رؤية الخرساء تبتسم جعلت وجه المرأة يبرز بعض العروق: أيتها الشمطاء، هل تضحكين علي؟
نظرت المجموعة مستغربة من الاثنين، لكن لحد هذه اللحظة لم يفعلوا شيئاً سوى أن تعابير يوسافير كانت تتغير.
تدخل الرجل وقال: ألم تسمعوا كلامها؟ هيا، افعلوا ما تؤمرون به!
حدق الجميع فيه وفي المرأة، لكن لا أحد فيهم تحدث، وهذا ما جعل وجهه يصبح أحمر أمام زوجته. أيها اللعناء! صرخ بصوت عالٍ ثم لوح بيده قاصداً الخرساء.
فجأة توقفت صفعته في الهواء، لكنه استدار بسرعة. باققق!
الصفعة التي كانت تتجه نحو الخرساء حطت على وجه زوجته.
انصدم الرجل وهو يرى رأس زوجته مستديراً للجهة الأخرى.
رفعت المرأة رأسها وهي تلمس خدها الذي صار أحمر بسبب الصفعة، وتمتمت بصوت خافت: ما الذي فعلته؟
الرجل لم يعرف ماذا حصل وهو ينظر إلى يده: يدي! إنها يدي! لقد تحركت لوحدها!
نظرت إليه زوجته بعيون ضيقة: هل تمزح معي؟
تعرقت جبهة الرجل: أقسم إنها يدي!
استدار الخمسة ثم بدأوا بالمسير، ولأن الرجل كان ظهره باتجاههم لم يرهم، لكن زوجته لاحظتهم، فرفعت إصبعها نحوهم ثم همست ببطء: يا قليل النفع، إنهم راحلون! إياك وتركهم يغادرون المكان!
الرجل بعد أن استدار اشتعل غضباً، وتلك الصفعة التي نزلت على وجه زوجته لم يجد لها تفسيراً، وهذا جعله غاضباً جداً.
كدبٍّ انطلق يجري خلف المجموعة: أنتم! أين تذهبون؟ توقفوا!
تبعتْه زوجته وهي لا تزال تمسك بخدها.
ماذا؟ هل تريد شيئاً؟ تحدث يوسافير فجأة.
رفع الرجل السمين يديه وهو يلهث، ثم أمال إبهامه نحو الأسفل وقال: اركعوا نحو الأرض واعتذروا لزوجتي، أما أنتما -وأشار بيده إلى الفتاتين- فستذهبان معي!
بعد خروج كلمات الرجل الأولى لم يهتم يوسافير والبقية كثيراً، لكن بعد أن أشار بيده إلى الفتاتين وقال تلك الكلمات الأخيرة، جعل يوسافير يتقدم نحوه ببطء وهو يبتسم.
رؤية الابتسامة على وجه يوسافير جعلت قلب الرجل ينخطف.
ما إن اقترب يوسافير منه حتى انحنى قليلاً. رؤية يوسافير ينحني جعلت الرجل يبتسم، ولم يظن أن يوسافير انحنى فقط لينظر نحو بطنه:
أجل، هكذا اركع!
أرجع يوسافير يده للخلف قليلاً ثم بوم!
أععععععع! برزت عينا الرجل بشكل غير طبيعي وكأنها على وشك الإفلات، وفمه اتسع فجأة وبدأ القيء يخرج منه وهو يمسك ببطنه.
أعععع! أعععع! أفرغ كمية كبيرة من القيء، وزوجته عندما اقتربت منه شعرت بالدهشة فوراً.
لم ترَ المرأة يوسافير يضرب زوجها لأنها كانت خلفه، ولأن جسم الرجل كبير فقد غطى يوسافير تماماً.
تعصر الرجل والعرق يتصبب منه بشكل غير طبيعي. فرايد! ماذا حدث؟ اقتربت المرأة فجأة، وبعد رؤية القيء ابتعدت قليلاً، ثم نظرت إلى يوسافير: ما الذي فعلت به؟
ابتسم يوسافير: كنت أخلص أزرار سترته من بطنه فقط، لقد كانت تعاني!
حدقت المرأة في الأزرار التي على الأرض مطولاً؛ كانت ضربة يوسافير قوية جداً، فكيف لهذا السمين أن يستحمل ذلك؟ لكن من حسن حظه أنه لم يقتله، فبعد تكلمه عن الفتاتين كانت أول فكرة أتت لعقل يوسافير هي قتله، لكنه غير رأيه فجأة.
بعد أن تألم قليلاً سقط الرجل السمين أرضاً فاقداً للوعي.
نظرت الخرساء إلى يورينا وتمتمت لها ببعض الكلمات. فجأة وبشكل سريع، التوت شبكة العنكبوت مغطية فم المرأة أولاً ثم جسمها، ولم تترك لها أي فرصة للصراخ.
سقطت المرأة على الأرض وهي تنظر إليهم وعيناها مفتوحتان عن آخرهما.
ما هذا؟ ما الذي يحدث؟ من هؤلاء الأشخاص؟ شعرت المرأة بالرعب وهي تنظر إليهم.
اقتربت منها الخرساء ببطء وانحنت نحوها، مما جعل المرأة تتصب عرقاً مثل زوجها قبل قليل.
فجأة ضربت كلماتُ الخرساء عقل المرأة: من حسن حظك أننا معها، وإلا ما كنتِ لتتنفسي الآن! ثم وضعت الخرساء يدها على رأس المرأة بشكل غريب ففقدت الوعي.
ذهبت الخرساء إلى الرجل أيضاً وقامت بنفس الشيء، وضعت يدها على رأسه ثم وقفت.
أزالت يورينا شبكة العنكبوت من على المرأة ولم تترك أي أثر. وغادرت المجموعة بينما الرجل وزوجته فاقدان للوعي في هذا الشارع الصغير.
بعد مرورهم بعدة أزقة، خرج يوسافير ورفاقه إلى الشارع الكبير. يمتد الشارع كصفحة من زمن منسي، مرصوفاً بالحجارة العتيقة التي صقلتها عجلات العربات وأقدام العابرين عبر عقود طويلة.
مبانيه ترتفع على الجانبين بواجهات فيكتورية ثقيلة، نوافذها العالية تشبه عيوناً تراقب الحياة بصمت، وستائرها الداكنة تحجب أسراراً لا تروى.
يتحرك الناس ببطء، وكأن الزمن نفسه يسير على مهل. رجال بمعاطف طويلة وقبعات مستديرة، تتدلى ساعات الجيب من صدورهم بسلاسل نحاسية لامعة، ونساء بفساتين واسعة، أثوابهن تتماوج مع كل خطوة، تحيط أعناقهن ياقات مرتفعة تخفي أكثر مما تظهر، وطبعاً ريشة تزين رؤوسهن، وفي وجوههن وقار غريب؛ مزيج من الانضباط والقلق.
تمر عربات الأحصنة في منتصف الطريق، خشبها الداكن يئن تحت ثقل الركاب، وحديد عجلاتها يصرخ فوق الحجارة.
أنفاس الأحصنة تتصاعد كبخار أبيض في الهواء البارد، ووقع حوافرها يرسم إيقاعاً ثابتاً كنبض المدينة نفسها.
الضوء خافت، يتسرب من مصابيح الشارع، فيلون المشهد بدرجات صفراء باهتة، ويطيل الظلال على الأرض والجدران.
مر يوسافير والبقية بعدة أطفال يبيعون أزهاراً بمختلف ألوانها حول جوانب الشارع بين أقدام الكبار وعجلات العربات.
يتحركون بخفة، أطفال بوجوه شاحبة، خدودهم محمرة من برد الشارع، وعيونهم واسعة تلمع بفضول بريء.
ملابسهم بسيطة، معاطف قصيرة مهترئة عند الأطراف، وأزرار غير متناسقة كأنها خيطت على عجل.
بعضهم يمسك بيد الآخر خوفاً من أن يبتلعهم الزحام، يركضون بخطوات قصيرة قبل أن يوقفهم صوت حافر أو نداء حاد.
أحذيتهم الصغيرة تصدر طقطقة خفيفة على الحجارة، نغمة طفولية تضيع وسط صرير العجلات أو أنفاس الأحصنة.
أما عندما توجه بصر يوسافير إلى جهة معينة، رأى أطفالاً مع آبائهم، ضحكاتهم مكبوتة كمحاولاتهم لتقليد الكبار، يرتدون ملابس راقية يمشون بتبختر، وبعضهم ينظر إلى الأطفال الآخرين باحتقار.
وهم يتمشون ظهر أمامهم أفراد الجيش مختلطين بين الناس وفي أيديهم بنادق لمنع أعمال الشغب. دون لفت الانتباه أكملت المجموعة تجولها، حيث مروا بجانب الجنود دون أن تتم ملاحظتهم.
وهم يشاهدون معالم هذه المدينة الكبيرة توقفوا أمام بيت ضخم مطوق بجنود الجيش والناس في كل مكان، أعلى ذلك البيت الضخم كانت راية كنيسة اتحاد الأمم ترفرف عالياً.
الكنيسة البابوية، تمتمت يورينا ببطء.
نظر يوسافير نحو يورينا: كنيسة؟ ماذا يفعل كل هؤلاء الأشخاص في هذا المكان؟ هل هو تابع للجيش؟
أومأت يورينا برأسها: إنهم يزعمون أنهم يعبدون آلهتهم.
آلهة؟ هل هم واعون بما يفعلون؟ تمتم يوراي.
بعد أن استدارت نحوهم قالت يورينا: هذا ما يدور في عقولهم، أن ثلاثة آلهة خلقت هذا العالم.
سخر يوسافير: المساكين! إنهم مخدوعون من أسلافهم ومن الكنيسة نفسها، حقاً إنهم جهلاء!
كيف ذلك؟ سأل ميمون.
أجاب يوسافير: هذا سهل جداً، إن لك عقلاً لتفكر به؛ تخيل أنك قائد سفينة، ويوراي قائد سفينة، وأنا قائد سفينة. أنت تريد الذهاب غرباً، يوراي جنوباً، وأنا شمالاً… في رأيك إلى أين ستذهب السفينة؟
فكر ميمون قليلاً ثم أجاب: لن تذهب لأي مكان، وستندلع فوضى على السفينة.
وهل ستبقى هناك سفينة؟ سأل يوسافير.
أجاب ميمون: لا طبعاً.
إذن هذا يوضح كل شيء، قال يوسافير. ثم صمت وأكمل: هناك إله واحد فقط لا غير.
فجأة سألت الخرساء يورينا: ما أسماء هؤلاء الآلهة الذين يزعمون أنهم خلقوا كل شيء؟
ردت يورينا ببطء: أولهم مارس… وبعده أبريل… وبعده ديسمبر…
تعجب ميمون: ما هذه الأسماء الغريبة التي يطلقونها عليهم؟ هذا عجيب حقاً!
هل هذا ما يؤمن به الجيش؟ سأل يوراي.
أجابت يورينا: لا أعرف صراحة، فلكل معتقداته، هناك حتى من يعبد الحيوانات! الأغبياء يعبدون حتى الفأر، ومنهم من يعبد شيئاً يصنعه بيده، تخيلوا هذا ما قرأت ذات مرة.
قمة الجهل، سخر يوسافير وهو يطالع الكنيسة.
ثم سخر ميمون أيضاً: قمة الغباء!
وهم يتحدثون سمعوا صياحاً من بعيد: أمسكوه!
التفتت المجموعة فرأوا رجلاً بملابس مقطعة يركض بأقصى سرعة وفي يده رغيف من الخبز، خلفه ثلاثة جنود من الجيش يتبعونه، فجأة انهالت عليهم العيون من كل الجهات؛ الجنود والأشخاص بجانب الكنيسة.
فوراً تم تطويقه وهو يلهث في الوسط غارقاً في رعبه. جلد الرجل الذي يبدو في الخمسينيات من عمره صار أحمر، وبعض الدماء تجمدت فوق جلده.
تقدم نحوه فرد من الجيش وضربه بظهر بندقيته على رأسه حتى سقط الرجل أرضاً، لكن رغيف الخبز لم يسقط من يده، كان معلقاً بها.
نظرات الاحتقار والاستصغار تمركزت على الرجل من قبل الأشخاص الذين كانوا قرب الكنيسة.
فجأة بدأ الرجل يتمتم ببطء: أنا.. أنا لم أرغب بالسرقة.. أنا لم أرد ذلك ولكن أطفالي يموتون جوعاً، إن لم أطعمهم سيموتون! كان يتكلم وفجأة برزت ركبة الرجل، كانت محمرة جداً وبعض السائل الأخضر يتقطر منها، لقد كانت متعفنة.
تغير تعبير الجنود بعد رؤية ذلك وغطوا أنوفهم، حتى الأشخاص الواقفون يشاهدون من بعيد استداروا.
ما الذي أتى بهذا المتشرد إلى هذه المنطقة؟ يا لكم من جنود غير نافعين لشيء! صاح أحد الأشخاص.
ثم قال آخر: أيها الجنود، زجوا بهذا المسخ في زنزانة! انظروا إلى مظهره وإلى قدمه، إن أصيب أحد في هذه المدينة بأي وباء فسيكون بسبب تقصيركم في عملكم!
من بعيد جاء رجل سمين يركض وهو يلهث وحوله رائحة الخبز الطازجة، ما إن وصل حتى انحنى على ركبته وهو يطالع في الرجل الساقط على الأرض هاهي… هاهي… هاهي…
ثم عدل وقفته وصاح بصوت عالٍ وهو يشير بيده: ضعوه في السجن لسرقة أشيائي! اقتلوه! إنه عار على هذه المدينة! اقترب من الرجل بين الجنود ثم بدأ يركله: باق باق باق… كل ضربة تنزل على بطنه، لكن الرجل أبى أن يترك رغيف الخبز وكأن تلك القطعة من الرغيف أثمن من حياته.
اقترب أحد الجنود وجر الرجل السمين: اتركْه ايها سيد برايد، نحن سنهتم به.
شعر يوسافير والبقية بذهول، ليس مما يروه بل بسبب الرجل السمين، فلتوّهم افترقوا عنه وعن زوجته في ذلك الشارع الضيق، لكن ها هو الآن أمامهم يركل الرجل!
هل هذا الرجل يشبه الآخر أم أنني أتخيل؟ تمتم يوسافير.
نعم، إنه يشبهه كثيراً، هل هو هو أم شخص يشبهه؟ تساءل يوراي.
نهاية الفصل.
