وِلادة - الجزء 3
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
“قد يُخطئ المرء، وقد ينحرف عن الطريق، لكن من حملَ العائلة في قلبه يعرف أن النُّبل الحقيقي لا يكون في الانتصار، بل في الوقوف أمام العاصفة قائلًا؛ أنا المخطئ… وأنا من يتحمّل اللوم، فقط اتركوا من أُحبّ بعيدًا عن الأذى…” أتبعَت قائلةً
كان ذا شعرٍ فضّيٍّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
“…”
وجهٌ شاحب مؤلوفٌ كالرخام الرمادي، أحاطت به هالة مرعبة. عظمتا الوجنتين بارزتان قليلاً، العينان سوداوتان بالكامل، بلا بياضٍ ولا لمعة، كأنهما ثقبان في صفحة العالم، يبتلعان الضوء بدل أن يعكسانه.
“العائلة ليست دمًا يجري في العروق فحسب بالضرورة، بل وعدٌ صامت يوقظ الإنسان حين تخذله كل الدوافع الأخرى. تحت اسمها، يصبح المستحيل احتمالًا، ويتحوّل الخوف إلى خطوةٍ للأمام.” أتبعَت قائلةً
كان يرتدي لباساً ذا تصميمٍ داكن أنيق يفيض رهبة وأناقة في آنٍ واحد. يتكوّن من طبقات متناسقة من القماش الأسود المائل إلى الرمادي القاتم، تعلوها عباءة طويلة ذات أطراف حادّة وملمس رطب. الغطاء الذي يحيط بالرأس يخفي الملامح تحت وطأة الرياح العاتية في السماء الباردة، بينما تتقاطع على الصدر والخصر أحزمة جلدية مزخرفة بمشابك معدنية برّاقة توازن بين الطابع القتالي واللمسة الجمالية. القفازات بيضاء والحذاء متين التصميم، في حين تمنح الخيوط الدقيقة وتفاصيل الخياطة إحساسًا بالفخامة والانضباط. إنه زيّ لمحارب، يجمع بين القوة، الصمت، والرهبة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
ينزلق التنين فوق القرى الصغيرة في الأسفل، فتبدو البيوت كألعابٍ منسية، ويغمرها صرير الرياح قبل أن يصلها صدى مروره. ومع كل اندفاعٍ للأمام، تكشط مخالبه الذيلُ الطويلُ حوافّ الغيوم المنخفضة، بينما تحت جسده تُثار الثلوج المتراكمة على السفوح، تُسحب من أماكنها كأن الأرض نفسها تُمسح بيدٍ عملاقة. خطوطٌ بيضاء ترتفع خلفه، دوّامات من الثلج تتفتّت وتتناثر، شاهدة على السرعة التي لا ترحم.
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
كان الراكب ساكنًا فوق عنق التنين، كأنهما كيان واحد. عباءته الداكنة ترفرف بعنف، أطرافها الحادّة تُقاوم الريح، لكن جسده لا يميل ولا يتزعزع. عيناه السوداوان، الخاليتان من البياض، تحدّقان في الأفق الشمالي حيث ترتفع القمة الجبلية كرمحٍ مغروس في السماء. لا دهشة في نظرته، فقط تركيزٌ بارد يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة… كما كان الحال عند اقتحامه القصر الملكي لإيقاف مراسم استدعاء البطل سابقًا.
“نحنُ مغادرون.” قال رايندار
حين اندفع التنين أسرع، انحنت الأشجار في الأسفل، وانشطرت طبقات الثلج على المنحدرات، كأن الجبل يُفسح له الطريق. زئيرٌ مكتوم خرج من صدره، ليس صراخًا، بل اهتزازًا عميقًا في الهواء، شعرت به الأرض قبل الآذان. ومع اقترابهما من القمة، بدا أن العالم كله يصغر، وأن الشمال نفسه يخضع لهيبة هذا الجسد الأبيض، وللظلّ الذي يمتطيه بلا كلمة.
“أنتِ محقَّة!” ردَّت فانيسا
“حسنًا… إنه منظرٌ بديعٌ من فوق، أليس كذلك؟” قال
“أنتِ محقَّة!” ردَّت فانيسا
**********
**********
عند حافة الغابة الثلجية، وقد غاصت قدماها قليلاً في بياض السفح البارد، وقفت فتاة صغيرة بهدوء يشبه الحلم، كأنها فكرة لم تكتمل بعد. شعرها البني ينسدل طويلاً وناعماً، يحيط بوجه شاحب صافٍ كصفحة لم تُكتب، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة لا تخلو من تساؤلٍ خفي، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء. فتاة تحضر بصمتٍ عميق، مخلِّفةً أثرها دون أن تنطق. الأشجار من حولها صامتة، أغصانها مثقلة بالثلج، كأنها تحبس أنفاسها معها… لقد كانت الفتاة رينا.
“…”
رفعت رينا نظرها ببطءٍ، فوقعت عيناها على سنجاب صغير يتسلق جذع شجرة قريبة، يضُمُّ طعامه إلى صدره بإصرارٍ طفولي، يقفز ثم يتوقف، ثم يكمل طريقه بحيوية لا تعبأ بقسوة البرد.
“نعم” أجاب
تابعته بنظرة طويلة، وفي تلك اللحظة تسلل إلى ملامحها شيء يشبه الدفء. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها الجافتين، ابتسامة بالكاد تُرى، لكنها صادقة. ومعها، بدأ الغيم الرمادي المتراكم في السماء بالانقشاع تدريجيًا، يتفكك ببطء، حتى يفسح المجال لضوء أصفى، أهدأ، كأن الشتاء نفسه يتراجع خطوة إلى الوراء متفاعلًا مع حضورها.
“حسنًا أظنُّ أن الجميع يمتلكُ ماضيًا لا يُريد التطرُّق إليه إن أمكن… أ ليس كذلك؟” قال ثم إلتفَّ مغادرًا. “هيا بنا ليارا!”… لحقته ليارا بثبات.
الهالات الداكنة حول عينيها لا تختفي، ولا شحوب بشرتها يزول، لكن نظرتها تلمع للحظة، ثم تهمس بصوت خافت مبتسم، كأنها تخاطب العالم أو نفسها…
“حقًا؟”
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
الهالات الداكنة حول عينيها لا تختفي، ولا شحوب بشرتها يزول، لكن نظرتها تلمع للحظة، ثم تهمس بصوت خافت مبتسم، كأنها تخاطب العالم أو نفسها…
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
تقدّم الجميع بصمت، وبينهم كان يقِف رايندار وليارا. كانت الأعين الحزينة تتوجَّه نحوهم بنوعٍ من الكراهية أو الغضب ربما، كما لو أن أعينهم تتساءل عن سبب تواجد غرباءٍ من جنسٍ مختلف بينهم بعد هذه الفاجعة… بدت ليارا قلقة، لكن رايندار لم يهتم لذلك واستمرَّ بالدعاء للموتى بعينين مغلقتين خاشعتين… لا بكاء، لا نحيب، فقط وقع خطواتٍ خفيفة فوق الثلج، وكأن الأرض نفسها تحاول ألّا تُزعج الموتى.
**********
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
إثر المجزرة وفي جوٍّ صحوٍ مشرق، أقيمت جنازةٌ بسيطة في القرية تكريمًا لأرواح الموتى. كان الصمت هو الكاهن الأوّل في تلك المراسم.
وحين انتهى الجميع، لم ينتظروا، لم يلتفتوا، لم يودّعوا، بل واصلوا المسير. مرّوا بين القبور صفًا صفًا، كل فرد يعبر كأنه يعبر حلمًا لا يخصّه وحده. ومع كل خطوة بعيدة، كانت الخيوط البيضاء المشدودة على الشواهد ترتخي قليلًا… ثم تنقطع.
في عمق الغابة البيضاء، حيث لا تصل الطرق ولا تجرؤ الخرائط على الاكتمال، كانت تقع قبيلة أنصاف القطط الشمالية المخفية كما لو أنها انبثقت من الثلج نفسه. يرتدون ملابسهم الاعتيادية، آذانهم المنتصبة منحنية إلى الخلف احترامًا، بعضهم يبكي، البعض الآخر دمعت عيناه، وآخرون لم تكُن أعينهم الواسعة تبكي… بل تلمع فقط، كأن الدموع فكرة قديمة لم يعودوا يؤمنون بها.
“حسنًا أظنُّ أن الجميع يمتلكُ ماضيًا لا يُريد التطرُّق إليه إن أمكن… أ ليس كذلك؟” قال ثم إلتفَّ مغادرًا. “هيا بنا ليارا!”… لحقته ليارا بثبات.
اصطفّت القبور في خطوط متوازية غير تامة، مغروسة في الثلج كأوتاد حلمٍ منسيّ. لم تكن شواهدها حجرًا، بل أعمدة خشبية رفيعة، مربوطة بخيوطٍ بيضاء تتراقص ببطء مع الريح. على كل قبر، وُضعت قطعة قماش تحمل رمز العائلة، وقد غطّاها الصقيع حتى بدت كأنها أطياف معلّقة بين العالمين.
رفعت رينا نظرها ببطءٍ، فوقعت عيناها على سنجاب صغير يتسلق جذع شجرة قريبة، يضُمُّ طعامه إلى صدره بإصرارٍ طفولي، يقفز ثم يتوقف، ثم يكمل طريقه بحيوية لا تعبأ بقسوة البرد.
تقدّم الجميع بصمت، وبينهم كان يقِف رايندار وليارا. كانت الأعين الحزينة تتوجَّه نحوهم بنوعٍ من الكراهية أو الغضب ربما، كما لو أن أعينهم تتساءل عن سبب تواجد غرباءٍ من جنسٍ مختلف بينهم بعد هذه الفاجعة… بدت ليارا قلقة، لكن رايندار لم يهتم لذلك واستمرَّ بالدعاء للموتى بعينين مغلقتين خاشعتين… لا بكاء، لا نحيب، فقط وقع خطواتٍ خفيفة فوق الثلج، وكأن الأرض نفسها تحاول ألّا تُزعج الموتى.
“…”
كانت الزهور غريبة، لا تنتمي لفصل الشتاء. بتلاتها شفافة، تميل إلى الأزرق البنفسجي، تتفتّح رغم البرد، وكأنها تتغذّى على الفقد ذاته. أمسك كل فرد زهرة واحدة فقط، لا أكثر، لأن الأرواح بحسب معتقداتهم لا تحب الإسراف.
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
توقّفوا أمام القبور، انحنت الرؤوس، وانحنت الآذان… رفع أحد الشيوخ يده، لم يتكلم، لكن الجميع سمع الدعاء. لم يكن صوتًا، بل إحساسًا، كأن كلماتٍ غير منطوقة تسلّلت إلى الصدر مباشرة؛ رجاءٌ بأن تجد الأرواح جحورها في الجنة عند الضفة الأخرى، وأن تنال هناك ما لم تستطِع نيلهُ هنا من سعادةٍ ورحمة.
وجهٌ شاحب مؤلوفٌ كالرخام الرمادي، أحاطت به هالة مرعبة. عظمتا الوجنتين بارزتان قليلاً، العينان سوداوتان بالكامل، بلا بياضٍ ولا لمعة، كأنهما ثقبان في صفحة العالم، يبتلعان الضوء بدل أن يعكسانه.
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
عند حافة الغابة الثلجية، وقد غاصت قدماها قليلاً في بياض السفح البارد، وقفت فتاة صغيرة بهدوء يشبه الحلم، كأنها فكرة لم تكتمل بعد. شعرها البني ينسدل طويلاً وناعماً، يحيط بوجه شاحب صافٍ كصفحة لم تُكتب، وتنساب خصلاته بثقلٍ رزين على وجهها، عيناها بنيَّتان، واسعتان، داكنتان، تحملان نظرة فارغة ساكنة لا تخلو من تساؤلٍ خفي، بينما شفتاها الصغيرتان تمنحان ملامحها مسحة براءةٍ باردة. ترتدي فستاناً أبيض تتخلله لمسات زهريّة ناعمة، تتدلى أكمامه بخفة وتنساب طبقاته بهدوء. فتاة تحضر بصمتٍ عميق، مخلِّفةً أثرها دون أن تنطق. الأشجار من حولها صامتة، أغصانها مثقلة بالثلج، كأنها تحبس أنفاسها معها… لقد كانت الفتاة رينا.
وحين انتهى الجميع، لم ينتظروا، لم يلتفتوا، لم يودّعوا، بل واصلوا المسير. مرّوا بين القبور صفًا صفًا، كل فرد يعبر كأنه يعبر حلمًا لا يخصّه وحده. ومع كل خطوة بعيدة، كانت الخيوط البيضاء المشدودة على الشواهد ترتخي قليلًا… ثم تنقطع.
يُتبع…
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
في عمق الغابة البيضاء، حيث لا تصل الطرق ولا تجرؤ الخرائط على الاكتمال، كانت تقع قبيلة أنصاف القطط الشمالية المخفية كما لو أنها انبثقت من الثلج نفسه. يرتدون ملابسهم الاعتيادية، آذانهم المنتصبة منحنية إلى الخلف احترامًا، بعضهم يبكي، البعض الآخر دمعت عيناه، وآخرون لم تكُن أعينهم الواسعة تبكي… بل تلمع فقط، كأن الدموع فكرة قديمة لم يعودوا يؤمنون بها.
بعد ذلك، توجَّه رايندار، وخلفه ليارا نحو فانيسا ومعها الأم الشريفة سيرا…
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
“نحنُ مغادرون.” قال رايندار
“عجيبٌ أمر الحياة… في هذه اللحظة، حين تشرق الشمس فوق هذه البقعة، قد تغيم في أخرى. نحن نقيم جنازة، وآخرون يرقصون فرحًا في مكان بعيد… مع أننا نتشارك سماءً واحدة، إلا أننا لا نعيشُ اللحظة ذاتها.” قالت العجوز سيرا
“حسنًا… أشكرُكما على الانتظار حتى إحياء الجنازة!” أجابت فانيسا
“…”
“لا تكوني، الدعاء للموتى واجب…” أجاب
“…”
“…”
“يبدو أنه قد حان وقت الربيع…”
بدى التردد واضحًا على ليارا وكأنها تحاول قول شيئٍ… “أتمنى أن لا تكوني حاقدةً على إليان… لقد نال كفايته من الألم والمعاناة بدورِه…” قالت
تقدّم الجميع بصمت، وبينهم كان يقِف رايندار وليارا. كانت الأعين الحزينة تتوجَّه نحوهم بنوعٍ من الكراهية أو الغضب ربما، كما لو أن أعينهم تتساءل عن سبب تواجد غرباءٍ من جنسٍ مختلف بينهم بعد هذه الفاجعة… بدت ليارا قلقة، لكن رايندار لم يهتم لذلك واستمرَّ بالدعاء للموتى بعينين مغلقتين خاشعتين… لا بكاء، لا نحيب، فقط وقع خطواتٍ خفيفة فوق الثلج، وكأن الأرض نفسها تحاول ألّا تُزعج الموتى.
“لن أفعل… لا سبب لديَّ لأكون غاضبةً من شخصٍ غادر هذا العالم… كما أنني لم أكُن غاضبةً منه أساسًا، فبعد كل شيئٍ سيبقى منقذ حياتي، وما حدث اليوم ليس إلا جزاءً لمحاولتي حجزه في قفص دون أن أوضح له المسار.” قالت
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
“حقًا؟”
كانت الزهور غريبة، لا تنتمي لفصل الشتاء. بتلاتها شفافة، تميل إلى الأزرق البنفسجي، تتفتّح رغم البرد، وكأنها تتغذّى على الفقد ذاته. أمسك كل فرد زهرة واحدة فقط، لا أكثر، لأن الأرواح بحسب معتقداتهم لا تحب الإسراف.
“أجل…”
تابعته بنظرة طويلة، وفي تلك اللحظة تسلل إلى ملامحها شيء يشبه الدفء. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها الجافتين، ابتسامة بالكاد تُرى، لكنها صادقة. ومعها، بدأ الغيم الرمادي المتراكم في السماء بالانقشاع تدريجيًا، يتفكك ببطء، حتى يفسح المجال لضوء أصفى، أهدأ، كأن الشتاء نفسه يتراجع خطوة إلى الوراء متفاعلًا مع حضورها.
“هل قررتم أخد جثمانه معكم في تابوت لدفنه قربكم؟” سألت العجوز سيرا
وفي اللحظة التي اختفى فيها آخر فرد بين الأشجار، هبّت الريح، تلاشت آثار الأقدام، وبلغَ نور الشمس الدافئ بياض الثلوج التي تُغطِّي تلك القبور…
“نعم… بعد كل شيئ، هو جزءٌ من عائلتي.” أجاب رايندار
يُتبع…
“الروابط العائلية… عنوانٌ رنانٌ بحق.” قالت فانيسا
يُتبع…
“…”
إثر المجزرة وفي جوٍّ صحوٍ مشرق، أقيمت جنازةٌ بسيطة في القرية تكريمًا لأرواح الموتى. كان الصمت هو الكاهن الأوّل في تلك المراسم.
“العائلة ليست دمًا يجري في العروق فحسب بالضرورة، بل وعدٌ صامت يوقظ الإنسان حين تخذله كل الدوافع الأخرى. تحت اسمها، يصبح المستحيل احتمالًا، ويتحوّل الخوف إلى خطوةٍ للأمام.” أتبعَت قائلةً
كان ذا شعرٍ فضّيٍّ قصير، ممشوط للخلف بانسيابية واضحة، ما يمنح مظهرًا مرتبًا وحادّ الملامح. الخصلات الأساسية متجهة إلى الخلف بثبات، بينما تنفلت خصلاتٌ قليلة خفيفة لتنسدل على الجبين بشكل غير منتظم.
“…”
“قد يُخطئ المرء، وقد ينحرف عن الطريق، لكن من حملَ العائلة في قلبه يعرف أن النُّبل الحقيقي لا يكون في الانتصار، بل في الوقوف أمام العاصفة قائلًا؛ أنا المخطئ… وأنا من يتحمّل اللوم، فقط اتركوا من أُحبّ بعيدًا عن الأذى…” أتبعَت قائلةً
“…”
“أشكرُكما على مساعدتكما… أنا ممتنة لكما حقَّا!” قالت فانيسا
“تلك هي قوة الروابط، أن تجعلك أضعف أمامهم… وأقوى من أجلهم…” أتممت قائلةً
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
كان الحميع يصغي بتمعنٍ لفانيسا وهي تُلقي هذه الكلمات، وكان رايندار يشدُّ قبضته بقوة إثرها…
بعد ذلك، توجَّه رايندار، وخلفه ليارا نحو فانيسا ومعها الأم الشريفة سيرا…
“رايندار سيبيك… هذا اسمك صحيح!” قالت فانيسا
يُتبع…
“نعم” أجاب
وحين انتهى الجميع، لم ينتظروا، لم يلتفتوا، لم يودّعوا، بل واصلوا المسير. مرّوا بين القبور صفًا صفًا، كل فرد يعبر كأنه يعبر حلمًا لا يخصّه وحده. ومع كل خطوة بعيدة، كانت الخيوط البيضاء المشدودة على الشواهد ترتخي قليلًا… ثم تنقطع.
“لقد سمِعت أنك صنعتَ اسمًا لنفسك بعيدًا عن عائلتك النبيلة بعد أن نصَّبتَ نفسكَ كسيِّد سيف الشمال… لماذا تخلَّيت عن كلِّ شيئٍ وغادرت فجأة؟” سألَت
في عمق الغابة البيضاء، حيث لا تصل الطرق ولا تجرؤ الخرائط على الاكتمال، كانت تقع قبيلة أنصاف القطط الشمالية المخفية كما لو أنها انبثقت من الثلج نفسه. يرتدون ملابسهم الاعتيادية، آذانهم المنتصبة منحنية إلى الخلف احترامًا، بعضهم يبكي، البعض الآخر دمعت عيناه، وآخرون لم تكُن أعينهم الواسعة تبكي… بل تلمع فقط، كأن الدموع فكرة قديمة لم يعودوا يؤمنون بها.
“حسنًا أظنُّ أن الجميع يمتلكُ ماضيًا لا يُريد التطرُّق إليه إن أمكن… أ ليس كذلك؟” قال ثم إلتفَّ مغادرًا. “هيا بنا ليارا!”… لحقته ليارا بثبات.
كان الحميع يصغي بتمعنٍ لفانيسا وهي تُلقي هذه الكلمات، وكان رايندار يشدُّ قبضته بقوة إثرها…
“هذه إنها تخصُّك، أ ليسَ كذلك!” رمت فانيسا قلادة رايندار التي التقطتها سابقًا.
كان يطوف في السماء ظلٌّ ثقيل، ثابتٍ رغم العلو، بينما يمتطي تنينًا أبيضًا يشقّ الفضاء تحته بجسدٍ أسطوريٍّ يفرض حضوره على كل ما دونه. أجنحة التنين الهائلة تمتد كقارتين من العاج، تضرب الهواء بضربات بطيئة محسوبة، وكل خفقة تُطلق موجةً صامتة تجرّ معها الريح والبرد. حراشفه البيضاء لم تكن ناصعة فحسب، بل مكسوّة بلمعانٍ باهت يشبه الجليد المصقول، صفائح متداخلة كالدروع، تعكس ضوء السماء الشاحبة وتكسره إلى ظلالٍ باردة.
“أشكرُكما على مساعدتكما… أنا ممتنة لكما حقَّا!” قالت فانيسا
بقت واقفة، ساكنة، والابتسامة لا تزال معلّقة على محياها، بسيطة ومتواضعة، لكنها كافية لتعلن بداية شيء جديد، ولو كان هشًا مثل أول زهرة تشق طريقها عبر الثلج.
لوَّح رايندار بيده مغادرًا، بينما إلتفتت ليارا لهما وابتسمت بخفَّة عند الرحيل…
“…”
“عجيبٌ أمر الحياة… في هذه اللحظة، حين تشرق الشمس فوق هذه البقعة، قد تغيم في أخرى. نحن نقيم جنازة، وآخرون يرقصون فرحًا في مكان بعيد… مع أننا نتشارك سماءً واحدة، إلا أننا لا نعيشُ اللحظة ذاتها.” قالت العجوز سيرا
رُميت الزهور واحدة تلو الأخرى، لم تسقط، كانت تلامس الثلج، ثم تغوص فيه ببطء، تاركة خلفها وهجًا خافتًا، كأن الأرض تبتلع الذكرى برفق.
“أنتِ محقَّة!” ردَّت فانيسا
ينزلق التنين فوق القرى الصغيرة في الأسفل، فتبدو البيوت كألعابٍ منسية، ويغمرها صرير الرياح قبل أن يصلها صدى مروره. ومع كل اندفاعٍ للأمام، تكشط مخالبه الذيلُ الطويلُ حوافّ الغيوم المنخفضة، بينما تحت جسده تُثار الثلوج المتراكمة على السفوح، تُسحب من أماكنها كأن الأرض نفسها تُمسح بيدٍ عملاقة. خطوطٌ بيضاء ترتفع خلفه، دوّامات من الثلج تتفتّت وتتناثر، شاهدة على السرعة التي لا ترحم.
يُتبع…
تقدّم الجميع بصمت، وبينهم كان يقِف رايندار وليارا. كانت الأعين الحزينة تتوجَّه نحوهم بنوعٍ من الكراهية أو الغضب ربما، كما لو أن أعينهم تتساءل عن سبب تواجد غرباءٍ من جنسٍ مختلف بينهم بعد هذه الفاجعة… بدت ليارا قلقة، لكن رايندار لم يهتم لذلك واستمرَّ بالدعاء للموتى بعينين مغلقتين خاشعتين… لا بكاء، لا نحيب، فقط وقع خطواتٍ خفيفة فوق الثلج، وكأن الأرض نفسها تحاول ألّا تُزعج الموتى.
لوَّح رايندار بيده مغادرًا، بينما إلتفتت ليارا لهما وابتسمت بخفَّة عند الرحيل…
