الفصل الثاني: شركة ميموريكس
استيقظت إيلينا في صباح اليوم التالي وهي تشعر بمزيج من الخوف والتصميم. كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، وكان لديها ساعتان قبل موعدها في شركة ميموريكس. لم تنم جيداً الليلة الماضية، إذ ظلت تفكر في قرارها وفي رد فعل ديفيد الغاضب.
حاول ديفيد الاتصال بها عدة مرات بعد مغادرته المطعم، لكنها لم ترد. كانت تعلم أنه سيحاول إقناعها بتغيير رأيها، وكانت قد اتخذت قرارها بالفعل. لا رجوع فيه الآن.
بعد الاستحمام وارتداء ملابسها – اختارت هذه المرة فستاناً أزرق بسيطاً وسترة خفيفة – تناولت فنجاناً من القهوة وقطعة خبز محمص. كانت معدتها متوترة، لكنها أجبرت نفسها على الأكل.
قبل مغادرة الشقة، توقفت أمام المرآة مرة أخرى. لمست القلادة التي أعطتها إياها والدتها، متسائلة عما إذا كانت ستشعر بنفس الارتباط العاطفي بها بعد الإجراء. “أنا آسفة، ماما،” همست. “لكنني لا أرى خياراً آخر.”
في مترو الأنفاق، جلست إيلينا وحيدة، تحدق في الفراغ. كان هناك عدد قليل من الركاب في هذا الوقت من الصباح، معظمهم يبدو عليهم النعاس أو الانشغال بهواتفهم. تساءلت إيلينا عما إذا كان أي منهم قد باع ذكرياته أيضاً. هل كانت هذه الممارسة شائعة أكثر مما كانت تعتقد؟
عندما وصلت إلى برج ميموريكس الزجاجي، شعرت بالرهبة مرة أخرى. كان البرج يبدو أكثر إثارة للخوف في ضوء الصباح، كأنه عملاق يراقب المدينة. دخلت البهو الفسيح، وتوجهت إلى مكتب الاستقبال. كانت نفس المرأة من اليوم السابق هناك، ترتدي بدلة رمادية مختلفة قليلاً.
“صباح الخير، كيف يمكنني مساعدتك؟” سألت المرأة بابتسامة مهنية.
“اسمي إيلينا كوفاكس. لدي موعد مع الدكتور مارتن في العاشرة.”
نقرت المرأة على لوحة المفاتيح أمامها، ثم أومأت برأسها. “نعم، السيدة كوفاكس. أنت هنا لإجراء استخراج الذكرى، صحيح؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“ممتاز. سيقابلك الدكتور مارتن في الطابق الخامس والعشرين كالمعتاد. خذي هذه البطاقة واستخدميها في المصعد.”
أخذت إيلينا البطاقة وشكرت المرأة، ثم توجهت إلى المصعد. كان قلبها يخفق بشدة، وشعرت بالعرق البارد يتجمع على جبينها. كانت على وشك اتخاذ خطوة لا رجعة فيها.
في المصعد، مررت البطاقة على القارئ، وضغطت على زر الطابق الخامس والعشرين. بدأ المصعد في الصعود بسرعة، وشعرت إيلينا بأذنيها تنسدان. أغمضت عينيها، محاولة تهدئة أعصابها.
عندما وصلت إلى الطابق المطلوب، فتحت أبواب المصعد لتكشف عن نفس الردهة الأنيقة من اليوم السابق. كان جيمس، الرجل الشاب ذو النظارات، خلف مكتب الاستقبال كالمعتاد.
“السيدة كوفاكس، مرحباً بك مرة أخرى،” قال بابتسامة ودية. “الدكتور مارتن ينتظرك. من هنا، من فضلك.”
قادها جيمس عبر نفس الممر الطويل، لكنه هذه المرة لم يتوقف أمام مكتب الدكتور مارتن. بدلاً من ذلك، استمر في المشي حتى نهاية الممر، حيث كان هناك باب معدني كبير.
“الدكتور مارتن سيلتقي بك في غرفة الإجراء،” شرح جيمس وهو يمرر بطاقته على قارئ بجانب الباب. فتح الباب بصوت طنين خافت، كاشفاً عن غرفة واسعة ذات إضاءة زرقاء خافتة.
دخلت إيلينا الغرفة بتردد، وأغلق جيمس الباب خلفها. كانت الغرفة تبدو مثل مزيج بين غرفة عمليات طبية ومختبر علمي متطور. في وسط الغرفة، كان هناك كرسي يشبه كرسي طبيب الأسنان، محاط بأجهزة معقدة ذات أضواء وامضة وشاشات.
“آه، السيدة كوفاكس، أنت هنا.” جاء صوت الدكتور مارتن من زاوية الغرفة، حيث كان يقف أمام شاشة كبيرة. كان يرتدي معطفاً أبيض فوق بدلته، ويضع نظارات طبية مختلفة عن تلك التي كان يرتديها بالأمس.
“صباح الخير، دكتور مارتن،” ردت إيلينا، محاولة إخفاء توترها.
“أنا سعيد لأنك قررت المضي قدماً في الإجراء،” قال الدكتور مارتن وهو يقترب منها. “قبل أن نبدأ، هل لديك أي أسئلة أخيرة؟”
فكرت إيلينا للحظة. كان لديها الكثير من الأسئلة، لكنها لم تكن متأكدة من أنها تريد معرفة الإجابات. “هل… هل سيؤلم؟” سألت أخيراً.
ابتسم الدكتور مارتن ابتسامة مطمئنة. “لا على الإطلاق. ستشعرين بوخز خفيف عندما نضع أقطاب التوصيل، ثم ستغرقين في نوم خفيف أثناء الإجراء. عندما تستيقظين، سيكون كل شيء قد انتهى.”
“وماذا عن الذكرى نفسها؟ هل سأنساها تماماً؟”
“كما شرحت بالأمس، ستتذكرين الأحداث نفسها، لكن بدون المشاعر المرتبطة بها. ستكون مثل قصة قرأتها عن شخص آخر.”
أومأت إيلينا برأسها، غير مقتنعة تماماً. “وماذا ستفعلون بالذكرى بعد استخراجها؟”
“ستُخزن في قاعدة بياناتنا، وستُعرض للبيع لعملائنا المهتمين. لا تقلقي، نحن نتعامل مع جميع الذكريات بأقصى درجات السرية والاحترام.”
لم تكن إيلينا متأكدة من أنها تصدق ذلك، لكنها لم تكن في وضع يسمح لها بالتشكيك. كانت بحاجة إلى المال، وكانت قد اتخذت قرارها بالفعل.
“حسناً، أنا مستعدة،” قالت أخيراً.
“ممتاز. من فضلك، اجلسي على الكرسي هناك، وسنبدأ الإجراء.”
توجهت إيلينا إلى الكرسي في وسط الغرفة وجلست عليه. كان مريحاً بشكل مفاجئ، مبطناً بمادة ناعمة تشبه الجلد. بمجرد جلوسها، بدأت أجزاء من الكرسي في التحرك، متكيفة مع شكل جسدها.
“مريح، أليس كذلك؟” سأل الدكتور مارتن وهو يقترب منها، حاملاً جهازاً صغيراً يشبه التاج. “هذا هو جهاز استخراج الذكريات. سأضعه على رأسك، وسيقوم بتحديد موقع الذكرى المستهدفة واستخراجها.”
وضع الدكتور مارتن الجهاز على رأس إيلينا بلطف. كان خفيفاً بشكل مدهش، وبالكاد شعرت به. بدأت أضواء صغيرة على الجهاز في الوميض، وسمعت إيلينا صوت طنين خافت.
“الآن، أريدك أن تفكري في الذكرى التي نريد استخراجها – اللحظات الأخيرة مع والدتك. ركزي على التفاصيل قدر الإمكان.”
أغمضت إيلينا عينيها وبدأت في استحضار الذكرى. المستشفى الهادئ، يد والدتها الهزيلة في يدها، الكلمات الأخيرة، القلادة. شعرت بالدموع تتجمع خلف جفونها المغلقة.
“ممتاز،” همس الدكتور مارتن. “الجهاز يلتقط الذكرى بوضوح. الآن، سأعطيك حقنة صغيرة ستساعدك على الاسترخاء.”
شعرت إيلينا بوخزة خفيفة في ذراعها، ثم بدأت تشعر بالنعاس تدريجياً. كانت لا تزال واعية، لكنها شعرت وكأنها تطفو خارج جسدها.
“الآن، سنبدأ عملية الاستخراج. قد تشعرين ببعض الدوار أو الارتباك، لكن هذا طبيعي تماماً. فقط استرخي واسمحي للجهاز بالعمل.”
بدأ الطنين يزداد قوة، وشعرت إيلينا بإحساس غريب في رأسها، كما لو أن شخصاً ما كان يتصفح أفكارها. ثم، فجأة، بدأت الذكرى تتلاشى. كانت لا تزال تستطيع رؤية المشهد في ذهنها – المستشفى، والدتها – لكن المشاعر المرتبطة به بدأت تتبخر. الحزن، الخوف، الحب، كلها بدأت تختفي، تاركة وراءها فراغاً غريباً.
حاولت إيلينا التشبث بالمشاعر، لكنها كانت تنزلق بعيداً مثل الماء بين أصابعها. شعرت بالذعر للحظة، محاولة استعادة الإحساس بالفقدان الذي كان دائماً مرتبطاً بتلك الذكرى، لكنه كان قد اختفى بالفعل.
ثم، ببطء، بدأت تغرق في النوم، والعالم من حولها يتلاشى في الظلام.
__________________________________________________
عندما استيقظت إيلينا، كانت لا تزال جالسة على الكرسي في وسط الغرفة. كان الدكتور مارتن يقف بجانبها، يراقب شاشة صغيرة.
“آه، أنت مستيقظة. كيف تشعرين؟” سأل بابتسامة.
شعرت إيلينا بالارتباك للحظة، غير متأكدة من مكانها أو سبب وجودها هناك. ثم تذكرت – كانت في شركة ميموريكس، وكانت قد باعت ذكرى اللحظات الأخيرة مع والدتها.
“أنا… لا أعرف،” أجابت بصدق. “أشعر… بالغرابة.”
“هذا طبيعي تماماً. سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتكيف مع التغيير. هل يمكنك تذكر الذكرى التي استخرجناها؟”
فكرت إيلينا للحظة، محاولة استحضار الذكرى. كانت تستطيع رؤية المشهد بوضوح – المستشفى، والدتها على السرير، الكلمات الأخيرة، القلادة. لكن شيئاً ما كان مفقوداً. كانت تتذكر الأحداث، لكنها لم تشعر بأي شيء تجاهها. كان الأمر كما لو أنها كانت تتذكر مشهداً من فيلم شاهدته منذ زمن بعيد.
“نعم، أستطيع تذكرها،” قالت أخيراً. “لكنها تبدو… مختلفة. كما لو أنها حدثت لشخص آخر.”
ابتسم الدكتور مارتن. “هذا يعني أن الإجراء كان ناجحاً. لقد استخرجنا المحتوى العاطفي للذكرى، تاركين الأحداث نفسها سليمة. مع مرور الوقت، ستعتادين على هذا الشعور الجديد.”
أومأت إيلينا برأسها، غير متأكدة مما إذا كانت تشعر بالارتياح أم بالحزن. كان هناك فراغ غريب داخلها، حيث كان الألم موجوداً سابقاً.
“والآن، بخصوص الدفع،” تابع الدكتور مارتن. “كما اتفقنا، سنقوم بتحويل المبلغ إلى حسابك المصرفي اليوم. يجب أن يظهر في حسابك خلال 24 ساعة.”
“شكراً لك،” قالت إيلينا بصوت خافت.
“هل تشعرين أنك قادرة على المغادرة؟ أم تفضلين البقاء للراحة قليلاً؟”
“لا، أنا بخير. يمكنني المغادرة.”
ساعدها الدكتور مارتن على النهوض من الكرسي. شعرت إيلينا بالدوار للحظة، لكنها استعادت توازنها بسرعة.
“من الطبيعي أن تشعري ببعض الدوار أو الصداع بعد الإجراء. سيزول ذلك خلال ساعات قليلة. إذا استمرت الأعراض لأكثر من 24 ساعة، فيرجى الاتصال بنا على الفور.”
أومأت إيلينا برأسها، وبدأت تتجه نحو الباب.
“آه، وقبل أن تذهبي،” أضاف الدكتور مارتن، “هناك شخص يرغب في مقابلتك.”
توقفت إيلينا، مستغربة. “من؟”
“السيد مايكل ستيرلينغ، المدير التنفيذي لشركة ميموريكس. لقد أبدى اهتماماً خاصاً بحالتك.”
شعرت إيلينا بالقلق. لماذا يهتم المدير التنفيذي للشركة بها؟ “لماذا يريد مقابلتي؟”
“لا أعرف التفاصيل، لكنه طلب مني إبلاغك أنه يرغب في التحدث معك بعد الإجراء. مكتبه في الطابق الثلاثين. جيمس سيرافقك إلى هناك إذا وافقت.”
ترددت إيلينا. لم تكن متأكدة مما إذا كانت تريد مقابلة هذا الشخص الغامض، لكنها كانت فضولية أيضاً. “حسناً، سأقابله.”
“ممتاز. جيمس ينتظر خارج الغرفة.”
خرجت إيلينا من غرفة الإجراء، وكان جيمس ينتظرها بالفعل في الممر.
“السيدة كوفاكس، سأرافقك إلى مكتب السيد ستيرلينغ. من هنا، من فضلك.”
قادها جيمس إلى مصعد مختلف، أصغر وأكثر فخامة من المصعد الرئيسي. استخدم بطاقته لتشغيل المصعد، وضغط على زر الطابق الثلاثين.
“السيد ستيرلينغ نادراً ما يقابل العملاء شخصياً،” قال جيمس أثناء صعود المصعد. “يجب أن تكوني مميزة.”
لم ترد إيلينا، غير متأكدة مما يعنيه ذلك. كانت لا تزال تشعر بالغرابة بعد الإجراء، وكان عقلها يحاول التكيف مع الفراغ الجديد داخلها.
عندما وصل المصعد إلى الطابق الثلاثين، فتحت الأبواب لتكشف عن ردهة فخمة بشكل لا يصدق. كانت الجدران مغطاة بالخشب الداكن، والأرضية من الرخام الأبيض اللامع. في وسط الردهة، كان هناك مكتب استقبال كبير، خلفه امرأة أنيقة ترتدي بدلة سوداء.
“السيدة كوفاكس هنا لمقابلة السيد ستيرلينغ،” أعلن جيمس.
أومأت المرأة برأسها. “نعم، إنه ينتظرها. من هنا، من فضلك.”
قادت المرأة إيلينا عبر باب مزدوج كبير إلى مكتب ضخم. كانت النوافذ تمتد من الأرض إلى السقف، مقدمة إطلالة مذهلة على المدينة. في وسط المكتب، كان هناك مكتب زجاجي كبير، وخلفه جلس رجل في منتصف الأربعينات من عمره، ذو شعر أسود مشوب بالشيب وعينين رماديتين حادتين.
“السيدة كوفاكس، سيدي،” قالت المرأة.
“شكراً لك، فيكتوريا. يمكنك المغادرة الآن.”
غادرت المرأة، تاركة إيلينا وحيدة مع الرجل الذي افترضت أنه مايكل ستيرلينغ.
“السيدة كوفاكس، مرحباً بك في مكتبي. أنا مايكل ستيرلينغ، المدير التنفيذي لشركة ميموريكس. من فضلك، اجلسي.”
جلست إيلينا على الكرسي المقابل للمكتب، شاعرة بالتوتر. كان هناك شيء في طريقة نظر ستيرلينغ إليها جعلها تشعر بعدم الارتياح.
“أنا متأكد أنك تتساءلين لماذا طلبت مقابلتك،” بدأ ستيرلينغ. “الحقيقة هي أنني أهتم شخصياً بجميع الحالات الفريدة التي تمر عبر شركتنا. وحالتك، السيدة كوفاكس، فريدة بالفعل.”
“فريدة؟ كيف؟” سألت إيلينا، مستغربة.
“الذكرى التي بعتها – اللحظات الأخيرة مع والدتك. إنها ذكرى ذات محتوى عاطفي قوي بشكل استثنائي. نادراً ما نرى مثل هذا النوع من الذكريات.”
شعرت إيلينا بالانزعاج من فكرة أن هذا الرجل الغريب كان يتحدث عن لحظاتها الخاصة مع والدتها. “وماذا ستفعلون بها؟”
ابتسم ستيرلينغ ابتسامة غامضة. “ستُخزن في قاعدة بياناتنا، كما أخبرك الدكتور مارتن. لكنني أردت أن أشكرك شخصياً على مساهمتك في مشروعنا.”
“مشروعكم؟”
“نعم. في ميموريكس، نحن لا نبيع فقط الذكريات. نحن نبني أرشيفاً للتجربة البشرية. كل ذكرى نستخرجها تضيف إلى فهمنا للعقل البشري والوعي.”
كان هناك شيء في طريقة حديثه جعل إيلينا تشعر بالقلق. كان يتحدث عن الذكريات كما لو كانت مجرد بيانات، وليست لحظات حية من حياة الناس.
“وهل هذا هو السبب الوحيد لطلب مقابلتي؟” سألت، غير مقتنعة.
نظر إليها ستيرلينغ بتمعن، كما لو كان يدرس تفاعلها. “لا، ليس تماماً. أردت أيضاً أن أعرض عليك فرصة.”
“فرصة؟”
“نعم. بناءً على تقييمنا، فإن ذاكرتك قوية بشكل استثنائي، وقدرتك على استحضار التفاصيل مثيرة للإعجاب. نحن نبحث دائماً عن أشخاص مثلك للانضمام إلى فريقنا.”
“تعرض علي وظيفة؟” سألت إيلينا، مندهشة.
“نوعاً ما. نحن نبحث عن متطوعين لبرنامج بحثي جديد نقوم به. البرنامج يتضمن دراسة كيفية تفاعل الذكريات المختلفة مع بعضها البعض. المشاركون في البرنامج يتلقون تعويضاً سخياً.”
شعرت إيلينا بالشك. كان هناك شيء غير صحيح في هذا العرض. “وماذا يتضمن هذا البرنامج بالضبط؟”
“في الأساس، نقوم بدراسة كيفية تأثير استخراج ذكريات متعددة على الوعي العام للشخص. المشاركون يبيعون ذكريات إضافية على مدى فترة من الزمن، ونحن ندرس التغييرات في إدراكهم وسلوكهم.”
“تريدني أن أبيع المزيد من ذكرياتي؟” سألت إيلينا، غير مصدقة.
“نعم، ولكن بشروط أفضل بكثير من العملاء العاديين. ستتلقين تعويضاً أعلى، وستكون لديك فرصة للمساهمة في تقدم العلم.”
فكرت إيلينا في العرض. كان المال مغرياً، خاصة بعد أن عرفت الآن أن بيع الذكريات لم يكن مؤلماً كما كانت تخشى. لكن كان هناك شيء في طريقة نظر ستيرلينغ إليها جعلها تشعر بالخطر.
“أحتاج إلى التفكير في الأمر،” قالت أخيراً.
“بالطبع. خذي وقتك. هنا بطاقتي الشخصية. اتصلي بي مباشرة عندما تتخذين قرارك.”
أخذت إيلينا البطاقة ووضعتها في حقيبتها. وقفت لتغادر، لكن ستيرلينغ أوقفها.
“آه، وقبل أن تذهبي، السيدة كوفاكس. هناك شيء آخر.”
“نعم؟”
“القلادة التي تحملينها. إنها جميلة جداً. هل هي من والدتك؟”
شعرت إيلينا بالصدمة. كيف عرف ذلك؟ هل كان قد شاهد الذكرى التي باعتها بالفعل؟
“نعم،” أجابت بتردد. “كانت آخر هدية منها.”
“أفهم. إنها قطعة فريدة. أتساءل… هل يمكنني رؤيتها عن قرب؟”
ترددت إيلينا. كانت القلادة شيئاً شخصياً جداً، وكانت غير مرتاحة لفكرة إعطائها لهذا الرجل الغريب. لكنها شعرت أيضاً بنوع من الضغط الخفي، كما لو أن رفض طلبه قد يكون له عواقب.
“أفضل ألا أخلعها،” قالت أخيراً. “إنها ذات قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة لي.”
نظر إليها ستيرلينغ بنظرة غريبة، مزيج من خيبة الأمل والفضول. “بالطبع، أفهم ذلك. ربما في وقت آخر.”
“ربما. والآن، إذا سمحت لي، يجب أن أذهب.”
“بالتأكيد. شكراً لك على وقتك، السيدة كوفاكس. أتطلع لسماع ردك بخصوص عرضنا.”
غادرت إيلينا المكتب، شاعرة بالارتياح للخروج من وجود ستيرلينغ. كان هناك شيء مزعج في الطريقة التي نظر بها إليها، كما لو كانت مجرد شيء للدراسة وليست إنساناً.
في المصعد، فكرت في العرض الذي قدمه لها. كان المال مغرياً، لكنها لم تكن متأكدة مما إذا كانت تريد بيع المزيد من ذكرياتها. كان هناك شيء غير صحيح في الأمر كله.
عندما خرجت من برج ميموريكس، شعرت بالارتياح لتنفس الهواء النقي. كانت السماء صافية، والشمس ساطعة، لكنها شعرت بظل غريب يخيم عليها. كان قرارها ببيع ذكرى والدتها قد تم بالفعل، ولا يمكن التراجع عنه. لكنها تساءلت عما إذا كانت قد ارتكبت خطأً.
لمست القلادة حول عنقها، متسائلة عن سبب اهتمام ستيرلينغ بها. كانت مجرد قلادة قديمة، ليس لها قيمة مادية كبيرة. لكن والدتها قالت إنها ستذكرها من هي، إذا شعرت يوماً أنها تفقد نفسها.
وللمرة الأولى، بدأت إيلينا تتساءل عما إذا كانت والدتها قد عرفت شيئاً لم تخبرها به.
__________________________________________________
عادت إيلينا إلى شقتها، شاعرة بالإرهاق العاطفي والجسدي. كان الصداع الذي حذرها منه الدكتور مارتن قد بدأ، وكانت تشعر بالدوار والغثيان.
ألقت بنفسها على الأريكة، وأغمضت عينيها. حاولت استحضار ذكرى والدتها مرة أخرى، محاولة الشعور بشيء – أي شيء – تجاهها. لكن الفراغ كان لا يزال هناك. كانت تتذكر الأحداث، لكنها لم تشعر بأي شيء تجاهها.
رن هاتفها، مقاطعاً أفكارها. كان المتصل ديفيد.
“مرحباً، ديف،” أجابت، متوقعة المزيد من الغضب.
“إيلي، أين أنت؟ لقد حاولت الاتصال بك طوال الصباح.”
“كنت… مشغولة.”
“هل فعلتها؟ هل بعت الذكرى؟”
تنهدت إيلينا. “نعم، فعلتها.”
صمت ديفيد للحظة. “كيف تشعرين؟”
“بصراحة؟ لا أعرف. أشعر… بالفراغ. كما لو أن جزءاً مني قد اختفى.”
“لأنه اختفى بالفعل، إيلي. لقد بعت جزءاً من نفسك.”
“أنا أعلم ذلك، ديف. لكنني لم أكن أملك خياراً آخر. كنا بحاجة إلى المال.”
“المال ليس كل شيء، إيلي. هناك أشياء أكثر أهمية.”
“مثل ماذا؟ مثل الجوع؟ مثل الطرد من الشقة؟ مثل عدم قدرتك على إكمال دراستك؟”
صمت ديفيد مرة أخرى. “أنا آسف. أنا أعلم أنك فعلت ذلك من أجلي. لكنني لا أستطيع تقبل فكرة أنك بعت ذكرياتك عن ماما.”
“الأمر ليس بهذا السوء، ديف. أنا لا زلت أتذكرها. فقط… بدون المشاعر المرتبطة بالذكرى.”
“وهل هذا أفضل حقاً؟ أن تتذكريها بدون أن تشعري بأي شيء تجاهها؟”
لم تعرف إيلينا كيف تجيب. كان ديفيد محقاً، بطريقة ما. كان هناك شيء مزعج في تذكر والدتها بدون الشعور بالحب أو الحزن.
“على أي حال،” تابع ديفيد، “أنا قادم إلى شقتك الآن. أريد التأكد من أنك بخير.”
“لا داعي لذلك، ديف. أنا بخير.”
“أنا قادم على أي حال. سأكون هناك في غضون ساعة.”
أنهى ديفيد المكالمة قبل أن تتمكن إيلينا من الاعتراض. تنهدت ووضعت الهاتف جانباً. كانت تعلم أن ديفيد كان قلقاً عليها، لكنها لم تكن متأكدة مما إذا كانت تريد رؤيته الآن. كانت لا تزال تحاول فهم ما حدث لها، وكيف تشعر حيال ذلك.
نظرت إلى بطاقة مايكل ستيرلينغ التي أعطاها إياها. كان اسمه مطبوعاً بحروف ذهبية على خلفية سوداء، مع شعار ميموريكس في الزاوية. تحته، كان هناك رقم هاتف ورسالة صغيرة: “المستقبل ينتمي لمن يتحكمون في ذكرياتهم.”
وضعت البطاقة جانباً، غير مرتاحة للرسالة. كان هناك شيء مزعج في فكرة “التحكم” في الذكريات، كما لو كانت مجرد أشياء يمكن التلاعب بها.
قررت أخذ حمام ساخن قبل وصول ديفيد. ربما سيساعدها ذلك على الاسترخاء والتفكير بوضوح.
في الحمام، خلعت ملابسها ونظرت إلى نفسها في المرآة. كانت تبدو نفسها – نفس الوجه، نفس العينين، نفس الجسد. لكنها شعرت بالاختلاف. كان هناك فراغ داخلها لم يكن موجوداً من قبل.
لمست القلادة حول عنقها، متسائلة مرة أخرى عن سبب اهتمام ستيرلينغ بها. كانت مجرد قلادة فضية بسيطة، مع قطعة زرقاء صغيرة على شكل قطرة ماء. لم تكن تبدو خاصة أو قيمة.
لكن والدتها قالت إنها ستذكرها من هي. ماذا كانت تعني بذلك؟
خلعت القلادة ووضعتها على حافة الحوض، ثم دخلت الحمام. كان الماء الساخن يريح عضلاتها المتوترة، لكنه لم يستطع إزالة الشعور بالفراغ داخلها.
بعد الحمام، ارتدت ملابس مريحة وعادت إلى القلادة. أخذتها بيدها، متفحصة إياها عن قرب للمرة الأولى منذ وقت طويل.
كانت القطعة الزرقاء تبدو وكأنها مصنوعة من نوع من الكريستال، وكانت تعكس الضوء بطريقة غريبة. عندما أمالتها في ضوء معين، بدا وكأن هناك شيئاً ما داخلها – نوعاً من النقش أو الرمز.
حاولت إيلينا رؤية ما كان داخل الكريستال، لكنه كان صغيراً جداً. ربما كانت تتخيل الأمر فقط.
رن جرس الباب، مقاطعاً أفكارها. كان ديفيد قد وصل.
وضعت القلادة حول عنقها مرة أخرى، وذهبت لفتح الباب. كان ديفيد يقف هناك، يبدو قلقاً ومتعباً.
“مرحباً، ديف،” قالت، محاولة الابتسام.
“إيلي،” قال، وعانقها بقوة. “أنا آسف لما قلته بالأمس. لم أكن أقصد أن أجعلك تشعرين بالسوء.”
“لا بأس، ديف. أنا أفهم لماذا كنت غاضباً.”
دخل ديفيد الشقة، ونظر إليها بتمعن. “كيف تشعرين حقاً؟”
فكرت إيلينا للحظة. “بصراحة؟ أشعر بالغرابة. كما لو أن جزءاً مني مفقود. لكنني أشعر أيضاً… بالراحة، بطريقة ما. الألم الذي كنت أشعر به كلما تذكرت ماما قد اختفى.”
“وهل هذا شيء جيد؟”
“لا أعرف. جزء مني يشعر بالذنب لأنني لم أعد أشعر بالحزن عندما أفكر فيها. كما لو أنني خنت ذكراها بطريقة ما.”
جلس ديفيد على الأريكة، وأشار إليها لتجلس بجانبه. “أنت لم تخونيها، إيلي. فعلت ما اعتقدت أنه الأفضل لنا.”
“هل ما زلت غاضباً مني؟”
هز ديفيد رأسه. “لا، لست غاضباً. أنا فقط… حزين. حزين لأنك اضطررت لاتخاذ مثل هذا القرار. حزين لأننا وصلنا إلى هذه النقطة.”
“أنا أيضاً، ديف. لكن المال سيساعدنا كثيراً. يمكننا سداد الديون، ودفع رسومك الجامعية، وحتى وضع بعض المال جانباً.”
“أعلم ذلك. وأنا ممتن لما فعلته. لكنني لا أريدك أن تضحي بنفسك من أجلي.”
“أنت أخي الصغير، ديف. سأفعل أي شيء من أجلك.”
ابتسم ديفيد ابتسامة حزينة. “وهذا بالضبط ما يقلقني.”
جلسا في صمت للحظة، كل منهما غارق في أفكاره. ثم تذكرت إيلينا شيئاً.
“ديف، هل تعرف أي شيء عن القلادة التي أعطتني إياها ماما قبل وفاتها؟”
نظر ديفيد إلى القلادة حول عنقها. “ليس الكثير. كانت ترتديها دائماً، وكانت تقول إنها كانت لجدتنا قبلها. لماذا تسألين؟”
“لا أعرف. شيء غريب حدث اليوم. بعد الإجراء، قابلت المدير التنفيذي لشركة ميموريكس، رجل يدعى مايكل ستيرلينغ. كان مهتماً جداً بالقلادة، وطلب رؤيتها عن قرب.”
رفع ديفيد حاجبيه. “هذا غريب. لماذا يهتم بقلادة قديمة؟”
“لا أعرف. لكن كان هناك شيء في طريقة نظره إليها… كما لو أنه كان يعرف شيئاً عنها لم أكن أعرفه.”
“هل تعتقدين أنها قد تكون ذات قيمة؟”
هزت إيلينا رأسها. “لا أعتقد ذلك. إنها مجرد قلادة فضية بسيطة مع قطعة زرقاء. لكن ماما قالت شيئاً غريباً قبل وفاتها. قالت إن القلادة ستذكرني من أنا، إذا شعرت يوماً أنني أفقد نفسي.”
فكر ديفيد للحظة. “هذا غريب بالفعل. هل تعتقدين أنها كانت تعرف شيئاً عن شركة ميموريكس وتقنية استخراج الذكريات؟”
“لا أعرف. لكن الأمر يبدو مستبعداً. كانت هذه التقنية جديدة نسبياً، وماما توفيت قبل ثلاث سنوات.”
“ربما كانت تعرف شيئاً آخر. شيئاً لم تخبرنا به.”
فكرت إيلينا في ذلك. كانت والدتها دائماً شخصاً خاصاً، وكانت هناك جوانب من حياتها لم تتحدث عنها أبداً. “ربما. لكنني لا أعرف كيف يمكننا معرفة ذلك الآن.”
“يمكننا البحث في أغراضها. ربما تركت شيئاً ما – مذكرات، رسائل، أي شيء قد يعطينا فكرة عما كانت تعرفه.”
“معظم أغراضها في التخزين. لم يكن لدينا مساحة كافية للاحتفاظ بها هنا.”
“يمكننا الذهاب إلى هناك غداً. أنا لا أملك محاضرات، ويمكنك أخذ يوم إجازة من العمل.”
فكرت إيلينا في ذلك. كانت فكرة جيدة. ربما كان هناك شيء في أغراض والدتها يمكن أن يساعدهما على فهم ما كانت تعرفه.
“حسناً، سنفعل ذلك غداً.”
ابتسم ديفيد. “ممتاز. والآن، ماذا عن تناول بعض الطعام؟ أنا جائع، وأنت تبدين كما لو أنك لم تأكلي طوال اليوم.”
ضحكت إيلينا. كان ديفيد دائماً يعرف كيف يجعلها تشعر بالتحسن. “نعم، أنا جائعة. يمكننا طلب البيتزا.”
“رائع. سأتصل بهم.”
بينما كان ديفيد يتصل بمطعم البيتزا، جلست إيلينا تفكر في كل ما حدث. كانت قد باعت ذكرى ثمينة، وكانت تشعر بالفراغ بسببها. لكنها كانت أيضاً قد حصلت على المال الذي كانت تحتاجه بشدة، وربما كانت على وشك اكتشاف سر كانت والدتها تخفيه.
لمست القلادة مرة أخرى، متسائلة عما كانت تخفيه. كانت هناك أسئلة كثيرة، وكانت تأمل أن تجد بعض الإجابات غداً.
لكنها لم تكن تعلم أن البحث عن الإجابات سيقودها إلى اكتشافات أكثر إثارة للقلق مما كانت تتخيل.
