لمح يوسافير الفتاة بعد انتهائها من الكتابة على لوحة، انهارت بالبكاء، والألم ظاهر على ملامحها.
“هؤلاء الأشخاص..” تمتم يوسافير، والحزن والفضول ظاهران عليه.
بعد قراءة لوحة الفتاة، التفت نحو الأطفال الآخرين ثم ذهب إليهم.
كلهم كانوا يبكون بعد انتهائهم من الكتابة، لكن الشيء الصادم هو أنهم كلهم دون استثناء كانوا ينتظرون شخصاً ما، وذلك الشخص هو بابا نويل.
بابا نويل؟ من هذا الشخص؟ ولماذا ينتظره الأطفال؟
تجمد يوسافير في مكانه وهو يفكر في الأشياء التي مر بها هؤلاء الأطفال لكي يكتبوا مثل هذه الكلمات.
كل كلمة وكل حرف يعبر عن حزنهم وألمهم، وأيضاً تمنياتهم لقدوم ذلك الشخص.
رفع يوسافير رأسه، أمام أولئك الطلاب كان شخص كبير السن يجلس على طاولة كبيرة، وخلفه لوحة سوداء، كان شخصاً يكتب على لوحة أيضاً، وهو حزين جداً.
اقترب منه يوسافير، فوجد شيئاً صدمه، رغم أن ذلك الشخص كان يكتب، إلا أن الكتابة لا تظهر أبداً على اللوحة أمامه.
بعد تركيز جيد في اللوحة لاكتشاف شيء ما، فجأة عاد وعي يوسافير إليه، وعاد إلى المكان الذي كان فيه يوراي والبقية.
المفاجأة أنه لا يزال في الممر بجانب تلك المخلوقات الغريبة.
رفع رأسه مرة أخرى نحو الباب الذي دخله قبل قليل. لكن ليس هناك باب، فقط لوحة معلقة على الجدار. تلك اللوحة كانت لأطفال صغار يجلسون على مقاعدهم وكأنهم يكتبون شيئاً ما، وأمام أولئك الأطفال كان رجل كبير السن.
وهذا ما شاهده يوسافير داخل الغرفة التي كان يتخيل أنه دخلها.
حدق يوسافير في الجميع بجانبه، ثم همس بصوت خافت: “هل شاهدتم أنتم أيضاً ذلك؟”
أومأ الجميع برؤوسهم، وتحدثوا عما رأوه. ما مر به يوسافير داخل الغرفة مرّ به يوراي والآخرون.
عمّ صمت المكان، والكل يفكر في الأشياء التي رأوها.
فجأة تحدث العجوز كاسراً جو الصمت: “إذًا، هل رأيتم ذلك جميعاً؟”
“ما خطب هذه اللوحة؟” تكلم ميمون. “لقد ظننت نفسي دخلت إلى غرفة.”
“بابا نويل…” تمتمت يورينا ببطء.
“هذا ما كنت سأقوله، يا ترى من هذا الشخص الذي ينتظره الأطفال؟” دخل صوت الخرساء إلى عقول الجميع.
“هناك شيء غير طبيعي في هذه اللوحة.” همس ميمون ببطء.
تقدم يوسافير ليقف بجانب اللوحة التي على الجدار، تأمل فيها لبضع ثوانٍ. فجأة رأى كتابة صغيرة جداً، إن لم تقترب بشكل كبير لن تلاحظ تلك الكتابة.
“الرسام هو…” تجعدت حواجب يوسافير وهو يتمتم بالكلمات الصغيرة: “الرسام هو… كيف ذلك؟” ثم التفت نحو العجوز، ثم أشار بيده: “هل رأيت هذه الكتابة من قبل؟”
أومأ العجوز برأسه: “نعم، لقد رآها أب بيلول من قبل.”
حدق يوسافير مطولاً في العجوز. أب بيلول مرة أخرى، إنه يلفق له كل شيء، هذا العجوز مريب حقاً.
وضع يوسافير يده على ذقنه، ثم سأل: “هل تعرف ماهية هذه اللوحة؟”
نظر العجوز في اللوحة مطولاً، ثم أجاب: “لا أدري صراحة.”
تأمل يوسافير والبقية في الرجل، ثم قال يوسافير: “لماذا تريد أن ترينا هذه الأشياء؟”
نظر العجوز إلى يوسافير، ثم قال: “اتبعوني، وستعرفون كل شيء.”
تقدم الرجل مرة أخرى نحو الأمام في المقدمة، والبقية خلفه.
بعد سير في ذلك الطريق الذي تملؤه التماثيل، وصلوا إلى باب ضخم أحمر.
نفس الشيء الذي فعله العجوز مع الباب أول مرة فعله الآن. حرك مشعلاً على الحائط، فإذا بالباب يفتح ببطء. دخل العجوز، تبعه يوسافير ويوراي وميمون والخرساء ويورينا، ذُهلوا بسبب الغرفة الواسعة.
اتسعت أحداق يوسافير وهو يخطو خطواته الأولى داخل القاعة. لم تكن مجرد غرفة واسعة، بل كانت أشبه بكاتدرائية منسية تحت الأرض؛ سقفها شاهق ضائع في ظلام، وأعمدتها الضخمة منحوتة بهيئة أجساد بشرية ترفع السقف بظهورها المنحنية.
كان الهواء فيها ثقيلاً، مشبعاً برائحة الورق القديم والرماد، البرودة تسري في العظام، لا علاقة لها بالطقس الخارجي.
سمعوا جميعاً حركة خفيفة، فالتفت الجميع إلى الجهة اليمنى، فوجدوا ما خدر مفاصلهم.
انتصب عرش أحمر، لم يكن عرشاً عادياً، بل كان منحوتاً من مادة تشبه المرجان الأحمر الداكن، وكأنه نبت من الأرض نبتاً.
ولكن ليس العرش هو من شل حركة يوسافير والبقية، بل تلك الراية الحمراء العملاقة المتدلية خلفه. كانت الراية تهتز ببطء شديد رغم انعدام الريح، يتوسطها شعار محفور بدقة متناهية: يد قوية ملفوفة بسلسلة حديدية، تقبض بإحكام على مشعل، وفوق ذلك المشعل تتربع شمس متوهجة ترسل أشعتها في كل اتجاه.
وكأن صاعقة برق نزلت بقوتها على المجموعة، تركتهم مشلولين في أماكنهم.
“مستحيل…” هذا ما تلفظ به يوسافير، وفمه مفتوح عن آخره.
“لا يعقل…” تمتم يوراي بهدوء.
“كيف توجد رايتنا هنا؟” تحدث ميمون وهو يراقب الراية.
“يوسافير، إنها رايتنا”، تحدثت الخرساء في عقله.
“هل هي مصادفة؟” تكلمت يورينا.
في خضم تأثر المجموعة ودهشتهم، بكل هدوء قال العجوز: “هذا هو السبب الذي جعلني آتي بكم إلى هنا. عندما رأيتكم أول مرة ورأيت راية تعلو سفينتكم الصغيرة، اندهشت مثلكم.”
“كيف يعقل هذا؟ هذه الراية… هذا شعاري! أنا رسمته بيدي.”
“انظروا، هناك كتابة فوق الراية”، تحدث ميمون وهو يقترب منها.
اقترب يوسافير أيضاً، وهو يركز بشدة في تلك الكلمات: “رايتنا بدأت من خلف الشمس، من مكان لم يصله أحد قبلنا. في كل مرة تُنسى… تعود لتذكر الجميع لماذا خافوها أول مرة.”
التفت ميمون إلى يوسافير، وعلامات الذهول تكسو وجهه: “أليست هذه رايتنا؟ ألست من رسمها بيدك؟”
أما يوراي، فقد اقترب من الراية وكأنه مسحور، مد يده لترتعش أصابعه قبل أن يلمس القماش الخشن. “ليست مجرد تشابه يا ميمون… انظروا إلى السلسلة، إنها تحمل نفس عدد العيون التي على رايتنا.”
داخل عقول الجميع، تردد صوت الخرساء بنبرة حادة من القلق: “هل هناك شخص ما لديه نفس الراية، أم هل كان قبلنا؟” كلمات الخرساء جعلت الجميع يفكر بطريقة غريبة، والكل يفكر في افتراضات عديدة، لكن لا أحد سيصل لماهية هذه الراية أو من خلفها في هذا المكان.
بعد أن فكر قليلاً، قال يوسافير وهو يحدق في العجوز: “هذه الراية أنا فكرت فيها، وفي داخل مخيلتي نسجتها، ولم أرها من قبل، ولم أنسخها من مكان ما.”
ركز العجوز في الراية: “أنا لا أكذبك يا بني، وجود مثل رايتكم هنا فأظنها مجرد صدفة.”
“صدفة…” فكرت يورينا في داخلها. كانت تعرف من أعماقها بأن يوسافير هو من فكر في الراية التي تعلو ملابسهم، لكن وجود مثلها هنا فهذا شيء غير طبيعي.
هذا شيء يربك حقا. تمتم يوسافير بكل هدوء.
حتى لو فكر للحظات، لساعات، أو لأيام طويلة، فلن يعرف شيء عما يحدث أمامه، وهو يعرف ذلك، خروجهم نحو العالم لم يمر عليه سوى أيام، فلم يعرفوا العالم بعد، وهذا أكبر عائق في طريقهم، لكن مع تقدم رحلتهم سيعرفون كل شيء، ما لم يطرأ شيء لأحدهم.
حدق يوسافير في التماثيل التي تمسك السقف بظهورها المنحنية، كانت تماثيل ينظرون إلى بعضهم البعض وهم يبتسمون.
بعد أن تأملهم قليلاً، التفت نحو العجوز: “هل هناك شيء آخر لم ترنا إياه؟”
أجاب الرجل: “لا، لا أعلم إن كان هناك شيء آخر، لكننا لم نكتشف سوى الأشياء التي رأيتموها.”
بعد أن تحدثوا قليلاً، تنهد يوسافير ثم نظر إلى رفاقه: “هيا بنا لمغادرة هذا المكان، فلا نعلم ما سيحدث إن أطلنا البقاء هنا.”
بعد حديث يوسافير، التفت الجميع وبدأوا يعودون أدراجهم.
في الغرفة الواسعة التي كانوا فيها، والتي كانت فيها الراية والعرش الأحمر، ما لم يلاحظه الجميع هو أن أحداً كان جالساً على العرش منذ دخولهم إلى الغرفة.
كان يراقب الجميع، لكن الجميع لم يشعروا به. كان شخصاً، فقط ظل على العرش، ولم تكن حتى ملامح ظل ظاهرة.
تمتم الظل بصوت، حتى لو سمعه من في الغرفة فلن يعرفوا لمن يعود: “إن الأمور تجري بشكل أسرع هذه المرة… لنرَ ما سيحدث.”
بعد خروج المجموعة من المكان الغامض، توجه الجميع نحو الشاطئ، ما عدا الخرساء ويورينا لأنهما ذهبتا إلى القرية وكأنهما نسيتا شيئاً.
وصل يوسافير والبقية، ومعهم العجوز، إلى أحد الطرق الأربعة الخشبية الممتدة من الجزيرة إلى الجهة الأخرى. كانت سفينتهم هناك بعد أن أخرجوها من الكهف الذي تركوها فيه.
“ميمون، هل كل شيء جاهز؟” سأل يوسافير.
أومأ ميمون برأسه: “نعم، السفينة الآن مليئة بكل شيء نحتاجه، ستكفينا لوقت طويل.”
“هذا جيد”، قال يوسافير وهو يتأمل خلفه. “ما بال هاتين الفتاتين؟ تأخرتا.”
سخر يوراي: “هؤلاء هم نساء، هل أنت متفاجئ؟”
رفع يوسافير حاجبه ولم يقل شيئاً.
“إذًا إلى أين ستنطلقون الآن؟” تحدث العجوز بصوت مر عليه العمر.
أجاب يوسافير، وهو يعلم في نفسه أين وجهتهم: “لا أعلم صراحة، لكن سنرى لاحقاً.” ثم أخرج شيئاً من حقيبة ظهره الصغيرة وأعطاها للرجل.
“ما هذا؟” سأل العجوز.
“افتحها وستعرف”، أجاب يوسافير.
فور ما فتح العجوز القماش الأحمر في يده حتى تدلت راية حمراء دموية، كانت الراية الخاصة بطاقمهم.
يوسافير، بعد أن نظف حلقه، قال: “يمكنك رفعها في الجزيرة إن أردت ذلك.”
قبلها العجوز وهو يبتسم. في تلك اللحظة أطلت الخرساء ويورينا.
“وأخيراً”، تمتم ميمون.
نظرت إليه الخرساء نظرة عداء، ثم أكملت طريقها، أما يورينا فأكملت طريقها دون أن تهتم لكلامه.
نظر يوسافير إلى العجوز: “حسناً إذًا، سنرحل.”
هز الرجل رأسه.
بعد أن تسلق الجميع السلم المتدلي من السفينة، بدأت غيوم بيضاء تخرج من تحتها، ومع ازدياد خروج الغيوم البيضاء ترتفع السفينة شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى مكان عالٍ جداً.
رفع العجوز رأسه نحو السماء الغائمة. أطل عليه يوسافير والبقية، رفع يده نحوهم، وهم أيضاً.
فتحت الأشرعة ورفرفت الراية في السماء، ثم أكملوا طريقهم غرباً.
ما هي إلا مدة قصيرة حتى اختفت السفينة في الأفق، ومع اختفائها ظهر شخص بجانب العجوز. ما إن ظهر حتى فتح فمه قائلاً: “ما رأيك فيهم أيها العجوز؟”
تغيرت نبرة الرجل العجوز، وكأن من يتكلم شخص آخر وليس هو: “لا يزال هناك مجال كبير ليتطوروا فيه، فهم لا يزالون صغاراً.” ثم أكمل كلامه دون أن يلتفت، وهو يضع يديه خلف ظهره: “أرى أن وجهك يحمل بعض الحزن، هل بسبب الفتاة من عرقك؟ لا تقلق، فهي قوية جداً وماكرة.”
كان الشخص بجانب العجوز رجلاً في منتصف الثلاثينات من عمره، ذا بشرة حمراء، حول عينيه دائرة سوداء، وبين حاجبيه استقرت نقطة سوداء صغيرة.
كان شعره الأسود الفاحم غزيراً وكثيفاً بشكل مذهل، ينسدل على كتفيه وصدره مثل شلال من الليل، مغطياً أجزاءً من جسده العاري المفتول العضلات.
لم تكن عضلاته مجرد ضخامة، بل كانت مقسمة بدقة متناهية، تبرز مع كل نفس هادئ يأخذه، وكأنها ألياف معدنية مغلفة بالجلد.
أما النصف السفلي من جسده، فقد كان يرتدي سروالاً رمادياً فضفاضاً للغاية، مصنوعاً من قماش ثقيل الغرز، يرفرف ببطء مع حركة الهواء، مما كان يعطيه مظهراً يجمع بين هيئة المحاربين القدامى والناسكين الذين اعتزلوا العالم.
“ومن قال لك أني قلق؟” تحدث الرجل بكل هدوء.
“وجهك أيها الأحمق، هاهاهاهاها!” ضحك العجوز بجنون. ثم صمت العجوز فجأة، وسأل: “إذًا، ماذا حصل بينك وبين الجرثومة؟”
نهاية الفصل.
