أضربوهم
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومن تجاربه السابقة أدرك شاو شوان أنّ مثل هذه الظواهر لا تأتي عبثًا. فلا بدّ من وجود شيءٍ في الماء، وغالبًا… شيء مُميت.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ساد الذعرُ وجوه الصغار. تُرى… هل سيصبح الإنسان جافًّا هشًا لو نزل إلى النهر؟
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لم يجرؤ أحدٌ على التجربة، وابتعدوا عن الماء من غير نيّة لمدّ إصبع.
Arisu-san
هناك، عند مدخل الكهف…
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ومن تجاربه السابقة أدرك شاو شوان أنّ مثل هذه الظواهر لا تأتي عبثًا. فلا بدّ من وجود شيءٍ في الماء، وغالبًا… شيء مُميت.
الفصل 12 – اضربوهم
“أيها الرفاق!”
..
..
كان اليومُ صافياً حقًا.
يسرقون؟!
كان سطح النهر هادئًا ساكنًا. قبل أيامٍ قليلة فقط، كانت الرياح تثير تموّجاتٍ خفيفة تُقبّل الضفاف، أمّا اليوم فلا شيء من ذلك، إذ لا نسمة هواء تُحرك السطح.
ومن تجاربه السابقة أدرك شاو شوان أنّ مثل هذه الظواهر لا تأتي عبثًا. فلا بدّ من وجود شيءٍ في الماء، وغالبًا… شيء مُميت.
هادئٌ للغاية… هدوءٌ غريب.
وفي أعينهم… نار الغضب المتقد.
الماء لم يكن صافيًا. عند الحافة كان مقبولًا، لكن ابتعد خطوة واحدة حيث يصبح أعمق وستعجز عن رؤية أي شيءٍ في الأسفل.
أكان يتوهّم؟
وفي عالمٍ خطِر لا ينطبق عليه أيّ منطق مألوف، فإنّ أبسط علامةٍ على الخطر لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها. فالجهلُ موت. والأسوأ من ذلك أنّ النهر، كالمستنقع الأسود، كان أصلًا مصنّفًا من مناطق الخطر العالية عند أهل القبيلة. وصيدهم خلال الأيام الماضية لم يجعل منه مكانًا آمنًا.
فالناس عند سفح الجبل لاحظوا نشاط أطفال الكهف في الأيام الماضية. كانوا سابقًا لا يفعلون إلا النوم والأكل وربما السطو على شيءٍ أحيانًا. أمّا الآن فهم يخرجون منذ الصباح ولا يعودون إلا ظهرًا وقت توزيع الطعام، حاملين كلّ مرة سمكًا غريب الشكل، برؤوس ضخمة وأسنان صغيرة حادة، مربوطًا بحبالٍ من القش.
لمّا رأى الصغارُ سلوك شاو شوان الغريب، انتابهم الارتباك، لكنهم رغم ذلك توقفوا عمّا كانوا يفعلونه وتراجعوا إلى الخلف، مع أنهم قبل لحظة فقط كانوا في غاية الحماسة. أجل، كانوا شرهين، ولا يمكن وصفهم بالأذكياء، لكنهم لم يكونوا حمقى، وكلّ واحدٍ منهم كان يثمّن حياته. ثم إنّ شاو شوان قد نال ثقتهم خلال أيامٍ من القيادة، فراحوا يحدّقون فيه مترقبين أوامره التالية.
“ومتى… يعود السمك؟” سأل احد الصغار.
وقف شاو شوان على الضفة، شاردًا يرمق الماء الساكن.
سحب شاو شوان الحبل، فاجتمع الصغار حوله حين ظهرت دودة الحجر.
لا شيء تغيّر على السطح، ويبدو كلّ شيء طبيعيًا. لم يتغيّر لون الماء، ولا وجود لأيّ علامةٍ مُريبة.
هزّ شاو شوان رأسه:
أكان يتوهّم؟
ومن مجرد تلك الجزئية عرف شاو شوان أنّه ساي، ذاك الذي حاول سابقًا سرقة أغراضه، ونال ضربًا منه في ساحة التدريب. وكان يرافقه المعتادان: يي، وتشان.
فجأةً ظهرت أمامه كائناتٌ بيضاء شفافة تُشبه شظايا مقلوبة من كرة ريش، تتدلّى منها زوائد كالخيوط، وتتحرك بموج تلك المجسات.
يسرقون؟!
ومن تجاربه السابقة أدرك شاو شوان أنّ مثل هذه الظواهر لا تأتي عبثًا. فلا بدّ من وجود شيءٍ في الماء، وغالبًا… شيء مُميت.
فحبال القش تتلف بسرعة، ولا تصمد إلا مراتٍ قليلة أمام الشدّ، لذا عليهم صنع الكثير منها بما أن الصيد اليوم غير ممكن.
أمسك شاو شوان حبلًا من القش مربوطةً في نهايته دودة حجر، وألقاها في النهر. سقطت في بقعةٍ لا تبعد سوى مترين عن الضفة. لكن الطرف الآخر من الحبل الذي أمسك به لم يُظهر أيّ مقاومةٍ تشبه التهام سمكةٍ شرسة للطُّعم.
رفع الصغار رؤوسهم فجأة، ظنًّا منهم أنّه وقت الصيد.
كاتن العوّامة السوداء تهتزّ اهتزازًا خفيفًا. ولولا الملاحظة الدقيقة لظنّ المرء أنّ الاهتزاز سببه مقاومة الدودة نفسها. إلّا أنّ شاو شوان كان يعرف تمامًا حركة دودة الحجر تحت الماء، وقد اعتاد أسلوبها في المقاومة. لكن اهتزاز العوّامة اليوم كان أضعف قليلًا… بل يزداد ضعفًا لحظة بعد لحظة.
وأخيرًا لاحظوا أنّ سرّ شاو شوان هو ذلك الشيء الأسود الطافي فوق الماء. العوّامة السوداء التي لا يمتلكون مثلها. وبدونها، كانت حصيلتهم بائسة.
سحب شاو شوان الحبل، فاجتمع الصغار حوله حين ظهرت دودة الحجر.
لقد قال شاو شوان مرة إن أجمل كلمة لدى هؤلاء الأشقياء هي “الأكل”. والطعام هو صورتها. ومن يعتدي على طعامهم، يعتدي على أثمن ما يملكون.
لم تتعرض لعضّة، ولكن جسدها كلّه فقد لونه. انكمشت قليلًا، وبقيت ملتوية متخشّبة كما أُلقيت.
لكن الجميع أصيب بخيبة اليوم.
وضع شاو شوان تلك الدودة على الأرض، ثم ضرب جسدها بظهر سكينه الحجري.
سحب شاو شوان الحبل، فاجتمع الصغار حوله حين ظهرت دودة الحجر.
طَق!
مسح شاو شوان ذقنه. ربت على سيزر طالبًا منه الانتظار، ثم عاد إلى داخل الكهف.
تكسّرت الدودة كأنها قطعة زجاج. لم يبق فيها أيّ ليونة.
لم تتعرض لعضّة، ولكن جسدها كلّه فقد لونه. انكمشت قليلًا، وبقيت ملتوية متخشّبة كما أُلقيت.
ساد الذعرُ وجوه الصغار. تُرى… هل سيصبح الإنسان جافًّا هشًا لو نزل إلى النهر؟
لم يجرؤ أحدٌ على التجربة، وابتعدوا عن الماء من غير نيّة لمدّ إصبع.
فجأةً ظهرت أمامه كائناتٌ بيضاء شفافة تُشبه شظايا مقلوبة من كرة ريش، تتدلّى منها زوائد كالخيوط، وتتحرك بموج تلك المجسات.
ألقى شاو شوان عدة ديدانٍ أخرى، وكانت النتيجة ذاتها كلّ مرة. في غضون ثوانٍ، تتحوّل الدودة النابضة بالحياة إلى قشرةٍ يابسة، ولا سمكة تقرب الطعم مهما طال انتظاره.
الفصل 12 – اضربوهم
قال شاو شوان وهو يسحب الحبل:
الماء لم يكن صافيًا. عند الحافة كان مقبولًا، لكن ابتعد خطوة واحدة حيث يصبح أعمق وستعجز عن رؤية أي شيءٍ في الأسفل.
“إما أنّ السمك لا يرغب بديدانٍ جافة، أو لا يوجد سمك قريب أصلًا! على الأغلب أنها هربت جميعًا. فلا بدّ أنّ هناك شيئًا رهيبًا في الماء. أظن أنها لن تعود إلا بعد رحيله.”
كم من السمك كانوا سيصطادون لو كان اليوم يومًا عاديًا؟ أربعة على الأقل! وربما أكثر لو اصطاد سيزر المزيد من ديدان الحجر. لكن الحفاظ على الحياة أولى. ووفقًا لكلام آه-شوان، سيعودون غدًا. لكن ماذا إن كان الغد مثل اليوم؟ وماذا لو استمر الأمر؟ ماذا لو لم يستطيعوا الصيد بعد الآن أبدًا؟
“ومتى… يعود السمك؟” سأل احد الصغار.
هادئٌ للغاية… هدوءٌ غريب.
فلم يعودوا يخشون تلك الضاريات المفترسة ذات الأسنان، بل باتوا يشتاقون لرؤيتها، ويحنّون إليها بعد يومٍ واحد من الغياب.
استدار ساي ليزمجر… لكنه انفجر صمتًا حين رأى ما يشير إليه رفيقاه.
هزّ شاو شوان رأسه:
..
“لا أعلم. سنعود ونتفقد غدًا.”
عاد بعدها إلى الأطفال:
ثم مضى نحو المحاربين الحارسين وأخبرهم بالحادثة، محذرًا إيّاهم من السماح لأيّ فردٍ بالاقتراب من النهر. وترك لهم دودة الحجر اليابسة ليتفحصوها.
“لا أعلم. سنعود ونتفقد غدًا.”
عاد بعدها إلى الأطفال:
هادئٌ للغاية… هدوءٌ غريب.
“لنرجع. علينا نسج المزيد من حبال القش للصيد القادم.”
طَق!
فحبال القش تتلف بسرعة، ولا تصمد إلا مراتٍ قليلة أمام الشدّ، لذا عليهم صنع الكثير منها بما أن الصيد اليوم غير ممكن.
في ذلك اليوم، أرجع الحراس كثيرًا من الناس الذين حاولوا الصيد.
رغم الرعب الذي بثّته الدودة اليابسة، كان الامتعاض أقوى في صدور الصغار.
ما معنى “يسرق”؟ أوه… تأخذ الشيء دون أن تُعلِم صاحبه؟ هذا نفس معنى “ينهب”؟! إذن… نضربهم ضربًا مبرّحًا!!
كم من السمك كانوا سيصطادون لو كان اليوم يومًا عاديًا؟ أربعة على الأقل! وربما أكثر لو اصطاد سيزر المزيد من ديدان الحجر. لكن الحفاظ على الحياة أولى. ووفقًا لكلام آه-شوان، سيعودون غدًا. لكن ماذا إن كان الغد مثل اليوم؟ وماذا لو استمر الأمر؟ ماذا لو لم يستطيعوا الصيد بعد الآن أبدًا؟
قفز الثلاثة فزعًا، لا حول لهم سوى ردّ فعل غريزي.
كانت فكرةٌ كهذه كابوسًا لا يُحتمل.
أكان يتوهّم؟
ظلّ الأطفال قلقين، وأذهانهم شاردة، حتى وهم ينسجون حبال القش داخل الكهف.
“أيها الرفاق!”
جلس شاو شوان عند المدخل، يدفئ جسده بالشمس، يفكر في الكائن الذي “رآه”، ويتأمل شبح الشتاء القادم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في ذلك اليوم، أرجع الحراس كثيرًا من الناس الذين حاولوا الصيد.
تسارعت ضربات قلب ساي وهو يحدّق بالذئب، متمسكًا بعصاه. ما زال مرعوبًا لكنه عزم على الضرب فور تقدم سيزر.
فالناس عند سفح الجبل لاحظوا نشاط أطفال الكهف في الأيام الماضية. كانوا سابقًا لا يفعلون إلا النوم والأكل وربما السطو على شيءٍ أحيانًا. أمّا الآن فهم يخرجون منذ الصباح ولا يعودون إلا ظهرًا وقت توزيع الطعام، حاملين كلّ مرة سمكًا غريب الشكل، برؤوس ضخمة وأسنان صغيرة حادة، مربوطًا بحبالٍ من القش.
Arisu-san
لحق بهم رجالٌ فضوليون ليتعلموا فنّ الصيد. لكنهم فشلوا أولًا في العثور على ديدان الحجر، ومع غياب الطعم المناسب نعِموا بصيدٍ هزيل. وحتى حين وجدوا ديدانًا أو استخدموا طُعمًا آخر، لم يستطيعوا الصيد كما يفعل شاو شوان ورفاقه. بل إنهم أخرجوا مخلوقاتٍ غريبة تنتفخ أجسادهم بمجرّد لمسها.
وانهمك في التفكير حتى نسي أن يراقب محيطه… إلى أن وخزاه يي وتشان.
وأخيرًا لاحظوا أنّ سرّ شاو شوان هو ذلك الشيء الأسود الطافي فوق الماء. العوّامة السوداء التي لا يمتلكون مثلها. وبدونها، كانت حصيلتهم بائسة.
طَق!
وقد حلّل شاو شوان سبب ذلك: يبدو أنّ تلك الضاريات لا تحب قاع النهر. وحبل القش يغوص إلى الأسفل بالطُعم. أمّا دود الحجر، فمجرد لمسه للتراب يجعله يفرّ بسرعة، فيضيع الطعم. واجتماع هذين العاملين يجعل الصيد عسيرًا.
“لنرجع. علينا نسج المزيد من حبال القش للصيد القادم.”
وخلال الأيام الماضية استطاع سيزر جلب المزيد من الديدان السوداء من المستنقع الأسود، فحصل شاو شوان على المزيد من العوّامات، وتاجر بها مقابل قليلٍ من اللحم والجلود. اللحم كان قليلًا فقسّمه بين أطفال الكهف فور عودته. وأمّا الجلود، رغم رداءة نوعها، فستجعل الشتاء القادم أقل قسوة.
عاد بعدها إلى الأطفال:
وبسبب ذلك، صار سكان سفح الجبل الذين بلا مهمة صيد يخرجون جميعًا للصيد يوميًا. فالغذاء لا يُكثَر منه. والشتاء قادم، ولا يطمئنّ أحد إلا حين يملك ما يكفي من مخزون.
فحبال القش تتلف بسرعة، ولا تصمد إلا مراتٍ قليلة أمام الشدّ، لذا عليهم صنع الكثير منها بما أن الصيد اليوم غير ممكن.
لكن الجميع أصيب بخيبة اليوم.
ألقى شاو شوان عدة ديدانٍ أخرى، وكانت النتيجة ذاتها كلّ مرة. في غضون ثوانٍ، تتحوّل الدودة النابضة بالحياة إلى قشرةٍ يابسة، ولا سمكة تقرب الطعم مهما طال انتظاره.
تنهد شاو شوان وهو يراقب مجموعةً أخرى عائدة من النهر بخطواتٍ ثقيلة.
عاد بعدها إلى الأطفال:
وفجأة، نهض سيزر الذي كان مستلقيًا إلى جانبه، وحدّق نحو اتجاهٍ ما.
“إما أنّ السمك لا يرغب بديدانٍ جافة، أو لا يوجد سمك قريب أصلًا! على الأغلب أنها هربت جميعًا. فلا بدّ أنّ هناك شيئًا رهيبًا في الماء. أظن أنها لن تعود إلا بعد رحيله.”
التفت شاو شوان بدوره.
الفصل 12 – اضربوهم
على بُعد عشرين مترًا من مدخل الكهف، كانت هناك صخور ضخمة. وفي الأيام المشمسة كان الأطفال يستلقون عليها طلبًا للدفء. لكن في هذه الفترة قلّما يذهب أحدٌ إليها لانشغالهم. والآن… لم يكن من المفترض أن يكون هناك أحد. غير أنّ قطعة جلدٍ صغيرة بارزة من طرف صخرة أثارت انتباهه.
إذن… نضربهم!!
ومن مجرد تلك الجزئية عرف شاو شوان أنّه ساي، ذاك الذي حاول سابقًا سرقة أغراضه، ونال ضربًا منه في ساحة التدريب. وكان يرافقه المعتادان: يي، وتشان.
سحب شاو شوان الحبل، فاجتمع الصغار حوله حين ظهرت دودة الحجر.
أول البارحة، حين ذهب شاو شوان مع سيزر للمستنقع الأسود بحثًا عن الديدان، اعترضه الثلاثة في ساحة الحجارة محاولين سلب العوّامات. اندلع قتال، لكن وصول أطفال الكهف جعل ساي ورفاقه يفرّون. ربما لم يتخلّوا عن نيتهم، وجاؤوا يسرقون الآن.
كانت فكرةٌ كهذه كابوسًا لا يُحتمل.
لم يجرؤوا على سرقة السمك، فهناك قانونٌ في القبيلة يمنع الاقتراب من طعام أطفال الكهف. لكن معدات الصيد… ليست طعامًا.
وأخيرًا لاحظوا أنّ سرّ شاو شوان هو ذلك الشيء الأسود الطافي فوق الماء. العوّامة السوداء التي لا يمتلكون مثلها. وبدونها، كانت حصيلتهم بائسة.
مسح شاو شوان ذقنه. ربت على سيزر طالبًا منه الانتظار، ثم عاد إلى داخل الكهف.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
صرخ:
لم يجرؤ أحدٌ على التجربة، وابتعدوا عن الماء من غير نيّة لمدّ إصبع.
“أيها الرفاق!”
وقف عشرات الأطفال، كلٌّ منهم يحمل عصًا أو حجرًا…
رفع الصغار رؤوسهم فجأة، ظنًّا منهم أنّه وقت الصيد.
أكان يتوهّم؟
تابع شاو شوان:
وقف شاو شوان على الضفة، شاردًا يرمق الماء الساكن.
“لقد أحسنتم كثيرًا مؤخرًا. اصطدنا الكثير، وهذا رائع! لو استمررنا هكذا، لن نجوع هذا الشتاء، مع طعام القبيلة أيضًا. لكن… ماذا سنفعل إن نزل أحدهم الآن ليسرق أشياءنا؟”
تكسّرت الدودة كأنها قطعة زجاج. لم يبق فيها أيّ ليونة.
تلاشت الحماسة حين علموا أنّ الأمر ليس عن الصيد. لكن ما إن فهموا الإشارة… حتى اشتعل الغضب في عيونهم.
جلس شاو شوان عند المدخل، يدفئ جسده بالشمس، يفكر في الكائن الذي “رآه”، ويتأمل شبح الشتاء القادم.
يسرقون؟!
“لنرجع. علينا نسج المزيد من حبال القش للصيد القادم.”
إذن… نضربهم!!
أمسك شاو شوان حبلًا من القش مربوطةً في نهايته دودة حجر، وألقاها في النهر. سقطت في بقعةٍ لا تبعد سوى مترين عن الضفة. لكن الطرف الآخر من الحبل الذي أمسك به لم يُظهر أيّ مقاومةٍ تشبه التهام سمكةٍ شرسة للطُّعم.
لا سمك… ويريدون سرقة أدوات الصيد؟!
لقد قال شاو شوان مرة إن أجمل كلمة لدى هؤلاء الأشقياء هي “الأكل”. والطعام هو صورتها. ومن يعتدي على طعامهم، يعتدي على أثمن ما يملكون.
لا، وألف لا!
وفجأة، نهض سيزر الذي كان مستلقيًا إلى جانبه، وحدّق نحو اتجاهٍ ما.
ما معنى “يسرق”؟ أوه… تأخذ الشيء دون أن تُعلِم صاحبه؟ هذا نفس معنى “ينهب”؟! إذن… نضربهم ضربًا مبرّحًا!!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لقد قال شاو شوان مرة إن أجمل كلمة لدى هؤلاء الأشقياء هي “الأكل”. والطعام هو صورتها. ومن يعتدي على طعامهم، يعتدي على أثمن ما يملكون.
صرخ:
وفي تلك اللحظة، كان ساي ورفيقاه يناقشون بحماسة خطتهم: كيف سيختلسون بعض العوّامات حين لا يراهم أحد ثم يغادرون بلا صوت. لكن قبل أن تُستكمل الخطة، قفز سيزر فجأة وانقضّ عليهم.
وفي عالمٍ خطِر لا ينطبق عليه أيّ منطق مألوف، فإنّ أبسط علامةٍ على الخطر لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها. فالجهلُ موت. والأسوأ من ذلك أنّ النهر، كالمستنقع الأسود، كان أصلًا مصنّفًا من مناطق الخطر العالية عند أهل القبيلة. وصيدهم خلال الأيام الماضية لم يجعل منه مكانًا آمنًا.
قفز الثلاثة فزعًا، لا حول لهم سوى ردّ فعل غريزي.
“إما أنّ السمك لا يرغب بديدانٍ جافة، أو لا يوجد سمك قريب أصلًا! على الأغلب أنها هربت جميعًا. فلا بدّ أنّ هناك شيئًا رهيبًا في الماء. أظن أنها لن تعود إلا بعد رحيله.”
تسارعت ضربات قلب ساي وهو يحدّق بالذئب، متمسكًا بعصاه. ما زال مرعوبًا لكنه عزم على الضرب فور تقدم سيزر.
صرخ:
وانهمك في التفكير حتى نسي أن يراقب محيطه… إلى أن وخزاه يي وتشان.
“لقد أحسنتم كثيرًا مؤخرًا. اصطدنا الكثير، وهذا رائع! لو استمررنا هكذا، لن نجوع هذا الشتاء، مع طعام القبيلة أيضًا. لكن… ماذا سنفعل إن نزل أحدهم الآن ليسرق أشياءنا؟”
“لماذا توخزاني؟! ألا تريان أنـ—”
التفت شاو شوان بدوره.
استدار ساي ليزمجر… لكنه انفجر صمتًا حين رأى ما يشير إليه رفيقاه.
لمّا رأى الصغارُ سلوك شاو شوان الغريب، انتابهم الارتباك، لكنهم رغم ذلك توقفوا عمّا كانوا يفعلونه وتراجعوا إلى الخلف، مع أنهم قبل لحظة فقط كانوا في غاية الحماسة. أجل، كانوا شرهين، ولا يمكن وصفهم بالأذكياء، لكنهم لم يكونوا حمقى، وكلّ واحدٍ منهم كان يثمّن حياته. ثم إنّ شاو شوان قد نال ثقتهم خلال أيامٍ من القيادة، فراحوا يحدّقون فيه مترقبين أوامره التالية.
هناك، عند مدخل الكهف…
“إما أنّ السمك لا يرغب بديدانٍ جافة، أو لا يوجد سمك قريب أصلًا! على الأغلب أنها هربت جميعًا. فلا بدّ أنّ هناك شيئًا رهيبًا في الماء. أظن أنها لن تعود إلا بعد رحيله.”
وقف عشرات الأطفال، كلٌّ منهم يحمل عصًا أو حجرًا…
هناك، عند مدخل الكهف…
وفي أعينهم… نار الغضب المتقد.
الماء لم يكن صافيًا. عند الحافة كان مقبولًا، لكن ابتعد خطوة واحدة حيث يصبح أعمق وستعجز عن رؤية أي شيءٍ في الأسفل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كم من السمك كانوا سيصطادون لو كان اليوم يومًا عاديًا؟ أربعة على الأقل! وربما أكثر لو اصطاد سيزر المزيد من ديدان الحجر. لكن الحفاظ على الحياة أولى. ووفقًا لكلام آه-شوان، سيعودون غدًا. لكن ماذا إن كان الغد مثل اليوم؟ وماذا لو استمر الأمر؟ ماذا لو لم يستطيعوا الصيد بعد الآن أبدًا؟
لم يجرؤوا على سرقة السمك، فهناك قانونٌ في القبيلة يمنع الاقتراب من طعام أطفال الكهف. لكن معدات الصيد… ليست طعامًا.
