ـ “إذن، ماذا حصل بينك وبين الجرثومة؟”
قبل ثلاثة أيام، في مكان ما في الجبال الشاهقة التي تغطيها الثلوج وفوق الغيوم، كانت الجرثومة في أحد الكهوف ودماء خضراء تنزف منها؛ أحد أقدامها المسننة تكسرت، وأخرى لم تعد موجودة في مكانها.
بعد أن استقرت بعض الشيء ظنًا منها بأن الخطر قد زال، سمعت صوت أقدام يقترب.
تاك.. تاك.. تاك.. تاك.. تاك..
وقفت الجرثومة على أربع أقدام تتمايل، لم تكن وقفتها مستقرة بالمرة. أصدرت الجرثومة قرقرة من فمها الذي أصبح مهشمًا: “زررااا… زرااا…”
فجأة ظهر الشكل الذي كانت تفر منه لتنجو بحياتها، كان هذا الشخص نفسه الذي كان واقفًا خلف العجوز.
فجأة سمعت كلمات تخرج من فمه ببطء:
ـ “إذن أنتِ هنا أيتها الجرثومة.. سامحيني، لكن من الخطر ترككِ حرة طليقة، فمن يدري ما الذي قد تفعلينه.”
ما هي إلا دقائق داخل الكهف في أعالي الجبال، حتى انتهت المعركة بسرعة بين الرجل والجرثومة.
أما ما خلفه القتال فكان فوضى عارمة؛ الحجارة والدماء الخضراء ملقاة في كل مكان، وأكثر من نصف الكهف قد تدمر وتحول إلى ممر صغير يمكن أن يخرج منه الرجل.
في وسط الكهف، كانت الجرثومة ملقاة على الأرض ميتة، والرجل جالس فوقها وهو يحمل وعاءً شفافًا بداخله سائل أخضر يلمع.
كان هذا الوعاء يشبه الأوعية الثلاثة التي وجدها يوسافير في الصندوق الذي تركه إيدلايد للرجل في الغابة.
ثم همس الرجل وهو ينظر إلى السائل الأخضر:
ـ “أنتِ الآن في أيدٍ أمينة أيتها الجرثومة.”
(بالعودة إلى الوقت الحاضر)
ـ “إذن هذا ما حصل.” هز العجوز رأسه.
أومأ الرجل برأسه: “نعم، ولقد وضعتها في المكان المخصص لها.”
ـ “حسناً، هذا جيد.” قال العجوز وهو يلتفت نحو الرجل.
ـ “يبدو أن وقت ظهورنا لا يزال بعيدًا.” تمتم صاحب الجلد الأحمر.
ـ “هاهاها..” ضحك العجوز وقال: “ليس بعيدًا.. ليس بعيدًا…”
بعد مغادرة يوسافير ورفاقه بثلاث ساعات، ظهرت في الأفق سفينة ضخمة جدًا قادمة باتجاه القرية، فوق تلك السفينة راية ترفرف؛ راية سوداء ونجمة سداسية حمراء، كانت راية “كنيسة اتحاد الأمم”.
وفي مقدمة تلك السفينة، ظهر شاب في العشرينيات من عمره بملابس زرقاء غامقة، شعر أبيض شائك قصير، وفي وسط رأسه هناك ضفيرة من بداية شعره من جبهته إلى عنقه من الخلف.
أقراط فضية في أذنه، عيناه رماديتان، حواجب حادة، ووجه صارم جدًا. كان يضم يديه نحو صدره بشكل متقاطع، مقدمًا قدمًا على الأخرى، والرياح تلعب بردائه الأزرق.
كان ينظر باتجاه جزيرة سولمار التي غادرها يوسافير ومجموعته قبل مدة. فجأة، أنزل قدمه التي كان يضعها فوق حافة السفينة ووضع يده على سيفه الأزرق بجانبه الأيمن.
فجأة نادى أحد الجنود: “أيها الملازم شامان، هنا وقعت تلك الحادثة التي رأيناها في الصحف.”
قال شامان بصوت خفيف لكن كل من في السفينة سمعه بوضوح:
ـ “توجهوا نحو القرية فوق الجزيرة.”
سفينة الاتحاد لاحظها كل من العجوز والرجل بجانبه بعد أن كانوا يتمشون داخل الغابة.
ـ “كان متوقعًا حدوث هذا.” همس العجوز.
حدق الرجل في السماء وكأن بصره كان قادرًا على اختراق كل شيء، واضعًا إياه على السفينة وعلى الشاب الذي يظهر فوقها:
ـ “إذن ماذا ستفعل؟ نحن لا نريد التدخل فالوقت لم يحن بعد.”
تقدم العجوز دون توقف، وصوت العصا التي أمامه تصدر صوت طقطقة:
ـ “دعنا نراقب الوضع أولًا ثم نقرر ما سنفعله.”
اقتربت سفينة الجيش شيئًا فشيئًا من القرية، ومع اقترابها رن الجرس في القرية.
ـ “ما الذي يحدث؟
هل هناك خطب ما؟
لماذا الجرس يرن في هذا الوقت؟
هل هناك شخص قادم؟”
ارتفعت الهمسات بين الناس وثم تداول الأسئلة بينهم، لم يعرفوا لماذا يرن الجرس في هذه اللحظة.
فجأة أطلت عليهم السفينة؛ شيء كانوا يتجنبون أن يفكروا فيه عندما طرحوا أسئلتهم، شيء أكثرهم لم يكن يرغب بأن يحصل.
حدقوا في السفينة التي رأوها مرات عديدة وهي تأتي نحوهم.
ـ “الجيش.. العناء مرة أخرى!” صاح أحد السكان.
ـ “لماذا أتوا؟ هل بعد ذهاب ذلك الوغد عاد مرة أخرى؟”
سبب قول الشخص لهذه الكلمات هو أنهم بدورهم لم يكونوا متأكدين مما حصل مع يوسافير والملازم، أغلبهم ظنوا بأن الملازم قد لاذ بالفرار.
“الأوغاد من الجيش لا يتركوننا حتى نرتاح منهم، لماذا جاؤوا مرة أخرى؟”
وهم يسألون بعضهم البعض ولا يعلمون لماذا يسألون، وكأن لبعضهم الجواب لأسئلة الآخرين.
اقتربت السفينة وحطت قريبًا جدًا من الجزيرة.
اجتمع الناس في وسط القرية ينتظرون زعيمهم، وخلفهم كانت الراية الحمراء ترفرف في السماء.
بعد أن أعطى يوسافير الراية للعجوز وبعد مغادرة الرجلين من الشاطئ، التقيا بمازونيا، هناك حملها العجوز مسؤولية رفع الراية في القرية بينما هو يتجول مع الشخص الآخر.
لهذا الراية ترفرف الآن خلف السكان على عمود عالٍ جدًا.
نزل شامان من سفينته هو وجنوده وبدأ يتمشى حتى دخل القرية، وبعد المشي لبعض الوقت وقف أمامه بيلول وأصدقاؤه السبعة مرة أخرى يحملون عصيًا وحجارة في أيديهم.
التفت إليهم شامان بينما رفع حاجبه للأعلى:
ـ “ما الذي دهاكم يا أطفال؟”
حمل بيلول عصًا في يد وحجارة في الأخرى، رفع العصا مشيرًا إلى شامان والجنود:
ـ “ارحلوا من هنا! ما الذي أتى بكم أيها الحثالة إلى هنا؟ نحن لسنا بحاجة لحمايتكم.”
استدار شامان نحو الجنود الآخرين دون تغيير في تعبيره، وفجأة تقدم؛ لم يهتم بكلام الأطفال وأكمل طريقه بينهم.
رفع بيلول العصا:
ـ “ألم تسمعني؟” أوشك على قذفها نحوه.
لكن جنديًا خلفه أمسكه من يده:
ـ “لا تفعل هذا أيها الطفل.. احترم من هو أكبر منك.”
كان هذا الشخص هو نائب شامان، “بيرو”، حيث كان هناك شريط أصفر حول يديه.
ـ “بيرو، لا تهتم.” قال شامان وهو يتقدم دون أن يلتفت.
فجأة تقدمت أم بيلول بسرعة وأمسكته: “ما الذي تفعله؟”
نظر إليها الجنود ثم أكملوا طريقهم. الأطفال الآخرون أرجعتهم أم بيلول مجتمعين رغم إصرارهم.
وصل شامان إلى وسط القرية هو وجنوده حيث وجد الناس مجتمعين وينظرون إليهم بعداء.
رفع رأسه فإذا أمامه راية حمراء ترفرف مع الهواء.
صدم الجنود لأنهم تعرفوا على هذه الراية جيدًا، تقدم أحد الجنود وفي يده صورة لنفس الراية.
امسكها شامان فإذا برايتين متطابقتين، ثم همس في نفسه:
ـ “يبدو أنه لا يخجل من نفسه لرفع رايته في وجه الجيش.”
صورة الراية لم تكن الصورة الوحيدة، بل كانت هناك صورة يوسافير وتحتها صورة يوراي وميمون والخرساء، أما صورة يورينا فلم تكن لديهم.
قلب الملازم الصور ببطء، ورغم أنه رأى الصور من قبل إلا أنه كان يحدق فيها مطولاً.
فجأة أعطى الصور إلى أحد جنوده الذي التقطها ووضعها جانبًا، وتقدم نحو الأمام إلى جانب السكان وأشار بيده نحو الراية الحمراء:
ـ “ما معنى هذا؟”
رد عليه أحد السكان: “ماذا؟ ألا ترى؟ أليس لديك عيون تنظر بها؟ إنها راية!”
صاح آخر: “يا حثالة الجيش، لا نحتاجكم! فقط غادروا هذا المكان، نحن لا نحتاجكم.”
لم يفهم شامان سبب غضب الأهالي، تعجب ثم قال:
ـ “أنتم تعرفون عقوبة من يرفع راية غير راية كنيسة اتحاد الأمم.”
ـ “نحن لا نهتم بأي شيء يأتي من كنيسة الاتحاد أو أيًا ما تسمونها! ماذا فعلتم لنا طوال هذه السنين سوى التآمر مع ثائرين آخرين وأخذ الأموال منا بذريعة حمايتنا؟”
صدم شامان من كلام الأهالي، ثم نظر نحو نائبه بيرو الذي رفع يديه متعجبًا أيضًا:
ـ “عن أي ثائر تتكلمون؟”
في تلك اللحظة ظهر العجوز وفتح فمه متحدثًا:
ـ “ذلك الملازم الذي كان مسؤولاً عن هذه المنطقة كان متعاونًا مع ثائر آخر والمعروف بكارنو، وأيضًا كانوا على وشك التعاون مع ثائر آخر معروف بالجوكر.
لقد استغلونا بأخذ الأموال منا مقابل الحماية، وكانوا على وشك بناء مصنع في هذه الجزيرة وجر أهلها للعمل فيه.”
التفت شامان نحو مكان صدور هذه الكلمات، فإذا بالعجوز يتقدم ببطء وهو يتكأ على عصاه المزخرفة.
ـ “هل أنتم واثقون من هذا؟” سأل شامان.
رفع العجوز يده: “ولماذا سنكذب عليك؟”
التفت شامان إلى أحد جنوده الذي فهمه بنظرة واحدة وذهب مسرعًا من حيث أتى.
وما هي إلا دقائق حتى عاد الجندي بسرعة وفي يده صورتان لثائر كارنو والجوكر، أعطاهما لبيرو وكتاب فيه سجل كارنو وكتاب آخر فيه سجل الجوكر.
تمتم بيرو بصوت مرتفع:
ـ “كارنو.. ثائر لم يصل لنجمة بعد، لقد كان مشاركًا في العديد من القضايا الغير طبيعية، المكافأة على رأسه خمسة ملايين سولار معدني.
الجوكر وهو قائد طاقمه، على رايته نجمة، يحمل سجله العديد من المؤامرات.. لقد سرق العديد من القرى وكان متسببًا في انفجار معمل في…” ضيق بيرو حواجبه ثم نظر إلى شامان: “لا يذكر السجل أين هذا المعمل بالضبط.”
استمع شامان إلى نائبه ثم دخل في تفكير مطول، بعد ذلك التفت إلى العجوز وسأل:
ـ “أين ذهبوا؟ أقصد المتمردين الثلاثة والملازم وجنوده.”
بعد حضور العجوز لم يتحدث أحد من الأهالي، لقد تركوا الأمر إليه وأيضًا ليس من طبيعتهم التحدث وأكبرهم موجود هناك.
وضع العجوز يديه على العصا أمامه ونظر إلى عيني الملازم أمامه:
ـ “الثائر كارنو لقد مات هو وجنوده، وأيضًا جنود الجيش جميعهم ماتوا بعد أن انقلب عليهم أتباع كارنو.
بالنسبة للملازم فقد تحول إلى وحش غريب بعد أن فقد سيطرته.. أو هكذا كانوا يقولون.
ثائر الجوكر قد غادر بالفعل هو وأتباعه.”
ـ “وأين ذلك الوحش الذي تحول إليه الملازم؟” سأل شامان.
أجاب العجوز: “من يدري أين هو؟ لقد رحل قبل ثلاثة أيام من الجزيرة باتجاه الشمال.”
رفع شامان حاجبه وسأل”لقد أجبتني عن الثائرين، لكن الثائر الآخر؟”
ـ “لو لم يكن ذلك الشخص، لم تكن لتنظر إلى هؤلاء السكان أحياء الآن.” رفع العجوز يده مرة أخرى:
“لهذا ليس هناك أي سبب لأخبرك أين ذهب، أنت ملازم من الجيش إذن عليك أن تعرف بنفسك.”
تنهد شامان: “يبدو أنك تعرف الكثير أيها العجوز.”
ابتسم العجوز لكن لم يتحدث.
ـ “أين جثث الجنود وذلك الثائر؟”
لقد عرف شامان بأن القصة التي ذكرها العجوز سبعين بالمائة منها حقيقية، وسبب ذلك راجع إلى ردة فعل الأطفال بعد دخولهم القرية.
ـ “من فضلك سنأخذ الجنود وذلك الثائر، المكافأة التي تأتي من ذلك الثائر سأحضرها بنفسي إليكم.”
قال العجوز: “يمكنك أخذهم، فلا نفع لنا بهم، لكن جثثهم متحللة قليلاً وقد تم دفنهم بالفعل.”
هز الملازم رأسه: “رغم ذلك أريد أخذهم.”
ـ “حسناً، يمكنك ذلك.” قال العجوز.
أمال شامان رأسه نحو الراية: “هل أنتم واثقون من رفعها علنًا؟”
رد العجوز بكل هدوء: “لو لم نكن واثقين لم تكن لتراها هناك.”
لم يعلق شامان أكثر، التفت عائدًا نحو سفينته. تبعه جنوده ولم يتحدث أحد إليه إلا عندما صعدوا السفينة.
قال بيرو: “شامان، لماذا تركتهم يرفعون تلك الراية؟”
رد شامان وهو ينظر نحو السماء:
ـ “ذلك العجوز هناك ليس شخصًا عاديًا بتاتًا، أنت لم تبدأ بعد بتعلم ‘ذلك الشيء’ لذلك لم تشعر بما شعرت أنا.
لو كنا فعلنا شيئًا لَلحِقنا بذلك الملازم بعد أن جئنا نتحرى عنه.”
نهاية الفصل
