08 من شهر 11
في مملكة راندور، وفي وسط مستشفى، وقف شخصان يتحدثان فيما بينهما؛ الأول هو الملك الذي يضع جبيرة معلقة بضمادات بيضاء بعد أن كسرتها دورانا قبل ثمانية أيام. والآخر ذو شخصية ظلامية لا يظهر شكله، كانا في غرفة كلها بياض، واقفين بجانب سرير مستلقٍ عليه أحد الأشخاص، وكان هذا الشخص هو فليكس.
كانت الغرفة مليئة بالآلات الطبية، ولم يكن فليكس وحده نائماً في تلك الغرفة بل العديد من الناس، كل شخص وسريره. الملك ارتدى كمامة زرقاء وهو يحدق في فليكس الذي ينظر فقط نحو السقف.
– هل هذا ما حدث حقاً؟ تمتم الشخص الذي بجانب الملك.
– نعم، بعد أن سرقوا الإرث غادر الأنذال، لو لم تكن السيدة دورانا لما سُرق إرث مملكتنا، قال الملك.
أمسك ذلك الرجل الذي بجانب الملك بملصق لراية وصور مطلوبين؛ الأولى ليوراي، الثانية لميمون، والثالثة ليوسافير. حدق فيهم مطولاً: إذاً هؤلاء هم الصعاليك الذين سرقوا الإرث.
بدأ يتأمل في الصور، بعد ذلك وضع صورة يوراي في الأعلى: هذا هو الشخص الذي يمتلك جرثومة العظام الأسطورية، يبدو أنه هو قائدهم.
تذكر الملك يوم أرسل ميمون الجمجمة باتجاه يوسافير وكلام ميمون الأخير، ثم تحدث مقاطعاً الشخص بجانبه: لا أظن ذلك أيها العقيد. مد الملك يده حيث كانت صورة يوسافير ظاهرة قليلاً: أظن هذا هو قائدهم.
أخرج العقيد صورة يوسافير من تحت صورة يوراي ثم نظر إليها مطولاً وبدأ يدقق فيها، ثم تساءل بارتباك: هؤلاء الأشخاص ظهروا من العدم ولا نعرف عنهم شيئاً، من أين جاؤوا وأين هم الآن؟ هذا يزيد الأمور غموضاً.
بعد أن رفع قبعته صمت العقيد قليلاً وهو يمسح على رأسه، ثم التفت إلى فليكس: أيها الملك، ماذا حدث للسيد فليكس؟ لِمَ هو في هذه الحالة؟
أدار الملك وجهه بعيداً وقال: لا أعلم صراحة، منذ نهاية المهرجان التعيس وهو في هذه الحالة.
بعد صمت دام للحظات أراد الاثنان تحدث في نفس الوقت، لكن فجأة جاء صوت من الشخص المستلقي على السرير قاطعاً كلامهما، فليكس تحدث: إنه شيطان.. إنه شيطان.. إنه ليس إنساناً.. إنه ليس إنساناً.
تعجب الاثنان وهما يحدقان في فليكس الذي يتحدث ببطء وهو لا يزال ينظر نحو السقف.
– بمَ تهذي يا فليكس؟ تمتم الملك بعد أن اقترب منه.
حول فليكس نظره إلى الملك: عليكم قتله قبل فوات الأوان، ذلك الشخص.. إنه ليس بشرياً.
اقترب العقيد أيضاً: عما تتحدث أيها السيد فليكس؟
غمغم فليكس بكلمات بالكاد تُسمع: أنتم لا تعرفون ماذا ينتظركم إن لم تقتلوا ذلك الشخص.
رفع الرجل صورة يوراي وقربها من فليكس: هل تقصد هذا الشخص؟
أمال فليكس رأسه نحو الصورة لكنه لم يتحدث، وبدأ ينظر إليها، انتظره الاثنان ليتحدث لكن لم تخرج من فمه كلمة واحدة. غير العقيد الصورة حيث وضع صورة يوسافير أمام فليكس.
فتح فليكس عينيه بشكل كبير، وهذا ما تمت ملاحظته من طرف الرجلين. تذكر فليكس المشهد عندما نظر في عيني يوسافير مباشرة، وتذكر تلك العينين الهائلتين اللتين كانتا تحدقان به. وبشكل سريع استدار فليكس للجهة الأخرى: إنه هو.. إنه هو..
دقق العقيد في الصورة ثم نظر إلى الملك، وفجأة شيء بدأ يرن.
رن.. رن.. رن.. رن.. رن..
مد الرجل من الجيش يده داخل ردائه وأخرج زهرة عباد الشمس. فتح الخط: ماذا هناك؟
– سعادة العقيد، هل وصلتك آخر الأخبار؟
رد الشخص: عن أي أخبار تتحدث عنها؟
– هل هناك ناقل مباشر إلى جانبك؟ جاء صوت من الزهرة.
– لماذا؟ سأل العقيد.
– فقط أخبرني، هل هناك ناقل؟
نظر الرجل إلى الملك: هل هناك ناقل للأخبار قريب من هنا؟
تعجب الملك من سؤال العقيد ثم قال: نعم، اتبعني.
خرج الملك والرجل الاخر من الغرفة ثم بدآ بالنزول على الدرجات للأسفل، وما هي إلا لحظات حتى وصلا إلى غرفة واسعة أخرى.
تقدم العجوز فإذا بالعديد من الأشخاص ينامون في أسرتهم، وكلهم مرضى، وهناك العديد من الأطباء الذين يتحركون ذهاباً وإياباً، وبعد أن حيوا الملك أكملوا مشاغلهم.
اقترب الملك من زهرة عباد شمس كبيرة قليلاً: ها هي.
نظر الرجل بجانب الملك إلى الزهرة ثم ضغط على بعض الأوراق الصفراء فيها، بعد ذلك ضغط على الشكل الأسود في المنتصف. فجأة انطلقت أشعة باتجاه الحائط، هناك كان شخص يتحدث:
– نعم كما سمعتم، لقد تم قتل ملازم من الجيش وجماعته، وذلك كان على يد ثائرين وجماعتهما.
فتح الملك فمه: ما الذي يحدث؟ هل مات شخص من الجيش؟
– الآن سأريكم صور هؤلاء الأشخاص الذين تعاونوا في قتل ذلك الملازم وجماعته.
الأول هو هذا الشخص؛ ظهرت صورة يوسافير وهو ملطخ بالدماء، وابتسامة عريضة على وجهه الممتلئ بالدماء. رؤية يوسافير جعلت الملك يضغط على يده ثم خرج صوت مرتجف منه: إنه هو.
– أما الآخرون الذين كانوا معه؛ فجأة ظهرت صورة يوراي، ميمون، والخرساء، ثم يورينا. ومع كل صورة كان الملك يضغط على أسنانه.
– أما الثائر الآخر….
في مكان ما في السماء، كانت سفينة محلقة في الهواء، سفينة ضخمة جداً، فجأة ارتفع صوت من خلالها:
– تباً تباً تباً تباً تباً لكم يا صحيفة العار، يا صحيفة الأوغاد، لماذا وضعتم صورتي؟ اللعنة عليكم!
كان هذا الشخص الذي يصيح بأعلى صوته هو الجوكر، بعد رؤية صورته برفقة يوسافير وتحتهم صور أعضائهم.
– سحقاً لكم لم أقتله! تباً أيها النذلاء لم أقتل شيئاً، لماذا أقحمتموني في هذا؟ أيها التعساء!
نورمان بجانبه كان فقط ينظر إلى الصور والشخص الذي يتحدث من خلال الشاشة.
أما هارلوك فاقترب من الشاشة وهو يضحك: انظروا إنها صورتي، وأخيراً صورتي ظهرت في الشاشة.
– كيف علمت الصحيفة بذلك القتال؟ لقد كدنا أن نموت في ذلك المكان، كيف لنا أيها الأوغاد أن نقتل ملازماً؟ اللعنة عليكم.. اللعنة عليكم..
– آخ.. حلمي الجميل، بعد أن كنت ذاهباً لتحقيقه الآن سيتم تتبعنا في كل مكان.
يوماً ما أيتها الصحيفة اللعينة سأحطم مقركم على رؤوسكم، أعدكم بذلك.. أعدكم بذلك.
الدموع والمخاط منذ بداية تحدث الجوكر وهما ينسابان على وجهه.
بالرجوع إلى الملك والعقيد اللذين يشاهدان؛ همس العقيد وهو يحدق في صورة يوسافير: ذلك الوغد مجدداً، لم يكفك سرقة إرث راندور وتجرأت على أفراد الجيش أيضاً؟ قتلكما لأفراد الجيش وكأنكم تعلنون الحرب مباشرة على كنيسة اتحاد الأمم.
ثم نظر إلى الجوكر: وأنت أيها اللعين، أنت أيضاً هنا؟ بعد بحثي عنك لسنوات وأنت تختبئ في هذا المكان.
في مقرات الجيش في قارة بيرتا، تم تداول الأخبار بينهم، تدخل ثلاثة أعمدة في خط واحد، أحدهم الذي كان بجانب الملك. وتم تقرير الشيء التالي بعد استشارة من هو أعلى منهم:
المكافأة على رأس راية يوسافير تم رفعها إلى سبعة ملايين سولار معدني، ويوراي الوحيد الذي خصصت مكافأة على رأسه بخمسة ملايين سولار معدني.
الجوكر الذي كان متخفياً لسنوات ارتفعت المكافأة على رأسه إلى خمسة عشر مليون سولار معدني، وتم تحديده بأنه هو قائد هذه الحركة على الملازم.
وصلت المهمات إلى نقابة الصيادين في كل بقاع قارة بيرتا، والملصقات عُلقت في كل مكان في مقراتهم.
في قلب قرية سيلان، انتصبت زهرة بنفسجٍ عملاقة، يتجاوز طولها قامة الإنسان بضعفين، مغروسةً في حوضٍ مهيب يتوسط الساحة. كانت تفيض بلونٍ بنفسجيٍّ أخّاذ يكاد لا يبدو من هذا العالم؛ وفجأة، اهتزت الزهرة وتمايلت بجسدها الضخم، لتنفث من بين بتلاتها وريقاتٍ بيضاء غامضة.
كانت أبرز تلك الأوراق تحمل صورة ليوسافير، بينما كشفت البقية صور يوراي، ميمون، يورينا، الخرساء، الجوكر وأتباعه؛ أولئك المطاردين والمنبوذين المطلوبين للعدالة.
وهناك أخبار كبرى هزت بقية العالم لتغطي على أخبار يوسافير والبقية.
كان طفل يلعب قرب الزهرة العملاقة ولاحظ سقوط تلك الوريقات، اقترب منها فإذا به متفاجئ. بعد ذلك اجتمع سكان القرية كلهم، والعجوز نفسه الذي كان يجهز القارب كان يقرأ فجأة بتعبير مهيب ثم تمتم والكل ينظر إليه:
– الحمقى.. لقد وقعوا في مأزق..
أما بالنسبة للخبر الذي هز جميع بقاع العالم فهو أن العلماء قد اقتربوا من الانتهاء من صناعة أول سفينة بخارية، مما سيؤدي إلى إحداث ثورة صناعية في هذا العالم.
في المئة سنة الماضية تم اكتشاف الفحم، تلك المادة الغريبة التي أدهشت علماء هذا العالم، وقد عملوا ليل نهار لمدة مئة سنة لدراسة هذه المادة الصلبة الحجرية القابلة للاشتعال.
ما فتح عقول العديد من العلماء للاستكشاف أكثر؛ طوال المئة سنة تقريباً كان الفحم يستخدم لأغراض التدفئة والطهي، إلا أنه في الخمسين سنة الماضية فكر العلماء في استخدامه في أشياء أخرى، مما مكنهم من توليد الكهرباء بعد أن صنعوا محطات للطاقة، لكن هاته الأشياء لم تصل إلى كل بقاع العالم.
بعد ذلك تم صنع محركات وآلات بحيث ظهرت عدة حرف صناعية، وبدأ الواقع الجديد يتغير بشكل ملموس؛ أنماط العيش وعادات الناس، وأخذ مفهوم التمدن في التبدل فأصبح معياره الأساسي وجود المصانع التي باتت تميز الحواضر الكبرى عن الوسط القروي، الذي كان في أغلبيته يعيش عصر ما قبل الصناعة.
وكأن كل شيء مجهز من قبل، انتشرت المصانع في كل بقاع العالم، كانت هذه هي بداية الثورة الصناعية، لكن تلك الثورة كان ينقصها شيء… ألا وهو السرعة في النقل.
قبل ست سنوات ظهر طفل عبقري بين العلماء لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، ذلك الطفل قدمه أحد العلماء، لا أحد يعلم من أين ظهر، لكنه طرح فكرة جعلت العلماء مصدومين من شدة ما سمعوه؛ كانت فكرة واضحة ضربت عقول جميع العلماء، كانت الفكرة: إذا كان البخار قادراً على تحريك آلة، فلماذا لا يحرك سفينة؟ وإذا استطعنا توليد طاقة من الفحم في أي وقت فلماذا نبقى عبيداً للرياح والغيوم؟
هذا ما قاله صبي صغير، لكن العلماء كان منهم من تيبس في مكانه ولم يتحرك لمدة يوم كامل. تلك الفكرة التي طرحها الصبي؛ بعد يوم بدأ العلماء بالتحرك وتم صنع العديد من المخططات والمخطوطات لنقل محرك صغير لسفينة صغيرة.
وبعد تغيير آليات السفينة ثم تغطيتها بالكامل لتصبح منطاداً صغيراً، نجحت أول عملية في السنة الأولى.
بعد ذلك بدأوا في التخطيط لسفن أكبر أو بالأحرى مناطيد أكبر، لكن لم يكن بذلك السهولة، فالمنطاد الكبير كان أشد صعوبة.
لكن مع محاولات عدة، وضع الصبي الذي أصبح في الثانية عشرة من عمره مخطوطات أدق وأكمل من مخطوطات البقية، وذلك ما زاد أهمية الطفل عند العلماء وبدأوا يستترون عليه.
بعد مرور خمس سنوات، اقترب إكمال السفينة واقتربت من الخروج للعالم.
نهاية الفصل.
