حلزون مايوي — الفصل الثاني
إذن.
قررت أن ألتفت بوجهي للأمام. شعرت أنني كنت أنظر إلى وجه سينجوغاهارا لفترة طويلة، لذا ركزت على شيء آخر، سواء عن قصد أو بسبب الإحراج… وهناك.
002 «يا للروعة، انظروا من لدينا هنا. ظننتُ أن أحدهم ألقى جثة كلب على مقعد الحديقة، فإذا بك أنت يا أراراغي». رفعتُ رأسي إثر سماعي تحيةً فريدةً كليًا ربما تكون الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، لأرى زميلتي في الفصل هيتاغي سينجوغاهارا واقفةً أمامي. غنيٌّ عن القول إنها لم تكن ترتدي زيّها المدرسي؛ فاليوم أحد. بدأتُ أفكر في طريقةٍ ملائمة للرد على نعتي بجثة كلب، غير أن مشهد وقوفها هناك بملابسها المدنية، وقد ربطت شعرها الحريري المسترسل—الذي تتركه منسدلاً في المدرسة—على هيئة ذيل حصان، كان نقيًا لدرجة أنني لم أستطع منع نفسي من ابتلاع الكلمات التي احتبست في حلقي. واو… لم تكن ملابسها مكشوفةً كثيرًا، لكنها كانت تلفت النظر إلى صدرها بطريقةٍ غامضة… ناهيك عن السروال القصير (الشورت) الذي ترتديه، والذي كان سيبدو قصيرًا على نحوٍ لا يُصدق لو كان جزءًا من زيها المدرسي. لم يكن تنورةً حقيقية، لكن جواربها السوداء الطويلة جعلت ساقيها أكثر جاذبية وإغواءً. «ما الأمر؟ إنها مجرد تحية. مزحة. أرجو ألا تبدو كمن أُفسِد مزاجه للتو. أراراغي، هل أنت متأكد من أنك تملك أي حِسٍّ للدعابة؟» «آه، لـ-لا…» «أم أن قلبك البريء الصغير قد انصهر بمظهري الساحر، وتعيش الآن لحظة نشوة ونعيم؟» «…………» لقد أصابت كبد الحقيقة، أو على الأقل اقتربت منها بما يكفي، لذا لم أستطع الرد بتعليقٍ ذكي رغم انتقائها الغريب للكلمات. «أليست “انصهر” كلمةً رائعة؟ يقولون إن لها الجذر نفسه لكلمة “ذاب”، لكنها تحمل بُعدًا أعمق. أقصد، يمكنك إذابة أي شيء تقريبًا، لكن الانصهار يضع نفسه في مرتبةٍ أعلى، ولدى الناس آمال كبيرة فيها كمصطلح عاطفي للجيل القادم. مثل: “تلك الخادمة صهرت قلبي!” أو “أنا أنصهر عشقا لآذان القطط!” وما شابه ذلك من العبارات». «…فوجئتُ فقط بمدى اختلاف مظهركِ عن آخر مرة رأيتكِ فيها بغير الزي المدرسي. هذا كل ما في الأمر». «أوه، أظنك محقًا. ربما لأنني كنت أحاول ارتداء ملابس أكثر نضجًا في تلك المرة». «حقًا؟ هاه». «مع أنني اشتريت هذا الزي بالكامل بالأمس فقط. يمكنك عدَّه احتفالاً بتعافيي الكامل في الوقت الراهن». «تعافيكِ الكامل…» هيتاغي سينجوغاهارا. فتاة في صفي. كانت تعاني مشكلةً حتى وقتٍ قريب جدًا… بل في الواقع، كانت تعاني تلك المشكلة طوال حياتها الثانوية. لأكثر من عامين. باستمرار. منعتها هذه المشكلة من تكوين أي صداقات، أو التواصل مع أي أحد… أبقتها عمليًا حبيسة قفص، وأجبرتها على أن تعيش حياةً مليئةً بالعذاب كطالبةٍ ثانوية… لكن لحسن الحظ، حُلّت مشكلتها بطريقةٍ أو بأخرى يوم الاثنين الماضي تقريبًا. وانتهى بي المطاف لأكون شاهدا لذلك… وكانت تلك أول مرة أجري فيها محادثةً حقيقية معها، رغم أننا تشاركنا الصف نفسه في سنتنا الأولى والثانية، والآن الثالثة والأخيرة من الثانوية. يمكنك القول أنها كانت اللحظة التي تشكّلت فيها رابطة بيني وبينها؛ وهي التي كنت أراها حتى ذلك الحين مجرد طالبةٍ صامتة، رقيقة، عرضة للمرض، وتحصل على درجاتٍ ممتازة. حُلّت مشكلتها. حُلّت تمامًا. بالطبع لم يكن الأمر بهذه البساطة من وجهة نظرها، كطرفٍ تعامل مع المشكلة لسنوات… وكيف يكون كذلك؟ لذا ظلت متغيبةً عن المدرسة حتى أمس السبت؛ فقد كانت مشغولةً بالتردد على المستشفى ليجروا لها فحوصات مفصلة واختبارات وما شابه. ثم جاء الأمس. وتحررت… من كل ذلك. على ما يبدو. أخيرًا. أو بالعكس، بعد كل شيء. أو عكسيًا، لمرةٍ واحدة. «أظنك تستطيع قول ذلك، لكن ليس الأمر وكأن جذر المشكلة قد عولج تمامًا». قالت. «لا أعرف بعد إن كان يجدر بي أن أكون سعيدةً بصدق أم لا». «أوه. جذر المشكلة». هذا هو نوع المشكلة التي كانت تتعامل معها. ثم إن معظم الظواهر في العالم التي نصنفها كـ “مشاكل”… طبيعتها أنها أمور منتهية ومحسومة من البداية. المهم هو نوع التفسير الذي تسبغه عليها. كان ذلك صحيحًا بالنسبة لسينجوغاهارا. وبالنسبة لي أيضًا. «لا بأس. أنا الوحيدة التي يتوجب عليها القلق بشأن ذلك». «هاه. حسنًا، أظنكِ محقة». هكذا كان الأمر. لكلينا. «أنا محقة، نعم، أنا محقة تمامًا. وأنا سعيدة لأنني أمتلك على الأقل الذكاء الكافي لأكون قادرةً على القلق». «…أتمنى ألا تجعلي الأمر يبدو وكأن هناك روحًا تعيسة لا تملك حتى الذكاء المطلوب للقلق على شيء!» «أنت غبي يا أراراغي». «والآن قلتِها مباشرةً!» كانت تتجاهل السياق تمامًا. الطريقة التي تطور بها الحديث جعلتني أشعر أنها كانت تنتظر فقط فرصةً لنعتي بالغبي… مر أسبوع تقريبًا منذ آخر لقاء، لكنها لم تتغير قيد أنملة. كُنتُ أتساءل إن كانت ستصبح أقل حدةً قليلًا، لكن… «أنا سعيدة رغم ذلك». قالت سينجوغاهارا بابتسامةٍ خفيفة. «كنتُ أخطط ليكون اليوم بمثابة تجربة، لكن أملي كان أن تكون أنت أول شخص يرى هذه الملابس». «…هاه؟» «لأنني أستطيع ارتداء ما أريد الآن بعد حل مشكلتي. يمكنني الاختيار من بين كل ما هو موجود، دون أي قيود». «آه… صحيح». لم تكن قادرةً على ارتداء ما تريد. كانت تلك إحدى مشاكل سينجوغاهارا؛ في سنٍّ ترغب فيه الفتيات بالبدء في ارتداء الملابس الأنيقة. «أظنني، آه، أشعر بحظٍّ عظيم، أو بشرفٍ كبير لكوني أول شخص أردتِ أن يراها». «لم أقل إنني أردتُ أن أُريكَ إياها يا أراراغي. قلتُ إنني أردتُ أن تراها أنت. هناك فرق شاسع بين الاثنين». «هاه…» قالت ذلك، لكنها يوم الاثنين—وبخلاف ملابسها الناضجة—أرتني ما هو أكثر من ذلك بكثير… ومع ذلك، لم أستطع إنكار أن ملابسها، بكل هذا التركيز على منطقة الصدر، نجحت في جذب عينَيَّ بشدة. لا أعلم كيف أسمي ذلك، ربما ذوقًا رفيعًا في الموضة، لكنني شعرتُ وكأن قوةً مغناطيسية جبارة أسرتني ولن تطلق سراحي. لقد انطبعت في ذهني سابقًا كفتاةٍ مريضة طوال الوقت، لكنها الآن تبدو العكس تمامًا، مفعمة بالحيوية بشكلٍ إيجابي. كان المخطط الخارجي لجسدها العلوي أكثر وضوحًا بعد أن رفعت شعرها… وخاصةً المنطقة المحيطة بصدرها… مهلاً، أنا أستخدم كلمة “صدر” كثيرًا، أليس كذلك؟… لم تكن الملابس كاشفةً جدًا… في الواقع، بأكمامها الطويلة وجواربها، لم تكن كاشفةً إطلاقًا بالنسبة لمنتصف شهر مايو، لكن شيئًا فيها كان غريبًا وجذابًا على نحوٍ ساحر. ما هذا؟ كيف أفسره؟ هل يعقل أنه، بين تجربة حالة هيتاغي سينجوغاهارا يوم الاثنين وحالة رئيسة الفصل تسوباسا هانيكاوا خلال الأسبوع الذهبي، أصبحتُ أمتلك القدرة على إيجاد مشهد امرأة بكامل ملابسها أكثر إثارةً من واحدة عارية أو بملابسها الداخلية؟! أوه لا… لم تكن تلك مهارةً أحتاجها، وأنا لا أزال في الثانوية… مع أن التفكير بهدوء يجعلني أدرك كم هو من الوقاحة النظر إلى زميلاتي بتلك الطريقة. بدأتُ أشعر بخجلٍ شديد. «بالمناسبة يا أراراغي، ماذا تفعل هنا بالضبط في المقام الأول؟ هل طُردتَ من المدرسة أثناء غيابي؟ وتتظاهر الآن بالذهاب إليها بينما تقضي وقتك في الحديقة لأنك لا تستطيع إخبار عائلتك؟… سيعني هذا أن أسوأ مخاوفي قد تحققت». «أنتِ تجعلينني أبدو كربّ أسرة فقد وظيفته!» ثم إن اليوم الأحد على أي حال. عيد الأم، أتذكرين؟ كنتُ على وشك إخبارها بذلك، لكنني توقفت. سينجوغاهارا تعيش وحدها مع والدها بسبب ظروفها الخاصة، وعلاقتها بأمها معقدة للغاية. لن يكون من الجيد أن أكون مفرط الحساسية تجاه هذه الحقيقة، لكنه يظل موضوعًا لا ينبغي فتحُه دون سببٍ وجيه. قررتُ اعتبار عبارة “عيد الأم” محظورةً تمامًا أثناء وجودي مع سينجوغاهارا. وأنا أيضًا… لا أريد التحدث عن ذلك. «لا شيء حقًا. فقط أتسكّع وأقتل الوقت». قلتُ. «سمعتُ مرةً أن أي رجل يجيب بـ “فقط أقتل الوقت” عندما يُسأل عما يفعله، هو شخصٌ عديم الفائدة. أتمنى ألا يكون ذلك صحيحًا في حالتك يا أراراغي». «…أقوم بجولةٍ قصيرة بالدراجة». وأعني دراجةً هوائية، لا نارية، أضفتُ متداركًا. ردت سينجوغاهارا على هذا بإيماءةٍ و «هاه» قبل أن تلتفت نحو مدخل الحديقة، حيث موقف الدراجات. «إذن تلك الدراجة كانت لك يا أراراغي؟» «همم؟ نعم». «كانت صدئةً لدرجة جعلتني أتساءل إن كان إطارها مطليًا بأكسيد الحديد، وسلسلتها مقطوعة وساقطة، والمقعد والإطار الأمامي مفقودان! لم أعرف من قبل أن الدراجات يمكن أن تتحرك وهي في تلك الحالة». «ليست تلك!» تلك كانت الدراجات المهملة! «ألم تلاحظي الدراجة الرائعة بجانب هاتين؟! الحمراء! تلك هي دراجتي!» «همم… أوه. تلك الدراجة الجبلية». «بالضبط». «إم تي بي (MTB)». «آه… أظن ذلك». «إم آي بي (MIB)». «هذا شيء مختلف تمامًا!» «همف. إذن تلك كانت لك. هذا غريب… لا تشبه إطلاقًا تلك التي أخذتني عليها سابقًا». «تلك أستخدمها للذهاب إلى المدرسة. أتظنين أنني سأركب دراجة عجائز في عطلة نهاية الأسبوع؟» «فهمتُ، بالطبع. أنت طالب ثانوي في النهاية يا أراراغي». أومأت سينجوغاهارا. تمنيتُ لو تدرك أن الأمر ينطبق عليها أيضًا. «طالب ثانوي، دراجة جبلية». «لا أعلم إن كانت تعجبني هذه النبرة…» «طالب ثانوي بدراجة جبلية، تمامًا كطالب إعدادي بسكين فراشة، أو طالب ابتدائي يستمتع بقلب تنانير الفتيات». «وما هذه القائمة المشؤومة بحق الجحيم؟!» «كيف تحكم عليها بأنها مشؤومة؟ إنها مجرد قائمة بسيطة، ليست جملةً مفيدة من أي نوع. لا ينبغي أن تصرخ في وجه فتاة بناءً على افتراضاتك الخاصة يا أراراغي. الترهيب يُعد نوعًا من الاعتداء، أتعرف؟» في هذه الحالة، إهاناتكِ تُعد اعتداءً أيضًا! لكن لن تكون هناك أي فائدة من إخبارها بذلك… «حسنًا، حوّلي تلك القائمة إلى جملٍ كاملة إذن». طالبتُها. «طالب ثانوي يحمل دراجة جبلية هو كطالب إعدادي يحمل سكين فراشة، أو طالب ابتدائي يستمتع بقلب التنانير… مجرد تصرفات طفولية إضافية». «إذن كنتُ محقًا في النهاية!» «حقًا يا أراراغي؟ ليست هذه هي الملاحظة الذكية التي يُفترض بك قولها هنا؛ كان يُفترض أن تشير إلى أنني استخدمتُ شبه جملة بدلاً من جملةٍ كاملة كما طلبتَ». «هل تتوقعين مني حقًا اكتشاف ذلك فورًا؟!» لم تكن من أصحاب أعلى الدرجات في الصف عبثًا… أو ربما أنا الوحيد في الصف الذي لم يكن ليلاحظ ذلك فورًا… فاللغة لم تكن موضع قوتي إطلاقًا. «اسمعي، انسي أمري». قلتُ لها. «أنا حتى لا أحب الدراجات الجبلية إلى هذا الحد. وقد تمكنتُ من بناء بعض المناعة ضد إهاناتكِ اللفظية بعد كل هذا الوقت، أو ربما تكيفتُ معها، لكن على أي حال… هناك الملايين من طلاب الثانوية حول العالم يركبون دراجات جبلية؛ هل تريدين حقًا صنع أعداء من كل هؤلاء؟» «الدراجات الجبلية مذهلة، أليس كذلك؟ إنها قطعٌ راقية يرغب بها أي طالب ثانوي طبيعي». قالت هيتاغي سينجوغاهارا، ممتثلةً للتحول في غمضة عين. يبدو أنها مهتمة بالحفاظ على سلامتها أكثر مما ظننت. «مذهلة لدرجة أن عدم ملاءمتها لك يا أراراغي جعلت كلماتٍ لم أقصدها تقفز من فمي». «والآن تُلقين باللوم عليّ…» «كُفَّ عن التدقيق في كل تفصيلة صغيرة. إذا كنتَ يائسًا للاندفاع نحو موتك إلى هذا الحد، فسأكون سعيدةً بإيصالك إلى منتصف الطريق متى أردت». «هذا أقسى تهديد سمعته!» «هل تأتي إلى هنا كثيرًا يا أراراغي؟» «أنتِ لا تترددين حتى في تغيير الموضوع، أليس كذلك؟… لا، هذه أول مرة على ما أظن. كنت أتجول عشوائيًا وصادف أن وجدتُ حديقة، فقلتُ لنفسي إنني سآخذ استراحةً هنا، هذا كل شيء». لأكون صادقًا، ظننتُ أنني وصلتُ إلى مكانٍ أبعد بكثير… ربما أطراف أوكيناوا أو ما شابه، لكن مجرد مصادفتي لسينجوغاهارا يعني (بوضوح) أن دراجتي لم تخرجني حتى من حدود المدينة. كان الأمر وكأنني حيوانٌ في مزرعة. تبًا… بدأ الحصول على رخصة قيادة يبدو خيارًا مغريًا. لا، ربما بعد التخرج. «ماذا عنكِ يا سينجوغاهارا؟ قلتِ شيئًا عن كون اليوم تجربة؟ هل يعني ذلك أنكِ تتجولين لغرض العلاج الطبيعي؟» «ملاحظة التجربة كانت تشير إلى ملابسي. ألا تفعل هذا النوع من الأشياء كونك فتى؟ يجب أن تفعل ذلك مع حذائك على الأقل. لكن ببساطة: نعم، أنا أتمشى». «هاه». «هذا الجزء من المدينة كان منطقتي سابقًا». «…………» هل قالت “منطقتي” للتو؟ «أوه، هذا صحيح». تذكرتُ. «لقد انتقلتِ في السنة الثانية، أليس كذلك؟ إذن عشتِ في هذه المنطقة حتى ذلك الحين؟» «نعم، يمكنك القول». إذن هكذا كان الأمر… الآن أصبحت الصورة واضحة. بعبارة أخرى، لم يكن الأمر مجرد تنزه أو تجربة ملابس؛ كان الجوهر هو شعورها بالحنين إلى الماضي بعد أن حُلّت مشكلتها. حتى سينجوغاهارا تتصرف كبشرية طبيعية من حين لآخر. «لقد مر وقتٌ طويل، لكن هذه المنطقة…» بدأتْ. «ماذا؟ لم تتغير إطلاقًا؟» «لا، العكس تمامًا. لقد أصبحت مختلفة كليًا». ردت بسرعة، ولا بد أنها قامت بجولة استكشافية جيدة مسبقًا. «ليس الأمر أن هذا المكان يجعلني عاطفية، لكن… من الصعب شرح ذلك، إنه يستنزف حماسك حين ترى المدينة التي نشأتَ فيها قد تغيرت تمامًا». «ليس وكأنكِ تتوقعين بقاءها كما هي للأبد». أنا عشتُ في المكان نفسه منذ ولادتي، لذا لأكون صادقًا، لم أفهم الشعور الذي وصفته سينجوغاهارا إطلاقًا. لم يكن لدي مكان أستطيع تسميته بـ “بيت طفولتي”… «أنت محق. لا يمكنك توقع ذلك». لم تجادلني سينجوغاهارا، لدهشتي. كان من النادر ألا ترد برأيٍّ مخالف. أو ربما ظنت أنه لا يوجد شيء تكسبه من مناقشة هذا الموضوع معي. «اسمع يا أراراغي… هل تمانع أن أجلس بجانبك؟» «بجانبي؟» «أريد التحدث معك». «…………» كانت دائمًا المباشَرَة تجري في دمها؛ إذا كان هناك شيء تريد قوله أو فعله، صرحت به علنًا دون مواربة. «بالتأكيد». قلتُ. «كنت قد بدأتُ أشعر بقليلٍ من الذنب لاحتلالي هذا المقعد الرباعي بمفردي». «أوه؟ إذن أظنني سأجلس». قالت سينجوغاهارا قبل أن تجلس بجواري مباشرة. جلست بقربي جدًا، حتى كادت أكتافنا تتلامس. «…………» همم… لماذا تجلس على مقعدٍ رباعي وكأنه مصمم لشخصين فقط؟ ألستِ قريبةً أكثر من اللازم يا آنسة سينجوغاهارا؟ كانت قريبةً لدرجة أن أجسادنا لم تكن متلامسة فعلًا، لكنها ستتلامس مع أقل حركة. كان من المثير للإعجاب كيف وقفت على ذلك الخط الفاصل تمامًا، وبدا الأمر مبالغًا فيه لزميلين، أو حتى لصديقين. ومع ذلك، لو حاولتُ الابتعاد قليلاً، فقد يعطي ذلك انطباعًا بأنني أهرب منها. وجدتُ صعوبةً في التحرك عندما فكرتُ في القمع الذي سأناله لو رأت الأمر بتلك الطريقة، حتى لو لم أكن أقصد ذلك. النتيجة؟ تجمدتُ في مكاني. «بشأن ذلك اليوم…» قالت سينجوغاهارا بنبرةٍ هادئة، واصلت بها الحديث في هذا الوضع الحرج. «أردتُ أن أشكرك على كل شيء مجددًا». «…أوه. لا تقلقي، لا داعي لشكري حقًا. لم أفعل أي شيء يُذكر إن فكرتِ في الأمر». «أنت محق. قطعة قمامة كانت ستكون أكثر فائدة منك». «…………» جملتها تحمل المعنى نفسه الذي أردتُه، لكن صياغتها كانت أشد قسوة بمراحل! يا لها من امرأة فظيعة… «إذن يجب عليكِ شكر أوشينو». قلتُ لها. «هذا كل ما تحتاجين فعله». «السيد أوشينو مسألة منفصلة. وعلى أي حال، اتفقنا على أن أدفع له أجرًا محددًا… مئة ألف ين، على ما أظن؟» «نعم. إذن ستبدئين بالعمل بدوام جزئي؟» «نعم. لكن شخص بطبيعتي غير مناسب للعمل إطلاقًا، لذا ما زلتُ أضع خطة». «حسنًا، على الأقل أنتِ مدركة لهذه الحقيقة». «لا بد أن هناك طريقة أتهرب بها من سداد هذه الفاتورة…» «إذن هذا ما تقصدينه بالخطة!» «أنا أمزح. سأدفع نصيبي. لكن كما قلتُ… السيد أوشينو مسألة منفصلة، وأنا أردتُ شكرك بمعنًى مختلف يا أراراغي». «إن كان الأمر كذلك، فقد قلتِ ما يكفي. حتى كلمات الامتنان تفقد معناها وتصبح فارغة إذا تكررت أكثر من اللازم». «ماذا تقصد؟ لقد كانت فارغة منذ البداية». «كانت كذلك؟!» «أنا أمزح، لم تكن فارغة». «أنتِ تمزحين طوال الوقت، أليس كذلك؟» كنتُ مذهولاً فحسب. سعلت سينجوغاهارا سعلة خفيفة. «أنا آسفة… لسببٍ ما، أجد لدى نفسي رغبةً دائمة في إنكار أو مناقضة كل كلمة صغيرة تقولها». «…………» بالنسبة لاعتذار، كان من الصعب عليَّ قبوله… كان الأمر وكأنها تخبرني بأنها لا تطيق الانسجام معي! «أظنني أعرف السبب». تأملتُ مليًا. «إنه على الأرجح السلوك نفسه الذي يسلكه الأطفال الصغار عندما يريدون التنمر على شخص يحبونه». «ألم تتيقن بعد من أنه أشبه بسلوك البالغين الكبار عندما يريدون تعذيب شخص يرونه ضعيفًا؟» مهلاً… هل قالت للتو إنها تحبني؟! لا، كانت تقيم مقارنةً فحسب. بدا من المجاداة تبني عقلية طلاب المرحلة الإعدادية القائلة إن كل فتاة تبتسم لك هي مغرمة بك (الابتسامات مجانية على أي حال!)، لذا أعدتُ حديثنا إلى مساره. «حقًا، لا أشعر أنني فعلتُ شيئًا يستحق امتنانك، وباستعارة عبارة أوشينو: “أنتِ من يُخلص نفسه بنفسه”. لا داعي لإزعاج نفسكِ بالامتنان وما شابه، فهذا سيعقّد انسجامنا مستقبلاً». «الانسجام…» رددت سينجوغاهارا الكلمة دون أن تتغير نبرتها قيد أنملة. «أراراغي؟ هل من المقبول أن أعتبرنا مقربين؟» «بالطبع». كل منا كشف عن مشاكله الخاصة للآخر؛ لم نعد غرباء، ولا مجرد زملاء في الصف. «نعم… نعم، أنت محق». قالت. «كل منا يمسك بنقطة ضعف الآخر». «ماذا؟ هل علاقتنا متوترة إلى هذا الحد؟!» جعلت الأمر يبدو وكأنه صراع نفوذ! «الأمر لا يتعلق بنقاط الضعف، فكري في الأمر كشعور بالقرب وأمرٍ بديهي. إذا استطعتِ النظر إليه بهذه الطريقة، فسأفعل أنا أيضًا». «لكنك لستَ من النوع الذي يُكوّن صداقات فعلًا، أليس كذلك يا أراراغي؟» «حتى العام الماضي، نعم. ولم يكن “نوعي” بقدر ما كان قاعدتي الصارمة. لكن حدث لي تحول جذري خلال عطلة الربيع، و… ماذا عنكِ يا سينجوغاهارا؟» «كان هذا حالي حتى يوم الاثنين الماضي». قالت. «ولأكون أكثر دقة، حتى لقائي بك يا أراراغي». «…………» ما خطب هذه الفتاة…؟ بل ما خطب هذا الموقف برُمته؟! كان الأمر يبدو عمليًا وكأنها تعترف بحبها لي. الهواء صار ثقيلًا، بل خانقًا… كأنني لم أُمنَح وقتًا لأهيئ نفسي عاطفيًا لهذه اللحظة. لو علمتُ أن هذا قادم، لاهتممتُ بملابسي وشعري أكثر… مهلاً، لا! كنتُ أشعر بالحرج لمجرد أنني فكرتُ بجدية في كيفية التفاعل لو بدأت تُخبرني أنها تحبني! ولماذا كانت عينياي تنجذبان نحو صدر سينجوغاهارا فور أن بدأتُ التفكير في ذلك؟! هل أنا شخصٌ تافه إلى هذا الحد؟! هل كويومي أراراغي من ذلك النوع عديم الذوق الذي يحكم على الفتاة بناءً على مظهر (صدرها)…؟ «ما الأمر يا أراراغي؟» «أوه، همم… أنا آسف». «لماذا تعتذر؟» «بدأتُ أظن أن مجرد وجودي يُعد جريمة…» «آه هاه، يفترض أن تكون شخصًا غير قانوني بالفعل». «…………» مهلاً. مجددًا، كانت تكرر ما قلته، لكن بدلالةٍ مختلفة تمامًا ومصوبة نحو إهانتي! «على أي حال يا أراراغي». قالت. «بغض النظر عما تقوله، أريد أن أرد لك الجميل. لأنني إن لم أفعل، سأشعر دائمًا بأن لك دينًا عليّ. إن أردنا أن نصبح أصدقاء، فلن يتم ذلك إلا بعد أن أرد لك الجميل أولاً. بهذه الطريقة سنكون أصدقاء على قدم المساواة». «أصدقاء…» أصدقاء. ماذا يمكن أن يعني ذلك؟ كنتُ أعلم أنها كلمة عاطفية نبيلة، لكن يبدو أن جزءًا مني شعر بخيبة أمل لسماعها، وكأنني أُصبتُ بالكآبة بعد أن بنيتُ توقعاتٍ عالية… لا، لم يكن الأمر كذلك… لم يكن كذلك إطلاقًا… «ما الأمر يا أراراغي؟ ظننتُ أن ذلك كان خطابًا مؤثراً للتو، لكنك تبدو محبطًا لسبب ما». «لا، لا، لستُ كذلك! يبدو الأمر كذلك فقط لأنني أبذل قصارى جهدي لإخفاء مشاعري الحقيقية. سماعكِ تقولين ذلك يجعلني مفعما بالبهجة لدرجة الرغبة في الرقص!» «فهمت». أعطت إيماءةً غير مقتنعة. ربما ظنت أن لدي دوافع خفية. «حسنًا، على أي حال… أراراغي، هل هناك أي شيء تريدني أن أفعله لأجلك؟ مهما كان، لمرة واحدة فقط». «…أ-أي شيء؟» «أي شيء». «أوه…» فتاة في صفي أبلغتني للتو أنها مستعدة لفعل أي شيء أطلبه… شعرتُ فجأة أنني حققت إنجازًا عظيمًا حقًا! ………… لكنها كانت تعي ما تقوله جيدًا. «أي شيء حقًا». أكّدت. «أي أمنية واحدة تريدها سأحققها لك؛ سواء كانت السيطرة على العالم، أو الخلود، أو هزيمة السايان القادمين إلى الأرض». «هل تخبرينني أنكِ أقوى من “شينرون”؟!» «بالطبع أنا كذلك». قالتها بصلابة! «لكن لا تخلط بيني وبين خائن يصبح عدوًا في النهاية بعد أن يكون بلا فائدة في أوقات الشدة… حقًا، أفضّل أن تطلب مني أمنيات ذات طابع شخصي، فهي أسهل للتنفيذ في النهاية». «أتخيل ذلك…» «لكن يبدو أنك تجد صعوبة في ابتكار شيء بعد أن وُضعت في هذا الموقف فجأة يا أراراغي؟ في هذه الحالة، يمكننا دائمًا اللجوء إلى الأمنية القياسية في مثل هذه المواقف: أن تطلب مئة أمنية بدلاً من أمنية واحدة». «…هاه؟ مهلاً، هل هذا مسموح هنا؟» كان ذلك أحد أكثر المحرمات المُنكَرَة في هذا النوع من المواقف، وكان سيتطلب مني وقاحةً فائقة لمجرد المحاولة. وهي من اقترحها بنفسها! سيكون ذلك بمثابة تعهد بالطاعة المطلقة لي. «أرجوك، مهما كان الطلب. سأبذل قصارى جهدي لتحقيقه؛ هناك أشياء كثيرة قد تروق لك، مثل أن أنهي كل جملي بالمواء لمدة أسبوع، أو أذهب إلى المدرسة دون ملابس داخلية لمدة أسبوع، أو آتي لإيقاظك كل صباح ولا أرتدي سوى مئزر المطبخ لمدة أسبوع، أو أساعدك في استخدام الحقن الشرجية لاتباع حمية غذائية لمدة أسبوع». «هل هذا هو نوع المنحرفين الذي تظنينني عليه؟! هذه وقاحة!» «حسنًا… همم، أنا آسفة، لكنني لا أظن أنني أستطيع فعل أي من هذا لبقية حياتي…» «لا! لا، لا، لا! لستُ غاضبًا لأنكِ ظننتِ أنني أقل انحرافًا مما أنا عليه، بل العكس تمامًا!» «أهذا صحيح؟» قالت سينجوغاهارا بتكلف. كانت تسخر مني بوضوح… «وانتظري يا سينجوغاهارا… هل تقولين إنكِ مستعدة حقًا للمضي قدمًا في أي من تلك الطلبات لو كانت لمدة أسبوع فقط؟» «أنا مستعدة، نعم». «…………» حسنًا، لا داعي لأن تكوني كذلك، فكرتُ في نفسي. «لمعلوماتك، توصيتي الشخصية هي مئزر المطبخ لمدة أسبوع. أنا لستُ مجرد شخص يستيقظ مبكرًا، بل أستيقظ بكامل نشاطي كل يوم، لذا أنا مستعدة لتحضير الفطور لك وأنا أرتديه. أليس رؤية فتاة تفعل ذلك من الخلف يُعد أحد أعظم الخيالات الذكورية؟» «مهلاً، لا تتحدثي عن “الخيالات الذكورية” بهذه السهولة! إنها أسمى من ذلك بكثير! ثم إن فعلتِ ذلك في بيتي والناس موجودون، فستتمزق عائلتي أسرع من هبوب رياح عاصفة!» «تجعل الأمر يبدو وكأنه لن يكون مشكلة لو لم تكن عائلتك موجودة. حسنًا إذن، هل تود الإقامة في منزلي لمدة أسبوع؟ أفترض أن النتيجة النهائية ستكون هي نفسها على أي حال». «اسمعي يا سينجوغاهارا». قلتُ هذه المرة بنبرةٍ حازمة وصارمة. «حتى لو توصلنا بطريقة ما إلى اتفاق من هذا النوع، لا أظن أنه سيكون بإمكاننا البقاء أصدقاء بعده». «أوه… الآن وقد ذكرتَ ذلك، أنت محق. نعم، بالطبع. في هذه الحالة، لا طلبات منحرفة». بالطبع لا! انتظر… هل كانت سينجوغاهارا تعتبر إنهاء جملها بالمواء طلبًا منحرفا؟! لديها ميول واهتمامات غريبة جدًا رغم مظهرها الرزين! «أعرف أنك لن تطلب مني شيئًا منحرفا على أي حال». «أوه، أنتِ تثقين بي حقًا إذن؟» «أنت بتول في النهاية». «…………» أظنني أخبرتها بذلك بالفعل… في الواقع، الأسبوع الماضي فقط. «من المريح والسهل أن تتعامل مع شخص بتول؛ فهم لا يطلبون الكثير أبداً». «همم… انتظري لحظة يا سينجوغاهارا. أنتِ ترددين كلامًا عن العذارى منذ المرة السابقة، لكن ليس وكأن لديكِ أي خبرة بنفسك، أليس كذلك؟ لذا من الصعب تقبل أي شيء تقولينه بخصوص هذا الموضوع…» «عن ماذا تتحدث؟ لدي خبرة». «لديكِ؟» «أمارس الجنس في كل مكان». قالتها سينجوغاهارا بلا مبالاة عابرة. كل ما كان يهمها هو مناقضة كل كلمة أقولها، كما يبدو… و “في كل مكان”؟! حقًا؟! «آه، لا أعرف كيف يفترض بي الرد على ذلك، لكن حتى لو افترضنا جدليةً أن ذلك صحيح بطريقة ما، فماذا ستكسبين من إخباري بهذه الحقيقة يا سينجوغاهارا؟» «…همم». تمتمتْ، دون أن تخلو ملامحها من احمرار خفيف. لكنني أنا من كان يحمر خجلاً، لا هي! هذه المحادثة كانت تتجاوز الحدود الخطرة بأسلوب مرعب. «حسنًا، لا بأس… اسمح لي بالتصحيح». قالت سينجوغاهارا أخيرًا. «ليست لدي أي خبرة. أنا عذراء». «…حسنًا». كانت تعترف لي، لكن ليس بالطريقة التي تخيلتها إطلاقًا. مع أنها أجبرتني على قول الشيء نفسه في ذلك اليوم، لذا تقنيًا، نحن متعادلان الآن. «بعبارة أخرى!» ثم مدت سينجوغاهارا إصبعها السبابة نحوي وبدأت بالصراخ بصوتٍ ربما تجاوب صداه في الحديقة كلها: «النوع الوحيد من الفتيات الذي قد يتحدث مع فاشل بتول بائس مثلك، هي عانس مجنونة مثلي!» «…………!» إذن… إذن كانت مستعدة حتى لإذلال نفسها إذا كان ذلك يعني توجيه المزيد من الإهانات اللفظية لي! لم أعرف أيهما يجدر بي فعله: أن أرفع لها القبعة احترامًا، أم ألوح براية بيضاء استسلامًا… كنتُ مستعدًا للاستسلام دون قيد أو شرط! بالطبع، لم يكن هناك داعٍ للتعمق في هذا الموضوع بعد أن عرفتُ عن عقيدتها المتطرفة بخصوص العفة بطريقة مؤلمة في الأسبوع السابق. بالنسبة لها، لم تكن تلك مسألة شخصية بل حالة مرضية. «لقد انحرفنا عن المسار». قلتُ. عادت سينجوغاهارا للتحدث معي بصوتٍ هادئ مرة أخرى. «حقًا، ألا يوجد شيء يا أراراغي؟ شيء يزعجك ولو على مستوى بسيط؟» «شيء يزعجني، هاه؟» «لستُ جيدةً جدًا في استخدام الكلمات، لذا يصعب عليَّ التعبير جيدًا، لكنني حقًا أريد مساعدتك». لم أكن واثقًا من جزئية “لستُ جيدة في استخدام الكلمات” تلك؛ بل إن براعتها المفرطة في استخدامها هي أصل المشكلة! لكن مع ذلك… هيتاغي سينجوغاهارا لم تكن شخصًا سيئًا في جوهرها. لذا، حتى لو لم يكن الأمر محظورًا، فسأجد صعوبةً في توجيه أي طلب غير محتشم نحوها. «على سبيل المثال». عرضتْ. «ربما تريدني أن أعلمك كيف تتغلب على كونك انطوائيًا منعزلاً». «كيف أكون انطوائيًا منعزلاً؟! في أي عالم يمتلك المنعزل دراجة جبلية؟!» «لا تدري، قد يكون هناك واحد. لن أسمح لك بالتمييز ضد المنعزلين يا أراراغي؛ فهم على الأرجح ينزعون العجلات ثم يواصلون الضغط على الدواسات داخل غرفتهم أو ما شابه». «تلك تُسمى دراجة تمارين رياضية!» يا له من منعزل مفعم بالصحة والنشاط لو كان كذلك! لكن نعم، ربما هم موجودون بالفعل. «على أي حال، من الصعب ابتكار شيء يزعجني في التو واللحظة». «نعم، أرى ذلك. ليس لديك أي خصلة شعر منكوشة اليوم على كل حال». «هل تقولين إن المشاكل الوحيدة التي يُفترض بي التعامل معها هي أشياء تافهة كالشعر الفوضوي؟!» «من أين أتيت بهذه الاستنتاجات؟ لم أعرف أن لديك عقدة اضطهاد جارفة إلى هذا الحد. أنت تقرأ بين السطور أكثر من اللازم يا أراراغي، أتعرف ذلك؟» «ماذا كان يمكن أن تقصدي غير ذلك؟!» تبًا… كانت كوردةٍ جميع بتلاتها مصنوعة من الأشواك! «كان بإمكاني مساعدتك في مشاكل أخرى، كأن تكون هناك فتاة في صفك لطيفة مع الجميع باستثنائك أنت تحديدًا». «الموضوع التالي فمًا!» شعرتُ أن المحادثة ستستمر هكذا إلى الأبد ما لم أجبر نفسي على ابتكار شيءٍ ما. آخ… حقًا. «شيء يزعجني تقولين… حسنًا، إذا كان عليَّ ابتكار شيء، فقد لا يرتقي لمستوى “مشكلة”، لكن…» «أوه، إذن لديك شيء». «بالتأكيد، بالطبع لدي». «ما هو؟ أخبرني بسرعة». «أنتِ تتجهين مباشرةً نحو الهدف دون مقدمات، أليس كذلك؟» «بالطبع، فهذه لحظة الحقيقة التي سأعرف فيها إن كنتُ أستطيع رد الجميل لك يا أراراغي. أم أن هذا شيء محرج يمنعك من التحدث عنه؟» «لا، ليس كذلك حقًا». «إذن دعني أسمعه. مجرد التحدث عنه سيجعلك تشعر بتحسن… أو هكذا يقولون». ………… لا أعلم، لم يكن الكلام مقنعًا بالمرة وهو يصدر من شخص كتم أسراره طوال حياته مثلها. «همم… تشاجرتُ مع أخواتي». «…أنا متشككة قليلًا في قدرتي على مساعدتك في أمرٍ كهذا». سريعة الاستسلام كالعادة! لم تسمع حتى التفاصيل… «لكن واصل». قالت. «من الأفضل أن تخبرني القصة كاملة». «من الأفضل؟» «حسنًا، أخبرني القصة كاملة، في الوقت الحالي». «هل كانت إعادة الصياغة تلك تستحق العناء؟» «الوقت يمر، تحدث». «…حسنًا، آه، بالتأكيد». كنتُ قد قلتُ للتو إن هذه الكلمات محظورة، لكن… كان عليَّ استخدامها نظراً للاتجاه الذي أخذتنا إليه المحادثة. «اليوم عيد الأم، صحيح؟» سألتُها. «هاه؟ أوه، أظن ذلك، الآن وقد ذكرتَ الأمر». ردت سينجوغاهارا بطبيعية تامة. أظنني كنتُ مفرط الحساسية بلا داعٍ في النهاية، مما يعني أن كل ما تبقى كان مشكلتي الخاصة فحسب. «إذن، مع أيٍّ من أخواتك تشاجرت؟ لديك أختان أصغر منك، صحيح؟» «صحيح، أظنكِ تعرفين ذلك. إذا كان عليَّ اختيار واحدة، فستكون الكبرى… لكنني تشاجرتُ مع الاثنين أساسًا. إنهما لا تنفصلان أينما كانتا أو مهما كانتا تفعلان». «إنهما “أختا النار” الشهيرتان في مدرسة تسوغانوكي الإعدادية الثانية في النهاية». «تعرفين لقبهما؟» شيء في ذلك أزعجني… وإن لم يكن بقدر حقيقة أن لأختَيَّ لقباً شائعاً كهذا. «كلتاهما مقربتان من أمنا أيضًا… وهي تعاملهما كحيوانين أليفين مفضلين. لذا…» «فهمت». قاطعتني سينجوغاهارا وكأنها فهمت الموقف برمته الآن، كادت أن تقول إنني لستُ بحاجة لإكمال فكرتي. «إذن أنت، الابن الأكبر للعائلة، تشعر أنه لا مكان لك في المنزل اليوم في عيد الأم، كونك الفاشل الذي أنت عليه». «…هذا صحيح». بينما ربما اعتبرت سينجوغاهارا كلمة “الفاشل” امتدادًا لترسانتها القياسية من الإهانات اللفظية، كانت للأسف الحقيقة الصارخة دون أي مبالغة. لم يكن لدي خيار سوى الموافقة. كان من المبالغة القول إنه لا مكان لي في المنزل، لكنني لم أكن لأستطيع القول أيضاً إن البيت يرحب بي الآن. «ولهذا قمت بجولتك حتى وصلت إلى هنا. همف. لا أفهم رغم ذلك؛ لماذا يدفعك ذلك للشجار مع أخواتك؟» «حاولتُ التسلل خارج المنزل في الصباح الباكر، لكن أختَيَّ أمسكتا بي وأنا أحاول ركوب دراجتي الجبلية، ثم تجادلنا». «تجادلتما؟» «أرادتا مني قضاء عيد الأم مع العائلة جميعًا… لكنني شعرتُ بداخلني أنني لا أستطيع فعل ذلك». «”لا أستطيع”، تقول “لا أستطيع”؟» كررت سينجوغاهارا بأسلوب يحمل معنًى خفيًا. ربما كانت تحاول توجيه رسالة لي، من قبيل: “يا لها من مشكلة رفاهية تافهة”. سينجوغاهارا تعيش وحدها مع والدها… لذا ستبدو الأمور هكذا حتمًا من منظورها. «كثيرات منا نحن الفتيات نبدأ في كره آبائنا عند دخول المرحلة الإعدادية… هل الأولاد هكذا مع أمهاتهم؟» «إيه… ليس الأمر أنني لا أحبها، أو أنني أكرهها، لكنني أشعر بالحرج بوجودها، وعندما أكون حول أختَيَّ أشعر بالشيء نفسه تقريبًا…» …أتعرف يا كويومي، لهذا السبب… لهذا السبب لن… «…لكن أتعلمين يا سينجوغاهارا، ليست هذه هي المشكلة الحقيقية هنا. ليس الشجار مع أختَيَّ، ولا عيد الأم، فليست التفاصيل هي ما يزعجني… هذه الأشياء تميل للحدوث في أي يوم خاص. الأمر فقط…» «الأمر فقط ماذا؟» «ما أحاول قوله هو أنه بغض النظر عن الظروف، لستُ قادرًا على إجبار نفسي على الاحتفال بعيد الأم، وأنا أنزعج بصدق من شيء قالته أختي التي تصغرني بأربع سنوات، و… لا أعرف، أنا منزعج جدًا من مدى تفاهتي لدرجة لا أستطيع معها التحمل!» «هاه… يا لها من مشكلة معقدة». قالت سينجوغاهارا. «لقد درتَ بالكامل وحولتها إلى مشكلة ميتا؛ كمسألة من جاء أولاً: الدجاجة أم الكتكوت؟» «الكتكوت بالطبع!» «أهذا صحيح؟» «ليست مشكلة معقدة، بل تافهة، هذا كل شيء. يا لشفقتي، أنا شخص تافه. لكن مع ذلك، لا أريد العودة إلى المنزل عندما أفكر في أنني سأضطر للاعتذار من أختي الصغيرة. أكاد أرغب في العيش هنا في هذه الحديقة لبقية حياتي!» «لا تريد العودة إلى المنزل، هاه؟» تنهدت سينجوغاهارا. «للأسف، إصلاح تفاهتكَ يتجاوز حدود قدراتي…» «…ألا يمكنكِ على الأقل المحاولة؟!» «بوضوح شديد، إصلاح تفاهتكَ يتجاوز قدراتي…» «…………» حتى لو كان الأمر واضحًا، زادني كآبةً أن أسمعها تقوله بطريقةٍ مقتضبة وجازمة. بالطبع، لم يكن هذا موضوعًا جادًا بما يكفي للاكتئاب بسببه، لكن درجة سطحيته تحديدًا هي ما جعلتني أشعر بضآلةٍ خادشة للكرامة. «أشعر أنني شخص بائس. لو كان عليَّ أن أحمل همومًا، لتمنيتُ لو كانت على الأقل متعلقة بالسلام العالمي أو كيفية جلب السعادة للبشرية. لكن بدلاً من ذلك، همومي تتلخص في هذا الشيء التافه… هذا ما لا أطيق تحمله». «تافه…» «ربما “مثير للشفقة” كلمة أنسب. إنه الشعور نفسه لو أنك تشتري تذكرة يانصيب في كل مرة، وكل ما تفوز به هو تذكرة مجانية أخرى!» «لا ينبغي لك أن تحط من قدر ما يجعلك ساحرًا يا أراراغي». «ساحر؟! سحري يكمن في القدرة على الفوز بتذاكر يانصيب مجانية؟!» «أنا أمزح. عندما أفكر في كم أنت مثير للشفقة، ليست هذه هي الطريقة التي سأصفك بها». «لن أفوز بأي شيء قيّم أبدًا مهما اشتريتُ من التذاكر؟» «هل تمزح؟ سيكون ذلك مثيرًا للإعجاب بطريقته الخاصة! عندما أفكر في مدى إثارتك للشفقة يا أراراغي…» حرصت سينجوغاهارا على الانتظار بضع لحظات لإعطاء وزن إضافي لما ستقوله. «فأنت من ذلك النوع المثير للشفقة الذي يفوز بالجائزة الكبرى ويُسارع لإخبار كل أصدقائه عنها، ليكتشف لاحقًا أنها مجرد مبلغ رمزي لا يذكر!» مضغتُ الكلمات وهضمتُها ببطء… «يا إلهي، كم هذا مثير للشفقة حقًا!» صرختُ. كان ذلك أقصى درجات البؤس… وقد ابتكرت ذلك التشبيه في التو واللحظة! امرأة مخيفة كالعادة… بل أكثر من أي وقت مضى. «بعيدًا عن أمك الآن، فجزء الشجار مع أختك يبدو تافهًا حقًا. كنتُ أظنك من نوع الإخوة الذين يدللون أخواتهم الصغيرات». «كل ما نفعله هو الشجار». قلتُ. واليوم… كان سيئًا بشكل خاص، لأنه لم يكن يومًا عاديًا من أيام الأسبوع. «إذن بدلاً من أن تجدهما لطيفتين، يقتصر الأمر على التذمر؟» «لا يوجد شيء يدعو للتذمر في أخواتي!» «أم هل يمكن أن يكون هذا الوجه الآخر للحب؟ هل تملك مشاعر خاصة تجاه أخواتك يا أراراغي؟» «لا! فكرة الوقوع في حب الأخت الصغرى هي وهم يحمله من لا يملكون أخوات صغيرات في الواقع. هذا لن يحدث أبدًا في الحياة الحقيقية». «واو يا أراراغي… من القبيح جدًا أن تتصرف بفوقية لمجرد أنهم لا يملكون شيئًا تملكه أنت». ………… ما الذي كانت تحاول قوله حتى؟! «أتعرف، مثل أولئك الذين يقولون: “أوه، المال ليس مهمًا”، أو “ليتني لم أحصل على حبيبة قط!”، أو “لا يهم أي مدرسة درست فيها”… ألا تكره هؤلاء المتغطرسين؟» «امتلاك أخت صغيرة مختلف قليلًا عن تلك الأمثلة…» «فهمت. إذن أنت لستَ مهتمًا عاطفيًا بأخواتك الصغيرات؟ لن تقع في حبهن أبدًا؟» «كيف يمكنني ذلك؟!» «صحيح، أظنك تبدو لي أقرب لمهووس بـ “زواج السورورات”». زواج السورورات (Sororate)؟ كانت تلك كلمة لم أسمع بها من قبل. «أتعرف زواج السورورات؟ إنه الزواج القائم على الشقيقة؛ حيث تموت زوجة الرجل فيتزوج أختها». «…أنا مندهش كالعادة من ثروتكِ الهائلة من المعرفة، لكن لماذا سأكون مهووسًا بسورو-أيًا كان؟!» «لديك أخوات صغيرات، لا كبيرات. أراهن أنك ستجعل فتاة لا تربطك بها صلة تناديك “أخي الكبير”، كأخ زوجة، قبل أن تتزوجها… وتجعلها تناديك “أخي الكبير” حتى بعد أن تصبحا زوجًا وزوجة. هذا هو التجسيد الحقيقي والواقعي لـ…» «أراهن أنني قتلتُ زوجتي الأصلية في هذه المأساة أيضاً!» تفاعلتُ مع كلماتها قبل أن تنهي جملتها، وهو خرقٌ صريح لآداب دور المعقب (Manzai) التقليدي. «على أي حال، يا مهووس السورورات…» «نادني محب أخوات، من فضلك!» «قلتَ إنك لن تقع في حب أخواتك البيولوجيات». «لم أقل إنني سأفعل ذلك مع أخت زوجتي المستقبلية!» «إذن ستقع في حب “حبيبة بالقرابة”». «مجددًا… مهلاً، ماذا؟ هل يمكن أن يكون هناك شيء اسمه “حبيبة بالقرابة”؟!» ما هذا بحق الجحيم؟! عندما فكرتُ في الأمر أكثر، بدا منطقيًا بطريقة ما… لكن في هذه الحالة، ماذا تعني “حبيبة بيولوجية”؟… لا، كنتُ أبتعد كثيرًا عن المسار الرئيسي! «أنت فعلًا شخص تافه إذا كنتَ تنفعل بسبب بضع ملاحظات عابرة كهذه». قالت سينجوغاهارا. «ملاحظاتكِ ليست عابرة إطلاقًا!» «كنتُ أختبرك فحسب». «لماذا تختبرينني؟! وانتظري، هل يعني ذلك أنكِ تكبحين نفسكِ الآن؟!» «لو أطلقتُ العنان لكامل قواي، فسأتحول». «تتحولين؟! واو، الآن أريد رؤية هذا!» حسنًا، جزء مني أراد ذلك، وجزء آخر ارتعد خوفًا… زفرت سينجوغاهارا وبدت شاردة. «أنت شخصٌ ضئيل جدًا مقارنةً بحجم ردود أفعالك المبالغ فيها. أتساءل إن كان هناك ارتباط شرطي بين الأمرين. لكنني لن أتخلى عنك يا أراراغي، مهما كنتَ ضئيلًا. أعدك بأن أكون بجانبك في كل خطوة تافهة تخطوها». «أنتِ وطعناتكِ المبطنة هذه…» «سأكون دائمًا بجانبك؛ من جبال الغرب إلى محيطات الشرق، بل حتى إلى أعمق دركات الجحيم إذا لزم الأمر». «…أتعلمين، هذا السطر قد يظهركِ في ضوءٍ برّاق، لكن ماذا يقول عني أنا؟!؟» «إذن، هل هناك أي شيء يزعجك لا يتعلق بتفاهتك الذاتية؟» «…………» هل كانت تكرهني أم ماذا؟ هل أنا ضحية تنمر شديد هنا؟ بدأتُ أتمنى لو كانت لدي عقدة اضطهاد بالفعل! «لا شيء على وجه الخصوص…» قلتُ. «وليس هناك شيء ترغب فيه أيضًا… همم…» «أتساءل أي نوع من الإهانات سترمينها عليّ بعد ذلك». «من المدهش كم أنت شخص واسع الأفق ومتقبل للآخرين». «مديح كاذب إن سمعتُ بمثله قط!» «إنه “خرافي” يا أراراغي». «كما قلتُ للتو… ماذا كان ذلك؟ نوع من إعلانات الصودا؟» «إنه مزيج بين “خيالي” و”خرافي”. ألم تسمع بهذه الكلمة المستحدثة من قبل؟» «لا… ولا بد أنكِ تخططين لشيء ما لتذهبي إلى حد نبش كلمة مستحدثة ماتت منذ أجيال لمجرد مدحي!» ومن بين كل الصفات اختارت “واسع الأفق”… في الوقت الذي كنتُ أحدثها فيه عن مدى تفاهتي! «فكرتُ فقط في أن أضرب ضربتي الأولى. كنتُ خائفة أن تقول لي “يُحظر توجيه الإهانات لمدة أسبوع” أو شيء من هذا القبيل». «وكأنكِ ستستطيعين الالتزام بذلك حقًا!» سخرتُ. سيكون ذلك بمثابة التطلب منها التوقف عن التنفس، أو حظر قلبها عن الخفقان. وإذا تجردت سينجوغاهارا من إهاناتها—حتى لأسبوع واحد—فلن تعود سينجوغاهارا. ولن يكون الأمر ممتعًا لي أيضًا… مهلاً، منذ متى تحولتُ إلى ذلك النوع من الشخصيات التي تعتمد على إهانات سينجوغاهارا للاستمرار في الحياة؟! هذا المنزلق يزداد خطورة… «حسنًا إذن… رغم أنه كان أمرًا يصدم المشاعر أن أراكَ مفلسًا تمامًا بلا أفكار في اللحظة التي حظرتُ فيها الطلبات الإيروتيكية». «قد يكون ذلك صحيحًا، لكن لم تكن لدي أي أفكار حتى قبل حظرها!» «حسنًا يا أراراغي، فهمت. إذن سأسمح بها، طالما أنها جنسية باعتدال. باسمي، أسمح لك بموجب هذا بإطلاق العنان لرغباتك الدفينة». «…………» هل كانت تريدني حقًا أن أفعل؟! عظيم، الآن أصبحتُ أشعر بوعي ذاتي مفرط ومربك. كان هذا يسبب لي الدوار! «حقًا ليس لديك أي شيء؟ لا تريدني أن أساعدك في واجباتك المنزلية؟» «لقد تخليتُ عن الواجبات بالفعل، كل ما يهمني هو أن أستطيع التخرج». «إذن ماذا عن ضمان قدرتك على التخرج؟» «سأفعل ذلك بجهدي إذا تقدمتُ بشكل طبيعي!» «إذن ماذا عن ضمان قدرتك على التقدم بشكل طبيعي؟» «أنتِ تفتعلين شجارًا معي الآن، أليس كذلك؟! أليس كذلك؟!» «إذن ماذا عن، لنقل…» صنعت سينجوغاهارا مشهدًا من الانتظار؛ صمتت برهةً محسوبة، وضبطت التوقيت بدقة، قبل أن تكمل: «أن تكون لديك حبيبة؟» «…………» هل كانت هذه… حالة أخرى من الوعي الذاتي المفرط؟ بدا أنها عبارة محملة بمعانٍ عميقة. «وماذا سيحدث… إذا قلتُ نعم؟» «ستحصل على حبيبة». ردت ببرود الجليد. «هذا كل شيء». جلستُ هناك في صمت. نعم… لو أردتُ، فهذا قطعًا من نوع السطور التي يمكنك القراءة بين كلماتها. لأكون صادقًا، لم تكن لدي أدنى فكرة عن نوع الموقف الذي أقحمتُ نفسي فيه… لكن بدا لي من الخطأ التسلل واستغلال شخص يحمل لك مشاعر الامتنان، بغض النظر عما حدث وكيف. دعك من الأخلاق والقيم، لم يكن التصرف يستقيم مع ضميري. حبيبة بالقرابة… هاه؟ بدأ ما قاله أوشينو يستقر في عقلي ويزداد وضوحًا: أنت تُخلص نفسك بنفسك فحسب. من منظور أوشينو، ما فعلتُه لسينجوغاهارا، ولرئيسة الفصل، ولتلك المرأة خلال عطلة الربيع… للفيلم الشيطاني… قد يبدو نبيلاً، لكنه لم يكن المسار الصحيح. لم يحل مشاكل سينجوغاهارا أحدٌ غيرها؛ تفكيرها الصادق مع نفسها هو ما أنقذها. بهذا المعنى… سيكون استغلال الامتنان أمرًا غير لائق، مهما كان الطلب. لذا… «لا، لا شيء من هذا القبيل أيضًا، حقًا». قلتُ. «همف. فهمت». حتى لو كان هناك معنى أعمق مخفي خلف ما قالته، فقد عاد ليغرق في المجهول مجددًا، بينما نطقت سينجوغاهارا بتلك الكلمات الخالية من المشاعر. «اشتري لي علبة صودا في المرة القادمة أو شيء من هذا القبيل، وسنعتبر الأمر متعادلاً». «فهمت. زاهدٌ خالي الغرض… أنت واسع الأفق حقًا». قالت، وكأنها تربط أطراف الحديث ببعضها. لا بد أنها كانت طريقتها المبطنة للإشارة إلى أنها أنهت النقاش في هذا الموضوع تمامًا. إذن.
وهناك رأيت فتاة.
فتاة تحمل حقيبة ظهر كبيرة.
وهناك رأيت فتاة.
قررت أن ألتفت بوجهي للأمام. شعرت أنني كنت أنظر إلى وجه سينجوغاهارا لفترة طويلة، لذا ركزت على شيء آخر، سواء عن قصد أو بسبب الإحراج… وهناك.
فتاة تحمل حقيبة ظهر كبيرة.
