الفصل السادس والسبعون: جمجمة في المجاري
في مكان مظلم وفي المجاري في حي “جوغو”، كان ميمون يتمشى ببطء؛ وقع أقدامه يمكن سماعه من بعيد. كان يضع منديلاً حول أنفه متجنباً الرائحة العفنة للمكان، لكن الرائحة كانت كريهة وثقيلة في نفس الوقت.
“ما هذه الرائحة؟ لم أتصور أنها كريهة لهذا الحد.. يا ترى كيف يتحملون هذه الرائحة في الأعلى؟”
كان كل تفكير ميمون في هذه الرائحة الكريهة، ولم يشعر بثقل قدميه إلا في هذه اللحظة..
ما هذا؟
كانت الجدران المتآكلة من حوله تنضح برطوبة لزجة، وكأن الحجارة نفسها تتنفس العفن. كلما تقدم خطوة، غاص حذاؤه في وحل أسود لا يعرف مصدره، بينما كانت أصوات قطرات الماء تسقط من السقف المرتفع تصدر رنيناً متوحشاً يتردد صداه في الأنفاق الطويلة كأنه صرخات مكتومة.
الظلام هناك لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كثيفاً يشعره بثقل الهواء فوق صدره. كانت مياه الصرف تجري ببطء بجانبه بلون يميل للخضرة، تحمل معها مخلفات الحي والقصص المنسية لمن يعيشون في الأعلى.
لم تكن الرائحة مجرد نتانة عابرة، بل كانت مزيجاً خانقاً من الكبريت والتحلل، تغلغلت عبر نسيج منديله لتستقر داخل حلقه، مما جعل كل شهيق يأخذه بمثابة معركة صغيرة للبقاء.
نظر ميمون إلى الظلال التي ترقص على الجدران بفعل ضوئه الخافت، وشعر أن هذه المجاري ليست مجرد قنوات تصريف، بل هي أمعاء المدينة الغارقة في القذارة، حيث لا مكان للجمال، ولا صوت يعلو فوق صوت الجرذان المختبئة في الزوايا المظلمة والتي أزعجت ميمون منذ مدة.
توقف ميمون: بعد البحثفي الأعلى ليس هناك شيء، لهذا قررت المجيء إلى هنا، لكن لم يكن في الحسبان أن هذه الرائحة قوية إلى هذا الحد.. هل أتراجع أم أكمل؟”
صريرررر…
وقف ميمون متسمراً حائراً، لا يعرف هل يكمل أم يتراجع؛ لأنه لم يقدر على الرائحة التي تسبح حوله. “وأيضاً هذا الصوت.. إنه مزعج، ما بال هذه الفئران؟”
كان صوت الفئران التي تصرخ فيما بينها يؤذي الأذن من كثرة الضجيج. رفع ميمون المصباح الذي ينير طريقه، فإذا بالعديد من الفئران تتوجه إلى نفس المكان.
صريرررر…
تقدم ميمون ببطء يتبعهم، فإذا به يجد مجموعة كبيرة من الفئران مجتمعة في مكان واحد وتتهاوش فيما بينها. اقترب ميمون ببطء بعد أن خرج من ذلك المكان الموحل، لكن الفئران لاحظته وهو يقترب فأصدرت صريراً مزعجاً. كان صوت صريرها يشبه احتكاك المسامير بقطعة من الزجاج.
صريرررر…
تفرقوا فوراً والكل بدأ يركض في جميع الاتجاهات؛ كانت هذه الفئران كبيرة جداً وغير معهودة لميمون. “يا لحجمها الكبير!” تمتم ميمون ببطء.
ما إن تفرقت مجموعة الجرذان حتى رأى ميمون ما كانوا مجتمعين عليه، وهذا ما تركه مصدوماً.
“جمجمة!!” هذا ما خرج من فمه دون شعور.
أمام مرأى عينيه كانت جمجمة صغيرة متعفنة، لأن بعض الجلد لا يزال عليها، ودود أخضر يخرج من عينيها الفارغتين وأنفها وفي كل مكان.
“هذه…. هذه جمجمة طفل صغير! ماذا تفعل جمجمة طفل في هذا المكان؟”
وقف ميمون وهو لا يزال يمسك أنفه بيده، ثم نظر إلى الأمام يبحث، فازداد فضوله وخوفه في نفس الوقت؛ حيث شعر بشعور سيء إن تقدم. “الوقت متأخر، الآن سأتوقف وغداً أكمل من هنا.”
في هذه اللحظة تغير تعبير ميمون وشعر بشعور بالخطر لم يشعر به من قبل؛ ليس لأن شخص يراقبه أو وحش يتربص به، بل لأنه تذكر شيئاً مشابهاً تحدث به يوسافير قبل أيام عن رؤية في كابوسه. تذكر ميمون هذه التفاصيل في هذه اللحظة بذاتها، والتي جعلته ينظر لهذا المكان بمنظور مختلف.
“هذا ليس جيداً.. هذا ليس جيداً.”
قبل أيام أخبرهم يوسافير -عندما كان فاقداً للوعي بسبب “الجرثومة” التي خاضوا معركة مميتة معها- أنه رأى ميمون في مكان مظلم وهو ينظر إلى جمجمة صغيرة وهو يمسك بأنفه. وهذا ما شاهده ميمون في هذه اللحظة تماماً.
هل رأى يوسافير المستقبل أم ماذا؟ أم قد تكون مجرد رؤية؟
دخل ميمون في تفكير عميق مرة أخرى، لكنه لم يجد لهذا تفسيراً. بعد مدة قصيرة، تمعن ميمون في الجمجمة جيداً ثم في الطريق المظلم أمامه، ثم استدار واختفى من المكان هو ومصباحه؛ لقد تراجع ميمون لأنه شعر بالخطر.
—
كان يوراي في هذه اللحظة قرب المصانع الضخمة يتجول بهدوء تام. بعد بحثه الطويل حول هذه المصانع، لم يجد شيئاً؛ كآبة هذا المكان أزعجت يوراي كثيراً بسبب الدخان المتصاعد بقوة.
كان المكان شبه خالٍ إلا من بعض الخيول التي تجر خلفها حمولات ملفوفة بأغطية غير ظاهر ما فيها. “يا ترى ما الذي يصنعونه هنا؟”
يوراي بردائه الأسود الملفوف عليه بعناية، كان يلتفت يميناً وشمالاً، ورغم عينيه المغمضتين إلا أنه لم يرد أن يفلت منه أي شيء.
فجأة ظهرت أمامه مجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس رمادية اللون؛ لقد كانوا من أفراد الجيش، وأمامهم ثلاثة أشخاص يبدو من ملابسهم المتسخة والمهترئة أنهم عمال.
“أتوسل إليكم.. إن طُردت من العمل فأطفالي لن يجدوا ما يأكلون…”
تحدث عامل آخر: “أين سأذهب للعمل إن طُردت؟ من أين آتي بالمال كي أعالج والدتي؟ ليس لي غيرها.”
تكلم الثالث: “أنا هو المعيل الوحيد لإخوتي الصغار، هل تريدون منهم الموت جوعاً؟”
تقدم أحد الجنود أمامهم: “اغربوا عن وجهي ولا تظهروا مرة أخرى! إن ظهر أحد منكم فلا تلوموني على قساوتي أو ما سأفعله.. كل من يتقاعس عن العمل سيلقى نفس المصير مثلكم.”
رفع أحد العمال يده: “كيف ذلك؟ أنا لا أتقاعس! هل تظن أن لدي ستة أذرع كي أجهز مئتي طلب في اليوم؟ هذا كثير، حتى مئة فهذا كثير!”
رفع الجندي بندقيته: “اغرب عن وجهي وإلا سأيتم أطفالك!”
اهتز الرجل من مكانه خائفاً، وكذلك فعل الاثنان الآخران؛ صروا على أسنانهم ولم ينطقوا بكلمة.
مر يوراي بجانبهم ولم يتدخل، أكمل طريقه حتى لاحظه الجنود.
تحدث أحدهم: “أنت هناك! لأي مصنع تنتمي؟ ولماذا لست في عملك؟ هل تتهرب وقت العمل؟”
توقف يوراي ثم تكلم: “أنا لست عاملاً، أنا فقط مارّ من هنا.”
“مارّ من هنا؟ هل تمزح معي؟ هذه المنطقة لا يجوبها غير العمال، وبما أنك هنا فلا بد أنك عامل.”
“أنا جديد على هذه المدينة، لهذا أضعت الطريق.”
كان الجندي على وشك التحدث عندما تقدم الجندي الآخر -الذي كان يصرخ في وجه العمال الثلاثة-: “انزع رداءك أولاً ثم تكلم معي…”
صمت يوراي قليلاً ثم تحدث: “أنت لا تريد مني أن أنزعه، فمن مصلحتك أن لا أنزعه..”
تغير تعبير الجندي بحيث أصبح منزعجاً من كلام يوراي: “من كلامك أنت تتفوه بكلام كبير! هل تهددني حشرة مثلك؟” رفع بندقيته التي في يده مشيراً بها نحو يوراي.
تفاجأ الجنود والعمال الثلاثة أيضاً، وكل أعينهم وقعت على يوراي الذي يبدو هادئاً. “يا للإزعاج.. لقد وصلت بالأمس فقط وأنا لا أريد مشاكل.. أخ لو كانت الخرساء معي الآن لكان كل شيء يسير بشكل رائع.”
تغير تعبير يوراي وتحدث بنبرة قاسية: “ليس كل شخص يمكنه أن يعطيني الأوامر أيها الجندي التافه من الجيش، فلتعرف مكانتك أيها الوضيع!”
بعد سماع كلام يوراي، زأر الجندي بصوت مرتفع: “تباً لك أيها الوقح!” ثم ضغط على الزناد.
بانغغغ….
تحرك يوراي بسرعة إلى الجانب، بحيث مرت الرصاصة بقوة بجانبه الأيمن.
“ماذا؟!” صدم الجندي الذي يحمل البندقية، وكذلك الجنود والعمال.
“سأرحل من هنا وأنسى أنك أطلقت باتجاهي، لكن إن أعدتها مرة أخرى، فسأتأكد بأنك لن تملك الوقت لإطلاق الثالثة.”
تراجع الجندي خطوة للخلف دون شعور، بحيث تسلل الخوف بين عظامه؛ أطلق من بندقيته والهدف أمامه مباشرة لا يبعد عنه سوى ثلاثة أمتار، ومع ذلك تفادى الآخر الطلقة بسرعة لم تره عينه عندما تحرك. لهذا شعر بأن هذا الشخص ليس شخصاً عادياً، وبدأ يتصبب عرقاً رغم برودة الجو.
بعد رؤيته لملامح الجندي المتسمر في مكانه، لم يهتم يوراي بذلك كثيراً وأكمل طريقه دون مشاكل؛ لا يريد أي شيء قد يعرقل بحثه في هذا المكان، ولم يهتم أيضاً بالعمال الثلاثة رغم معاملة جنود الجيش لهم بقسوة وسماعه كل شيء.
كما قال يوسافير: “نحن لسنا أبطالاً كي نساعد كل من نجده في طريقنا، حتى لو ساعدناهم فهذا دون جدوى. إن كانت شجرة تعيقك عن حرث قطعة أرضية، فالمشكلة ليست في أغصانها بل المشكلة في جذورها.” هؤلاء الذين قد نساعدهم هم ذاتهم قد ينقلبون علينا من أجل سولار ذهبي واحد.
لهذا قرر يوراي التحرك دون أن يلتفت.
الجندي الذي أطلق النار سقط أرضاً وهو يحدق في ظهر يوراي الذي يبتعد. “من هذا الشخص؟”
تقدم الجنود الآخرون نحوه: “ما بك؟ هل أنت بخير؟ مالذي حصل؟ هل أخطأته أم أنه تفادى ذلك؟”
الجندي لم يجب واكتفى بتذكر كلمات يوراي: “..فسأتأكد أنك لن تملك الوقت لإطلاق الثالثة.” فجأة سخر الجندي بكل برودة: “كيف لي أن أخطئه من هذه المسافة القريبة؟ لقد تحرك بسرعة لم تتمكن عيني من رصده.. إنه ليس شخصاً عادياً، علينا إخبار العقيد أو نائبه بذلك.”
في مكان عالٍ فوق المصانع، كان شخص يراقب كل شيء وقد لاحظ منذ البداية ما فعله يوراي، ولأن عينيه البنيتين كانتا ترمقان يوراي -والذي بحد ذاته لاحظه، وهذا هو السبب الأول في أنه لم يقتل الجندي-.
وضع الشخص فوق المصنع يده داخل ردائه ثم أخرج زهرة عباد شمس، ثم بدأ يتكلم بلغة غريبة اللغة التي لا يتحدث بها الناس (XXXXXX): “لدينا هنا شخص غريب مشكوك في أمره.”
جاء صوت من الزهرة بنفس اللغة (XXXXX): “لا تدعه يفلت من أنظارك، اتبعه.”
“حسناً، أنا أعرف ما سأفعله.”
نهاية الفصل.
