان، لأن بيت العجوز وأي بيت خلف الجبل قد تم تدميره بسبب معركة يوسافير والملازم ثم الجرثومة…
جاء وقت الرحيل. استعدت المجموعة، لكن العجوز وقف أمامهم بهدوء غريب وقال بجدية غير طبيعية:
“هل يمكنكم أن تأتوا معي قليلاً؟ سأريكم شيئاً ما.”
تفاجأ الجميع، بعد أن رأوا صرامة في كلام العجوز لم تظهر عليه من قبل.
بعد ذلك تقدم العجوز في المقدمة، ويوسافير ورفاقه خلفه يتبادلون النظرات.
استمر العجوز في المسير حتى خرج من القرية. لم يتحدث أحد، فقط التزموا الصمت وهم يتبعونه.
دون أن يلتفت، تحدث العجوز:
“لا بد أنكم جميعاً تفكرون إلى أين آخذكم، لكن لا تقلقوا، ستتفاجؤون عندما ترون ما سأريكم.”
فور ما قال العجوز هذه الكلمات، ازداد فضول المجموعة.
ما هو هذا الشيء الذي سيرونه؟
ششش…
توغلوا داخل الغابة الممتلئة بالمياه أسفل الجبل، وبعد المشي لبعض الوقت توقف الرجل قرب صخرة كبيرة، ووراءه وقف يوسافير ورفاقه.
نظر يوسافير إلى العجوز، ونظر العجوز إليه.
ثم تحدث الرجل:
“هذا المكان وجدته صدفة منذ سنوات، أنا وأب بيلول، أنتم تعرفونه كلكم.”
التفت العجوز مرة أخرى نحو الصخرة الكبيرة، وضغط على نتوء كان ظاهراً قليلاً، فبدأت الصخرة تصدر صوت طقطقة.
تش… تش… تش…
بدأت الصخرة تتشقق إلى نصفين.
في تلك اللحظة تغيرت تعابيرهم مرة أخرى، دهشة وصدمة اعتلت الجميع.
ثم تحدث العجوز والصخرة لا تزال تفتح:
“قد تفكرون لماذا أريكم هذا الشيء. لقد مر من هذه الجزيرة العديد من الثوار قبلكم، والعديد من الأشخاص طوال هذه السنوات، لكن لا أحد منهم كان مثلكم. لم أفهم لماذا أريكم هذا. ما ستشاهدونه سيصدمكم. هيا لندخل، وستعرفون بأنفسكم ما أقصد.”
بعد أن فُتحت الصخرة، تقدم العجوز بهدوء وعصاه أمامه.
نظر يوسافير إلى رفاقه، أومأ برأسه، ثم تقدم دون تردد، وخلفه تبعه الجميع.
بعد دخولهم، أُغلقت الصخرة بعد أن ضغط العجوز على نتوء في الداخل.
نظر الجميع نحو الأمام، فإذا بطريق مدرج لكنه مستقيم نحو الأمام، وعلى جدرانه اشتعلت المشاعل عندما أُغلقت الصخرة.
بدأوا بالسير، العجوز في المقدمة والآخرون خلفه.
لكن الصدمة كانت عندما التفت ميمون خلفه، فتجعدت حواجبه وهو مصدوم:
“كيف ذلك؟”
بعد سماع كلمات ميمون، التفت الآخرون أيضاً، فإذا بهم مصدومون. نظروا نحو الأمام فرأوا طريقاً مستقيماً، ثم التفتوا خلفهم فإذا بهم ينظرون نحو الأعلى، حيث توجد درجات عديدة تصعد إلى الأعلى.
نظر العجوز إلى المشاعل في الحائط، ثم اقترب من أحدها:
“هذه المشاعل، كلما دخلت إلى هذا المكان أجدها تشتعل وحدها. سنوات مرت، لكن لم يتوقف نور أي منها.”
“ما خطب هذا الطريق؟” تساءل يوسافير.
أجاب العجوز باستغراب: “آه… لا أعلم أنا أيضاً، فهذا المكان أشبه بالخيال حقاً.”
“كيف وجدتم هذا المكان؟” سأل يوراي.
“لقد وجدناه صدفة، لقد أخبرتكم بذلك، أنا وأب بيلول.”
“إلى أين ذهب ذلك الرجل؟” سأل يوراي مرة أخرى.
أجاب العجوز:
“لقد ذهب في رحلة استكشافية.”
“هل يبحث عن شيء ما؟” تدخل يوسافير ثم سأل.
“نعم، ستعلمون بعد قليل.”
بعد اقترابهم، ظهر باب أمامهم. كان الباب أسود بالكامل، وعليه العديد من الخربشات وكأن شيئاً ما مُحي منه.
حرك العجوز أحد المشاعل التي تنير الطريق نحو الأسفل، فبدأ الباب يفتح ببطء.
ركز يوسافير والبقية على العجوز، فقد بدا مريباً بعض الشيء.
ما إن فُتح الباب، تقدم الرجل وتبعه الآخرون، لكنهم كانوا حذرين للغاية.
فور ما دخلوا، ظهر المكان أمامهم، وبدأت نقاط بيضاء تنزل من الأعلى، وملأت تلك النقاط البيضاء الأرضية.
مد يوراي يده النحيلة ليمسك بإحدى تلك النقاط البيضاء المتطايرة، تجعدت حواجبه وهو يرى الثلج يستقر على كفه دون أن يشعر بلسعة البرودة، ثم تمتم بصوت خافت: “هذا غريب هل هذا ثلج؟”
بينما كان ميمون يتأمل الغرفة الواسعة أمامهم جالت عيناه الزرقاوتان في الأرجاء ثم انحنى والتقط حفنة من الأرضية البيضاء، نظر إلى رفاقه بذهول: “إنه ثلج حقاً لكن هناك شيء غير صحيح مع هذا الثلج إنه ليس بارداً بالمرة.”
“نعم، بالنسبة للإنسان فهو غير بارد، لكن انظروا نحو تلك الطاولة”، أشار العجوز.
التفت الجميع نحو طاولة مهترئة، فوقها زهرة إديلويس، وبجانبها حشرة برغوث الثلج، سوداء بالكامل، لها ستة أرجل وظهر متعرج، وقرنا استشعار في الأمام.
كانت أطراف تلك الطاولة بيضاء، وعندما اقترب يوسافير منها رأى هواءً بارداً يلتف حول أطرافها.
كان الجميع يحدق في الغرفة التي بدت فارغة بعض الشيء. لم يكن هناك شيء باستثناء الطاولة التي اقترب منها يوسافير، وأعمدة تصعد نحو الأعلى، وزجاج مكسر على الأرضية، وحفر صغيرة سوداء، وبعض الخربشات على الحائط، وكأن مخلباً ضخماً هو سبب تلك الجروح الثلاث المائلة.
الخرساء كانت صامتة كعادتها، لكن عينيها العسليتين كانتا تجوبان الحفر السوداء والخربشات على الجدران. وضعت يديها على أحد تلك الجروح العميقة في الحائط وهمست بداخلها: “ما هو الشيء الذي كان مسبباً لهذه الخدوش؟”
حدق الجميع بها وهي تتأمل في الجدار، لكن العجوز لم يمهلهم وقتاً للاستيعاب، بل أشار إليهم: “هيا اتبعوني، أنتم لم تروا شيئاً بعد”، تحدث وهو يتقدم نحو الأمام.
خرجوا من الغرفة، فإذا بطريق آخر يمتد نحو الأمام، لكن هذا الطريق كان مليئاً بتماثيل مرعبة لمخلوقات أضخم من جسم الإنسان بضعفين.
شعر الجميع بالذهول، بينما تمتمت الخرساء في أذن الجميع:
“ما هذا؟”
كان البقية مثل الخرساء، مصدومين، والفضول يلتهم أفكارهم: ما هذا المكان بالضبط؟
شعر العجوز بفضولهم، لكنه ابتسم ولم يقل شيئاً.
مخلوقات غريبة ومرعبة في الوقت نفسه، تشبه الإنسان على قدمين، لكن مظهرهم مغاير ومختلف، أشد رعباً وتخويفاً.
وهم يتقدمون، ازدادت هذه المخلوقات رعباً، وقد طُبع على جباهها علامة X.
كان صدى أقدامهم يرتد من الجدران العالية، وكأن المكان يهمس بقصص قديمة لم تعد الألسن قادرة على نطقها. كلما تقدموا، كان يوسافير يشعر ببرودة لا تأتي من الثلج، بل من شعور غامض يحيط بهم من كل إتجاه.
بعد المشي قليلاً بين صفوف هذه الوحوش، ظهر باب على يمينهم في الجدار.
توقف الجميع وهم ينظرون نحو الباب. تقدم العجوز وفتح الباب، ثم دخل، وخلفه بسرعة دخل الجميع دون شعور.
ما إن دخلوا الغرفة، ظهرت أمامهم العديد من التماثيل الحجرية، لكن هذه التماثيل كانت لأطفال صغار. يجلس كل طفل لوحده على كرسي خشبي، وأمامهم طاولة حجرية صغيرة.
“وكأنها مدرسة”، تحدث يوسافير وهو ينظر إلى الأطفال الذين يمسكون أشياء في أيديهم وكأنهم يكتبون.
يوسافير لم يفهم أي شيء مما يراه، لكنه اقترب بعد أن تحدث، لكن لا أحد رد عليه. لم يهتم واقترب من تمثال لفتاة، وأمامها لوحة مملوءة بالكتابة، ثم بدأ بالقراءة:
“لقد انتظرناك طويلاً، لماذا لم تظهر بعد؟”
فور ما قرأ يوسافير الجملة أمامه، تغيرت القاعة. اختفى يوراي والبقية، ولم يبقَ إلا هو في تلك الغرفة.
لكن الغرفة لم تعد كما كانت. تحولت تماثيل الأطفال إلى أطفال حقيقيين، وجميعهم يكتبون على تلك الألواح الحجرية أمامهم.
تأمل يوسافير طويلاً في الهدوء الذي حل في المكان، التفت إلى يمينه ويساره لكنه لم يجد رفاقه.
“يوراي.. ميمون يورينا الخرساء”، صاح يوسافير وهو يلتف حول نفسه، لكنه لم يجد شيئاً.
“أين ذهبوا؟” تساءل عندما لاحظ الفتاة تحمل قلمها، وكأنها تستعد لكتابة شيء.
ثم اقترب منها، كانت الفتاة أمامه تحمل قلماً صغيراً في يديها بينما لوحتها فارغة. فجأة بدأت تكتب، ودموع تنهمر على خديها:
لقد انتظرناك طويلاً، لماذا لم تظهر بعد؟
أكنتَ الموعود حقاً، أم كنا نحن المخدوعين بالرجاء؟
قلنا ستأتي…
حين تشتد الظلمة،
حين تضيق الأرض بما رحبت،
حين تصمت الصرخات ويخذلنا الجميع.
قلنا ستأتي…
كما ينبعث الفجر من أعماق الليل،
كما تولد النار من رماد الصبر.
قلنا ستأتي…
لكنك لم تأتِ.
هل أضعت الطريق؟
أم خنت الوعد؟
أم أنك واقف هناك، تراقبنا بصمت؟
تختبر قدرتنا على الثبات،
على الإيمان بك رغم الغياب.
يا من قيل لنا إنك المخلّص،
إنك الراية التي لا تُنكّس،
والألم الذي يسكن حين تطل.
أما آن أوانك؟
إننا لا نملك سوى الانتظار، يا بابا نويل،
ولا نعرف سوى أن نصدق، رغم كل شيء، أنك ستعود.
فإن جئت، فلا تحمل الهدايا،
بل احمل شيئاً من الطمأنينة، وقل لنا
إن المعجزة لم تمت بعد.
نهاية الفصل.
