الفصل الخامس والسبعون: زهرة زنبق ليلي
سؤال يوسافير جعل عيني الاثنين مفتوحتين عن آخرهما.
“ك.. كيف تعرف بشأن المؤسسة؟”
أدار يوسافير وجهه للجانب: “هذا ليس من شأنك، لقد طرحت سؤالاً أجب عليه”، صمت ثم ابتسم وأكمل: “أو يبدو أنك أجبت عليه بالفعل.”
عض الرجل على شفتيه: “عليك أن تنسى ما سمعت، فهذا أفضل لك أيها الفتى.”
رفع يوسافير حاجبيه للأعلى: “ماذا؟ هل تخشى عليّ؟”
ابتسم الرجل الآخر: “كما قال لك زميلي، من الأفضل لك أيها المبتدئ أن تنسى ما سمعت وتغير طريقك عن طريق المؤسسة، فأنت لست مؤهلاً للسؤال عنهم أو عما يفعلون.”
ابتسامة خافتة ظهرت على وجه يوسافير وهو ينظر إلى الرجلين المعلقين في الهواء، ثم رفع يديه الاثنتين: “إذا كنت سأخاف من الدجاج، فلن أحاول نزع ريشه.”
نظر الاثنان إلى بعضهما بدهشة، وكأنهما يقولان: “ما الذي يتفوه به هذا الفتى؟”
التفت أحدهما: “هل هذه هي المعلومات التي حصلت عليها من المطعم؟”
سخر يوسافير قائلاً: “لقد قلت لك ليس من شأنك، ولست مؤهلاً لطرح الأسئلة، فقط أخبرني كم عددكم في هذه المدينة؟”
تأمل الرجلان فيه مطولاً: “فقط قم بقتلنا، فلن تجد عندنا ما تحتاجه.”
رفع يوسافير كتفيه بينما قال: “حسناً، سأخبركما بشيء، لا تقفا في طريقي من الآن فصاعداً، لأنكما لن تسمعا هذا التحذير مرة أخرى.”
بوم.. بوم..
صدم يوسافير الرجلين ببعضهما بقوة ثم مع الجدار في نفس الوقت حتى فقدا الوعي. كان بإمكان يوسافير قتلهما، لكنهما لم يفعلا شيئاً يستحق ذلك، لقد تعقباه فقط، لهذا اتخذ هذا القرار.
نظر يوسافير إلى الرجلين: “آه، لو كانت الخرساء معي لكان ذلك أفضل.”
بعد مدة قصيرة، خرج يوسافير من تلك الأزقة إلى الشارع الكبير، حدق في الشارع الذي يبدو ممتلئاً بالناس والأطفال، وصوت حوافر الخيول يضرب أذنيه بينما صهيلها يدوي في كل مكان.
“الآن، يبدو أنه عليّ العودة إلى المنزل…”
في المكان الذي التقى فيه يوسافير والبقية بجومانجي، وبالضبط في المكان الذي كانت الجثتان ملقاتين فيه على الأرض، كان عقيد من الجيش وأتباعه يتحرون سبب موت الاثنين. كان قد تقرر بأنه سيأتي بالأمس لهذا المكان، لكن مشكلة وقعت اضطرتهم إلى تأجيل الأمر إلى اليوم.
كان العقيد يتحرك ببطء ممسكاً بقبعته، رأسه الأصلع المحروق تلطمه بعض قطرات المطر، وقف أمام قماش أبيض على الأرض.
“انزعه”، تمتم العقيد ببطء.
“حسناً سيدي”، تحرك أحد الجنود وأزال الغطاء.
بعد إزالة الغطاء ظهرت الجثتان، ورائحة العفن انتشرت في الهواء مع الذباب الذي كان يحوم حولهما. انحنى العقيد قليلاً ومركز عينيه على الجنديين.
“سيدي”، مد أحد الجنود منديلاً أبيض إلى العقيد.
لوح العقيد بيده بأنه لا يحتاجه، ثم وقف ووضع يده على صدغه ثم سأل: “أين الرجل الآخر؟”
ما إن سأل الرجل محروق الرأس، حتى جاءه رد بصوت خافت بين الجنود: “أنا هنا سيدي.”
حدق العقيد فيه مطولاً: “ألا يمكنك تذكر شيء مما حدث؟”
حرك الجندي رأسه: “لا سيدي، كل ما أتذكره أنني والجنديين كنا في دورية في الحي المجاور، لا أتذكر شيئاً بعدها، لكن بعد أن وجدت نفسي هنا كنت مصاباً في وجهي.”
“أين هو المكان الذي كنت فيه فاقداً للوعي؟” سأل الرجل مرة أخرى.
أشار الجندي بيده: “هناك سيدي.”
التفت العقيد إلى المكان الذي يشير إليه الجندي ثم بدأ يمشي باتجاهه.
اقترب وبدأ ينظر إلى الجدار المهترئ، لمسه بيده ثم نظر إلى الجندي: “لقد ارتطم بهذا الجدار بقوة، هناك شخص قام بضربه بقوة ليرتطم بالحائط.
لكن هل هذه الضربة هي من أفقدته شيئاً من ذاكرته أم شيء آخر؟ هذا ليس حادثاً عادياً، هل هناك ممسوس قام بمسح ذكريات الجندي؟”
“هذا وارد، وهناك فرصة كبيرة أن يكون أحد الممسوسين هو المسؤول عن هذا الشيء، لكن كيف سنحدده؟”
تمشى العقيد وهو يفكر في الحادث، لم يجد دليلاً واضحاً، لكن الشيء الذي هو متأكد منه هو أن الجنديين لم يقوما بقتل بعضهما، فهناك طرف آخر متدخل في هذا الحادث، وهو الذي سمع قبل أيام عن خبر قتل ملازم واختفاء جميع جنوده من قبل ثوار.
“علينا الضرب بقوة، وإلا سنرى جثث جنودنا ملقاة في كل مكان.”
لو كان العقيد يعرف أن المتسبب في قتل جنود الملازم وموت الملازم هو نفسه من تسبب في قتل جنوده، لجن جنونه وبحث ليل نهار منزلاً بمنزل حتى يجدهم في هذه العاصمة.
بالرجوع إلى يوسافير الذي كان لا يزال يتمشى في الشارع الكبير، فجأة لاحظ رجلين يحملان باقات من الزهور البيضاء؛ أحدهما ببدلة رمادية والآخر ببدلة بنية.
تحدث أحد الرجلين مخاطباً الشخص بجانبه: “يبدو أن هناك من سيعم الفرح ملامحه.”
“هاهاها”، ضحك الرجل ذو البدلة البنية: “زوجتي، إنها تستحق ذلك بعد أن عانت لثمانية أشهر، وهذا هو الشهر التاسع الذي ستلد فيه.”
تفاجأ الرجل الآخر: “هل هذا صحيح؟ وأنا أيضاً زوجتي ستلد في هذا الشهر.”
“أووه، لهذا ستأخذ لها هذه الزهور.”
“نعم، فهذه الزهور تقدم للحوامل في الشهر الأخير لمنحها الحب والحنان وتعبيراً عن الشكر لحملها بطفلك طوال هذه المدة.”
“معك حق، إنهن يستحقن أكثر من ذلك، فهن يعانين كثيراً في هذه الشهور.”
أكمل الرجلان حديثهما وهما يغادران، يوسافير توقف ثم نظر إلى المتجر بجانبه، أعجب بتلك الزهور التي يحملها الرجلان.
خلف زجاج ذلك المتجر ظهرت جميع أشكال الورود التي أعجب بها يوسافير، في هذه اللحظة ضربت أنفه رائحة رائعة جعلت يوسافير يسترخي قليلاً، ثم قرر دخول المتجر.
اقترب يوسافير من الباب الذي يبدو مفتوحاً وأجراس معلقة تنزل عمودياً للأسفل. مر يوسافير بين تلك الأجراس فسمع طنيناً، لكن الصوت كان جميلاً وليس مزعجاً، وفور ما دخل غمرته رائحة زكية لم يشتمها من قبل.
أعجب يوسافير بالمنظر أمامه؛ صفوف من الزهور بمختلف الألوان والأشكال على أرفف من الخشب والزجاج.
بعد سماع صوت طنين الأجراس، تقدم صاحب المحل بخطوات أنيقة وهو يمسك بربطة عنقه: “أوي! مرحباً بزبوننا الرائع، هذا المتجر جميل، لكن حضورك فيه زاده جمالاً أيها الفتى، كيف لي أن أخدم حضرتك؟”
أشار يوسافير نحو الزهرة التي أسرت عينيه السوداوين: “تلك الزهرة البيضاء..”
حدق الرجل ذو البدلة السوداء في الزهرة التي أشار إليها يوسافير ثم ابتسم: “أوه، ذوقك رائع سيدي الصغير، هذه زهرة ‘زنبق الليل’، إنها من أكثر الزهور مبيعاً في متجري…”
يوسافير ابتسم برفق: “لا عجب في ذلك، إنها رائعة.”
“كم تريد؟” سأل صاحب المتجر.
“أريد باقتين منها…”
“حسناً حسناً أيها الفتى الصغير، انتظر قليلاً..”
وقف يوسافير ينظر إلى المتجر الذي يبدو ساحراً، مملوءاً بشتى أنواع الزهور وبعد مدة قصيرة من الانتظار جاء صاحب المتجر.
“شكراً على الانتظار سيدي الصغير، هاهي طلباتك جاهزة..”
“كم ثمن الباقتين؟” سأل يوسافير.
“اممم، الباقة الواحدة بثلاثة عشر سولاراً معدنياً، والاثنتان معاً بستة وعشرين سولاراً معدنياً..”
أومأ يوسافير برأسه ثم سلم لصاحب المتجر ماله وأمسك بالباقتين، حدق فيهما يوسافير بتمعن ثم ابتسم عندما ارتفعت معه رائحة جميلة، ثم أومأ برأسه لصاحب المتجر وهمّ بالخروج.
صاحب المتجر، وهو يستمع إلى طنين الأجراس بعد خروج يوسافير، بدأ يتأمل في الباب ثم تمتم ببعض الكلمات:
“تزهر زنبقة الليل كنجمة سقطت من السماء، سيقانها الرقيقة تحمل في صمتها وعداً جديداً، وتاجها من بياض صامت كأسرار الليل المخفية، كهمس صلاة خفية لا يسمعها إلا القلب.. زهرة صامتة لكنها تحمل في جوهرها سر الحياة، وتترك أثرها العميق في كل روح تقترب من سحرها.”
نهاية الفصل.
