الفصل الثاني والثمانون: لا حديث اليوم
في العاصمة بيرن، جلس الرجلان مقابل بعضهما البعض؛ كان الأول هو العقيد ذو الرأس المحروق، جالساً على كرسيه في مكتبه المتواضع، وأمامه نائبه روبرت.
تكلم الأصلع ذو الحروق فوق رأسه: “هل بحثت في جميع الأحياء الممكنة؟”
كان روبرت يضع قدماً فوق الأخرى شابكاً يديه أمامه، ثم فتح فمه قائلاً: “لقد وسعنا مناطق البحث، لن يمر وقت طويل حتى نطوق جميع الأماكن.. الأمور لا تجري كما نريد.”
بينما كان روبرت يتحدث، ظهرت ملامح غريبة على وجهه، لاحظ العقيد تلك الملامح ثم همس ببطء: “هل تشك في أشخاص معينين يا روبرت؟”
هز روبرت رأسه: “نعم، فأولئك الأوغاد من المؤسسة تحركاتهم غريبة ومريبة في الفترة الأخيرة.”
مسح الأصلع على رأسه: “لقد كثرت الشكاوى في اليومين الأخيرين، لقد تم اختطاف سبعة أطفال وأربع نساء حوامل، وهذا غريب جداً؛ جميع الأطفال الذين تم اختطافهم أعمارهم تحت عشر سنوات، والنساء الحوامل كلهن في شهرهن الأخير من الحمل.”
“كامينوس، الأمور تخرج عن سيطرتنا”، قال روبرت بكل هدوء.
تجعدت حواجب كامينوس ثم قال بجدية: “هل لديك اقتراح يا روبرت؟”
“علينا البحث في مخبأ مؤسسة الأفق الأسود، لا بد أن هذا سيقودنا نحو شيء ما.”
رفع الأصلع يده ليحك ذقنه: “هل علينا مخالفة من هم في الأعلى والأسرة الحاكمة والقيام بذلك؟” سأل وهو يتأمل في روبرت.
“من يهتم بالأسرة الحاكمة ومن يهتم بمن هم في الأعلى؟ نحن نفعل واجبنا، أما إن كان غير ذلك فلا سبب لي للبقاء في الجيش.. في الأساس ما هو الشيء الذي دفعني للدخول في صفوف الجيش؟ أليس تطبيق القانون ومساعدة من هم في حاجتنا؟”
ابتسم كامينوس حتى ظهر ضرس العقل لديه: “أنا معك، حسناً.. غداً سنذهب إلى مكانهم، عليك أن تكون على أتم الاستعداد.” صمت ثم أكمل: “بالمناسبة، ماذا جرى قرب المصانع؟ هل حدث شيء؟”
“آه..” حكى روبرت القصة التي حدثت بينه وبين مينو، يوراي، وغريموند.
تأمل كامينوس: “هؤلاء الأوغاد من الأفق الأسود لقد تجاوزوا الحدود كثيراً.. والفتى، من هو؟”
“ذلك الفتى يبدو أنه ممسوس لكنه غير عادي بالمرة، لم أتعرف عليه ولم أرَ وجهه، يبدو أنه وصل مؤخراً للعاصمة.”
“كيف لم تَرَ وجهه؟”
“نعم، لقد كان ملفوفاً بعباءة سوداء ولم أرَ ملامحه، لكنني تركته مع السيد غريموند، ولو كان شيئاً غير طبيعي لكان السيد غريموند قد اكتشفه.” صمت روبرت قليلاً ثم سأل: “ماذا تقول الأسرة الحاكمة عن هذه الحوادث؟”
“ماذا تظن؟ إنهم ليسوا في العاصمة ولا في هذه القارة، لقد غادروا قبل أسبوع. وحتى لو كانوا هنا فهم غير مبالين لما يجري، لأن الأذى لا يصلهم، فهم في عالم آخر غارقون في ملذاتهم وشهواتهم، كل ما يهمهم هو آخر الشهر.”
“تسك… يا للخيبة!” تمتم روبرت وهو يحدق في السقف.
“روبرت، غداً بعد عودتنا من مقر المؤسسة، أخبرهم أن يجمعوا آباء وأزواج النساء اللواتي تم اختطافهمن لنعرف ما الذي يجري.” وضع كامينوس يده على الطاولة ورفع سجلاً ثم دفعه نحو روبرت: “ها هي الشكاوى التي وصلتنا منذ بداية الحوادث.”
جلس روبرت مستقيماً ثم رفع السجل وبدأ يقلب صفحاته؛ كانت هناك العديد من الشكاوى مرفوقة بصور. وبينما كان روبرت يقلب الصفحات، قال كامينوس ذو الرأس المحروق: “هناك ست وعشرون عملية اختطاف منذ بداية الحوادث.”
وهو يقلب الصفحات، تكلم روبرت: “وماذا عن مقتل الجنديين؟ هل عرفتم من الجاني؟ والشخص الذي يزعج الجنود، هل أمسكوا به؟”
أومأ كامينوس: “الحادث غامض، لا بد أنه مرتبط بأحد الممسوسين. أما بالنسبة للفتى، فليس بعد، لم يمسكوا به.”
—
في مكان خارج العاصمة، وبالتحديد في الجبال العالية، أطلت خمس عربات، أمام تلك العربات كان جنديان على حصانيهما والعديد من الأشخاص الذين يظهر من ملابسهم أنهم تجار. كانت مثل قافلة صغيرة تمر بين الأشجار المظلمة، كان الجو بارداً وصامتاً لا يُسمع فيه إلا أصوات حوافر الأحصنة وصوت عجلات العربات الخشبية التي تصدر صريراً مزعجاً.
تنهد أحدهم وهو يحدق في العاصمة تحت الجبل: “لقد وصلنا أخيراً.”
كانت أضواء الشوارع تشع ببريق خافت بسبب الضباب الذي يعم المكان. بعد سماع كلام الرجل، رفع أحدهم رأسه ثم ابتسم وقال: “لقد كانت رحلة طويلة، لقد كانت تستحق هذا التعب.”
استدار جندي من الجنديين وهو يحدق في التجار: “اصمتوا ولا تزعجونا في هذا الليل.”
ما إن تحدث الجندي حتى سُمعت خطوات بين الأشجار المظلمة. رفع أحد الجنديين يده وبدأ يستمع، توقفت العربات بعد رفع الجندي يده. ما إن توقفت القافلة حتى شعر البعض بشيء خاطئ، ثم تمتم بصوت خافت: “ما الذي يحدث؟”
“شششش”، رفع رجل آخر يده قرب أذنه فصمت الآخر فوراً. بدأ الجميع يلتفتون يميناً وشمالاً يراقبون ما حولهم.
أمام مقدمة العربات وأمام الجنديين، ظهر شخص ملثم، فقط عيناه ظاهرتان، لكن في هذا الليل المظلم لا يمكن رؤية حتى عينيه، رافعاً هراوة في يده اليمنى وهو يطالع الجنود في الأمام بنظرة قاسية.
رفع أحد الجنديين بندقيته وأشار إلى الأمام نحو الرجل: “من أنت؟”
لم يجب الملثم واكتفى بالصمت، لكن الجندي الآخر نطق: “لماذا تقف في طريقنا؟ ألا تعرف أن هذه العربات تنتمي إلى…” وقبل أن يكمل الجندي كلامه، اخترق سهم قادم من الجهة اليمنى يد وبندقية الرجل الذي تحدث في البداية.
“وعععع!” صرخ الجندي بألم وهو يتلوى على حصانه.
رفع الجندي الآخر بندقيته مشيراً إلى الجهة اليمنى لكنه لم يجد شيئاً، ثم التفت شمالاً ولم يجد شيئاً، في تلك اللحظة غمر الخوف كل ملامحه.
في تلك الأثناء تحدث الملثم بصوت مرتفع سمعه جميعهم: “لقد تحدثنا معكم بما فيه الكفاية.. لا حديث اليوم.”
وهو يصرخ، سقط الجندي أرضاً، لكن الجندي الآخر صاح بصوت عالٍ: “هيا انطلقوا!” بدأ يتقدم نحو الملثم، لكن قبل أن يصل إليه سقطت شجرتان أمامه، فتوقف الحصان بقوة، لكن الجندي لم يتوقف واندفع حتى سقط على وجهه مع بندقيته. بسرعة بدأ يبحث بيده عن بندقيته، فجأة وجدها وأراد حملها، لكن رجلاً آخر ظهر، هو الآخر ملثم، ثم ضغط على البندقية بقدمه ولم يقدر الجندي على رفعها.
“مـ… من أنتم؟ ولماذا تفعلون ذلك؟”
لم يجب الرجل، لكن سهماً آخر انطلق ومر بجانب رأس الجندي، حيث انغرس في غصن الشجر واخترقه كما يخترق السكين الساخن الزبدة.
شعر الجندي بقشعريرة تسري في عظام جسده، لقد مر الموت بجانبه للتو، تراجع الجندي وسقط للخلف: “أخبروني من أنتم؟” قال وهو مرتعد.
التجار سقطوا كلهم راكعين خائفين، جميعهم لم يعرفوا ما يفعلون؛ فحتى الجنديان تم إسقاطهما، ماذا عساهم أن يفعلوا هم؟ لهذا استسلموا فوراً.
في تلك اللحظة خرجت من بين الأشجار مجموعة كبيرة من الناس وجميعهم ملثمون لا يظهر سوى أعينهم. جمعوا التجار والجنديين معاً وقاموا بتكبيلهم بالأشجار.
ثم تحدث أحدهم: “هيا أسرعوا وخذوا كل شيء في العربات، لنرى ما سيحل لهذه العاصمة، ولنرى رجالها ماذا سيفعلون.”
تقدم آخر: “هل علينا الذهاب نحو المصانع أيضاً لدعم الآخرين؟”
أجاب الآخر: “لا داعي، لا بد أنهم وصلوا للتو.. بعد قليل سترى العاصمة مشعة بأكملها.”
نهاية الفصل.
