تــمـهيـد
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“آه، لِمَ هذا الوجه؟ دعني أخبرك: (السحرة) في ذلك العصر لم يكونوا ذوي مكانةٍ متدنّية في القبائل البشرية. بل على العكس، ربما كانت لهم مكانةٌ عالية.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
فإذا بالحجر الذي لم يكن يسخن بالنار ولا يُخدش بالسكين يتحوّل إلى رملٍ في لحظة واحدة. وانسابت ذراته من بين أصابع شاو شوان.
Arisu-san
وبينما كان يمسح ببصره ما حوله، أخذ شاو شوان سكين فاكهة من الطاولة ووضع ورقة. وكان يعتزم أن يكشط قطعةً صغيرة من الحجر ويأخذها إلى حافلة الآثار ويسأل أحدهم أن يساعده في فحصها. غير أنّه بعد أن كشط الحجر بالسكين، لم يظهر عليه أدنى أثر. وحتى الطعن بطرف السكين لم يُخلّف خدشًا واحدًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ربما لم يولوا أهمية لمثل هذه الأمور.” شرح شي تشي.
تـــمــهــيــد
وكان يهمّ بأن يصرف نظره، حين لمح فجأة شيئًا يشبه الحيّة يظهر على الجدار. بل كان يتلوّى. وكان ثخينًا بقدر أنبوب ماء صغير، وعلى جلده قشورٌ لامعة تصدّر بريقًا باردًا. كان على بُعد عدّة أمتار، لكنّ قشعريرة سرت في جسد شاو شوان، ووقف شعر بدنه كلّه. لقد أفزعه حتى كاد يقفز في الهواء. غير أنّه حين رمش بعينه ونظر ثانية، لم يجد شيئًا على الإطلاق. كان الجدار الحجري ما يزال الجدار المتصدّع نفسه، الذي أنهكته السنون.
…
وبنظرةٍ واحدة، أمكنه رؤية قطع الصخور الكبيرة في الجدار. وكان ذا تاريخ طويل، يضفي عليه شعورًا بالوهن والعُتق.
جلس شاو شوان داخل حافلة مُعادٍ تجهيزُها، يحدّق عبر النافذة إلى الجبال الكثيرة الممتدّة أمامه. كان الانقلاب الصيفي قد انقضى لتوّه، والجبال تزخر بالخُضرة المتفجّرة بالحياة. ورؤية مثل هذا المشهد بعد حياةٍ طويلةٍ في المدينة جعلت مزاجه—الكئيب بسبب الإخفاقات—أخفَّ وطأة وأكثر انشراحًا. كان شاو شوان في البداية يخطّط لأن يستدعي بضعة أصدقاء لرحلةٍ بعيدة يروّح بها عن قلبه، غير أنّه لم يتوقّع أن يصادف ابن بلدته وزميل صفّه الدارس لعلم الآثار، شي تشي، الذي جرّه معه في رحلةٍ أثرية.
والآن، كانوا يشقّون طريقهم نحو قريةٍ جبلية صغيرة نائية نسبيًا. وقيل إنّ أشياء من العصر الحجري قد اكتُشفت هناك. وقد انطلقت مجموعة من الناس بالفعل إلى الموقع، وها هم في الدفعة الثانية.
أصغى شاو شوان إلى زميله وهو يبدأ من جماجم البشر البدائيين، ثم إلى الأدوات الحجرية التي استخدموها، ثم إلى الرسوم المنقوشة على الصخور. بل إنّ شي تشي أخرج بعض الصور وشرع يشرحها بالتفصيل—بأن الباحثين فعلوا كذا وكذا… وبعد أن يغوصوا فيها يصعب سحبها من رؤوسهم… ورغم أنّ شاو شوان لم يفهم شيئًا، إلّا أنّه أبدى له بعض الودّ وأصغى بانتباه.
وحين سقطت آخر ذرّة، خيّم السواد على بصر شاو شوان بالكامل.
على الأوراق كانت رسومٌ جدارية اكتشفها علماء الآثار. ألقى شاو شوان نظرة عليها، وشعر أنّها ليست أفضل من رسوم أبناء إخوته الذين لم يدخلوا الروضة بعد.
على النقيض من ذلك، كان شاو شوان يعرف أنّه أولع منذ صغره بأنواع البشر القدماء. ففي المرحلة المتوسطة، كثيرًا ما خاض مع الآخرين نقاشات حول بقايا بشرية قديمة اُكتشفت ثم اندثرت في التاريخ الحديث.
كانت الخطوط في تلك الرسوم بسيطة للغاية—وفي معظمها يمكن تمييز أشخاص يحملون أدوات صيد، وكذلك بضعة رسوم لأنواع مختلفة من الحيوانات. أمّا الباقي فلم يكن له أدنى فكرة عمّا يمثّله.
واصل تقليب الصفحات، فعثر على عدّة رسومٍ ملوّنة، أظهرَتْ تفاصيل أوضح.
“هذه صورة ماعز؟ لكنّ رسم الماعز هذا كبيرٌ جدًا.” قالها شاو شوان وهو يشير إلى إحدى الصور.
قلّب شاو شوان الحجر في يده، وعيناه تحدّقان فيه. وبعد سماعه خبر وجود حفريات لكائنات قديمة في صخور الجدار، تذكّر “الحشرة بحجم البطيخة” التي تحدّث عنها شي تشي.
في الصورة، كان الرسم لماعز ذي قرن طويل وكبير مقوّس. وبجواره رجل يحمل قوسًا وسهامًا. ومع ذلك، لم تكن النسبة طبيعية. فقامته لم تتجاوز ظهر الماعز. وبعض الصور الأخرى كذلك: كان جسم الأرنب فيها بحجم الأسد، وفي الجهة اليسرى كانت هناك صورةٌ لحصان، إلا أنّ ذيله رُسم قصيرًا أكثر من اللازم.
هزّ شي تشي رأسه. “الغريب أنّ الدفعة الأولى من الباحثين قالوا إنّ الصخور التي بُني بها جدار الفناء تحوي حفريات لكائنات قديمة.” توقّف شي تشي قليلًا، وفرك قشعريرةً في ذراعه، ثم واصل: “كانت هناك حفريات لكائنات قديمة في تلك الصخور، وهي التي أنجبت—كما وصف الطفل—حشرةً بحجم بطيخة. لكنّ الحفرية لم تكن كاملة. كانت جزءًا من البقايا. ومع ذلك، وبحسب نظريات الباحثين، فإنّ ذلك الكائن لو كان حيًّا اليوم لكان حجمه بحجم بطيخة فعلًا. بل إنّ شكله سيكون قريبًا مما وصفه الطفل.”
وبالطبع، لم تكن نسب كل الرسوم على هذا الشكل. فالأساليب الجدارية لمختلف العصور المكتشَفة في مختلف المقاطعات كانت متباينة. وفي الخلف، بدأت النسب تقترب قليلًا من الواقع. بل إنّك في بعض الرسوم ترى مجموعة من الناس يصطحبون كلابًا للصيد.
واصل تقليب الصفحات، فعثر على عدّة رسومٍ ملوّنة، أظهرَتْ تفاصيل أوضح.
“هاه، هذا الرسم أكثر سخفًا. قرناه ضخمان للغاية! وهذا الشخص… الشخص في الصورة السابقة وصل إلى ظهر الماعز، لكن في هذه الرسمة لا يبلغ إلا ارتفاع ساق الغزال! وما ذاك في أسفل اليمين… تمساح ذو ثمانية أرجل؟!” لم يستطع شاو شوان أن يُعجب بأسلوب البشر البدائيين في الرسم.
“ربما لم يولوا أهمية لمثل هذه الأمور.” شرح شي تشي.
هزّ شي تشي رأسه. “لا أعلم. سنسأل حين نصل بعد قليل. فنحن على مشارف الوصول.”
“تعني أنّهم حين يرسمون لا يلتزمون بالواقعية في النسب، ويستخدمون أساليب مُبالَغ فيها؟” سأل شاو شوان.
“يُفترض أنّ الأمر كذلك.” حكّ شي تشي رأسه. “ففي ذلك الزمن، لم يكن الناس متعلمين في مفهوم الجمال. ولعلّ الرسوم كانت تمثّل معاني رمزية فحسب. بل إنّ أحد الباحثين، عندما درس الجداريات، افترض أنّ سبب رسم البشر حينها لهذه الجداريات المتعلقة بالصيد على جدران الكهوف أو على الصُخور هو أن يرسّخوا في قلوب الصيادين أو المحاربين فكرة ما قبل خروجهم. أو ربما كانت هناك طقوس لا نعرفها—وخاصةً تلك الرسوم التي خطّها (السحرة) آنذاك.”
وبالطبع، لم تكن نسب كل الرسوم على هذا الشكل. فالأساليب الجدارية لمختلف العصور المكتشَفة في مختلف المقاطعات كانت متباينة. وفي الخلف، بدأت النسب تقترب قليلًا من الواقع. بل إنّك في بعض الرسوم ترى مجموعة من الناس يصطحبون كلابًا للصيد.
“سحرةٌ إذن…” ارتسم في ذهن شاو شوان صورةُ مُحتالٍ غريبٍ طاعنٍ في السن.
بعد انتهائه من الكلام، أخذ شي تشي أدواته وتبع مُدرّسه. لم يكن مسموحًا لشاو شوان أن يدخل إلى ذلك المكان، غير أنّه لم يكن مهتمًا بالذهاب إليه أصلًا.
“آه، لِمَ هذا الوجه؟ دعني أخبرك: (السحرة) في ذلك العصر لم يكونوا ذوي مكانةٍ متدنّية في القبائل البشرية. بل على العكس، ربما كانت لهم مكانةٌ عالية.”
لم يبقَ في الحافلة سوى شاو شوان وحده. وبعد أن أغلق نوافذ الحافلة وأبوابها، خيّم هدوءٌ تام. وفي الأيام الماضية، لم ينل شاو شوان قسطًا جيدًا من النوم، وعلى الطريق كان يصغي إلى روايات شي تشي. والآن، وقد حلّ الصمت، غلبه النعاس.
“أعلم. محتالون، أليس كذلك؟” أومأ شاو شوان.
لوّح شي تشي بإصبعه يمنةً ويسرة، ثم أخرج مجلدًا يحوي نسخًا ممسوحة لرسوم. أشار وهو يقلبها إلى بعض الصور والرموز وقال لشاو شوان: “إذا كانت التمائم تجسيدًا بشريًا للطبيعة ووحدة الجماعة، فإنّ أفكار السحرة هي (طبيعيةُ الإنسان). ومهنة الساحر ظهرت في العصر الحجري…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ثم شرع شي تشي يحدّثه عن تطوّر مهنة “الساحر” من الأزمنة السحيقة إلى العصور اللاحقة—غير آبهٍ بكون شاو شوان مستسلمًا للصداع. وقد امتلأ كلامه بالمصطلحات المتخصصة والاقتباسات من الكتب، مما أوجع رأس شاو شوان أكثر.
“تعني أنّهم حين يرسمون لا يلتزمون بالواقعية في النسب، ويستخدمون أساليب مُبالَغ فيها؟” سأل شاو شوان.
لم يكن شاو شوان ذا فهمٍ عميق في ذلك المجال، ولا شعر بشيءٍ من الاهتمام. ولولا وجود زميل دراسة وصديق قديم يدرس علم الآثار، لما كُلّف شاو شوان عناء معرفة شيءٍ من ذلك. فكلما سمع أحدًا يتحدث عن علم الآثار، تذكّر فورًا التحف الباهظة الثمن. غير أنّ اتجاه دراسة شي تشي كان أعْتَقَ من التحف نفسها! كان قديمًا إلى درجة أنّ قليلين فقط يهتمون به. قبل أيام قليلة، كان شاو شوان يستمع في الإذاعة إلى نقاشٍ حول مدى صحّة “نظرية داروين في التطوّر” أو “فرضية أن الكائنات الأرضية خُلقت بواسطة كائناتٍ فضائية”. وبما أنّه لم يكن لديه ما يشغله، استمع إلى النقاش. وما إن انتهى منه حتى وضع الأمر جانبًا دون مزيد من التفكير.
على النقيض من ذلك، كان شاو شوان يعرف أنّه أولع منذ صغره بأنواع البشر القدماء. ففي المرحلة المتوسطة، كثيرًا ما خاض مع الآخرين نقاشات حول بقايا بشرية قديمة اُكتشفت ثم اندثرت في التاريخ الحديث.
“لن تفهم لو تحدّثتُ بشكلٍ تخصصي، لذا سأبسط لك الأمر! انظر!” أشار شي تشي بإصبعه إلى موقعٍ ما على خريطة. “ذُكر (الساحر) في نقوشٍ قديمة على عظام الأبقار وأصداف السلاحف والبرونز. لكن على هذا النحو…”
“لن تفهم لو تحدّثتُ بشكلٍ تخصصي، لذا سأبسط لك الأمر! انظر!” أشار شي تشي بإصبعه إلى موقعٍ ما على خريطة. “ذُكر (الساحر) في نقوشٍ قديمة على عظام الأبقار وأصداف السلاحف والبرونز. لكن على هذا النحو…”
نظر شاو شوان إلى الرمز الذي يشير إليه. كان رمزًا يبدو كالتشابك بين حرفَي (工).
“في بعض الفخاريات والتماثيل القديمة، ظهر هذا الرمز المزدوج. وعلى هذا المنوال، كان السحرة يتدخلون في شؤون مثل الصيد والدعاء والإنقاذ. ومن منظور معيّن، يمكن عدّ السحرة (علماء) تلك الحقبة. لكن كل هذا مجرد استنتاجات. وحتى السجلات القديمة قد لا تكون صادقة. فهم كانوا يحبون المبالغة. أليس هناك قولٌ يقول: (لا حقيقة في التاريخ؟). علم الآثار مجرد حفرٍ لاستخراج أطرافٍ وزوايا. أمّا الحقيقة، فمن يدري بها؟
…
“الكهف الذي اكتُشف هذه المرة مرتبطٌ أيضًا بالسحرة. والرسوم الأخيرة التي رأيتها هي الجداريات التي أرسلتها الدفعة الأولى من الناس. وفي الكهف، اكتُشف الرمز المزدوج أيضًا. لذا يمكن أن نخمن أنّه ربما كان مسكنًا لأحد السحرة. وفي الشهر الماضي، وقع زلزالٌ خفيف في ذلك الإقليم. وبسبب ذلك، على الأرجح انكشفت فتحة الكهف. فقبل الزلزال، لم يسمع أحدٌ بوجوده.”
ولمّا بلغ هذا الموضع من الكلام، أغلق شي تشي الملف ونظر بحذرٍ حوله. ولمّا رأى أنّ المشرف والطلاب الآخرين غير منتبهين لهما، خفّض صوته وهمس لشاو شوان سرًا: “سمعت أنّ أول من اكتشف الكهف كان طفلًا. بل وبحسب خبرٍ وصلني من زميل، فقد رأى ذلك الطفل حشرةً غريبة بحجم بطيخة تزحف خارجةً من جدار فناء بيته. الأطفال قلوبهم قوية، لذا تبِع الحشرة. وفي النهاية اختفت عند الكهف؛ فعاد الطفل وأبلغ الكبار، ومن ثم اكتُشف الكهف.”
“حشرة بحجم بطيخة؟” وجد شاو شوان الأمر سخيفًا. فأيّ شخص يسمع شيئًا كهذا لأول مرة سيظنّه مبالغًا فيه. “هل كان الطفل يكذب؟”
هزّ شي تشي رأسه. “الغريب أنّ الدفعة الأولى من الباحثين قالوا إنّ الصخور التي بُني بها جدار الفناء تحوي حفريات لكائنات قديمة.” توقّف شي تشي قليلًا، وفرك قشعريرةً في ذراعه، ثم واصل: “كانت هناك حفريات لكائنات قديمة في تلك الصخور، وهي التي أنجبت—كما وصف الطفل—حشرةً بحجم بطيخة. لكنّ الحفرية لم تكن كاملة. كانت جزءًا من البقايا. ومع ذلك، وبحسب نظريات الباحثين، فإنّ ذلك الكائن لو كان حيًّا اليوم لكان حجمه بحجم بطيخة فعلًا. بل إنّ شكله سيكون قريبًا مما وصفه الطفل.”
“… يبدو الأمر لا يُصدَّق؛ لكن هل رأى الطفل وحده ذلك، ولم يرَ الآخرون حشراتٍ تخرج من جدرانهم؟” بدا شاو شوان مهتمًا قليلًا.
هزّ شي تشي رأسه. “لا أعلم. سنسأل حين نصل بعد قليل. فنحن على مشارف الوصول.”
“سحرةٌ إذن…” ارتسم في ذهن شاو شوان صورةُ مُحتالٍ غريبٍ طاعنٍ في السن.
ولمّا وصلت المجموعة إلى وجهتها، كان الوقت قد بلغ الظهر، الساعة الحادية عشرة. لحق شاو شوان بشي تشي والآخرين، وتناولوا غداءً بسيطًا، ثم عادوا إلى الحافلة.
وقد أصبح شي تشي والآخرون نافدي الصبر. فبعد الطعام لم يستريحوا، وقرّروا مباشرة العمل فورًا.
كان شي تشي قد أخبر شاو شوان بالأمور التي يجب أن ينتبه لها: أيّ الأشياء لا يجوز لمسها، وأيّ الأماكن لا يجوز الذهاب إليها، ومن يجد إن احتاج أحدًا، وما إلى ذلك. وقد كوّن شاو شوان خطة في قلبه.
لم يُعره شاو شوان اهتمامًا كبيرًا. وبعد أن قلّبه في يده قليلًا، أدرك أنّ الحجر لا يسخن. فبعد بضع دقائق طويلة بين أصابعه بقي باردًا. ولما فكّر بالأمر، أخرج قدّاحة وأشعل النار على الحجر. ومنطقًا، كان ينبغي للمكان الذي تلامسه النار أن يصبح ساخنًا بعض الشيء. ولكن في الحقيقة، بعد الحرق، بقي الحجر باردًا كما كان.
“سأتحدث معك بعد انتهاء العمل اليوم. خذ لك جولة وحدك الآن! إنّ المنظر في هذا المكان جميل حقًا: جبال خضراء، سماء ومياه زرقاء… صفِّ رئتيك بعد بقائك في مدينةٍ مليئة بالدخان!”
بعد انتهائه من الكلام، أخذ شي تشي أدواته وتبع مُدرّسه. لم يكن مسموحًا لشاو شوان أن يدخل إلى ذلك المكان، غير أنّه لم يكن مهتمًا بالذهاب إليه أصلًا.
لم يبقَ في الحافلة سوى شاو شوان وحده. وبعد أن أغلق نوافذ الحافلة وأبوابها، خيّم هدوءٌ تام. وفي الأيام الماضية، لم ينل شاو شوان قسطًا جيدًا من النوم، وعلى الطريق كان يصغي إلى روايات شي تشي. والآن، وقد حلّ الصمت، غلبه النعاس.
وحين استيقظ، كان الوقت يقترب من الساعة الثانية بعد الظهر. خطّط شاو شوان أن يخرج في نزهة. وما إن همّ بذلك، حتى رأى شي تشي بثياب العمل يتقدّم نحوه. دخل إلى الحافلة وأخذ وثيقة، ثم واصل الإسراع إلى عمله.
“هاه، هذا الرسم أكثر سخفًا. قرناه ضخمان للغاية! وهذا الشخص… الشخص في الصورة السابقة وصل إلى ظهر الماعز، لكن في هذه الرسمة لا يبلغ إلا ارتفاع ساق الغزال! وما ذاك في أسفل اليمين… تمساح ذو ثمانية أرجل؟!” لم يستطع شاو شوان أن يُعجب بأسلوب البشر البدائيين في الرسم.
غير أنّه قبل خروجه من الحافلة، أخرج شي تشي حجرًا بحجم بيضة الدجاج ورماه إلى شاو شوان. “التقطتُه من الكهف، وبينما هم غافلون أخذتُه. لا ينبغي أن يكون شيئًا مهمًّا. لا أستطيع أن أعطيك (تحفًا)، لكن على كل حال، هذا الحجر وُجد في الكهف. بل إنّه يبدو أملسَ تمامًا! لعلّ أحدهم رماه هناك، لكنني سأهديك إيّاه ذكرى.”
وبينما كان يشعر بحركة غريبة في يده، نظر شاو شوان إلى الحجر.
كان الحجر قد عُثر عليه قرب مدخل الكهف، على مسافة من قلبه. وكانت جودة الحجر مغايرة بوضوح لبقية الأشياء المُستخرجة، ولم يكن عليه أيّ أثر. لذا ركّز أفراد الدفعة الأولى على الجداريات و”تحف” العصر الحجري. ولم يعبأ أحدٌ بذلك الحجر القريب من مدخل الكهف، وبغية التسلية، حصل عليه شي تشي بسهولة.
“لن تفهم لو تحدّثتُ بشكلٍ تخصصي، لذا سأبسط لك الأمر! انظر!” أشار شي تشي بإصبعه إلى موقعٍ ما على خريطة. “ذُكر (الساحر) في نقوشٍ قديمة على عظام الأبقار وأصداف السلاحف والبرونز. لكن على هذا النحو…”
وبينما التقط شاو شوان الحجر، راح يفحصه بعناية في يده. كان شعوره لا يختلف عن سائر الحجارة—أخضر داكن، بيضاوي بشكل بيضة الدجاج، ذو سطحٍ أملس كأنّه صُقِل بعناية. فلم يكن فيه شيءٌ غريب للنظرة الأولى، وحتى إن لم يكن “تحفة”، فهو صالحٌ كلعبة صغيرة أو كزينة.
وهمٌ بصري؟
لم يُعره شاو شوان اهتمامًا كبيرًا. وبعد أن قلّبه في يده قليلًا، أدرك أنّ الحجر لا يسخن. فبعد بضع دقائق طويلة بين أصابعه بقي باردًا. ولما فكّر بالأمر، أخرج قدّاحة وأشعل النار على الحجر. ومنطقًا، كان ينبغي للمكان الذي تلامسه النار أن يصبح ساخنًا بعض الشيء. ولكن في الحقيقة، بعد الحرق، بقي الحجر باردًا كما كان.
وبينما كان يمسح ببصره ما حوله، أخذ شاو شوان سكين فاكهة من الطاولة ووضع ورقة. وكان يعتزم أن يكشط قطعةً صغيرة من الحجر ويأخذها إلى حافلة الآثار ويسأل أحدهم أن يساعده في فحصها. غير أنّه بعد أن كشط الحجر بالسكين، لم يظهر عليه أدنى أثر. وحتى الطعن بطرف السكين لم يُخلّف خدشًا واحدًا.
لم يبقَ في الحافلة سوى شاو شوان وحده. وبعد أن أغلق نوافذ الحافلة وأبوابها، خيّم هدوءٌ تام. وفي الأيام الماضية، لم ينل شاو شوان قسطًا جيدًا من النوم، وعلى الطريق كان يصغي إلى روايات شي تشي. والآن، وقد حلّ الصمت، غلبه النعاس.
لا يُسخّن بالنار، ولا يُخدش بالسكين… لقد كان حجرًا عجيبًا بحق.
خرج شاو شوان من الحافلة وهو يحمل الحجر، عازمًا على أن يدع شي تشي يفحصه لاحقًا.
ثم شرع شي تشي يحدّثه عن تطوّر مهنة “الساحر” من الأزمنة السحيقة إلى العصور اللاحقة—غير آبهٍ بكون شاو شوان مستسلمًا للصداع. وقد امتلأ كلامه بالمصطلحات المتخصصة والاقتباسات من الكتب، مما أوجع رأس شاو شوان أكثر.
كانت الحافلة متوقّفة على مسافة ليست ببعيدة عن القرية. غير أنّ الطريق لم يكن مناسبًا للمشي كثيرًا.
بعض أهل القرية كانوا قد خرجوا للعمل، ومن كانت له فسحة وقت ذهب إلى الكهف المكتشف حديثًا طلبًا للفرجة. ولذلك، حين دخل شاو شوان القرية، لم يرَ سوى قلة قليلة من الناس يتجوّلون.
كان يحيط بالقرية جدارٌ بارتفاع مترين، بُني من الصخور والتراب. وقيل إنّه شُيّد قبل عشرات السنين للحماية من الوحوش البرّية. وكانت الصخور من الجبل، غير أنّ الوحوش الكبيرة لم تعد كثيرة مؤخرًا، فلم يعد أحدٌ يهتم بالجدار الحجري.
وبنظرةٍ واحدة، أمكنه رؤية قطع الصخور الكبيرة في الجدار. وكان ذا تاريخ طويل، يضفي عليه شعورًا بالوهن والعُتق.
لا يُسخّن بالنار، ولا يُخدش بالسكين… لقد كان حجرًا عجيبًا بحق.
قلّب شاو شوان الحجر في يده، وعيناه تحدّقان فيه. وبعد سماعه خبر وجود حفريات لكائنات قديمة في صخور الجدار، تذكّر “الحشرة بحجم البطيخة” التي تحدّث عنها شي تشي.
وكان يهمّ بأن يصرف نظره، حين لمح فجأة شيئًا يشبه الحيّة يظهر على الجدار. بل كان يتلوّى. وكان ثخينًا بقدر أنبوب ماء صغير، وعلى جلده قشورٌ لامعة تصدّر بريقًا باردًا. كان على بُعد عدّة أمتار، لكنّ قشعريرة سرت في جسد شاو شوان، ووقف شعر بدنه كلّه. لقد أفزعه حتى كاد يقفز في الهواء. غير أنّه حين رمش بعينه ونظر ثانية، لم يجد شيئًا على الإطلاق. كان الجدار الحجري ما يزال الجدار المتصدّع نفسه، الذي أنهكته السنون.
وبنظرةٍ واحدة، أمكنه رؤية قطع الصخور الكبيرة في الجدار. وكان ذا تاريخ طويل، يضفي عليه شعورًا بالوهن والعُتق.
وهمٌ بصري؟
تطلّع شاو شوان إلى مواضع أخرى من الجدار. ثم وقع بصره على حفرة في الجدار. كانت هناك صخرة كبيرة هناك، بقيت بعد أن انهار الجدار في ذلك الموضع. كانت الأجزاء الصغيرة قد حملها أهل القرية إلى بيوتهم لبناء جدرانهم، أمّا القطع الكبيرة فبقيت بلا مساس. وفي تلك اللحظة، رأى شاو شوان نبتة خضراء صغيرة تبرز من الصخرة. وسرعان ما أنبتت أوراقًا ونمت عاليًا. وفي الوقت نفسه، امتدّت عدّة أعناق نباتية نحو الجهات كلّها. وفي لحظة، غطّت تلك الأعناق والأوراق الحفرة التي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار. بل إنّ عبير النبات فاح في الهواء.
لم يُعره شاو شوان اهتمامًا كبيرًا. وبعد أن قلّبه في يده قليلًا، أدرك أنّ الحجر لا يسخن. فبعد بضع دقائق طويلة بين أصابعه بقي باردًا. ولما فكّر بالأمر، أخرج قدّاحة وأشعل النار على الحجر. ومنطقًا، كان ينبغي للمكان الذي تلامسه النار أن يصبح ساخنًا بعض الشيء. ولكن في الحقيقة، بعد الحرق، بقي الحجر باردًا كما كان.
تراجع شاو شوان بضع خطوات، يلتقط أنفاسه. ولما ركّز بصره ونظر ثانية، اكتشف أنّ الأعناق والأغصان قد اختفت. وكان الجدار الحجري على حاله، لكن الأرض امتلأت بالحجارة الكبيرة الملساء.
وبينما كان يشعر بحركة غريبة في يده، نظر شاو شوان إلى الحجر.
وكان يهمّ بأن يصرف نظره، حين لمح فجأة شيئًا يشبه الحيّة يظهر على الجدار. بل كان يتلوّى. وكان ثخينًا بقدر أنبوب ماء صغير، وعلى جلده قشورٌ لامعة تصدّر بريقًا باردًا. كان على بُعد عدّة أمتار، لكنّ قشعريرة سرت في جسد شاو شوان، ووقف شعر بدنه كلّه. لقد أفزعه حتى كاد يقفز في الهواء. غير أنّه حين رمش بعينه ونظر ثانية، لم يجد شيئًا على الإطلاق. كان الجدار الحجري ما يزال الجدار المتصدّع نفسه، الذي أنهكته السنون.
فإذا بالحجر الذي لم يكن يسخن بالنار ولا يُخدش بالسكين يتحوّل إلى رملٍ في لحظة واحدة. وانسابت ذراته من بين أصابع شاو شوان.
وحين سقطت آخر ذرّة، خيّم السواد على بصر شاو شوان بالكامل.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
على الأوراق كانت رسومٌ جدارية اكتشفها علماء الآثار. ألقى شاو شوان نظرة عليها، وشعر أنّها ليست أفضل من رسوم أبناء إخوته الذين لم يدخلوا الروضة بعد.
ثم شرع شي تشي يحدّثه عن تطوّر مهنة “الساحر” من الأزمنة السحيقة إلى العصور اللاحقة—غير آبهٍ بكون شاو شوان مستسلمًا للصداع. وقد امتلأ كلامه بالمصطلحات المتخصصة والاقتباسات من الكتب، مما أوجع رأس شاو شوان أكثر.
تراجع شاو شوان بضع خطوات، يلتقط أنفاسه. ولما ركّز بصره ونظر ثانية، اكتشف أنّ الأعناق والأغصان قد اختفت. وكان الجدار الحجري على حاله، لكن الأرض امتلأت بالحجارة الكبيرة الملساء.
تطلّع شاو شوان إلى مواضع أخرى من الجدار. ثم وقع بصره على حفرة في الجدار. كانت هناك صخرة كبيرة هناك، بقيت بعد أن انهار الجدار في ذلك الموضع. كانت الأجزاء الصغيرة قد حملها أهل القرية إلى بيوتهم لبناء جدرانهم، أمّا القطع الكبيرة فبقيت بلا مساس. وفي تلك اللحظة، رأى شاو شوان نبتة خضراء صغيرة تبرز من الصخرة. وسرعان ما أنبتت أوراقًا ونمت عاليًا. وفي الوقت نفسه، امتدّت عدّة أعناق نباتية نحو الجهات كلّها. وفي لحظة، غطّت تلك الأعناق والأوراق الحفرة التي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار. بل إنّ عبير النبات فاح في الهواء.
بعد انتهائه من الكلام، أخذ شي تشي أدواته وتبع مُدرّسه. لم يكن مسموحًا لشاو شوان أن يدخل إلى ذلك المكان، غير أنّه لم يكن مهتمًا بالذهاب إليه أصلًا.
على النقيض من ذلك، كان شاو شوان يعرف أنّه أولع منذ صغره بأنواع البشر القدماء. ففي المرحلة المتوسطة، كثيرًا ما خاض مع الآخرين نقاشات حول بقايا بشرية قديمة اُكتشفت ثم اندثرت في التاريخ الحديث.
هزّ شي تشي رأسه. “الغريب أنّ الدفعة الأولى من الباحثين قالوا إنّ الصخور التي بُني بها جدار الفناء تحوي حفريات لكائنات قديمة.” توقّف شي تشي قليلًا، وفرك قشعريرةً في ذراعه، ثم واصل: “كانت هناك حفريات لكائنات قديمة في تلك الصخور، وهي التي أنجبت—كما وصف الطفل—حشرةً بحجم بطيخة. لكنّ الحفرية لم تكن كاملة. كانت جزءًا من البقايا. ومع ذلك، وبحسب نظريات الباحثين، فإنّ ذلك الكائن لو كان حيًّا اليوم لكان حجمه بحجم بطيخة فعلًا. بل إنّ شكله سيكون قريبًا مما وصفه الطفل.”
وحين سقطت آخر ذرّة، خيّم السواد على بصر شاو شوان بالكامل.
“في بعض الفخاريات والتماثيل القديمة، ظهر هذا الرمز المزدوج. وعلى هذا المنوال، كان السحرة يتدخلون في شؤون مثل الصيد والدعاء والإنقاذ. ومن منظور معيّن، يمكن عدّ السحرة (علماء) تلك الحقبة. لكن كل هذا مجرد استنتاجات. وحتى السجلات القديمة قد لا تكون صادقة. فهم كانوا يحبون المبالغة. أليس هناك قولٌ يقول: (لا حقيقة في التاريخ؟). علم الآثار مجرد حفرٍ لاستخراج أطرافٍ وزوايا. أمّا الحقيقة، فمن يدري بها؟
…
كان الحجر قد عُثر عليه قرب مدخل الكهف، على مسافة من قلبه. وكانت جودة الحجر مغايرة بوضوح لبقية الأشياء المُستخرجة، ولم يكن عليه أيّ أثر. لذا ركّز أفراد الدفعة الأولى على الجداريات و”تحف” العصر الحجري. ولم يعبأ أحدٌ بذلك الحجر القريب من مدخل الكهف، وبغية التسلية، حصل عليه شي تشي بسهولة.
Arisu-san
هزّ شي تشي رأسه. “الغريب أنّ الدفعة الأولى من الباحثين قالوا إنّ الصخور التي بُني بها جدار الفناء تحوي حفريات لكائنات قديمة.” توقّف شي تشي قليلًا، وفرك قشعريرةً في ذراعه، ثم واصل: “كانت هناك حفريات لكائنات قديمة في تلك الصخور، وهي التي أنجبت—كما وصف الطفل—حشرةً بحجم بطيخة. لكنّ الحفرية لم تكن كاملة. كانت جزءًا من البقايا. ومع ذلك، وبحسب نظريات الباحثين، فإنّ ذلك الكائن لو كان حيًّا اليوم لكان حجمه بحجم بطيخة فعلًا. بل إنّ شكله سيكون قريبًا مما وصفه الطفل.”
“في بعض الفخاريات والتماثيل القديمة، ظهر هذا الرمز المزدوج. وعلى هذا المنوال، كان السحرة يتدخلون في شؤون مثل الصيد والدعاء والإنقاذ. ومن منظور معيّن، يمكن عدّ السحرة (علماء) تلك الحقبة. لكن كل هذا مجرد استنتاجات. وحتى السجلات القديمة قد لا تكون صادقة. فهم كانوا يحبون المبالغة. أليس هناك قولٌ يقول: (لا حقيقة في التاريخ؟). علم الآثار مجرد حفرٍ لاستخراج أطرافٍ وزوايا. أمّا الحقيقة، فمن يدري بها؟
وهمٌ بصري؟
أصغى شاو شوان إلى زميله وهو يبدأ من جماجم البشر البدائيين، ثم إلى الأدوات الحجرية التي استخدموها، ثم إلى الرسوم المنقوشة على الصخور. بل إنّ شي تشي أخرج بعض الصور وشرع يشرحها بالتفصيل—بأن الباحثين فعلوا كذا وكذا… وبعد أن يغوصوا فيها يصعب سحبها من رؤوسهم… ورغم أنّ شاو شوان لم يفهم شيئًا، إلّا أنّه أبدى له بعض الودّ وأصغى بانتباه.
“أعلم. محتالون، أليس كذلك؟” أومأ شاو شوان.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
واصل تقليب الصفحات، فعثر على عدّة رسومٍ ملوّنة، أظهرَتْ تفاصيل أوضح.
لوّح شي تشي بإصبعه يمنةً ويسرة، ثم أخرج مجلدًا يحوي نسخًا ممسوحة لرسوم. أشار وهو يقلبها إلى بعض الصور والرموز وقال لشاو شوان: “إذا كانت التمائم تجسيدًا بشريًا للطبيعة ووحدة الجماعة، فإنّ أفكار السحرة هي (طبيعيةُ الإنسان). ومهنة الساحر ظهرت في العصر الحجري…”
هزّ شي تشي رأسه. “لا أعلم. سنسأل حين نصل بعد قليل. فنحن على مشارف الوصول.”
هزّ شي تشي رأسه. “لا أعلم. سنسأل حين نصل بعد قليل. فنحن على مشارف الوصول.”
أصغى شاو شوان إلى زميله وهو يبدأ من جماجم البشر البدائيين، ثم إلى الأدوات الحجرية التي استخدموها، ثم إلى الرسوم المنقوشة على الصخور. بل إنّ شي تشي أخرج بعض الصور وشرع يشرحها بالتفصيل—بأن الباحثين فعلوا كذا وكذا… وبعد أن يغوصوا فيها يصعب سحبها من رؤوسهم… ورغم أنّ شاو شوان لم يفهم شيئًا، إلّا أنّه أبدى له بعض الودّ وأصغى بانتباه.
“أعلم. محتالون، أليس كذلك؟” أومأ شاو شوان.
كانت الخطوط في تلك الرسوم بسيطة للغاية—وفي معظمها يمكن تمييز أشخاص يحملون أدوات صيد، وكذلك بضعة رسوم لأنواع مختلفة من الحيوانات. أمّا الباقي فلم يكن له أدنى فكرة عمّا يمثّله.
“الكهف الذي اكتُشف هذه المرة مرتبطٌ أيضًا بالسحرة. والرسوم الأخيرة التي رأيتها هي الجداريات التي أرسلتها الدفعة الأولى من الناس. وفي الكهف، اكتُشف الرمز المزدوج أيضًا. لذا يمكن أن نخمن أنّه ربما كان مسكنًا لأحد السحرة. وفي الشهر الماضي، وقع زلزالٌ خفيف في ذلك الإقليم. وبسبب ذلك، على الأرجح انكشفت فتحة الكهف. فقبل الزلزال، لم يسمع أحدٌ بوجوده.”
وبينما كان يشعر بحركة غريبة في يده، نظر شاو شوان إلى الحجر.
“لن تفهم لو تحدّثتُ بشكلٍ تخصصي، لذا سأبسط لك الأمر! انظر!” أشار شي تشي بإصبعه إلى موقعٍ ما على خريطة. “ذُكر (الساحر) في نقوشٍ قديمة على عظام الأبقار وأصداف السلاحف والبرونز. لكن على هذا النحو…”
“لن تفهم لو تحدّثتُ بشكلٍ تخصصي، لذا سأبسط لك الأمر! انظر!” أشار شي تشي بإصبعه إلى موقعٍ ما على خريطة. “ذُكر (الساحر) في نقوشٍ قديمة على عظام الأبقار وأصداف السلاحف والبرونز. لكن على هذا النحو…”
وبينما التقط شاو شوان الحجر، راح يفحصه بعناية في يده. كان شعوره لا يختلف عن سائر الحجارة—أخضر داكن، بيضاوي بشكل بيضة الدجاج، ذو سطحٍ أملس كأنّه صُقِل بعناية. فلم يكن فيه شيءٌ غريب للنظرة الأولى، وحتى إن لم يكن “تحفة”، فهو صالحٌ كلعبة صغيرة أو كزينة.
“في بعض الفخاريات والتماثيل القديمة، ظهر هذا الرمز المزدوج. وعلى هذا المنوال، كان السحرة يتدخلون في شؤون مثل الصيد والدعاء والإنقاذ. ومن منظور معيّن، يمكن عدّ السحرة (علماء) تلك الحقبة. لكن كل هذا مجرد استنتاجات. وحتى السجلات القديمة قد لا تكون صادقة. فهم كانوا يحبون المبالغة. أليس هناك قولٌ يقول: (لا حقيقة في التاريخ؟). علم الآثار مجرد حفرٍ لاستخراج أطرافٍ وزوايا. أمّا الحقيقة، فمن يدري بها؟
“يُفترض أنّ الأمر كذلك.” حكّ شي تشي رأسه. “ففي ذلك الزمن، لم يكن الناس متعلمين في مفهوم الجمال. ولعلّ الرسوم كانت تمثّل معاني رمزية فحسب. بل إنّ أحد الباحثين، عندما درس الجداريات، افترض أنّ سبب رسم البشر حينها لهذه الجداريات المتعلقة بالصيد على جدران الكهوف أو على الصُخور هو أن يرسّخوا في قلوب الصيادين أو المحاربين فكرة ما قبل خروجهم. أو ربما كانت هناك طقوس لا نعرفها—وخاصةً تلك الرسوم التي خطّها (السحرة) آنذاك.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
…
“هذه صورة ماعز؟ لكنّ رسم الماعز هذا كبيرٌ جدًا.” قالها شاو شوان وهو يشير إلى إحدى الصور.
…
على الأوراق كانت رسومٌ جدارية اكتشفها علماء الآثار. ألقى شاو شوان نظرة عليها، وشعر أنّها ليست أفضل من رسوم أبناء إخوته الذين لم يدخلوا الروضة بعد.
“آه، لِمَ هذا الوجه؟ دعني أخبرك: (السحرة) في ذلك العصر لم يكونوا ذوي مكانةٍ متدنّية في القبائل البشرية. بل على العكس، ربما كانت لهم مكانةٌ عالية.”
“هاه، هذا الرسم أكثر سخفًا. قرناه ضخمان للغاية! وهذا الشخص… الشخص في الصورة السابقة وصل إلى ظهر الماعز، لكن في هذه الرسمة لا يبلغ إلا ارتفاع ساق الغزال! وما ذاك في أسفل اليمين… تمساح ذو ثمانية أرجل؟!” لم يستطع شاو شوان أن يُعجب بأسلوب البشر البدائيين في الرسم.
على الأوراق كانت رسومٌ جدارية اكتشفها علماء الآثار. ألقى شاو شوان نظرة عليها، وشعر أنّها ليست أفضل من رسوم أبناء إخوته الذين لم يدخلوا الروضة بعد.
