مو إر
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“جيّد. كان عدد سكان الكهف خمسةً وعشرين، وقد قسّمتهم إلى خمس مجموعات. والآن بما أنك عدت…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“دِنغ!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لكن قبل أن يخطو خطوتين، توقّف شاو شوان لأنّه سمع أزيزًا حادًا.
Arisu-san
وانسحبت بقية السنونو الليليّة إلى الخلف، تدور بتردّد.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان اسم مو-إر في الأصل “إر”، ولكن لأن اسم والده كان “مو”، فقد جمع الكلمتين وسمّى نفسه “مو-إر”.
الفصل 13 – مو-إر
كان مو-إر يثبت السكين في جسد سنونو ليليّ، وقد اخترقته شفرة الحجر. خفق الطائر بجناحيه قليلًا ثم خمد، وجرت الدماء على حافة الشفرة الرمادية.
…
كان الكثير منها يحوم خارج الكهف، متردّدًا بسبب الضوء. ولم يجرؤ على مهاجمة مو-إر إلا القليل.
لم يتمكّن ساي وتابعاه من سرقة أي شيء، بل صاروا مطاردين من قِبَل أكثر من عشرين طفلًا من أطفال الكهف، كجرذانٍ تجري في الشوارع.
لوّح مو-إر بسكينه، فسقط الطائر الميت إلى داخل الكهف بجانب السكين الطويلة التي يحملها. ثم عاد إلى وضع الانتظار.
في تلك الظهيرة، كاد كلّ ساكنٍ في منطقة سفح الجبل أن يشهد هذا المشهد المدهش. فعلى الدوام كان ساي، ومعه تشان ويي، هو من يعتاد التنمّر على الآخرين. وفي الماضي لم يكن أطفال الكهف متّحدين قط؛ إذ اعتاد كلّ واحدٍ منهم أن يتصرّف وحده، وكان نصفهم على الأقل يتلقّون الضرب على يد ساي. ولكن الآن لم يتوقّع أحدٌ أن يصبحوا بهذه الوحدة. أكثر من عشرين طفلًا يطاردون ساي وتابعَيه. وبعد وقتٍ قصير نال ساي ومن معه ضربًا موجعًا، ولولا أنّ أهلهم أسرعوا لإنقاذهم، لكان ما لحقهم أعظم.
ثم تقدّم نحو مو-إر، وأشار إلى الأسماك المعلّقة وقال: “ميتة.”
ذلك الحدث جعل سكان منطقة سفح الجبل يعيدون النظر في أطفال الكهف. لقد تبيّن لهم أنّ هؤلاء الصغار يعرفون كيف يتّحدون إذا اجتمع لهم عدوّ واحد. وبعض أصحاب النيات الخبيثة اضطروا إلى كتم رغباتهم حين رأوا هذا الحال.
لم يتمكّن ساي وتابعاه من سرقة أي شيء، بل صاروا مطاردين من قِبَل أكثر من عشرين طفلًا من أطفال الكهف، كجرذانٍ تجري في الشوارع.
أما القتال ذاته فلم يكن ذا شأن؛ فالأطفال في القبيلة لا يخشون المشاجرة، والبالغون لا يعدّونها أمرًا خطيرًا. لكن الوضع يختلف تمامًا حين يُحاصَر شخصٌ واحد بعشرين خصمًا، ولو كانوا جميعًا أطفالًا. ولا يقدم على استجلاب المتاعب لنفسه إلا الأحمق.
سجّل شاو شوان على جدار الحجر عدد الأسماك التي اقتطعها كلّ فريق، وبعد أن يعود بالجلود من المبادلة، يوزّعها على المجموعات حسب ما سجّله.
بعد أن تخلّصوا من إزعاج ساي، جمع شاو شوان أولئك الصبية المتحمسين وأعادهم إلى الكهف. فبعد المطاردة والقتال، كانت انفعالاتهم المكبوتة قد تسرّبت كلّها، وبالتالي وجب أن يعودوا إلى ما ينبغي لهم فعله.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
رأى الأطفال أنّ شاو شوان يستخدم أسماكه ليُبادل بها جلودًا حيوانية، فحمل كلّ واحدٍ منهم ما لديه من السمك وطلب من شاو شوان أن يتولّى المبادلة نيابة عنه. ولم يكن قادة المجموعات الذين عيّنهم شاو شوان أغبياء؛ وبما أنهم لا يحبّون التواصل مع بقية أفراد القبيلة، فقد توجّهوا إلى شاو شوان ليطلبوا معروفه.
ربما كان يقاتل أطفال زوج أمه، أو ربما لأسباب أخرى… ولكن لم يسأله أحد قط، وهو كذلك لم يُخبر أحدًا بظروفه. كان قليل الكلام، صامتًا على الدوام، ولا يتواصل إلا بإيماءة أو هزّة رأس، أو يقفز مباشرة إلى القتال. أما انطباع الأطفال عنه فواحد: قويّ في القتال. لم يقدر أحد على هزيمته، حتى كو الذي انتقل إلى منطقة منتصف الجبل. لذلك لم يكن أحد يفكّر في سرقته إلا مجنون. ومن حاول ذلك، نال طعنة من سكينه.
في ذاكرة بعض الأطفال ذكرياتٌ ضبابية عن شخصٍ كان قد علّمهم أمرين يجب الاستعداد لهما قبل مجيء الشتاء: الطعام، وجلود الحيوانات. فالأول يقيهم الجوع، والثاني يقيهم الموت بردًا. وعلى الرغم من أنّ القبيلة توفّر لهم بعض الجلود لأجل الشتاء، إلا أنّ كثيرًا منهم يمرض كل عام، وبعضهم يموت قبل أن يُداوى. ومن عاش سنين في الكهف ما زال يحمل ذكريات الشتاء الثقيلة في قلبه. فقد كان الشتاء مخيفًا؛ لا طعام يكفي، والليالي باردة حتى يستيقظوا من شدّة الصقيع، ناهيك عن موت رفاقهم من حولهم. لذلك، ما دام لديهم فائض من السمك اليوم، فقد كانوا سعداء أن يُبادلوه بجلود.
حمل مو-إر سكينه وتقدّم نحو المدخل. وضع السكين الطويلة جانبًا، وأمسك بسكّينين قصيرتين، واحدة في كل يد. أمسك بهما معكوستين، ومنذ أن كان عاجزًا عن إخفاء أنفاسه مثل محاربي الطوطم، فقد شعرت السنونو الليليّة به ما إن خرج.
حين بدأ طفلٌ يطلب من شاو شوان أن يساعده، تبعه الآخرون.
كان مو-إر يثبت السكين في جسد سنونو ليليّ، وقد اخترقته شفرة الحجر. خفق الطائر بجناحيه قليلًا ثم خمد، وجرت الدماء على حافة الشفرة الرمادية.
سجّل شاو شوان على جدار الحجر عدد الأسماك التي اقتطعها كلّ فريق، وبعد أن يعود بالجلود من المبادلة، يوزّعها على المجموعات حسب ما سجّله.
لوّح مو-إر بسكينه، فسقط الطائر الميت إلى داخل الكهف بجانب السكين الطويلة التي يحملها. ثم عاد إلى وضع الانتظار.
وبينما كان يكتب على الجدار، دخل شخصٌ إلى الكهف.
Arisu-san
تردّد الأطفال جميعًا، وحبسوا أنفاسهم وهم يرون الداخل. وتجمّع كلّ خمسة منهم معًا، يحدّقون إليه بعينٍ حذرة.
وبينما كان يكتب على الجدار، دخل شخصٌ إلى الكهف.
كان شاو شوان يعرف القادم، فهو طفلٌ آخر من أطفال الكهف اسمه مو-إر. كان والد مو-إر محاربًا بارعًا، لكنه مات في حادثٍ أثناء مهمة صيد. وبعد موته تزوّجت أم مو-إر ثانية، وكان ينبغي لمو-إر، وفقًا لقواعد القبيلة، أن ينضم إلى الأسرة الجديدة. ولكن لأن تلك الأسرة تضمّ أكثر من طفل، فقد كانت المشاجرات حتمية، والعنف لا بدّ منه.
في الليل، كان بعض الأطفال قد نام، وبعضهم الآخر كان عاجزًا عن النوم من القلق أن يكون الغد سيئًا في الصيد، فكانوا ينسجون الحبال ثم يفكونها مرارًا. وكانوا إذا غضبوا عضّوا الحبال بأسنانهم، مما أقلق شاو شوان: كيف سيستخدمون هذه الحبال الممزّقة إذن؟
كان اسم مو-إر في الأصل “إر”، ولكن لأن اسم والده كان “مو”، فقد جمع الكلمتين وسمّى نفسه “مو-إر”.
قمرين هلالين كانا يطفوان في السماء. نعم، قمران.
كان مو-إر يحمل سكينًا حجرية طويلة تكاد تعادل طوله، وأخذ يُلقي نظراته داخل الكهف. ثم رفع رأسه بفضول، ليجد كثيرًا من الأسماك ذات الأسنان الحادّة الصغيرة معلّقة فوقه تحدّق إليه بعيونها الحمراء الداكنة.
لم يُبدِ مو-إر أي اكتراث برفض الآخرين له؛ على الأقل لم يرَ شاو شوان أي مقاومة في ملامحه. وظلّ بصمته المعهود.
تراجع مو-إر فجأة، وجسده يتصلّب، وسحب السكين الطويلة المعلّقة على ظهره.
ومع ازدياد الظلام، فإذا اختفى القمران كاملًا، يبدأ الشتاء رسميًا.
وفي اللحظة التي سحب فيها مو-إر سكينه، أساء بعض الأطفال فهمه وظنّوه جاء ليسرق أسماكهم؛ فهبّوا واقفين شاهرين أدواتهم، يحدّقون إليه بكامل يقظتهم.
لم يُبدِ مو-إر أي اكتراث برفض الآخرين له؛ على الأقل لم يرَ شاو شوان أي مقاومة في ملامحه. وظلّ بصمته المعهود.
“ماذا؟ تريد أن تسرق أسماكنا؟!!”
وفي اللحظة التي سحب فيها مو-إر سكينه، أساء بعض الأطفال فهمه وظنّوه جاء ليسرق أسماكهم؛ فهبّوا واقفين شاهرين أدواتهم، يحدّقون إليه بكامل يقظتهم.
وعلى الرغم من أنهم يعيشون في الكهف نفسه، فإنّ تقسيم شاو شوان لهم إلى مجموعاتٍ من خمسة غيّر ما في صدورهم؛ فكلّ من لا ينتمي إلى مجموعتهم صار يُعدّ دخيلًا ينبغي الحذر منه.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
صاح شاو شوان: “حسنًا! أنزلوا كلّ السكاكين والعصي… وأنت صاحب الحجر هناك! لا تظننّ أنني لم أرَ ما تُخفيه خلف ظهرك! أرموها جميعًا!”
فمنقار السنونو الليلي كالجاروف، ولو أصاب مقدّمة الذراع لأكل قطعة لحم. ولكن بسبب ضربة مو-إر، انحرف الطائر قليلًا، فصار الجرح سطحيًا.
ثم تقدّم نحو مو-إر، وأشار إلى الأسماك المعلّقة وقال: “ميتة.”
كان سيزر يتوتّر من حركة السنونو الليليّة، فطمأنه شاو شوان، وقاده إلى داخل الكهف.
تجعّد حاجبا مو-إر وهو يتأمّل جيدًا تلك الأسماك ذات الفم الهائل والأسنان الكثيرة. ولم يعُد السكين إلى ظهره إلا بعدما أيقن أنها أسماك ميتة لا تُهدّد سلامته. وكان واضحًا أنّ حمل سكينٍ كهذه يشقّ عليه. وبعد أن أعادها إلى ظهره، ألقى نظرةً أخرى حوله.
وانسحبت بقية السنونو الليليّة إلى الخلف، تدور بتردّد.
ظنّ شاو شوان أنه يبحث عن كو، فقال: “كو ذهب إلى منطقة منتصف الجبل، ولن يعود هذا الشتاء. العم جي عيّنني المسؤول عن الكهف.”
سجّل شاو شوان على جدار الحجر عدد الأسماك التي اقتطعها كلّ فريق، وبعد أن يعود بالجلود من المبادلة، يوزّعها على المجموعات حسب ما سجّله.
أومأ مو-إر بصمت. لم يكن يهمّه من المسؤول؛ ولكن التغيّرات نفسها أثارت قلقه. حمل سكينه وتعمّق داخل الكهف. لكن بخلاف الماضي، كان كلّ طفلٍ في الكهف يحدّق إليه وهو يمرّ، عيونهم تخبره بأنه غير مرحّب به. بينما في السابق لم يكن أحد يُعيره اهتمامًا، سواء جاء أو غاب، وكان الأطفال ممدّدين على الأرض في فوضى دائمة.
في ذاكرة بعض الأطفال ذكرياتٌ ضبابية عن شخصٍ كان قد علّمهم أمرين يجب الاستعداد لهما قبل مجيء الشتاء: الطعام، وجلود الحيوانات. فالأول يقيهم الجوع، والثاني يقيهم الموت بردًا. وعلى الرغم من أنّ القبيلة توفّر لهم بعض الجلود لأجل الشتاء، إلا أنّ كثيرًا منهم يمرض كل عام، وبعضهم يموت قبل أن يُداوى. ومن عاش سنين في الكهف ما زال يحمل ذكريات الشتاء الثقيلة في قلبه. فقد كان الشتاء مخيفًا؛ لا طعام يكفي، والليالي باردة حتى يستيقظوا من شدّة الصقيع، ناهيك عن موت رفاقهم من حولهم. لذلك، ما دام لديهم فائض من السمك اليوم، فقد كانوا سعداء أن يُبادلوه بجلود.
وبينما كان مو-إر يتساءل في نفسه لماذا تغيّر كلّ شيء منذ غيابه الأخير، كان الأطفال الآخرون يفكّرون أيضًا. وفي الماضي لم يكلّف أحد منهم نفسه عناء التفكير، أما الآن فقد باتوا يفكّرون.
في الليل، كان بعض الأطفال قد نام، وبعضهم الآخر كان عاجزًا عن النوم من القلق أن يكون الغد سيئًا في الصيد، فكانوا ينسجون الحبال ثم يفكونها مرارًا. وكانوا إذا غضبوا عضّوا الحبال بأسنانهم، مما أقلق شاو شوان: كيف سيستخدمون هذه الحبال الممزّقة إذن؟
فوجود شخصٍ آخر يعني اقتسام المزيد من الصيد، وهذا مؤسف… كلّ طفلٍ كان يفكّر بطريقته، وتلاقَت أنظارهم جميعًا على شاو شوان ينتظرون حكمه.
التقت نظرات شاو شوان بجسد مو-إر وهو يغادر الكهف. ومن سلوكه وطريقته في الإمساك بالسكاكين أدرك شاو شوان أنّ مو-إر خبيرٌ في القتال. فكل ليلة حين ينام الأطفال، يبدأ هو يتدرّب على السكاكين. وعلى الرغم من موت والده، فإنّ أحدًا ما ظلّ يعلّمه.
كان شاو شوان قد سمع من كو سابقًا أنّ والد مو-إر ترك له أشياء جيّدة كثيرة. والسّكين الحجرية التي يستخدمها هي ميراثٌ من أبيه. لذلك كان مو-إر مقارنةً ببقية أطفال الكهف أشبه بابنٍ مدلّلٍ وافر الموارد. لكنه، على خلاف أغلب من كان في حاله، لم يختر العيش في الجبل حيث الدعة والراحة، بل كان يعود إلى الكهف دائمًا. وأحيانًا تضطر أمه إلى جره من الكهف وإعادته إلى البيت. ولكنه يعود بعد فترة.
لكن قبل أن يخطو خطوتين، توقّف شاو شوان لأنّه سمع أزيزًا حادًا.
ربما كان يقاتل أطفال زوج أمه، أو ربما لأسباب أخرى… ولكن لم يسأله أحد قط، وهو كذلك لم يُخبر أحدًا بظروفه. كان قليل الكلام، صامتًا على الدوام، ولا يتواصل إلا بإيماءة أو هزّة رأس، أو يقفز مباشرة إلى القتال. أما انطباع الأطفال عنه فواحد: قويّ في القتال. لم يقدر أحد على هزيمته، حتى كو الذي انتقل إلى منطقة منتصف الجبل. لذلك لم يكن أحد يفكّر في سرقته إلا مجنون. ومن حاول ذلك، نال طعنة من سكينه.
الفصل 13 – مو-إر
قال شاو شوان: “هل ستبقى في الكهف هذا الشتاء؟”
ظنّه في البداية صوتًا من خياله، أو طنينًا سببه التفكير. لكن الصوت اشتدّ، وتحوّل إلى اقترابٍ واضح.
أومأ مو-إر.
أومأ مو-إر بصمت. لم يكن يهمّه من المسؤول؛ ولكن التغيّرات نفسها أثارت قلقه. حمل سكينه وتعمّق داخل الكهف. لكن بخلاف الماضي، كان كلّ طفلٍ في الكهف يحدّق إليه وهو يمرّ، عيونهم تخبره بأنه غير مرحّب به. بينما في السابق لم يكن أحد يُعيره اهتمامًا، سواء جاء أو غاب، وكان الأطفال ممدّدين على الأرض في فوضى دائمة.
“جيّد. كان عدد سكان الكهف خمسةً وعشرين، وقد قسّمتهم إلى خمس مجموعات. والآن بما أنك عدت…”
توتر الهواء في الكهف، واتّسعت عيون الأطفال، وبعضهم أخذ يهزّ رأسه بعنف ليرسل رسالةً صريحة: لا نريده معنا!
توتر الهواء في الكهف، واتّسعت عيون الأطفال، وبعضهم أخذ يهزّ رأسه بعنف ليرسل رسالةً صريحة: لا نريده معنا!
حمل مو-إر سكينه وتقدّم نحو المدخل. وضع السكين الطويلة جانبًا، وأمسك بسكّينين قصيرتين، واحدة في كل يد. أمسك بهما معكوستين، ومنذ أن كان عاجزًا عن إخفاء أنفاسه مثل محاربي الطوطم، فقد شعرت السنونو الليليّة به ما إن خرج.
قال شاو شوان: “إذن، ستنضمّ إلى مجموعتنا.”
كان شاو شوان قد سمع من كو سابقًا أنّ والد مو-إر ترك له أشياء جيّدة كثيرة. والسّكين الحجرية التي يستخدمها هي ميراثٌ من أبيه. لذلك كان مو-إر مقارنةً ببقية أطفال الكهف أشبه بابنٍ مدلّلٍ وافر الموارد. لكنه، على خلاف أغلب من كان في حاله، لم يختر العيش في الجبل حيث الدعة والراحة، بل كان يعود إلى الكهف دائمًا. وأحيانًا تضطر أمه إلى جره من الكهف وإعادته إلى البيت. ولكنه يعود بعد فترة.
تنفّس الأطفال في المجموعات الأخرى الصعداء، وتحولت نظراتهم الصارمة إلى ابتسامات خفيفة. أما الطفلان الأكبر سنًا في مجموعة شاو شوان فلم يعجبهم القرار، ولكن بما أنّ شاو شوان قاله، فقد رضخوا له. اكتفيا بالنظر إلى مو-إر نظرةً ساخطة، ثم عادا إلى حبال القش التي ينسجانها.
ظنّه في البداية صوتًا من خياله، أو طنينًا سببه التفكير. لكن الصوت اشتدّ، وتحوّل إلى اقترابٍ واضح.
لم يُبدِ مو-إر أي اكتراث برفض الآخرين له؛ على الأقل لم يرَ شاو شوان أي مقاومة في ملامحه. وظلّ بصمته المعهود.
قال شاو شوان: “هل ستبقى في الكهف هذا الشتاء؟”
في الليل، كان بعض الأطفال قد نام، وبعضهم الآخر كان عاجزًا عن النوم من القلق أن يكون الغد سيئًا في الصيد، فكانوا ينسجون الحبال ثم يفكونها مرارًا. وكانوا إذا غضبوا عضّوا الحبال بأسنانهم، مما أقلق شاو شوان: كيف سيستخدمون هذه الحبال الممزّقة إذن؟
لحظة اصطدام السكين بالجدار أطلقت شرارة صغيرة، لقربه من المدخل.
كان الموقد قرب المدخل لا يزال مشتعلًا، والستار مرفوعًا. وفي الظلام كان ضوء النار واضحًا، ولذلك كانت طيور “السنونو الليلي” تتجنّب الأماكن المضاءة وتراقب من بعيد.
ذلك الحدث جعل سكان منطقة سفح الجبل يعيدون النظر في أطفال الكهف. لقد تبيّن لهم أنّ هؤلاء الصغار يعرفون كيف يتّحدون إذا اجتمع لهم عدوّ واحد. وبعض أصحاب النيات الخبيثة اضطروا إلى كتم رغباتهم حين رأوا هذا الحال.
حمل مو-إر سكينه وتقدّم نحو المدخل. وضع السكين الطويلة جانبًا، وأمسك بسكّينين قصيرتين، واحدة في كل يد. أمسك بهما معكوستين، ومنذ أن كان عاجزًا عن إخفاء أنفاسه مثل محاربي الطوطم، فقد شعرت السنونو الليليّة به ما إن خرج.
حمل مو-إر سكينه وتقدّم نحو المدخل. وضع السكين الطويلة جانبًا، وأمسك بسكّينين قصيرتين، واحدة في كل يد. أمسك بهما معكوستين، ومنذ أن كان عاجزًا عن إخفاء أنفاسه مثل محاربي الطوطم، فقد شعرت السنونو الليليّة به ما إن خرج.
كان شاو شوان جالسًا بقرب النار. من هناك كان يرى السماء.
كان سيزر يتوتّر من حركة السنونو الليليّة، فطمأنه شاو شوان، وقاده إلى داخل الكهف.
قمرين هلالين كانا يطفوان في السماء. نعم، قمران.
ومو-إر أقسى بكثير من أطفال الكهف. كان كو لا يستوعب أبدًا لماذا يجرّب مو-إر مهارته على السنونو الليليّة، وكان يراه انتحارًا محضًا. وكان الأطفال حين يغيبون عن مو-إر يتهامسون: لماذا يتعمّد تعذيب نفسه وهو قادرٌ على عيش حياةٍ سهلة؟
وحين رأى شاو شوان ذلك، أدرك أن هذا العالم ليس عالمه السابق؛ كلّ القوانين التي عرفها تنكسر هنا.
وعلى الرغم من أنهم يعيشون في الكهف نفسه، فإنّ تقسيم شاو شوان لهم إلى مجموعاتٍ من خمسة غيّر ما في صدورهم؛ فكلّ من لا ينتمي إلى مجموعتهم صار يُعدّ دخيلًا ينبغي الحذر منه.
في هذا الفصل من السنة، يتحرّك القمران في اتجاهين متعاكسين. وضوؤهما الضعيف يعجز عن تبديد الظلام، فيصبح الليل أشدّ حلكة.
قال شاو شوان: “إذن، ستنضمّ إلى مجموعتنا.”
ومع ازدياد الظلام، فإذا اختفى القمران كاملًا، يبدأ الشتاء رسميًا.
كان الموقد قرب المدخل لا يزال مشتعلًا، والستار مرفوعًا. وفي الظلام كان ضوء النار واضحًا، ولذلك كانت طيور “السنونو الليلي” تتجنّب الأماكن المضاءة وتراقب من بعيد.
التقت نظرات شاو شوان بجسد مو-إر وهو يغادر الكهف. ومن سلوكه وطريقته في الإمساك بالسكاكين أدرك شاو شوان أنّ مو-إر خبيرٌ في القتال. فكل ليلة حين ينام الأطفال، يبدأ هو يتدرّب على السكاكين. وعلى الرغم من موت والده، فإنّ أحدًا ما ظلّ يعلّمه.
“ماذا؟ تريد أن تسرق أسماكنا؟!!”
وقف مو-إر ساكنًا، يحمل سكاكينه القصيرة، كأنه يحدّق في فراغٍ أسود. لكنه كان ينتظر الفريسة.
كان الموقد قرب المدخل لا يزال مشتعلًا، والستار مرفوعًا. وفي الظلام كان ضوء النار واضحًا، ولذلك كانت طيور “السنونو الليلي” تتجنّب الأماكن المضاءة وتراقب من بعيد.
في الظلام تمرّ السنونو الليليّة بسرعة خاطفة. لا يمكن رؤية أجسامها بوضوح، بل تُلتقط أصواتٌ خفيفة فقط.
وحين رأى شاو شوان ذلك، أدرك أن هذا العالم ليس عالمه السابق؛ كلّ القوانين التي عرفها تنكسر هنا.
كان الكثير منها يحوم خارج الكهف، متردّدًا بسبب الضوء. ولم يجرؤ على مهاجمة مو-إر إلا القليل.
كان الموقد قرب المدخل لا يزال مشتعلًا، والستار مرفوعًا. وفي الظلام كان ضوء النار واضحًا، ولذلك كانت طيور “السنونو الليلي” تتجنّب الأماكن المضاءة وتراقب من بعيد.
صوتٌ خفيف مرّ. السنونو الليليّة تقترب!
تحرّك مو-إر بسرعة، وضرب بسكينه القصيرة نحو اليسار بضربة حاسمة!
تحرّك مو-إر بسرعة، وضرب بسكينه القصيرة نحو اليسار بضربة حاسمة!
قمرين هلالين كانا يطفوان في السماء. نعم، قمران.
“دِنغ!”
وبينما كان يكتب على الجدار، دخل شخصٌ إلى الكهف.
أخطأ.
رأى الأطفال أنّ شاو شوان يستخدم أسماكه ليُبادل بها جلودًا حيوانية، فحمل كلّ واحدٍ منهم ما لديه من السمك وطلب من شاو شوان أن يتولّى المبادلة نيابة عنه. ولم يكن قادة المجموعات الذين عيّنهم شاو شوان أغبياء؛ وبما أنهم لا يحبّون التواصل مع بقية أفراد القبيلة، فقد توجّهوا إلى شاو شوان ليطلبوا معروفه.
لحظة اصطدام السكين بالجدار أطلقت شرارة صغيرة، لقربه من المدخل.
صاح شاو شوان: “حسنًا! أنزلوا كلّ السكاكين والعصي… وأنت صاحب الحجر هناك! لا تظننّ أنني لم أرَ ما تُخفيه خلف ظهرك! أرموها جميعًا!”
ولكن الضربة تركت في ذراع مو-إر جرحًا بطول نصف كف.
فوجود شخصٍ آخر يعني اقتسام المزيد من الصيد، وهذا مؤسف… كلّ طفلٍ كان يفكّر بطريقته، وتلاقَت أنظارهم جميعًا على شاو شوان ينتظرون حكمه.
فمنقار السنونو الليلي كالجاروف، ولو أصاب مقدّمة الذراع لأكل قطعة لحم. ولكن بسبب ضربة مو-إر، انحرف الطائر قليلًا، فصار الجرح سطحيًا.
كان مو-إر يحمل سكينًا حجرية طويلة تكاد تعادل طوله، وأخذ يُلقي نظراته داخل الكهف. ثم رفع رأسه بفضول، ليجد كثيرًا من الأسماك ذات الأسنان الحادّة الصغيرة معلّقة فوقه تحدّق إليه بعيونها الحمراء الداكنة.
الصياد المتمرس يجب أن يعرف كيف يختبئ وكيف يتحمّل. لم يُظهر مو-إر أيّ ألم، ولم يعبس. يده ثابتة، وجهه كما هو، والجرح ينزف بلا علاج.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
لكن رائحة الدم أثارت اضطراب السنونو الليليّة.
أومأ مو-إر بصمت. لم يكن يهمّه من المسؤول؛ ولكن التغيّرات نفسها أثارت قلقه. حمل سكينه وتعمّق داخل الكهف. لكن بخلاف الماضي، كان كلّ طفلٍ في الكهف يحدّق إليه وهو يمرّ، عيونهم تخبره بأنه غير مرحّب به. بينما في السابق لم يكن أحد يُعيره اهتمامًا، سواء جاء أو غاب، وكان الأطفال ممدّدين على الأرض في فوضى دائمة.
كان شاو شوان يسمع صوت أجنحتها في الهواء.
في ذاكرة بعض الأطفال ذكرياتٌ ضبابية عن شخصٍ كان قد علّمهم أمرين يجب الاستعداد لهما قبل مجيء الشتاء: الطعام، وجلود الحيوانات. فالأول يقيهم الجوع، والثاني يقيهم الموت بردًا. وعلى الرغم من أنّ القبيلة توفّر لهم بعض الجلود لأجل الشتاء، إلا أنّ كثيرًا منهم يمرض كل عام، وبعضهم يموت قبل أن يُداوى. ومن عاش سنين في الكهف ما زال يحمل ذكريات الشتاء الثقيلة في قلبه. فقد كان الشتاء مخيفًا؛ لا طعام يكفي، والليالي باردة حتى يستيقظوا من شدّة الصقيع، ناهيك عن موت رفاقهم من حولهم. لذلك، ما دام لديهم فائض من السمك اليوم، فقد كانوا سعداء أن يُبادلوه بجلود.
ومو-إر أقسى بكثير من أطفال الكهف. كان كو لا يستوعب أبدًا لماذا يجرّب مو-إر مهارته على السنونو الليليّة، وكان يراه انتحارًا محضًا. وكان الأطفال حين يغيبون عن مو-إر يتهامسون: لماذا يتعمّد تعذيب نفسه وهو قادرٌ على عيش حياةٍ سهلة؟
أظهر قيصر أسنانه ينظر إلى الطائر الميت، وقد اشتدّ شغفه ليغرس أنيابه فيه. لكن شاو شوان كان يحدّق في منقار السنونو الليلي، غارقًا في التفكير.
كان سيزر يتوتّر من حركة السنونو الليليّة، فطمأنه شاو شوان، وقاده إلى داخل الكهف.
تحرّك مو-إر بسرعة، وضرب بسكينه القصيرة نحو اليسار بضربة حاسمة!
لكن قبل أن يخطو خطوتين، توقّف شاو شوان لأنّه سمع أزيزًا حادًا.
وعلى الرغم من أنهم يعيشون في الكهف نفسه، فإنّ تقسيم شاو شوان لهم إلى مجموعاتٍ من خمسة غيّر ما في صدورهم؛ فكلّ من لا ينتمي إلى مجموعتهم صار يُعدّ دخيلًا ينبغي الحذر منه.
ظنّه في البداية صوتًا من خياله، أو طنينًا سببه التفكير. لكن الصوت اشتدّ، وتحوّل إلى اقترابٍ واضح.
صوتٌ خفيف مرّ. السنونو الليليّة تقترب!
“دِنغ!”
أومأ مو-إر.
صوت اصطدام سكين بالحجر، ومعه توقّف الأزيز الحاد.
التقت نظرات شاو شوان بجسد مو-إر وهو يغادر الكهف. ومن سلوكه وطريقته في الإمساك بالسكاكين أدرك شاو شوان أنّ مو-إر خبيرٌ في القتال. فكل ليلة حين ينام الأطفال، يبدأ هو يتدرّب على السكاكين. وعلى الرغم من موت والده، فإنّ أحدًا ما ظلّ يعلّمه.
نظر شاو شوان إلى الجانب الآخر.
كان الموقد قرب المدخل لا يزال مشتعلًا، والستار مرفوعًا. وفي الظلام كان ضوء النار واضحًا، ولذلك كانت طيور “السنونو الليلي” تتجنّب الأماكن المضاءة وتراقب من بعيد.
كان مو-إر يثبت السكين في جسد سنونو ليليّ، وقد اخترقته شفرة الحجر. خفق الطائر بجناحيه قليلًا ثم خمد، وجرت الدماء على حافة الشفرة الرمادية.
كان شاو شوان جالسًا بقرب النار. من هناك كان يرى السماء.
وانسحبت بقية السنونو الليليّة إلى الخلف، تدور بتردّد.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لوّح مو-إر بسكينه، فسقط الطائر الميت إلى داخل الكهف بجانب السكين الطويلة التي يحملها. ثم عاد إلى وضع الانتظار.
ومو-إر أقسى بكثير من أطفال الكهف. كان كو لا يستوعب أبدًا لماذا يجرّب مو-إر مهارته على السنونو الليليّة، وكان يراه انتحارًا محضًا. وكان الأطفال حين يغيبون عن مو-إر يتهامسون: لماذا يتعمّد تعذيب نفسه وهو قادرٌ على عيش حياةٍ سهلة؟
أظهر قيصر أسنانه ينظر إلى الطائر الميت، وقد اشتدّ شغفه ليغرس أنيابه فيه. لكن شاو شوان كان يحدّق في منقار السنونو الليلي، غارقًا في التفكير.
فوجود شخصٍ آخر يعني اقتسام المزيد من الصيد، وهذا مؤسف… كلّ طفلٍ كان يفكّر بطريقته، وتلاقَت أنظارهم جميعًا على شاو شوان ينتظرون حكمه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان شاو شوان قد سمع من كو سابقًا أنّ والد مو-إر ترك له أشياء جيّدة كثيرة. والسّكين الحجرية التي يستخدمها هي ميراثٌ من أبيه. لذلك كان مو-إر مقارنةً ببقية أطفال الكهف أشبه بابنٍ مدلّلٍ وافر الموارد. لكنه، على خلاف أغلب من كان في حاله، لم يختر العيش في الجبل حيث الدعة والراحة، بل كان يعود إلى الكهف دائمًا. وأحيانًا تضطر أمه إلى جره من الكهف وإعادته إلى البيت. ولكنه يعود بعد فترة.
تراجع مو-إر فجأة، وجسده يتصلّب، وسحب السكين الطويلة المعلّقة على ظهره.
