Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سقوط الخيط: ما بعد الموت، نحو الفوضى 35

الخَلاص : الجزء 3

الخَلاص : الجزء 3

لم يرفع صوته، لم يحتجّ، لكن السماء استجابت لجنونه… تشققت الغيوم كما لو أن يدًا غير مرئية مزّقتها، ومن خلال الجرح الأزرق ظهرت مئات… ثم آلاف… ثم ما لا يُحصى من الشظايا الجليدية في سماءِ القرية. رؤوس حادّة، أطراف مسنّنة، أشكال غير منتظمة، كلّ واحدة منها كفيلة بقتل رجلٍ يقبعُ تحتها.

“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار

كانت معلّقة في السماء، ساكنة، تنتظر الأمر. الضوء المنعكس عليها جعل الليل يلمع كقبرٍ مكسوٍّ بالكريستال. القرية المحطّمة تحتها بدت صغيرة… ضعيفة… محكومة بالمحو.

‘يا للهدوء… ربما تكون الراحة التي نبحث عنها طوال حياتنا، هي السكون العميق الذي يُعانقنا في ساعة الاحتضار.’

إليان شعر بثقلٍ يسحق صدره. ليس خوفًا فقط… بل إدراكًا، إدراكًا أن هذا ليس سحرًا… بل حُكمًا.

الريح حملت كلماتها، والثلج بدأ يزداد كثافة، يغطّي الأيادي المقطوعة، يلين حواف الرعب، ويجعل المشهد جميلًا بقدر ما هو قاسٍ. وفي النهاية، حين صار صوتها أضعف، وحين ارتجف صدرها أخيرًا، أنهت الأغنية كما لو أنها تسلّم ما تبقّى منها للعالم…

وفي اللحظة التي بدأ فيها الهواء يصرخ، ظلٌّ تحرّك بين الحُطام. ليس اندفاعًا، ليس قفزًا… بل انسياب بين الظلال، كفكرةٍ نسيها الضوء.

استدارت فانيسا نحو إليان والبقيَّة بابتسامةٍ حزينة تعلُو محياها… كانت تبتسم، لكن شيئًا في عينيها كان يُنكر تلك الابتسامة. لم تكن مزيّنة بالفرح، بل مشقوقة بخيطٍ من الأسى، كأنها محاولة يائسة لإقناع العالم بأنها بخير، بينما روحها تتكسَّر بهدوء خلف شفتيها المنحنية.

ثم طُعِن آلتوس من خلفه…

أما فانيسا… فقد واصلت السير. وقفتها منحنية، صوتها اختفى، لكن الأغنية بقيت معلّقة في الهواء، كما لو أنَّها أضافت عليها ذكرى حزينة أخرى…

نصلٌ خرج من ظهره، اخترق صدره بصمتٍ تام، بلا شرر، بلا انفجار… بهدوءٍ وسكينة. طعنة دقيقة… خبيرة… واثقة.

الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.

تصلّب جسده، الابتسامة اختفت، العينان اتّسعتا ليس رعبًا… بل دهشة. الضربة اخترقت قلبه، نزيفٌ حاد طلى بلونه الأحمر القاتم رِداء آلتوس… كان يسعل دمًا من فمه، شفتاه و يداه ترتجفان، و زُرقة بشرته تشحب…

“أ لا مانع لديك؟”

“فامي…” قال بصعوبة

(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها، تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس، حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته، وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)

كان فامي يقِف خلفه مباشرةً بعد أن تسلَّل إلى ظهره فاقد الرقابة والحذر بعد تجهيزه ذلك الهُجوم الواسع. بعينين باردتين وقف فامي ويداه تُمسكان خنجرًا جليديَّا اخترق به قلبَ سيِّده.

“ماذا تقصد؟ ما بال أسئلتكم هذه؟” أجاب فامي

“هذا يكفي…” قال فامي

خرج صوتها خافتًا، مبحوحًا، لكن جميلًا، عذبًا، ثابتًا، يحمل حزنًا لا يحتاج إلى صراخ…

آلتوس تجمّد… انتشر الجليد داخل جسده، فبدا شاحبًا، قبل أن تبرز العروق بلونٍ أزرق قاتم على كامل بشرته. كان يتجمَّد من الجليد لكن الصدمة من الخيانة كانت قاتلةً أكثر.

‘حان الوقتُ إذًا… أظنُّ أنه توقيتٌ مناسب بعد كلِّ شيئ.’

سحب فامي الخنجر، تراجع آلتوس خطوة… ثم أخرى… حاول تشكيل سحرٍ في راحةِ يده لكنه لم يقوى، وسقط على ركبة واحدة مجددًا، هذه المرة والثلج من حوله لا يستجيب.

قبل رحيله مع جنوده، و بعد قتله لقائده السابق آلتوس غدرًا، أعلن فامي قائد إلف الجديد نيَّته أمام فانيسا الجالسة على رُكبتيها بهدوء…

فانيسا انهارت على الأرض، وقفت على ركبتها، لكن سقطت مجددًا… رايندار وقف أخيرًا، يجرّ سيفه، واقترب. النار ما زالت تشتعل، والليل ما زال قائمًا. لكن في وسط الخراب… كان سيد الجليد راكعًا تحت زُرقة ضوء القمر الظاهر بين السُّحب كما لو أنه سلام، إشارة على انتهاء دمويَّة طالت أراضي هذه القرية المسالمة التي تحوَّلت جحيمًا… تحت ذلك النور، مات قائد إلف الجليد راكِعًا…

استدارت فانيسا نحو إليان والبقيَّة بابتسامةٍ حزينة تعلُو محياها… كانت تبتسم، لكن شيئًا في عينيها كان يُنكر تلك الابتسامة. لم تكن مزيّنة بالفرح، بل مشقوقة بخيطٍ من الأسى، كأنها محاولة يائسة لإقناع العالم بأنها بخير، بينما روحها تتكسَّر بهدوء خلف شفتيها المنحنية.

الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.

“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار

لم تسقط كإعدام، لم تهبط كموت، بل تحوَّلت إلى ثلجٍ أبيض ساكن. رقائق بيضاء ناعمة بدأت بالتساقط ببطء، تلامس النيران فتُطفئها، وتغطي الجثث، والأسقف المهدّمة، وآثار الدم فتريحُها… ثلج هادئ… جميل… رحيم، كأن السماء تعتذر.

رفع إلف الجليد المتبقُّون المبتسمون رؤوسهم للسماء… على علمٍ بشيئٍ قد أصاب قائدهم…

وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…

“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار

رفع إلف الجليد المتبقُّون المبتسمون رؤوسهم للسماء… على علمٍ بشيئٍ قد أصاب قائدهم…

تردّد صوتها بين الجدران المهدّمة، مرّ فوق الرؤوس الساكنة، وانساب على الثلج ككفنٍ من كلمات.

من بين الرُّكام… ظهر فامي بينهم آمرًا إياهم بالعودة من حيثُ أتُوا خلفه، معلنًا وفاة قائدهم ببسالةٍ وهو يُقاتل مستمتعًا… كان إعلانه لهم وكأنه صامت… أخفض الجميع بطشهم وذهبوا خلف قائدهم الجديد فامي مُغادرين القرية…

“أغنية…” همسَت ليارا

بعضُ القرويين ماتوا… آخرون تأذوا… لكن بعضهم لايزالُ سليمًا معافى… كانت تِلك حصيلة المجزرة التي تسبب بها إلف الجليد في هذه القرية.

راقبها إليان، رايندار، و ليارا، وهي تُغنِّي بنبرةٍ متألِّمة… كانت تمرّ بجانب جثةٍ بعد أخرى وهي تغنّي، كأن الأغنية رسالة اعتذار فردية لكل من سقط. عند جسدٍ صغير توقفت لحظة، لمست جبينه بأطراف أصابعها، ثم واصلت بصوتٍ أكثر انكسارًا…

قبل رحيله مع جنوده، و بعد قتله لقائده السابق آلتوس غدرًا، أعلن فامي قائد إلف الجديد نيَّته أمام فانيسا الجالسة على رُكبتيها بهدوء…

“كان ليكُون من الجميل لو أنني أستطيع إنهاء حياتي هنا وشفاء غليلكم دون أن أضطرَّ للعيش بوصمة الخيانة هذه، لكنني أعتذر… لا أستطيع الموت الآن، أحتاج قيادة بني جنسي لحياةٍ أكثر سلامًا!”

“إلف الجليد سيختفون من ناظركم… سنعود من حيثُ أتينا ولن نقرَبكم مجددًا… هذه نيتي بصفتي قائد إلف الجليد الحالي!”

و غنَّت.

بعد أن ألقى ما لديه من نيَّة، استدار وبدأ المسير مغادرًا لجمع ماتبقَّى من جنودِه والمغادرة… لكن إليان أوقفه بكلماته.

‘آسف جميعًا… إنه خطئي… لكن لا تقلقوا، أنا سألحق بكم فورًا…’

“أ لا مانع لديك؟”

كانت معلّقة في السماء، ساكنة، تنتظر الأمر. الضوء المنعكس عليها جعل الليل يلمع كقبرٍ مكسوٍّ بالكريستال. القرية المحطّمة تحتها بدت صغيرة… ضعيفة… محكومة بالمحو.

“ماذا تقصد؟ ما بال أسئلتكم هذه؟” أجاب فامي

“Shaal en’thariel en’marath, Voryn shal’el ven’khal, thalor en’krynn. Eryth nol varinth elun, Shaal en’thalor shivarn thrynn.”

“لقد قتلتَ قائدك، والآن أنت تنوي قيادة إلف الجليد وتقول أنكم لن تعودوا… لكن هل تظنُّ أنك تستطيع حقًّا التحكُّم بهؤلاء الوحوش وجعلهم مُسالمين؟… بعد كل ما حِكتَه بدورك، تريد الآن الاختفاء عن ناظرنا وبدء صفحة جديدة… لا تُضحكني!” قال إليان

راقبها إليان، رايندار، و ليارا، وهي تُغنِّي بنبرةٍ متألِّمة… كانت تمرّ بجانب جثةٍ بعد أخرى وهي تغنّي، كأن الأغنية رسالة اعتذار فردية لكل من سقط. عند جسدٍ صغير توقفت لحظة، لمست جبينه بأطراف أصابعها، ثم واصلت بصوتٍ أكثر انكسارًا…

“لم أقُل أنها ستكون مهمة سهلة، أعلم تمامًا أن تغيير أسلوب عيشنا الهمجي صعب… لكن هناك أشياءٌ لا أستطيع تغييرها إن لم أكُن على رأس القيادة، لذلك فعلتُ ما فعلته… هذا كل شيئ…” أجاب فامي

“أظنُّ أنني أجبتُك عن ذلك سابقًا… لقد قتلتُ السيد آلتوس بفضل قواكم، لم أكُن لأتمكَّن من فعلها لولا تبلُّد حواسه إثر قتاله الطويل معكم، لذا أرى أننا متعادلون الآن. بدوري، خنتُ بني جنسي وقتلتُ عددًا هائلًا منهم في طريقي إلى هنا… لذلك أظن أننا قادرون بالتساوي على فتح صفحة جديدة.”

“أنت دائمًا ما تهذي بهذا… لكن هل ترى أن كل هذه المجزرة التي حدثت الليلة ستُطمس وتُنسى وكأنَّ شيئًا لم يكُن…” سأل إليان

كان فامي يقِف خلفه مباشرةً بعد أن تسلَّل إلى ظهره فاقد الرقابة والحذر بعد تجهيزه ذلك الهُجوم الواسع. بعينين باردتين وقف فامي ويداه تُمسكان خنجرًا جليديَّا اخترق به قلبَ سيِّده.

“أظنُّ أنني أجبتُك عن ذلك سابقًا… لقد قتلتُ السيد آلتوس بفضل قواكم، لم أكُن لأتمكَّن من فعلها لولا تبلُّد حواسه إثر قتاله الطويل معكم، لذا أرى أننا متعادلون الآن. بدوري، خنتُ بني جنسي وقتلتُ عددًا هائلًا منهم في طريقي إلى هنا… لذلك أظن أننا قادرون بالتساوي على فتح صفحة جديدة.”

(كل دمعةٍ سقطت على وجهي، تحكي عن نيرانٍ لم أستطع إخمادها، عن صرخةٍ حاولت أن أصلها، لكنّي كنت ضعيفًا… والقدر أعمى.)

“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي

و غنَّت.

إلتقت أعين إليان بأعين فامي بينما كان الجميع ينظر إلى حجم الخراب المحيط بهم بأسى…

“Feryn shaal, thalor en’mar, Eryth nol voryn shyn krath, Shaal en’thariel nol varinth, Voryn elun shyn shaal en’rynn, Lor shyn en’thalor en’krynn.”

“كان ليكُون من الجميل لو أنني أستطيع إنهاء حياتي هنا وشفاء غليلكم دون أن أضطرَّ للعيش بوصمة الخيانة هذه، لكنني أعتذر… لا أستطيع الموت الآن، أحتاج قيادة بني جنسي لحياةٍ أكثر سلامًا!”

‘حان الوقتُ إذًا… أظنُّ أنه توقيتٌ مناسب بعد كلِّ شيئ.’

“الوداع.” أتبع فامي قائلا

الريح حملت كلماتها، والثلج بدأ يزداد كثافة، يغطّي الأيادي المقطوعة، يلين حواف الرعب، ويجعل المشهد جميلًا بقدر ما هو قاسٍ. وفي النهاية، حين صار صوتها أضعف، وحين ارتجف صدرها أخيرًا، أنهت الأغنية كما لو أنها تسلّم ما تبقّى منها للعالم…

بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.

بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.

شعر إليان بوخزةٍ في قلبه، أدرَك ماهيتها، لكنه ابتسم إثرها… إبتسامة خفيفة تكادُ لا تُرى…

سكتت.

‘حان الوقتُ إذًا… أظنُّ أنه توقيتٌ مناسب بعد كلِّ شيئ.’

تردّد صوتها بين الجدران المهدّمة، مرّ فوق الرؤوس الساكنة، وانساب على الثلج ككفنٍ من كلمات.

مسكت فانيسا الثلوج المتراكمة أمام ناظِرها ثم وقفت والإرهاق بادٍ عليها وعلى حركتِها. بدأت فانيسا تمشي ببطءٍ كأن الأرض نفسها تُمسك بقدميها كي لا تتركها ترحل. الثلج الذي أخمد الجحيم غطّى القرية بطبقةٍ ناعمة، لكنه لم يُخفِ الحقيقة… فقط أجَّل النظر إليها. تحت ضوء القمر، بدت الأكواخ المحطّمة كعظامٍ سوداء، والجثث متناثرة على الطرقات التي كانت يومًا مليئة بالأصوات. رؤوسٌ مفصولة تستقر في الثلج بسلامٍ كاذب. أيدٍ مقطوعة ما تزال منحنية، كأنها حاولت في لحظتها الأخيرة أن تتشبّث بشيء… بأي شيء. أجسادٌ صغيرة، وأخرى كبيرة، ممدّدة بلا وزن، وقد خفّ عنها الخوف أخيرًا…

رفع إلف الجليد المتبقُّون المبتسمون رؤوسهم للسماء… على علمٍ بشيئٍ قد أصاب قائدهم…

مرّت فانيسا بينهم واحدةً واحدة. لم تتعجّل، ولم تتوقف طويلًا. كانت تعرفهم جميعًا… وتحفظ أسماؤهم، حتى وإن لم تعد هناك أفواه لتنادي باسمها الشرفيّ “القائدة” بينهم.

خرج صوتها خافتًا، مبحوحًا، لكن جميلًا، عذبًا، ثابتًا، يحمل حزنًا لا يحتاج إلى صراخ…

ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.

شعر إليان بوخزةٍ في قلبه، أدرَك ماهيتها، لكنه ابتسم إثرها… إبتسامة خفيفة تكادُ لا تُرى…

و غنَّت.

ثم توقفت في قلب الساحة، حيث كان اللهب أعنف، وحيث ذاب الثلج قبل ساعات من شدّة النار. رفعت رأسها إلى القمر، وأطلقت زفيرًا طويلًا، كأنها تُفرغ ما تبقّى في صدرها.

خرج صوتها خافتًا، مبحوحًا، لكن جميلًا، عذبًا، ثابتًا، يحمل حزنًا لا يحتاج إلى صراخ…

يُتبع..

“Shaal en’thariel en’marath,
Voryn shal’el ven’khal, thalor en’krynn.
Eryth nol varinth elun,
Shaal en’thalor shivarn thrynn.”

“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار

(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها،
تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس،
حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته،
وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)

“لم أقُل أنها ستكون مهمة سهلة، أعلم تمامًا أن تغيير أسلوب عيشنا الهمجي صعب… لكن هناك أشياءٌ لا أستطيع تغييرها إن لم أكُن على رأس القيادة، لذلك فعلتُ ما فعلته… هذا كل شيئ…” أجاب فامي

تردّد صوتها بين الجدران المهدّمة، مرّ فوق الرؤوس الساكنة، وانساب على الثلج ككفنٍ من كلمات.

وفي اللحظة التي بدأ فيها الهواء يصرخ، ظلٌّ تحرّك بين الحُطام. ليس اندفاعًا، ليس قفزًا… بل انسياب بين الظلال، كفكرةٍ نسيها الضوء.

“Nyrin elvaar shyn korath,
Shal’ven drathol shivra en’saer,
Kyral en’myr thol varinth,
Voryn elar shyn vorynn… shaal en’myr thal.”

(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها، تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس، حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته، وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)

(كل دمعةٍ سقطت على وجهي،
تحكي عن نيرانٍ لم أستطع إخمادها،
عن صرخةٍ حاولت أن أصلها،
لكنّي كنت ضعيفًا… والقدر أعمى.)

(يا روحًا ذهبتْ قبل أوانها، تركتِ قلبي وحيدًا في ليلٍ دامس، حملتُ في يدي حلمًا لم أستطع حمايته، وغَرِق قلبي في بحرٍ من صمتٍ دامس.)

راقبها إليان، رايندار، و ليارا، وهي تُغنِّي بنبرةٍ متألِّمة… كانت تمرّ بجانب جثةٍ بعد أخرى وهي تغنّي، كأن الأغنية رسالة اعتذار فردية لكل من سقط. عند جسدٍ صغير توقفت لحظة، لمست جبينه بأطراف أصابعها، ثم واصلت بصوتٍ أكثر انكسارًا…

“Shaal en’thariel en’marath, Voryn shal’el ven’khal, thalor en’krynn. Eryth nol varinth elun, Shaal en’thalor shivarn thrynn.”

“Lor en’ryth nalor shaal,
Varin thalor shyn elvar,
Kaal’thyra, shyn nol varith,
Shaal en’ryl ven’khal, shyn varal en’nor.”

بعد أن ألقى ما لديه من نيَّة، استدار وبدأ المسير مغادرًا لجمع ماتبقَّى من جنودِه والمغادرة… لكن إليان أوقفه بكلماته.

(لو كان لدي جناح من نور،
لطرتُ إليك قبل أن تبتعد،
لكن قدماي، ثقيلةٌ بالذنب،
أبقتني في مكانٍ لا أنتمي إليه.)

بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.

الريح حملت كلماتها، والثلج بدأ يزداد كثافة، يغطّي الأيادي المقطوعة، يلين حواف الرعب، ويجعل المشهد جميلًا بقدر ما هو قاسٍ. وفي النهاية، حين صار صوتها أضعف، وحين ارتجف صدرها أخيرًا، أنهت الأغنية كما لو أنها تسلّم ما تبقّى منها للعالم…

(فخذ مني هذا القلب المتعب، خذ دموعي التي ذابت كالثلج، فإني لم أستطع حمايتك، لكن روحي ستظل لك، إلى أن تعود الرياح وتجمعنا من جديد.)

“Feryn shaal, thalor en’mar,
Eryth nol voryn shyn krath,
Shaal en’thariel nol varinth,
Voryn elun shyn shaal en’rynn,
Lor shyn en’thalor en’krynn.”

“لم أقُل أنها ستكون مهمة سهلة، أعلم تمامًا أن تغيير أسلوب عيشنا الهمجي صعب… لكن هناك أشياءٌ لا أستطيع تغييرها إن لم أكُن على رأس القيادة، لذلك فعلتُ ما فعلته… هذا كل شيئ…” أجاب فامي

(فخذ مني هذا القلب المتعب،
خذ دموعي التي ذابت كالثلج،
فإني لم أستطع حمايتك،
لكن روحي ستظل لك،
إلى أن تعود الرياح وتجمعنا من جديد.)

سكتت.

سكتت.

(فخذ مني هذا القلب المتعب، خذ دموعي التي ذابت كالثلج، فإني لم أستطع حمايتك، لكن روحي ستظل لك، إلى أن تعود الرياح وتجمعنا من جديد.)

لم يُجبها أحد. لكن الثلج واصل تساقطه، ناعمًا، صامتًا، يغطي القرية وأهلها، وكأن السماء تحاول أن تكون رحيمةً بها.

“إن جئتُم بعد ذلك خلف حياة شعبي سأواجهكم بصفتي قائدهم، لكنني لن أُهاجمكم لسبب آخر يومًا.” أجاب فامي

“أغنية…” همسَت ليارا

(لو كان لدي جناح من نور، لطرتُ إليك قبل أن تبتعد، لكن قدماي، ثقيلةٌ بالذنب، أبقتني في مكانٍ لا أنتمي إليه.)

“فوق جسرٍ في مركز العاصمة، يُحكى عن امرأةٍ نصف بشرية بملامح رمادية باهتة، تُغطِّي رأسها، اعتادت على أداء أغانٍ مسرحية تسرُد قصص الأبطالِ الذين أُعجبت بهم في المكان ذاتِه؛ اتَّضح لاحقًا أنها كانت من أنصاف القطط الشمالية. يُقال أنها كانت تُعارض سياسة قريتها المُسالمة فغادرتها بحثًا عن اسمٍ لها في مرحلة تمرُّد لتُصبح محارِبة في العالم الخارجي. وقعت في الحب، تزوَّجت بشريًّا، وأنجبت طفلةً لم تقوى على إبقاءها آمنة. حيث عادت من مهمةٍ مستعدَّة لأداءٍ أغنيةٍ على الجسر ذاته، لتجِد ابنتها قد ماتت حرقًا على عمودٍ في مركز العاصمة حتى اختفت جثتها وكأنها لم تكُن، لأن هويَّتها كفتاة مُستوحشة قد اكتُشفت من قِبل متطرِّفين داخل المدينة. عادت الامرأةُ لبيتها بعد ذلك بحثًا عن زوجها لتجِده مقتولًا بدورِه داخل بيتِهم المحروق بأكمله… ثم عادت للجسر المعهود وغنَّت هذه الأغنية المُختلفة عمَّا اعتادت، والتي تم توارُثها لعقودٍ… لقد سمِعتُ هذه القصَّة في صِغري… الفتاة والأب لم يعُودَا جزءًا من هذا العالم، بينما الأم يُشاع أنها عادت لقريتها بعد تجربةٍ فاشلة مع عالمٍ خارجي متطرِّف…”

آلتوس تجمّد… انتشر الجليد داخل جسده، فبدا شاحبًا، قبل أن تبرز العروق بلونٍ أزرق قاتم على كامل بشرته. كان يتجمَّد من الجليد لكن الصدمة من الخيانة كانت قاتلةً أكثر.

“فانيسا كانت تلك الأم… لكن حتى بعودتها لأرضٍ يسودها السلام لم تقوى على تجنُّب هذه الوحشية… سماعُ هذه الأغنية من جديدٍ الآن يُحيي فيَّ شعور الأسى عند سماعها لأولِّ مرة…” حكى رايندار

بهذه الكلمات، إختفى فامي خلف الضباب مغادرًا تاركًا الجميع صامتًا عند ساحة المعركة التي أخمدت الثلوج نيرانها، ساحة معركة جرَت فوق مكانٍ اعتادت الحياة أن تدُبَّ فيه.

أما فانيسا… فقد واصلت السير. وقفتها منحنية، صوتها اختفى، لكن الأغنية بقيت معلّقة في الهواء، كما لو أنَّها أضافت عليها ذكرى حزينة أخرى…

وفي وسط القرية، تحت تساقط الثلج الصامت، كان الخراب يهدأ… وكان الرعب ينام… وكان الجمال رغم كل شيء يجرؤ على الظهور، مغطِّيًا بهدوءه جثت مئات الضحايا الذين سقطوا في هذه المجزرة…

استدارت فانيسا نحو إليان والبقيَّة بابتسامةٍ حزينة تعلُو محياها… كانت تبتسم، لكن شيئًا في عينيها كان يُنكر تلك الابتسامة. لم تكن مزيّنة بالفرح، بل مشقوقة بخيطٍ من الأسى، كأنها محاولة يائسة لإقناع العالم بأنها بخير، بينما روحها تتكسَّر بهدوء خلف شفتيها المنحنية.

الريح حملت كلماتها، والثلج بدأ يزداد كثافة، يغطّي الأيادي المقطوعة، يلين حواف الرعب، ويجعل المشهد جميلًا بقدر ما هو قاسٍ. وفي النهاية، حين صار صوتها أضعف، وحين ارتجف صدرها أخيرًا، أنهت الأغنية كما لو أنها تسلّم ما تبقّى منها للعالم…

ارتسمت على شفتي إليان ابتسامةٌ شاحبة، كانت تحمل من الحنان أكثر مما تحمل من القوة، وكأنها مواساة أخيرة لمن لن يراهم مجددًا. نظر للأفق بعينين أثقلتهما الذكريات، وهمس لنفسه بصوتٍ مكتوم لم يبلُغ أحدًا…

آلتوس تجمّد… انتشر الجليد داخل جسده، فبدا شاحبًا، قبل أن تبرز العروق بلونٍ أزرق قاتم على كامل بشرته. كان يتجمَّد من الجليد لكن الصدمة من الخيانة كانت قاتلةً أكثر.

‘آسف جميعًا… إنه خطئي… لكن لا تقلقوا، أنا سألحق بكم فورًا…’

فانيسا انهارت على الأرض، وقفت على ركبتها، لكن سقطت مجددًا… رايندار وقف أخيرًا، يجرّ سيفه، واقترب. النار ما زالت تشتعل، والليل ما زال قائمًا. لكن في وسط الخراب… كان سيد الجليد راكعًا تحت زُرقة ضوء القمر الظاهر بين السُّحب كما لو أنه سلام، إشارة على انتهاء دمويَّة طالت أراضي هذه القرية المسالمة التي تحوَّلت جحيمًا… تحت ذلك النور، مات قائد إلف الجليد راكِعًا…

ثم جاء الألم… حادًا، مفاجئًا، كطعنة في الصدر. ضاق نفسه، ارتجف جسده، وأمسك بقلبه، كأنما يحاول احتواء ما لا يُمكن منعه. ترنّح خطوتين، نظر حوله كمن يودع العالم فرآى ليارا ورايندار قلقين بجانبه يصرُخون بشيئ… اسمه ربما…

بعد أن ألقى ما لديه من نيَّة، استدار وبدأ المسير مغادرًا لجمع ماتبقَّى من جنودِه والمغادرة… لكن إليان أوقفه بكلماته.

‘يا للهدوء… ربما تكون الراحة التي نبحث عنها طوال حياتنا، هي السكون العميق الذي يُعانقنا في ساعة الاحتضار.’

“فامي…” قال بصعوبة

ثم سقَط ببطء، لا مقاومة… بالعديد من الندم، لكن بابتسامة هادئة لا تزال مرسومة، كأنها ختمٌ نهائي على قدرٍ تقبّله منذ زمن…

مسكت فانيسا الثلوج المتراكمة أمام ناظِرها ثم وقفت والإرهاق بادٍ عليها وعلى حركتِها. بدأت فانيسا تمشي ببطءٍ كأن الأرض نفسها تُمسك بقدميها كي لا تتركها ترحل. الثلج الذي أخمد الجحيم غطّى القرية بطبقةٍ ناعمة، لكنه لم يُخفِ الحقيقة… فقط أجَّل النظر إليها. تحت ضوء القمر، بدت الأكواخ المحطّمة كعظامٍ سوداء، والجثث متناثرة على الطرقات التي كانت يومًا مليئة بالأصوات. رؤوسٌ مفصولة تستقر في الثلج بسلامٍ كاذب. أيدٍ مقطوعة ما تزال منحنية، كأنها حاولت في لحظتها الأخيرة أن تتشبّث بشيء… بأي شيء. أجسادٌ صغيرة، وأخرى كبيرة، ممدّدة بلا وزن، وقد خفّ عنها الخوف أخيرًا…

مات إليان…

لم تسقط كإعدام، لم تهبط كموت، بل تحوَّلت إلى ثلجٍ أبيض ساكن. رقائق بيضاء ناعمة بدأت بالتساقط ببطء، تلامس النيران فتُطفئها، وتغطي الجثث، والأسقف المهدّمة، وآثار الدم فتريحُها… ثلج هادئ… جميل… رحيم، كأن السماء تعتذر.

يُتبع..

(كل دمعةٍ سقطت على وجهي، تحكي عن نيرانٍ لم أستطع إخمادها، عن صرخةٍ حاولت أن أصلها، لكنّي كنت ضعيفًا… والقدر أعمى.)

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 14 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉SFM OP🔥 100
4A N O N Y M O U S🔥 100
5abdullah Alrehaili🔥 100
6Mohammed Alotaibi🔥 100
7Muhannad Alenazi🔥 100
8Abdulrahman Alfarwati🔥 100
9تذنبوب تبنبت🔥 100
10Abdulaziz Alnazhan🔥 100

الشظايا في السماء ارتجفت… ثم تفكّكت.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط