الفصل الثالث والثمانون: استرجاع الذكريات
داخل بيت جومانجي، وبعد انتهائهم من محادثة طويلة فوق مائدة الطعام، وقف كل واحد منهم وذهب ليستلقي في مكان ما، أما بالنسبة لمونوس فقد كان لا يزال جالساً يتكئ للخلف وهو مغمض العينين.
بعد أن حكى كل واحد ما جرى له هذا اليوم، عرف الجميع ما هو المطلوب منهم؛ حيث تقرر ما سيفعلونه غداً وهو التوجه نحو المجاري لرؤية ما تخفيه أمعاء هذه المدينة.
بعد مرور بعض الوقت، غط الجميع في نوم عميق، لكن حواسهم كانت لا تزال تعمل إن حدث شيء ما. يورينا والخرساء، كل واحدة منهما وضعت باقة الزهور التي أهداها إياها يوسافير بجانب رأسها، وفجأة بدأت تلك الباقات تطلق مادة غريبة تشبه الدخان الأبيض الذي يصعد من شيء ساخن.
في مكان ما وداخل بيت من بيوت المدينة، كانت باقة زهور موضوعة على منضدة خشبية بجانب شمعة تضيء المكان، فجأة بدأت الباقة تطلق دخاناً أبيض باهتاً. بجانب تلك المنضدة كان هناك سرير ينام فيه شخصان؛ أحدهما كان أحد الرجلين اللذين التقى بهما يوسافير قرب المحل الذي اشترى منه باقة الزهور، وهو نفس الشخص الذي كان يرتدي بدلة رمادية. وهو مستغرق في نومه، وقفت زوجته التي كانت ممددة بجانبه، كانت ترتدي ملابس نوم بيضاء عليها بعض الورود، وبطنها كان منتفخاً قليلاً. نزلت من السرير ببطء وعيناها لا تزالان مغلقتين، بينما أكمل الرجل نومه دون شعور بشيء.
في بيت آخر في المدينة، على سرير بفراش أبيض، كان رجل وزوجته غارقين في نومهما، وصوت شخير الرجل يدوي في البيت، ورغم ذلك كانت زوجته غارقة في أحلامها.
فوراً بدأت باقة الزهور الموضوعة قريباً منهما بإطلاق دخان أبيض باهت، وقفت المرأة أيضاً وظهر بطنها المنتفخ وشعرها الاشقر مبعثر ومنسدل للأسفل، نزلت ببطء وهي مغمضة عينيها، ارتدت حذاءها الزهري الريشي وبدأت بالمسير.
أما بالنسبة للرجل الذي رآه يوسافير بجانب المتجر ببدلته البنية، فقد أكمل شخيره غير دارٍ بشيء، غارقاً في أحلامه.
بالرجوع إلى يوسافير الذي كان غارقاً في نومه بشكل غريب؛ فرغم حضور شخص مثل مونوس إلى هذا البيت، لم يكن من طبيعة يوسافير النوم بعمق، لكن بشكل غريب طغى عليه النوم.
الشخصان الوحيدان اللذان لم يناما كانا يوراي وميمون، فقد كانا حذرين جداً وشعرا بأن هذا الشخص (مونوس) غير عادي بالمرة، ورغم طمأنة جومانجي لهما إلا أنهما لم يشعرا بالأمان.
يوسافير وهو نائم بدأت ملامح وجهه تتغير؛ داخل وعي يوسافير، كان في هذه اللحظة في مكان تموج الماء تحت قدميه وهو يتمشى ببطء، سماء زرقاء والماء تحت قدمه أزرق، لا شيء يرى إلا اللون الأزرق. فجأة شاهد يوسافير نفسه واقفاً وكأنه يشاهد نسخة منه، ضيق يوسافير عينيه وهو يرى نسخته تتحدث مع نفسها بشكل غريب، ورغم اقترابه منها إلا أنه لم يسمع شيئاً رغم رؤية فم النسخة يفتح ويتمتم، لكن لا شيء مسموع.
فجأة بدأ دخان نجمي يصعد من الماء بجانب نسخته وتشكل على هيئة رجل عجوز، إن كان يمكن وصفه، فيمكن القول بأنه متشرد.
تراجع يوسافير إلى الخلف وهو يضيق عينيه، وفجأة انتابه ألم غريب في رأسه وبدأ يمسكه وهو يلهث: “ما الذي يحدث؟” تساءل وهو يضغط على رأسه الذي يوشك أن ينفجر.
“مطعم الفريدو أين يوجد؟”
“….”
“من أنت؟”
“ومن أنت أيها العجوز؟”
“في أي عام نحن فيه أيها الفتى؟”
كانت العديد من الذكريات تعود إلى مكانها، ومع كل ذكرى كان يوسافير يتألم وكأن مسامير شديدة الحرارة تغرس في رأسه، كان الألم لا يطاق.
تمايل يوسافير يميناً وشمالاً وهو يمسك برأسه: “اللعنة عليك!” صر على أسنان وهو يصرخ.
أكملت نسخة يوسافير كلامها مع العجوز الذي كان واقفاً، وعينا يوسافير السوداوان كانتا تراقبهما رغم إمساكه برأسه، وكأن عينيه لم ترغبا بالالتفات عنهما، وقد سمع كل شيء منذ البداية رغم صراخه.
بدأت الذكريات تغوص في دماغه وتترمم تلك الأشياء التي انكسرت من قبل، لكن الألم الذي كان يشعر به يوسافير كان فوق الاحتمال، ورغم ذلك صر على أسنانه وجمع يده على شكل قبضة وبدأ يطلق أزيراً: “تحمل.. أنا لا أشعر بالألم.”
“وهل يوجد ألم؟” سأل يوسافير نفسه وهو يصر على أسنانه.
“هذا الألم لا شيء، يمكنني تحمله، بل يمكنني هزمه..
ليس هناك شيء لا يمكنني فعله، ألم أو أي شيء آخر.” عزى يوسافير نفسه بهذه الكلمات، وكأن دماغه استجاب له، فخف الألم قليلاً.
“أنا لست سوى شخص ضاع بين الحقيقة والكذب ليجد نفسه في خطيئة.. ساحر الشمال، هذا ما كانوا يطلقون عليّ، حتى لو عرفت اسمي فهذا سيكون دون جدوى…”
تذكر يوسافير الحديث الذي جمعه مع المتشرد كله دفعة واحدة، ومع الذكريات شعر أيضاً بالألم يخترق رأسه لكن لم يكن مثل المرة الأولى. فجأة اختفت النسخ من أمامه وسكن الألم الذي جعله يتعرق، وشعر يوسافير بهدوء غريب بحيث كان يعالج المعلومات التي وردته للتو: “إذاً، لهذا كنت غاضباً في تلك اللحظة.”
عرف يوسافير سبب الغضب الذي انتابه في مطعم الفريدو؛ لم يكن ذلك الغضب بلا سبب، بل كان نتيجة نسيان بعض الذكريات، لكن ما لا يعرفه هو سبب نسيانها، هل كان بسبب العجوز أم شيء آخر؟ لكن فجأة تذكر كلمات الرجل الأخيرة: “حتى لو عرفت اسمي فهذا سيكون دون جدوى.”
أغمض يوسافير عينيه ثم رفع رأسه للأعلى، وبعد برهة التفت ليجد الشجرة العملاقة خلفه والتمثال الحجري الذي يشبهه أيضاً. اقترب ببطء من التمثال وهو يفكر في الشيء الذي جعله ينسى تلك الذكريات.
نظر إلى التمثال وبدأ يتأمل فيه، ثم فجأة لاحظ كتابة جديدة على التمثال لم تكن موجودة من قبل، وذلك ما جعله مصدوماً لأنه سمعها من قبل: “اكسر الأغلال.”
لم يفهم يوسافير ماهية هذه الأغلال؛ لطالما فكر فيها بعد أن ذكرها دارف من قبل لكن دون جدوى: “كيف سأعرف وأنا للتو خرجت للعالم؟ الطريق لا يزال طويلاً، لابد أنني سأعرف السبب يوماً ما.”
شعر يوسافير بصداع غريب أراد معرفت سبب نسيانه لتلك ذكريات ومن هو العجوز وهاهي الان شيء رآه من قبل كل هذه الأشياء لم يعرف لها تفسير وهذا ما جعل رأسه يؤلمه مرة أخرى: تبا..
في بيت جومانجي، فتح مونوس عينيه وأمسك بسيفه ثم حدق في المكان الذي تنام فيه الفتاتان. وقف وبخطوات هادئة اقترب منهما.
يوراي وميمون اللذان لم ينالا نصيباً من النوم وقفا في نفس الوقت، وفي تلك اللحظة رأى ميمون تغيراً في تعابير يوسافير الذي كان بجانبه: “ما الذي يحدث؟ هل هو في كابوس مرة أخرى؟”
أما يوراي فاقترب بخطوات لا تسمع وهو ينظر إلى ظهر مونوس الذي كان يقف خلف باب الغرفة التي فيها الفتاتان.
أمسك مونوس بمقبض الباب ثم فتحه ببطء، في تلك اللحظة وجد الخرساء تقف خلف الباب وعيناها مغلقتان ودم يخرج من أنفها، وبالنظر إلى الدم الذي في الأرض، يبدو أنها منذ فترة وهي تقف هناك كتمثال غير راغبة في التقدم.
أما بالنسبة ليورينا، فكانت جالسة في مكانها، هل هي نائمة أم لا؟ لا يمكن لأحد أن يعرف لأن عينيها لا تظهران بسبب العصابة السوداء حول عينيها.
مونوس لم ينظر نحو الخرساء مطولاً بل حدق في باقات الزهور التي توجد بجانب سرير كل من يورينا والخرساء.
“ماذا تفعل؟” تحدث يوراي مخاطباً مونوس.
استدار مونوس نحو يوراي لكنه لم يقل شيئاً، وأكمل طريقه نحو الباقتين اللتين تطلقان دخاناً أبيض باهتاً. تقدم يوراي أيضاً ولاحظ ذلك، رفع يده ولمس الخرساء، وما إن لمسها حتى فتحت عينيها والدهشة تعتلي وجهها، ثم رفعت يديها نحو أنفها الذي ينزف.
أمسك ميمون بيوسافير، ففتح الأخير عينيه. “ما الذي يجري؟” تحدث يوسافير والنوم لم يزل من على ملامحه.
حرك ميمون رأسه للجانب بحيث شعر يوسافير فوراً بشيء خاطئ وجلس بسرعة.
التفتت الخرساء خلفها لتجد يورينا جالسة على السرير، تقدمت نحوها ثم أرادت لمسها لكن يورينا فتحت فمها: “أنا مستيقظة.”
اقترب يوسافير وميمون وكذلك جومانجي الذي سمع كلامهم.
حمل مونوس الباقتين ثم بدأ يشم الرائحة، التفت خلفه نحو جومانجي ثم رفع يده مشيراً نحو النافذة، وتحدث بصوت هادئ ومخيف في الوقت نفسه: “هناك أحد في الخارج ينتظر فريسته.”
لوح بالباقتين لجومانجي الذي تقدم، ثم نظر مونوس إلى النافذة واقترب منها، فتحها ببطء ثم اختفى وكأنه لم يكن.
“سريع جداً..” تمتم ميمون ببطء.
اندهشت المجموعة من السرعة التي اختفى بها مونوس.
في الخارج، كان هناك شخص يرتدي ملابس سوداء، وبسبب الظلام لم يكن وجهه ظاهراً.
فور فتح مونوس للنافذة، شعر ذلك الشخص وكأنه لم يعد في هذا العالم؛ شعر بتحديق شيء لم يكن من المناسب التحديق فيه، شعر بالخطر، جميع جوارحه قالت له في هذه اللحظة: “اركض!” لكن أين هي الأقدام التي سيركض بها؟
وضعت يد على كتفه: “ماذا تريد؟” سأل الآخر.
من هذا؟ شعر الرجل بالخطر خلفه، حتى تنفسه بدأ يصعب عليه.
“ألم تتعب؟ منذ ساعتين وأنت تنتظر هنا.” ما إن سمع هذه الكلمات حتى بدأ العرق يتصبب منه، لم يعرف ماذا يفعل، حتى الكلمات لم يقدر على إخراجها.
فجأة… بوممممممم! انفجار قوي مع نار تضيء كل مكان وقع في الجهة الشمالية للمدينة.
نهاية الفصل.
