الخَلاص : الجزء 3
لم يرفع صوته، لم يحتجّ، لكن السماء استجابت لجنونه… تشققت الغيوم كما لو أن يدًا غير مرئية مزّقتها، ومن خلال الجرح الأزرق ظهرت مئات… ثم آلاف… ثم ما لا يُحصى من الشظايا الجليدية في سماءِ القرية. رؤوس حادّة، أطراف مسنّنة، أشكال غير منتظمة، كلّ واحدة منها كفيلة بقتل رجلٍ يقبعُ تحتها.
مات إليان…
كانت معلّقة في السماء، ساكنة، تنتظر الأمر. الضوء المنعكس عليها جعل الليل يلمع كقبرٍ مكسوٍّ بالكريستال. القرية المحطّمة تحتها بدت صغيرة… ضعيفة… محكومة بالمحو.
“Feryn shaal, thalor en’mar, Eryth nol voryn shyn krath, Shaal en’thariel nol varinth, Voryn elun shyn shaal en’rynn, Lor shyn en’thalor en’krynn.”
إليان شعر بثقلٍ يسحق صدره. ليس خوفًا فقط… بل إدراكًا، إدراكًا أن هذا ليس سحرًا… بل حُكمًا.
‘آسف جميعًا… إنه خطئي… لكن لا تقلقوا، أنا سألحق بكم فورًا…’
وفي اللحظة التي بدأ فيها الهواء يصرخ، ظلٌّ تحرّك بين الحُطام. ليس اندفاعًا، ليس قفزًا… بل انسياب بين الظلال، كفكرةٍ نسيها الضوء.
ارتسمت على شفتي إليان ابتسامةٌ شاحبة، كانت تحمل من الحنان أكثر مما تحمل من القوة، وكأنها مواساة أخيرة لمن لن يراهم مجددًا. نظر للأفق بعينين أثقلتهما الذكريات، وهمس لنفسه بصوتٍ مكتوم لم يبلُغ أحدًا…
ثم طُعِن آلتوس من خلفه…
لم يرفع صوته، لم يحتجّ، لكن السماء استجابت لجنونه… تشققت الغيوم كما لو أن يدًا غير مرئية مزّقتها، ومن خلال الجرح الأزرق ظهرت مئات… ثم آلاف… ثم ما لا يُحصى من الشظايا الجليدية في سماءِ القرية. رؤوس حادّة، أطراف مسنّنة، أشكال غير منتظمة، كلّ واحدة منها كفيلة بقتل رجلٍ يقبعُ تحتها.
نصلٌ خرج من ظهره، اخترق صدره بصمتٍ تام، بلا شرر، بلا انفجار… بهدوءٍ وسكينة. طعنة دقيقة… خبيرة… واثقة.
“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي
تصلّب جسده، الابتسامة اختفت، العينان اتّسعتا ليس رعبًا… بل دهشة. الضربة اخترقت قلبه، نزيفٌ حاد طلى بلونه الأحمر القاتم رِداء آلتوس… كان يسعل دمًا من فمه، شفتاه و يداه ترتجفان، و زُرقة بشرته تشحب…
“Feryn shaal, thalor en’mar, Eryth nol voryn shyn krath, Shaal en’thariel nol varinth, Voryn elun shyn shaal en’rynn, Lor shyn en’thalor en’krynn.”
“فامي…” قال بصعوبة
ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.
كان فامي يقِف خلفه مباشرةً بعد أن تسلَّل إلى ظهره فاقد الرقابة والحذر بعد تجهيزه ذلك الهُجوم الواسع. بعينين باردتين وقف فامي ويداه تُمسكان خنجرًا جليديَّا اخترق به قلبَ سيِّده.
“أغنية…” همسَت ليارا
“هذا يكفي…” قال فامي
أما فانيسا… فقد واصلت السير. وقفتها منحنية، صوتها اختفى، لكن الأغنية بقيت معلّقة في الهواء، كما لو أنَّها أضافت عليها ذكرى حزينة أخرى…
آلتوس تجمّد… انتشر الجليد داخل جسده، فبدا شاحبًا، قبل أن تبرز العروق بلونٍ أزرق قاتم على كامل بشرته. كان يتجمَّد من الجليد لكن الصدمة من الخيانة كانت قاتلةً أكثر.
“ماذا تقصد؟ ما بال أسئلتكم هذه؟” أجاب فامي
سحب فامي الخنجر، تراجع آلتوس خطوة… ثم أخرى… حاول تشكيل سحرٍ في راحةِ يده لكنه لم يقوى، وسقط على ركبة واحدة مجددًا، هذه المرة والثلج من حوله لا يستجيب.
لم يرفع صوته، لم يحتجّ، لكن السماء استجابت لجنونه… تشققت الغيوم كما لو أن يدًا غير مرئية مزّقتها، ومن خلال الجرح الأزرق ظهرت مئات… ثم آلاف… ثم ما لا يُحصى من الشظايا الجليدية في سماءِ القرية. رؤوس حادّة، أطراف مسنّنة، أشكال غير منتظمة، كلّ واحدة منها كفيلة بقتل رجلٍ يقبعُ تحتها.
فانيسا انهارت على الأرض، وقفت على ركبتها، لكن سقطت مجددًا… رايندار وقف أخيرًا، يجرّ سيفه، واقترب. النار ما زالت تشتعل، والليل ما زال قائمًا. لكن في وسط الخراب… كان سيد الجليد راكعًا تحت زُرقة ضوء القمر الظاهر بين السُّحب كما لو أنه سلام، إشارة على انتهاء دمويَّة طالت أراضي هذه القرية المسالمة التي تحوَّلت جحيمًا… تحت ذلك النور، مات قائد إلف الجليد راكِعًا…
شعر إليان بوخزةٍ في قلبه، أدرَك ماهيتها، لكنه ابتسم إثرها… إبتسامة خفيفة تكادُ لا تُرى…
الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.
لم تسقط كإعدام، لم تهبط كموت، بل تحوَّلت إلى ثلجٍ أبيض ساكن. رقائق بيضاء ناعمة بدأت بالتساقط ببطء، تلامس النيران فتُطفئها، وتغطي الجثث، والأسقف المهدّمة، وآثار الدم فتريحُها… ثلج هادئ… جميل… رحيم، كأن السماء تعتذر.
“الوداع.” أتبع فامي قائلا
وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…
ثم سقَط ببطء، لا مقاومة… بالعديد من الندم، لكن بابتسامة هادئة لا تزال مرسومة، كأنها ختمٌ نهائي على قدرٍ تقبّله منذ زمن…
رفع إلف الجليد المتبقُّون المبتسمون رؤوسهم للسماء… على علمٍ بشيئٍ قد أصاب قائدهم…
“إلف الجليد سيختفون من ناظركم… سنعود من حيثُ أتينا ولن نقرَبكم مجددًا… هذه نيتي بصفتي قائد إلف الجليد الحالي!”
من بين الرُّكام… ظهر فامي بينهم آمرًا إياهم بالعودة من حيثُ أتُوا خلفه، معلنًا وفاة قائدهم ببسالةٍ وهو يُقاتل مستمتعًا… كان إعلانه لهم وكأنه صامت… أخفض الجميع بطشهم وذهبوا خلف قائدهم الجديد فامي مُغادرين القرية…
لم يرفع صوته، لم يحتجّ، لكن السماء استجابت لجنونه… تشققت الغيوم كما لو أن يدًا غير مرئية مزّقتها، ومن خلال الجرح الأزرق ظهرت مئات… ثم آلاف… ثم ما لا يُحصى من الشظايا الجليدية في سماءِ القرية. رؤوس حادّة، أطراف مسنّنة، أشكال غير منتظمة، كلّ واحدة منها كفيلة بقتل رجلٍ يقبعُ تحتها.
بعضُ القرويين ماتوا… آخرون تأذوا… لكن بعضهم لايزالُ سليمًا معافى… كانت تِلك حصيلة المجزرة التي تسبب بها إلف الجليد في هذه القرية.
وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…
قبل رحيله مع جنوده، و بعد قتله لقائده السابق آلتوس غدرًا، أعلن فامي قائد إلف الجديد نيَّته أمام فانيسا الجالسة على رُكبتيها بهدوء…
وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…
“إلف الجليد سيختفون من ناظركم… سنعود من حيثُ أتينا ولن نقرَبكم مجددًا… هذه نيتي بصفتي قائد إلف الجليد الحالي!”
يُتبع..
بعد أن ألقى ما لديه من نيَّة، استدار وبدأ المسير مغادرًا لجمع ماتبقَّى من جنودِه والمغادرة… لكن إليان أوقفه بكلماته.
كانت معلّقة في السماء، ساكنة، تنتظر الأمر. الضوء المنعكس عليها جعل الليل يلمع كقبرٍ مكسوٍّ بالكريستال. القرية المحطّمة تحتها بدت صغيرة… ضعيفة… محكومة بالمحو.
“أ لا مانع لديك؟”
“فامي…” قال بصعوبة
“ماذا تقصد؟ ما بال أسئلتكم هذه؟” أجاب فامي
“Nyrin elvaar shyn korath, Shal’ven drathol shivra en’saer, Kyral en’myr thol varinth, Voryn elar shyn vorynn… shaal en’myr thal.”
“لقد قتلتَ قائدك، والآن أنت تنوي قيادة إلف الجليد وتقول أنكم لن تعودوا… لكن هل تظنُّ أنك تستطيع حقًّا التحكُّم بهؤلاء الوحوش وجعلهم مُسالمين؟… بعد كل ما حِكتَه بدورك، تريد الآن الاختفاء عن ناظرنا وبدء صفحة جديدة… لا تُضحكني!” قال إليان
ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.
“لم أقُل أنها ستكون مهمة سهلة، أعلم تمامًا أن تغيير أسلوب عيشنا الهمجي صعب… لكن هناك أشياءٌ لا أستطيع تغييرها إن لم أكُن على رأس القيادة، لذلك فعلتُ ما فعلته… هذا كل شيئ…” أجاب فامي
“لقد قتلتَ قائدك، والآن أنت تنوي قيادة إلف الجليد وتقول أنكم لن تعودوا… لكن هل تظنُّ أنك تستطيع حقًّا التحكُّم بهؤلاء الوحوش وجعلهم مُسالمين؟… بعد كل ما حِكتَه بدورك، تريد الآن الاختفاء عن ناظرنا وبدء صفحة جديدة… لا تُضحكني!” قال إليان
“أنت دائمًا ما تهذي بهذا… لكن هل ترى أن كل هذه المجزرة التي حدثت الليلة ستُطمس وتُنسى وكأنَّ شيئًا لم يكُن…” سأل إليان
أما فانيسا… فقد واصلت السير. وقفتها منحنية، صوتها اختفى، لكن الأغنية بقيت معلّقة في الهواء، كما لو أنَّها أضافت عليها ذكرى حزينة أخرى…
“أظنُّ أنني أجبتُك عن ذلك سابقًا… لقد قتلتُ السيد آلتوس بفضل قواكم، لم أكُن لأتمكَّن من فعلها لولا تبلُّد حواسه إثر قتاله الطويل معكم، لذا أرى أننا متعادلون الآن. بدوري، خنتُ بني جنسي وقتلتُ عددًا هائلًا منهم في طريقي إلى هنا… لذلك أظن أننا قادرون بالتساوي على فتح صفحة جديدة.”
‘يا للهدوء… ربما تكون الراحة التي نبحث عنها طوال حياتنا، هي السكون العميق الذي يُعانقنا في ساعة الاحتضار.’
“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي
“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي
إلتقت أعين إليان بأعين فامي بينما كان الجميع ينظر إلى حجم الخراب المحيط بهم بأسى…
“فوق جسرٍ في مركز العاصمة، يُحكى عن امرأةٍ نصف بشرية بملامح رمادية باهتة، تُغطِّي رأسها، اعتادت على أداء أغانٍ مسرحية تسرُد قصص الأبطالِ الذين أُعجبت بهم في المكان ذاتِه؛ اتَّضح لاحقًا أنها كانت من أنصاف القطط الشمالية. يُقال أنها كانت تُعارض سياسة قريتها المُسالمة فغادرتها بحثًا عن اسمٍ لها في مرحلة تمرُّد لتُصبح محارِبة في العالم الخارجي. وقعت في الحب، تزوَّجت بشريًّا، وأنجبت طفلةً لم تقوى على إبقاءها آمنة. حيث عادت من مهمةٍ مستعدَّة لأداءٍ أغنيةٍ على الجسر ذاته، لتجِد ابنتها قد ماتت حرقًا على عمودٍ في مركز العاصمة حتى اختفت جثتها وكأنها لم تكُن، لأن هويَّتها كفتاة مُستوحشة قد اكتُشفت من قِبل متطرِّفين داخل المدينة. عادت الامرأةُ لبيتها بعد ذلك بحثًا عن زوجها لتجِده مقتولًا بدورِه داخل بيتِهم المحروق بأكمله… ثم عادت للجسر المعهود وغنَّت هذه الأغنية المُختلفة عمَّا اعتادت، والتي تم توارُثها لعقودٍ… لقد سمِعتُ هذه القصَّة في صِغري… الفتاة والأب لم يعُودَا جزءًا من هذا العالم، بينما الأم يُشاع أنها عادت لقريتها بعد تجربةٍ فاشلة مع عالمٍ خارجي متطرِّف…”
“كان ليكُون من الجميل لو أنني أستطيع إنهاء حياتي هنا وشفاء غليلكم دون أن أضطرَّ للعيش بوصمة الخيانة هذه، لكنني أعتذر… لا أستطيع الموت الآن، أحتاج قيادة بني جنسي لحياةٍ أكثر سلامًا!”
(لو كان لدي جناح من نور، لطرتُ إليك قبل أن تبتعد، لكن قدماي، ثقيلةٌ بالذنب، أبقتني في مكانٍ لا أنتمي إليه.)
“الوداع.” أتبع فامي قائلا
كان فامي يقِف خلفه مباشرةً بعد أن تسلَّل إلى ظهره فاقد الرقابة والحذر بعد تجهيزه ذلك الهُجوم الواسع. بعينين باردتين وقف فامي ويداه تُمسكان خنجرًا جليديَّا اخترق به قلبَ سيِّده.
بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.
(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها، تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس، حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته، وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)
شعر إليان بوخزةٍ في قلبه، أدرَك ماهيتها، لكنه ابتسم إثرها… إبتسامة خفيفة تكادُ لا تُرى…
راقبها إليان، رايندار، و ليارا، وهي تُغنِّي بنبرةٍ متألِّمة… كانت تمرّ بجانب جثةٍ بعد أخرى وهي تغنّي، كأن الأغنية رسالة اعتذار فردية لكل من سقط. عند جسدٍ صغير توقفت لحظة، لمست جبينه بأطراف أصابعها، ثم واصلت بصوتٍ أكثر انكسارًا…
‘حان الوقتُ إذًا… أظنُّ أنه توقيتٌ مناسب بعد كلِّ شيئ.’
يُتبع..
مسكت فانيسا الثلوج المتراكمة أمام ناظِرها ثم وقفت والإرهاق بادٍ عليها وعلى حركتِها. بدأت فانيسا تمشي ببطءٍ كأن الأرض نفسها تُمسك بقدميها كي لا تتركها ترحل. الثلج الذي أخمد الجحيم غطّى القرية بطبقةٍ ناعمة، لكنه لم يُخفِ الحقيقة… فقط أجَّل النظر إليها. تحت ضوء القمر، بدت الأكواخ المحطّمة كعظامٍ سوداء، والجثث متناثرة على الطرقات التي كانت يومًا مليئة بالأصوات. رؤوسٌ مفصولة تستقر في الثلج بسلامٍ كاذب. أيدٍ مقطوعة ما تزال منحنية، كأنها حاولت في لحظتها الأخيرة أن تتشبّث بشيء… بأي شيء. أجسادٌ صغيرة، وأخرى كبيرة، ممدّدة بلا وزن، وقد خفّ عنها الخوف أخيرًا…
“فوق جسرٍ في مركز العاصمة، يُحكى عن امرأةٍ نصف بشرية بملامح رمادية باهتة، تُغطِّي رأسها، اعتادت على أداء أغانٍ مسرحية تسرُد قصص الأبطالِ الذين أُعجبت بهم في المكان ذاتِه؛ اتَّضح لاحقًا أنها كانت من أنصاف القطط الشمالية. يُقال أنها كانت تُعارض سياسة قريتها المُسالمة فغادرتها بحثًا عن اسمٍ لها في مرحلة تمرُّد لتُصبح محارِبة في العالم الخارجي. وقعت في الحب، تزوَّجت بشريًّا، وأنجبت طفلةً لم تقوى على إبقاءها آمنة. حيث عادت من مهمةٍ مستعدَّة لأداءٍ أغنيةٍ على الجسر ذاته، لتجِد ابنتها قد ماتت حرقًا على عمودٍ في مركز العاصمة حتى اختفت جثتها وكأنها لم تكُن، لأن هويَّتها كفتاة مُستوحشة قد اكتُشفت من قِبل متطرِّفين داخل المدينة. عادت الامرأةُ لبيتها بعد ذلك بحثًا عن زوجها لتجِده مقتولًا بدورِه داخل بيتِهم المحروق بأكمله… ثم عادت للجسر المعهود وغنَّت هذه الأغنية المُختلفة عمَّا اعتادت، والتي تم توارُثها لعقودٍ… لقد سمِعتُ هذه القصَّة في صِغري… الفتاة والأب لم يعُودَا جزءًا من هذا العالم، بينما الأم يُشاع أنها عادت لقريتها بعد تجربةٍ فاشلة مع عالمٍ خارجي متطرِّف…”
مرّت فانيسا بينهم واحدةً واحدة. لم تتعجّل، ولم تتوقف طويلًا. كانت تعرفهم جميعًا… وتحفظ أسماؤهم، حتى وإن لم تعد هناك أفواه لتنادي باسمها الشرفيّ “القائدة” بينهم.
“كان ليكُون من الجميل لو أنني أستطيع إنهاء حياتي هنا وشفاء غليلكم دون أن أضطرَّ للعيش بوصمة الخيانة هذه، لكنني أعتذر… لا أستطيع الموت الآن، أحتاج قيادة بني جنسي لحياةٍ أكثر سلامًا!”
ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الهواء يصرخ، ظلٌّ تحرّك بين الحُطام. ليس اندفاعًا، ليس قفزًا… بل انسياب بين الظلال، كفكرةٍ نسيها الضوء.
و غنَّت.
“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي
خرج صوتها خافتًا، مبحوحًا، لكن جميلًا، عذبًا، ثابتًا، يحمل حزنًا لا يحتاج إلى صراخ…
سكتت.
“Shaal en’thariel en’marath,
Voryn shal’el ven’khal, thalor en’krynn.
Eryth nol varinth elun,
Shaal en’thalor shivarn thrynn.”
“فامي…” قال بصعوبة
(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها،
تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس،
حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته،
وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)
وفي اللحظة التي بدأ فيها الهواء يصرخ، ظلٌّ تحرّك بين الحُطام. ليس اندفاعًا، ليس قفزًا… بل انسياب بين الظلال، كفكرةٍ نسيها الضوء.
تردّد صوتها بين الجدران المهدّمة، مرّ فوق الرؤوس الساكنة، وانساب على الثلج ككفنٍ من كلمات.
(كل دمعةٍ سقطت على وجهي، تحكي عن نيرانٍ لم أستطع إخمادها، عن صرخةٍ حاولت أن أصلها، لكنّي كنت ضعيفًا… والقدر أعمى.)
“Nyrin elvaar shyn korath,
Shal’ven drathol shivra en’saer,
Kyral en’myr thol varinth,
Voryn elar shyn vorynn… shaal en’myr thal.”
“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي
(كل دمعةٍ سقطت على وجهي،
تحكي عن نيرانٍ لم أستطع إخمادها،
عن صرخةٍ حاولت أن أصلها،
لكنّي كنت ضعيفًا… والقدر أعمى.)
(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها، تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس، حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته، وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)
راقبها إليان، رايندار، و ليارا، وهي تُغنِّي بنبرةٍ متألِّمة… كانت تمرّ بجانب جثةٍ بعد أخرى وهي تغنّي، كأن الأغنية رسالة اعتذار فردية لكل من سقط. عند جسدٍ صغير توقفت لحظة، لمست جبينه بأطراف أصابعها، ثم واصلت بصوتٍ أكثر انكسارًا…
يُتبع..
“Lor en’ryth nalor shaal,
Varin thalor shyn elvar,
Kaal’thyra, shyn nol varith,
Shaal en’ryl ven’khal, shyn varal en’nor.”
إليان شعر بثقلٍ يسحق صدره. ليس خوفًا فقط… بل إدراكًا، إدراكًا أن هذا ليس سحرًا… بل حُكمًا.
(لو كان لدي جناح من نور،
لطرتُ إليك قبل أن تبتعد،
لكن قدماي، ثقيلةٌ بالذنب،
أبقتني في مكانٍ لا أنتمي إليه.)
استدارت فانيسا نحو إليان والبقيَّة بابتسامةٍ حزينة تعلُو محياها… كانت تبتسم، لكن شيئًا في عينيها كان يُنكر تلك الابتسامة. لم تكن مزيّنة بالفرح، بل مشقوقة بخيطٍ من الأسى، كأنها محاولة يائسة لإقناع العالم بأنها بخير، بينما روحها تتكسَّر بهدوء خلف شفتيها المنحنية.
الريح حملت كلماتها، والثلج بدأ يزداد كثافة، يغطّي الأيادي المقطوعة، يلين حواف الرعب، ويجعل المشهد جميلًا بقدر ما هو قاسٍ. وفي النهاية، حين صار صوتها أضعف، وحين ارتجف صدرها أخيرًا، أنهت الأغنية كما لو أنها تسلّم ما تبقّى منها للعالم…
الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.
“Feryn shaal, thalor en’mar,
Eryth nol voryn shyn krath,
Shaal en’thariel nol varinth,
Voryn elun shyn shaal en’rynn,
Lor shyn en’thalor en’krynn.”
لم يُجبها أحد. لكن الثلج واصل تساقطه، ناعمًا، صامتًا، يغطي القرية وأهلها، وكأن السماء تحاول أن تكون رحيمةً بها.
(فخذ مني هذا القلب المتعب،
خذ دموعي التي ذابت كالثلج،
فإني لم أستطع حمايتك،
لكن روحي ستظل لك،
إلى أن تعود الرياح وتجمعنا من جديد.)
ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.
سكتت.
لم يُجبها أحد. لكن الثلج واصل تساقطه، ناعمًا، صامتًا، يغطي القرية وأهلها، وكأن السماء تحاول أن تكون رحيمةً بها.
لم يُجبها أحد. لكن الثلج واصل تساقطه، ناعمًا، صامتًا، يغطي القرية وأهلها، وكأن السماء تحاول أن تكون رحيمةً بها.
بعد أن ألقى ما لديه من نيَّة، استدار وبدأ المسير مغادرًا لجمع ماتبقَّى من جنودِه والمغادرة… لكن إليان أوقفه بكلماته.
“أغنية…” همسَت ليارا
“لم أقُل أنها ستكون مهمة سهلة، أعلم تمامًا أن تغيير أسلوب عيشنا الهمجي صعب… لكن هناك أشياءٌ لا أستطيع تغييرها إن لم أكُن على رأس القيادة، لذلك فعلتُ ما فعلته… هذا كل شيئ…” أجاب فامي
“فوق جسرٍ في مركز العاصمة، يُحكى عن امرأةٍ نصف بشرية بملامح رمادية باهتة، تُغطِّي رأسها، اعتادت على أداء أغانٍ مسرحية تسرُد قصص الأبطالِ الذين أُعجبت بهم في المكان ذاتِه؛ اتَّضح لاحقًا أنها كانت من أنصاف القطط الشمالية. يُقال أنها كانت تُعارض سياسة قريتها المُسالمة فغادرتها بحثًا عن اسمٍ لها في مرحلة تمرُّد لتُصبح محارِبة في العالم الخارجي. وقعت في الحب، تزوَّجت بشريًّا، وأنجبت طفلةً لم تقوى على إبقاءها آمنة. حيث عادت من مهمةٍ مستعدَّة لأداءٍ أغنيةٍ على الجسر ذاته، لتجِد ابنتها قد ماتت حرقًا على عمودٍ في مركز العاصمة حتى اختفت جثتها وكأنها لم تكُن، لأن هويَّتها كفتاة مُستوحشة قد اكتُشفت من قِبل متطرِّفين داخل المدينة. عادت الامرأةُ لبيتها بعد ذلك بحثًا عن زوجها لتجِده مقتولًا بدورِه داخل بيتِهم المحروق بأكمله… ثم عادت للجسر المعهود وغنَّت هذه الأغنية المُختلفة عمَّا اعتادت، والتي تم توارُثها لعقودٍ… لقد سمِعتُ هذه القصَّة في صِغري… الفتاة والأب لم يعُودَا جزءًا من هذا العالم، بينما الأم يُشاع أنها عادت لقريتها بعد تجربةٍ فاشلة مع عالمٍ خارجي متطرِّف…”
(فخذ مني هذا القلب المتعب، خذ دموعي التي ذابت كالثلج، فإني لم أستطع حمايتك، لكن روحي ستظل لك، إلى أن تعود الرياح وتجمعنا من جديد.)
“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار
بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.
أما فانيسا… فقد واصلت السير. وقفتها منحنية، صوتها اختفى، لكن الأغنية بقيت معلّقة في الهواء، كما لو أنَّها أضافت عليها ذكرى حزينة أخرى…
“ماذا تقصد؟ ما بال أسئلتكم هذه؟” أجاب فامي
استدارت فانيسا نحو إليان والبقيَّة بابتسامةٍ حزينة تعلُو محياها… كانت تبتسم، لكن شيئًا في عينيها كان يُنكر تلك الابتسامة. لم تكن مزيّنة بالفرح، بل مشقوقة بخيطٍ من الأسى، كأنها محاولة يائسة لإقناع العالم بأنها بخير، بينما روحها تتكسَّر بهدوء خلف شفتيها المنحنية.
الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.
ارتسمت على شفتي إليان ابتسامةٌ شاحبة، كانت تحمل من الحنان أكثر مما تحمل من القوة، وكأنها مواساة أخيرة لمن لن يراهم مجددًا. نظر للأفق بعينين أثقلتهما الذكريات، وهمس لنفسه بصوتٍ مكتوم لم يبلُغ أحدًا…
“فامي…” قال بصعوبة
‘آسف جميعًا… إنه خطئي… لكن لا تقلقوا، أنا سألحق بكم فورًا…’
ثم جاء الألم… حادًا، مفاجئًا، كطعنة في الصدر. ضاق نفسه، ارتجف جسده، وأمسك بقلبه، كأنما يحاول احتواء ما لا يُمكن منعه. ترنّح خطوتين، نظر حوله كمن يودع العالم فرآى ليارا ورايندار قلقين بجانبه يصرُخون بشيئ… اسمه ربما…
ثم جاء الألم… حادًا، مفاجئًا، كطعنة في الصدر. ضاق نفسه، ارتجف جسده، وأمسك بقلبه، كأنما يحاول احتواء ما لا يُمكن منعه. ترنّح خطوتين، نظر حوله كمن يودع العالم فرآى ليارا ورايندار قلقين بجانبه يصرُخون بشيئ… اسمه ربما…
(لو كان لدي جناح من نور، لطرتُ إليك قبل أن تبتعد، لكن قدماي، ثقيلةٌ بالذنب، أبقتني في مكانٍ لا أنتمي إليه.)
‘يا للهدوء… ربما تكون الراحة التي نبحث عنها طوال حياتنا، هي السكون العميق الذي يُعانقنا في ساعة الاحتضار.’
‘حان الوقتُ إذًا… أظنُّ أنه توقيتٌ مناسب بعد كلِّ شيئ.’
ثم سقَط ببطء، لا مقاومة… بالعديد من الندم، لكن بابتسامة هادئة لا تزال مرسومة، كأنها ختمٌ نهائي على قدرٍ تقبّله منذ زمن…
وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…
مات إليان…
سكتت.
يُتبع..
خرج صوتها خافتًا، مبحوحًا، لكن جميلًا، عذبًا، ثابتًا، يحمل حزنًا لا يحتاج إلى صراخ…
من بين الرُّكام… ظهر فامي بينهم آمرًا إياهم بالعودة من حيثُ أتُوا خلفه، معلنًا وفاة قائدهم ببسالةٍ وهو يُقاتل مستمتعًا… كان إعلانه لهم وكأنه صامت… أخفض الجميع بطشهم وذهبوا خلف قائدهم الجديد فامي مُغادرين القرية…
