الفصل التاسع والسبعون: باقات الورود
“الليل البنفسجي؟ ما هذا؟” تفاجأ يوراي من كلام غريموند، لهذا سأل فوراً.
تحول وجه غريموند إلى الجدية ثم قال: “شيء سيغير الكثير.”
“سيغير الكثير؟ الليل البنفسجي.. يبدو أنه شيء مثير للاهتمام أيها العم.”
“مثير للاهتمام؟ نعم هو كذلك، لكن لا نعرف طبيعته أو كيف سيظهر.. المهم أنكم ستعرفون الكثير من الأشياء إن تقدمتم أكثر.”
صمت يوراي وهو يفكر في هذا الشيء الذي أخبره عنه الرجل بجانبه. التفت غريموند نحوه ثم ابتسم وقاطع تفكيره: “إذاً، لم تقل لي كيف قتلتم ذلك الملازم؟”
“قتلنا؟ بل نحن من كدنا أن نُقتل.. أظنك تعرف أيها العم أن بعض الأخبار محض افتراء.”
“هل تقول بأنكم لستم من قتل ذلك الملازم؟”
“بالضبط، ذلك الملازم كنا سنقتله لو لم تسيطر عليه الجرثومة، لقد كانت قوية جداً وكانت ستودي بحياة صديقنا.”
“فقد السيطرة إذاً؟ يبدو أنه أراد الدخول للمستوى التالي قسراً.. لكن كيف تخلصتم من الجرثومة؟ لا أظنكم أنتم من قتلها.”
تذكر يوراي تلك الفترة وابتسم ابتسامة مليئة بالعجز: “الجرثومة اختفت بينما كانت أمامنا مباشرة، لم نَرَ سوى وميض بنفسجي ثم اختفت الجرثومة من أمامنا.”
تغير تعبير غريموند: “وميض بنفسجي؟”
شعر يوراي بالمفاجأة على وجه غريموند ثم سأل: “هل تعرف شيئاً عن ذلك الوميض؟”
رفع الرجل يده ومسح على رأسه: “لا، لا.. فقط وكأنني تذكرت شيئاً. يبدو أنه عليّ زيارة ذلك المكان.”
“ستزور الجزيرة؟ لماذا؟”
“فقط أريد التأكد من شيء ما.”
تحدث يوراي وغريموند قليلاً بينما واصلت العربة سيرها للخروج من ذلك الحي. وبعد فترة قصيرة توقفت العربة، التفت يوراي إلى الباب ثم فتحه ونزل وهو يقول: “شكراً أيها العم، وسررت بمعرفتك.”
ابتسم غريموند: “وأنا أيضاً، لقد كان لي شرف اللقاء بك أيها الفتى الصغير.”
أغلق يوراي الباب خلفه وهو يبتسم، ثم انطلقت العربة إلى وجهتها، بينما غريموند ابتسم وهو يقول في نفسه: “لقد كان من الشرف أن ألتقي بواحد منهم حقاً.”
—
في مكان آخر وفي هذه الأثناء، كانت يورينا والخرساء عائدتين مع غروب الشمس إلى المنزل، وقد مر عليهما اليوم دون إيجاد شيء يثير اهتمامهما، لهذا كانت الخيبة ظاهرة على وجهيهما.
أما بالنسبة لميمون، فقد وصل إلى الباب وبالصدفة كان جومانجي يفتحه. بدأ جومانجي يشم رائحة كريهة، ثم التفت ووجد ميمون قادماً باتجاهه. أمسك جومانجي أنفه وتجعدت حواجبه وهو يبتسم: “ما هذه الرائحة؟ أين كنت؟”
“لا تقل شيئاً، فقط ادخل.. أريد الاستحمام بسرعة.”
“هل كنت تلعب مع القوارض في المجاري؟”
“هاهاها، يا له من مزاح!” تمتم ميمون ببطء.
فتح جومانجي الباب: “كيف كان يومك الثاني في العاصمة؟”
“تسألني هذا السؤال وأنت ترى الحالة التي أنا فيها؟ هل تمازحني؟”
“هيهيهيهي، رائحتك قذرة حقاً، يبدو وكأنك كنت تسبح مع الخردة!”
اقترب ميمون بأنفه من ملابسه ثم بدأ يشمها، فصعدت رائحة قذرة جعلته يشمئز: “هيا هيا بسرعة، أخبرني أين الحمام؟”
“عليك فعل ذلك بسرعة، فرائحتك الكريهة ستجعل المنزل قذراً.”
لم يمضِ وقت طويل حتى دخلت يورينا والخرساء وخلفهما يوراي. ومع صعودهم الدرج، تحدث يوراي: “ما هذه الرائحة الكريهة؟”
“هل شممتها أيضاً؟” سألت يورينا.
أجاب يوراي: “نعم.”
“وأنا أيضاً شممتها”، قالت الخرساء.
ما إن دخلوا حتى وجدوا جومانجي يتكئ على الأريكة الجلدية وهو يبتسم. سأل يوراي فوراً: “ما هذه الرائحة؟”
دون أن تفارقه ابتسامته، قال جومانجي: “اسألوا صديقكم الذي في الحمام.”
“من؟” سألت يورينا.
“إنه أنا!” صاح ميمون من الغرفة المجاورة.
لم يمر الكثير من الوقت حتى جاء يوسافير وهو يحمل باقتين من الورود البيضاء الجميلة، ولأن الورود كانت قرب أنفه، لم يشم الرائحة التي كانت تعم المكان. وجد الجميع جالسين ما عدا ميمون الذي كان لا يزال في الحمام يستحم.
“ما الذي تحمله في يدك؟” سأل جومانجي وهو يحدق في يوسافير.
ابتسم يوسافير ثم نظر إلى باقتي الزهور، ثم نظر إلى يورينا والخرساء واقترب منهما وأعطى لكل منهما باقة من الورود، ثم جلس بجانب يوراي الذي كان يجلس بعيداً عنهم. احمرّ وجها يورينا والخرساء بعد أن استنشقتا رائحة زكية، ثم نظرتا إلى يوسافير الذي جلس بعيداً قرب يوراي.
“شكراً يوسافير”، قالت الاثنتان في نفس الوقت.
ضحك جومانجي بصوت عالٍ: “يبدو أنك تراعي مشاعر النساء أيها الوغد الصغير.”
لم يهتم يوسافير كثيراً بكلامه، ثم اتكأ للخلف كما يفعل يوراي وأغلق عينيه. كان يوسافير يعرف المغامرة التي يخوضونها والمصاعب التي سيواجهونها، لأن هذا الطريق الذي يسيرون فيه ليس سهلاً والحمل ثقيل أيضاً. هذه الهدية الصغيرة والبسيطة التي أحضرها يوسافير كانت ليبهج بها الفتاتين.
رغم قوة الفتاتين، إلا أنهما فتاتان في النهاية تتأثران بسرعة، وكان يوسافير يقدر أصدقاءه؛ فرغم أنه قائدهم إلا أنه لا يعتبرهم تابعين له أو أنه في مرتبة أعلى منهم، بل يعتبرهم في نفس مرتبته، فهم في الأخير أصدقاؤه. ورغم ذلك، كانت حمايتهم ومراعاة مشاعرهم أمانة في عنقه، حتى لو بكلمات بسيطة، لأنه كان يشعر وكأنه يحمل جبلاً على أكتافه. سعدت الفتاتان بهذه الهدية، ثم تقدمتا معاً وجلستا قريبتين منه ومن يوراي.
“سأخرج قليلاً لجلب شيء نأكله”، تحدث جومانجي.
وقف يوراي: “انتظر، سأخرج معك.”
“حسناً”، أومأ جومانجي برأسه.
جلس ميمون بجانب يوسافير بعد أن خرج من الحمام وهو يرتدي ملابس جديدة؛ قميصاً صوفياً أخضر وسروالاً أسود منكمشاً لعدة طبقات. نظر إليه ميمون: “يوسافير، هل وجدت شيئاً؟”
فتح يوسافير عينيه: “عندما يأتي يوراي سنتحدث.”
أومأ ميمون ثم اتكأ للخلف أيضاً وهو يحدق في تلك النقوش فوق رأسه وبدأ يتأمل فيها ثم قال: “يا ترى من نقش هذه الرموز في هذا البيت؟”
كانت الرموز التي ينظر إليها ميمون عبارة عن أشكال تشبه المثلثات، فوق كل مثلث يوجد شيء مُمحى، وأشكال أخرى عبارة عن مستطيلات مملوءة بالمربعات في وسطها أقواس، كل قوس متشابك بالخيوط.
حدق يوسافير أيضاً نحو الأعلى ثم قال: “يبدو أن جومانجي يخفي الكثير من الأشياء.”
“هل شعرت بذلك أنت أيضاً؟” قال ميمون.
“نعم، منذ البداية لا يريد التحدث، لابد أنه يخفي بعض الأسرار.”
“وكيف سنكتشف ذلك؟” سأل ميمون.
“أظنه سيتحدث في النهاية، وأظنه يعرفنا قبل أن يلتقي بنا.”
“يعرفنا قبل أن يلتقي بنا؟ كيف ذلك؟” سأل ميمون.
ولأن الفتاتين كانتا تتحدثان مع بعضهما، سمعتا كلام يوسافير وميمون فصمتا.
“سرقتنا لإرث راندور وقتال الملازم في جزيرة سولمار.. كل شيء قد نُشر في الصحف.”
تفاجأ الثلاثة: “هل هذا صحيح؟” تمتمت الخرساء.
“جومانجي الوغد! لهذا أحضر لنا هذه العباءات السوداء”، تكلم ميمون.
تنهدت يورينا: “يبدو أن التحرك من الآن فصاعداً سيكون صعباً للغاية.”
طمأنها يوسافير: “لا بأس، هذا الشيء كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً، لكن السؤال هو: كيف تم التعرف على قتالنا مع الملازم؟”
فكر ميمون قليلاً ثم قال: “ربما نجا أحد الجنود، أو أحد أتباع ذلك الثائر بعد قتلنا لقائده أراد الانتقام فتحدث بكل شيء.”
“حسناً، هذا لا يهم”، التفت يوسافير إلى الفتاتين وهما لا تزالان تحملان باقات الورود: “هل وجدتما شيئاً؟”
أمالت يورينا رأسها هي والخرساء: “مع الأسف لم نجد شيئاً.”
خيم الصمت في المكان، ثم قال ميمون: “لقد وجدت شيئاً سيترككم مندهشين جداً.. كما قلت، فليأتِ يوراي وبعد ذلك نتحدث.”
نهاية الفصل.
