الفصل الخامس والثمانون: خلية النحل
اقترب كل من كامينوس ونائبه بخطوات ثابتة ومنتظمة، تصدر وقعاً رزيناً فوق الأرض المتفحمة، مستجيبين لنداء الجندي الذي كان يقف بجانب الدخان المتصاعد من الحطام، ذاك الدخان الذي كان يلتوي في الهواء وكأنه أرواح بائسة تحاول الهرب نحو السماء.
كانت حرارة الحطام تزداد لظى، ورائحة المعدن المحروق تزكم الأنوف وتخنق الأنفاس، لكن ملامح الاثنين ظلت صلبة كالصخر لا تهتز. وما إن توقفا حتى وقعت أعينهما على لافتة كانت واقفة بشموخ وسط الركام، وكأنها تعلن عن تحديها للنيران التي أكلت كل شيء حولها. في تلك اللحظة، فتح روبرت فمه ليقرأ الكلمات المخطوطة عليها بذهول: “لقد تحدثنا بما فيه الكفاية، لا حديث اليوم”.
تبادل كامينوس ونائبه نظرة خاطفة، نظرة لم تكن بحاجة لترجمة؛ فقد أدركا جيداً مغزى هذه الكلمات. كيف لا وهما يعرفان أنها شعار لأكثر الثوار ظهوراً وجرأة في العالم. ورغم أن أغلب الفصائل الثورية تتجنب الصدام المباشر مع “كنيسة اتحاد الأمم”، إلا أن هناك قلة لطالما تحدوا جبروت هذا الاتحاد، وهؤلاء الثوار كانوا على رأس القائمة.
“خلية النحل..” تمتم روبرت وهو يتأمل الكلمات بعمق.
تجعدت حواجب كامينوس بقلق وتساؤل: “يا ترى ما الذي أتى بهم إلى هذا المكان؟ ولماذا استهدفوا هذه المصانع تحديداً؟”
لم يفهم الجندي شيئاً من هذا الحوار، فراقب اللافتة بفضول ثم سأل: “سيادة نائب العقيد، ما هي خلية النحل؟”
نظر روبرت إلى الجندي بتمعن ثم همس بصوت خافت يملؤه الحذر: “أنت جديد في صفوف الجيش، لذا من الطبيعي ألا تعرف عنهم شيئاً. خلية النحل فصيل مستقل، وهم ثوار إن صح التعبير، لديهم رايتهم الخاصة وأهدافهم الغامضة.. ومن بين أكثر الثوار الذين اصطدم بهم الجيش في الآونة الأخيرة بشراسة هو هذا الفصيل.”
“هل هم أقوياء إلى هذا الحد؟” استغرب الجندي وهو يراقب رد فعل روبرت.
هنا تدخل كامينوس بصوته الرزين: “خلية النحل يروجون لأنفسهم بأنهم المساند الرسمي للشعب في كل بقاع الأرض، وهم الفصيل الثوري الوحيد المحبوب لدى العامة، أو هكذا يصورون أنفسهم. شعارهم (لقد تحدثنا بما فيه الكفاية، لا حديث اليوم) ليس مجرد جملة عابرة، بل هو بيان يحمل معانٍ عميقة وخطيرة.”
التفت كامينوس نحو الجندي مكملاً: “في أغلب تحركاتهم يحرضون الشعوب على التمرد والانقلاب على القانون، ولا نعلم يقيناً صدق دعواهم من كذبها، لكن ما يهمنا هو أنهم خارجون عن القانون وعلينا القبض عليهم.”
ثم نادى نائبه بلهجة آمرة: “روبرت.. أريد استدعاء رؤساء المصانع والجنود المسؤولين عن الحراسة فوراً. أريد قائمة بكل من واجه مشكلة في الآونة الأخيرة هنا؛ أي عامل طُرد، أو غادر بإرادته، أو حتى من تغيب مؤخراً دون عذر.”
أومأ روبرت برأسه بالموافقة، وقبل أن يتحرك، شق صمت المكان صرخات حادة قادمة من بعيد. التفت الجميع ليروا رجلاً يرتدي بدلة سوداء أنيقة مع ربطة عنق رقيقة وقبعة مدورة، يحمل في يده عصاً بنية؛ كان هو ذات الشخص الذي صادفه يوسافير ورفاقه يوم دخولهم العاصمة.
“أين كنتم أيها الجنود الأغبياء؟ هل كنتم غارقين في النوم؟ هل كنتم مستغرقين في أحلامكم أيها الحثالة؟ لقد تدمرت ثلاثة مصانع في آن واحد وأنتم لم تعرفوا الجاني بعد!” كان الرجل يصرخ بهستيريا في وجه الجنود، الذين لزموا الصمت ولم يجرؤوا على الرد، خوفاً من نفوذه.
نظر روبرت إلى كامينوس وهمس بسخط: “يبدو أن هذا النحيف يحتاج لبعض التأديب.”
حدق كامينوس في الرجل ببرود ثم قال لروبرت: “أنا سأشيح بنظري الآن، يمكنك فعل ما يروق لك.”
عندما لاحظ الرجل وجود روبرت وكامينوس، انخفضت نبرة صراخه تدريجياً وتوجه نحوهما بخطوات سريعة.
“إذاً، آذان وأعين العائلة المالكة قد وصلت،” تمتم روبرت بتهكم، ولم يرد كامينوس لأن الرجل صار أمامهم مباشرة.
بمجرد وصوله، عاود الصراخ بحدة: “ماذا يحدث هنا أيها العقيد؟ كيف تتدمر ثلاثة مصانع وأنتم تحرسون المكان! أين كان جنودك يا حضرة العقيد؟ هذا أمر لا يعقل.. أن يتجرأ شخص على دخول عقر دارنا وتدميرها بهذا الشكل! لماذا أنتم موجودون هنا أصلاً؟”
تجاهل كامينوس الصراخ تماماً، بينما انبرى روبرت للرد: “ليس عليك قول هذه الترهات يا حاكوف. ليس وكأن الجنود قصروا في مهامهم بينما كنت أنت تنعم بالدفء في فراشك؛ هؤلاء المساكين يسهرون لحمايتك، وهم في النهاية بشر وليسوا كائنات مثالية تتنبأ بالغيب.”
دافع روبرت عن الجنود بقوة، مما رسم ابتسامات خفيفة على وجوههم المتعبة. وأكمل بلهجة حازمة: “وشيء آخر، إياك أن ترفع صوتك على الجنود مرة أخرى، فنحن المسؤولون عنهم لا أنت. لديك وظيفتك فالزمها، ولا تشغل بالك بما يخص الجنود..”
تغيرت تعابير وجه حاكوف غضباً من كلام روبرت، وقال بحدة: “كيف تطلب مني الصمت؟ ماذا تريدني أن أرفع في تقريري للعائلة الحاكمة عندما تصل؟ هل أخبرهم أن الجنود كانوا يغطون في نوم عميق؟”
“ومن قال لك إنهم كانوا نائمين؟” تساءل روبرت باستنكار.
صرخ حاكوف وهو يلوح بيديه: “وكيف وقع هذا الانفجار إن كانوا مستيقظين؟ كيف تسلل العدو ودمر المصانع بكل هذه السهولة؟”
هنا رفع كامينوس إصبعه مشيراً إلى أحد المصانع المتبقية: “هناك عباد الشمس؛ سنرصد من خلالها أي تحركات مريبة حدثت في الساعات الأخيرة لنضعك في الصورة يا حاكوف.” ثم أمر أحد الجنود: “أريد جميع تسجيلات اليوم كاملاً، لا أريد تفويت تفصيل واحد.”
أدى الجندي التحية العسكرية: “حاضر أيها العقيد.”
في هذه الأثناء، كان مونوس يراقب المشهد كله من فوق سطح أحد المصانع البعيدة؛ كان يحلل كل صغيرة وكبيرة بدقة، لكنه رغم ذلك لم يعثر على طرف خيط. قفز نحو الأرض بخفة واقترب من الحطام، فلاحظه بعض الجنود وتقدموا نحوه بصياح: “هيه أنت! من تكون؟ وماذا تفعل هنا؟ ألم تلاحظ أن المنطقة محظورة؟”
لم يعرهم مونوس أدنى انتباه، بل دخل وسط الحطام واختفى داخل أعمدة الدخان الكثيفة.
“ما الذي يفعله هذا الأحمق؟” صرخ جندي وهو يحاول التقدم خلفه.
“هل نتبعه؟” سأل جندي زميله بتردد.
“المكان خطر ومليء بالركام، لنسأل العقيد أو نائبه أولاً.”
أومأ الجنديان لبعضهما وتراجعا ليخبرا القيادة. وما هي إلا لحظات حتى وصلا: “أيها العقيد، لدينا أمر طارئ.”
أومأ كامينوس برأسه: “تحدثا.”
“هناك شخص مجهول اقتحم منطقة الحطام واختفى وسط الدخان والنيران.”
اتسعت عينا روبرت بدهشة: “من هذا الشخص؟ هل أنتم متأكدون مما رأيتم؟”
قال الجندي: “نعم يا نائب العقيد، رأيناه بأعيننا.”
“أين مكانه الآن؟” سأل كامينوس بجدية.
عندما وصلوا إلى النقطة التي اختفى فيها مونوس، التفت كامينوس للجنديين بحدة: “لماذا لم توقفوه؟”
“لقد ظهر فجأة واختفى بسرعة وسط الدخان، حاولنا مناداته لكنه لم يستجب، ولم نرغب في المخاطرة بدخول الحطام دون استشارتكم.”
“هذا ليس تأخراً، بل هو تهاون مخزٍ في أداء الواجب،” علق حاكوف باستهزاء لاذع.
التفت روبرت إليه بنظرة نارية لكنه آثر الصمت هذه المرة.
عقب حاكوف بمكر: “ماذا ستفعلون الآن؟ وهل لديكم أدنى فكرة عن هوية هذا الشخص؟ قد يكون هو المسؤول عن كل هذا الدمار، فكيف تركتموه يفر من بين أيديكم؟”
اشتعلت عينا كامينوس بالغضب الصامت: “أنت تثرثر أكثر مما ينبغي يا حاكوف. لماذا لا ترحل وتتركنا نكمل تحقيقاتنا بسلام؟”
سخر روبرت مكملاً: “أم أن آذان وأعين الأسرة الحاكمة لا تستطيع مفارقة هذا المكان؟”
أدرك حاكوف سخرية روبرت، فحدق فيه بعينين تتقدان كاللهيب، لكنه لزم الصمت بعدما تذكر هوية وبطش الشخص الواقف أمامه.
“هناك شخص قادم من الداخل،” تمتم أحد الجنود وهو يشير نحو سواد الدخان.
التفت الجميع، شاخصين بأبصارهم نحو ظل يتقدم ببطء وثبات.
“باق.. باق.. باق..” كان صوت وقع أقدامه مسموعاً بوضوح وسط الصمت الذي خيم على المكان. انتاب روبرت شعور غريب من الرهبة، فوضع يده غريزياً على مقبض سيفه، أما كامينوس، فقد ظل ساكناً لم تحركه الرياح الساخنة القادمة من الداخل.
فجأة، انقشع الدخان وظهر مونوس بطلته المهيبة، يقود خلفه حصاناً قد احترق ذيله وأجزاء من شعره، ورائحة اللحم المشوي المنبعثة منه تملأ الهواء.
ضيق روبرت عينيه وتمتم بصوت مسموع بالكاد: “مونوس..”
ما إن نطق روبرت بالاسم حتى تراجع حاكوف والجنديان للوراء بذعر. “ماذا يفعل شخص مثله هنا؟” تمتم حاكوف بكلمات غير مفهومة، ثم أشار بإصبع مرتجف نحو مونوس: “لا.. لابد وأنه هو من فجر المصانع!” وبمجرد أن نطق اتهامه، احتمى خلف ظهر العقيد بسرعة.
تقدم روبرت خطوة ليواجه مونوس، بينما توقف الأخير ونزع لجام الحصان بهدوء، ثم نظر إلى الجنود وتمتم بصوت مثقل بهموم العالم وتعبة: “أعطه بعض الماء.”
تنهد كامينوس بعمق، ووضع يده على كتف روبرت كأنه يهدئه: “لا داعي لفعل شيء.”
في تلك اللحظة، شعر روبرت بتغير نبرة صوت كامينوس، بل إن الجو المحيط بهما انقلب تماماً وكأن وحشاً قد استيقظ في المكان.
نهاية الفصل.
أرجوا أن تضعوا تعليقاتكم
